إن أفضل وصف للمرحلة الثانية من العملية الانتقالية السياسية التي تشهدها تونس منذ انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي جرت في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 هو أنها خطيرة. فقد بات العنف السياسي في البلاد ينذر بالخطر بصورة متزايدة. ومع ذلك، وضعت حكومة الترويكا الثانية بقيادة السيد علي العريض نصب عينيها، منذ تشكيلها في 8 آذار/مارس 2013، مهمة مواصلة عملية الإصلاح وضمان توفير الظروف المواتية لإجراء الانتخابات التي ستعقد قبل نهاية العام الجاري.
 
حظيت مبادرات الحوار الوطني التي أطلقها اتحاد نقابات العمال، ومن ثم رئاسة الجمهورية، بدعم من غالبية الطبقة السياسية. وقد تم إحراز تقدّم حقيقي، وكاد الإجماع يتحقّق لولا عمليات الرفض والانسحاب، التي تمت في اللحظة الأخيرة، ذات الصلة بمشروع الدستور الذي أثار الكثير من الجدل. وفي محاولة لتجاوز العراقيل والمضيّ قُدُماً، تم إنشاء لجنة لتسوية الخلافات داخل المجلس الوطني التأسيسي.
 
محمد كرّو

باحث غير مقيم
مركز كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث
وقد شكّلت عملية الاغتيال السياسي للزعيم المعارض وعضو المجلس الوطني التأسيسي محمد براهمي يوم 25 تموز/يوليو، ضربة قاصمة لعملية الحوار الوطني. وتفاقمت الأزمة السياسية والأمنية أكثر بسبب المذبحة التي قتلت فيها مجموعة من ثمانية جنود بجبل الشعانبي على الحدود مع الجزائر.
 
قبيل ساعة واحدة فقط من وقوع المجزرة، كان رئيس الوزراء قد ألقى خطاباً قدّم فيه ضمانات حول الوضع الأمني. كما حذّر من أنه سيتعامل بحزم مع حركة الاحتجاج المتنامية المناهضة للحكومة التي شجّعتها الاحتجاجات الواسعة المناهضة لمرسي في مصر. وكان الشباب التونسيون أطلقوا حركة "تمرّد" مماثلة لتلك التي تم إنشاؤها في مصر، وبدأت المعارضة بالحديث عن "نهاية الإسلام السياسي". كافح حزب النهضة وحلفاؤه داخل الترويكا للتعامل مع الأزمة قائلين إن حكومتهم لا تشاطر الحكومة المصرية إخفاقاتها وإن سيناريو الانقلاب العسكري المصري أمر مستبعد جداً في تونس.
 
بعد تشييع جنازة محمد براهمي توجّه حشد ضخم نحو مقرّ المجلس الوطني التأسيسي في باردو حيث يجري اعتصام منذ ذلك الحين للمطالبة بحل المجلس التأسيسي واستقالة الحكومة. وانضم إلى المحتجين العديد من المسؤولين المنتخبين الذين علّقوا مشاركتهم في اجتماعات المجلس في الوقت الحاضر، (60 عضو من أصل 217)، فضلاً عن محامين وفنانين واساتذة أما قرار المشاركين في الاحتجاج الذي يطلق عليه الآن اسم "اعتصام الرحيل" فهو البقاء في أماكنهم إلى أن يتم حلّ المجلس الوطني التأسيسي.
 
سرعان ما فتحت الحملة التي نفذتها قوات الشرطة في البداية ضد كل المتظاهرين، بمن فيهم المسؤولون المنتخبون، الطريق أمام استراتيجية لمحاولة إدارة أمن الساحة العامة الواقعة أمام قصر باردو حيث يوجد مقرّ المجلس الوطني التأسيسي. فقد قام الجيش بتثبيت الأسلاك الشائكة في وسط الساحة لمنع وصول الثائرين إلى مقرّ المجلس والفصل بينهم وبين أنصار حركة النهضة في الجانب الآخر من الساحة.
 
أدّى هذا الاستقطاب المكاني والسياسي للفضاء العام إلى تفاقم التوتّرات بين المعسكرين أي العلمانيين والإسلاميين. يحدث هذا في خضمّ التهديدات الإرهابية التي تجسّدت واقعاً على الأرض، وفي سياق الحداد الوطني الذي أعلنته السلطات، وانفجار قنبلتين محليتي الصنع في ضواحي تونس العاصمة، في حلق الوادي والمحمدية. وقد تعرّض جبل الشعانبي نفسه لإطلاق النار بعدما تدخّل الجيش لمطاردة مجموعات من الإرهابيين الجهاديين وقصف مواقعهم.

هل تستسلم تونس للأزمة والإرهاب والحرب الأهلية؟

خلافاً لما حدث في مصر، لازال تأثير أنصار حركة "تمرّد" محدوداً، في الوقت الراهن، ولازال الجيش محايداً من الناحية السياسية. وقد أخذت المعارضة السياسية المؤسسية زمام المبادرة في سياق محاولتها الإبقاء على المعارضة موحّدة وسلمية، وهي تسعى إلى ترسيخ ما يشار إليه على أنه "اتحاد مقدس". هذا الاتحاد قائم بين اثنين من الأحزاب الرئيسة المعارضة هما حزب "نداء تونس" وحزب "الجبهة الشعبية" من جهة، وبين اثنتين من المنظمات الرئيسة التي تمثّل المجتمع المدني، هما "اتحاد نقابات العمال" و"جمعية أصحاب العمل"، من جهة أخرى.
 
داخل البلاد، في المدن المهمّشة على صعيد التنمية والتي تشعر بخيبة أمل بسبب عدم الوفاء بالوعود من جانب السياسيين والقادة الجدد، تفقد السلطة المركزية قوتها في مواجهة تصاعد حركة الاحتجاج وتشكيل "لجان إقليمية لـ "جبهة الخلاص الوطني"، حيث حلّت هذه اللجان محلّ السلطات المحلية في بعض المدن. وهكذا، تم طرد المحافظ في سيدي بوزيد، مهد الثورة ومسقط رأس الراحل محمد براهمي، وتم إحراق مقرّ حزب النهضة، وتتولّى إدارة شؤون المدينة الآن لجنة من الشباب. وتسود حالة مماثلة في القيروان، وهي بلدة تعرف بكونها معقل الإسلام والسلفية، فضلاً عن مدن أخرى مثل صفاقس وسوسة وسليانة وقفصة وقابس وجندوبة.
 
على خلفية المطالب الملحّة لهذه المناطق التي تحوّلت جزئياً إلى عصيان مدني، وفي كثير من الحالات التي توجد فيها معارضة أكثر راديكالية من التيار الرئيس للمعارضة، تمسّكت حركة النهضة بموقفها ورفضت تقديم تنازلات ودافعت عن شرعيتها الانتخابية وحقها في الحكم. ومع ذلك، فقد قبلت النهضة على ما يبدو فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم جميع الاتجاهات السياسية. من جانبها دعت المعارضة لتشكيل حكومة إنقاذ وطني مكونة من التكنوقراط فقط. وقد أعربت المعارضة عن استعدادها ليس لحل المجلس الوطني التأسيسي ولكن لتقليص مدة تفويضه، وأن تُوكَل عملية صياغة الدستور إلى لجنة من الخبراء.
 
لكي يتم الخروج من الأزمة السياسية والأمنية الراهنة ودرء شبح الحرب الأهلية، يجب على الحكومة والأحزاب الرئيسة في المعارضة المضيّ قُدُماً في تشكيل حكومة شاملة جديدة، واستئناف جلسات الحوار الوطني، واستكمال صياغة الدستور. وإذا لم تعمل القوى الرئيسة في الساحة السياسية معاً، الإسلاميون والعلمانيون على حدّ سواء، لايجاد وسيلة للخروج من الأزمة الحالية، فقد تقع البلاد فريسة لتوجّهات أكثر تطرّفاً وذات طابع استئصالي. فقد قطعت تونس شوطاً طويلاً منذ الأيام الأولى للثورة، ولذا ينبغي تعزيز هذه المكاسب وعدم تركها نهباً للانقسام والتطرف.