تواجه جماعة الإخوان المسلمين في مصر خياراً صعباً، لكنه حاسم، حول طبيعة الدور الذي ستحاول أن تلعبه في مستقبل مصر السياسي. فالتنظيم يترنّح بسبب التغيير المذهل في السلطة الذي شهده هذا الصيف، عندما دفعت الاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد إخفاقات الحكم الخطيرة للحكومة التي كان يقودها الرئيس آنذاك محمد مرسي، وهو شخصية بارزة في جماعة الإخوان، الجيش المصري إلى اسقاط مرسي وتعيين حكومة مؤقتة. ومنذ ذلك الحين، أردت السلطات الجديدة أكثر من 1000 من عناصر الإخوان، ووجهت تهماً جنائية ضد مرسي، وسجنت معظم من تبقى من القيادات البارزة للجماعة. لكن، على الرغم من كونها تخضع إلى حصار سياسي، لاتزال جماعة الإخوان تمثّل طرفاً فاعلاً كبيراً في مصر. وسيكون للدور الذي تقرّر الجماعة أن تلعبه تأثير كبير على المسار السياسي الجديد في مصر والذي لايزال ملتبساً إلى حدّ كبير.

منذ إقصاء مرسي من السلطة في تموز/يوليوالماضي، كانت جماعة الإخوان متردّدة في الاعتراف بالهزيمة. فقد نظّمت سلسلة من الاحتجاجات التي تهدف إلى إعادة الحكومة السابقة، في سياق محاولتها تحفيز أنصار قاعدتها الشعبية من خلال رسائل التحدّي، في الوقت الذي كانت تطلق فيه رسائل أكثر تصالحية إلى المجتمع الدولي. ولذا لايزال من الصعب التنبؤ باستراتيجية جماعة الإخوان في المستقبل، خاصة وأنه تم اعتقال أبرز قادة التنظيم، وهو ماجعل جماعة الإخوان مشلولة ومتردّدة. وسيكون حدوث تحوُّل إيجابي عميق في الجماعة، والذي ينطوي على تغييرات في الإيديولوجية والتكتيكات والأهداف، ضرورياً كي تصبح لاعباً كاملاً في ترسيخ نظام سياسي مصري ديموقراطي حقيقي لايزال الكثير من المصريين يأملون في الوصول إليه.

ومع ذلك، يبدو أن حدوث مثل هذا التحوّل مستبعد في ضوء الوضع الراهن. بدلاً من ذلك، ثمّة ثلاثة سيناريوهات بديلة تطرح نفسها: تسوية الخلافات والإدماج، أو العودة إلى العنف المستدام واسع النطاق، أو استمرار الاحتجاجات ومحاولة نزع شرعية النظام. وقد أدّت الحماقات التي ارتكبتها الحكومة الانتقالية إلى تعكير الأجواء وساعدت جماعة الإخوان عن غير قصد، حتى في الوقت الذي كانت فيه أجهزة الأمن التابعة للدولة تعاقبها بشدّة.

معوّقات التحول الإيجابي الممكن

نموذج مُتخيَّل لكنه مستبعد

أثارت سياسات وخطاب وتكتيكات جماعة الإخوان السياسية منذ انتفاضة العام 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك آنذاك تساؤلات خطيرة حول الميول السلطوية للجماعة، وحول الخطر الواضح الذي تمثّله هذه الاتجاهات على الهوية الوطنية والوحدة والأمن  القومي  الحريات والديموقراطية. ولذلك تبدو التغييرات الإيديولوجية والتنظيمية الشاملة ضرورية إذا ما أرادت جماعة الإخوان القيام بدور مثمر في مستقبل الديموقراطية المصرية.

سيكون اعتراف جماعة الإخوان بسجّلها المزري في الحكم، والذي نفَّر الكثيرين في البلاد، نقطة الانطلاق المثالية في عملية التغيير هذه. ومن ثم يمكنها أن تسلّم بالحاجة إلى، والسعي من أجل، الفصل بين السياسة وبين العمل الدعوي، وإعادة الهيكلة التنظيمية والمالية  للجماعة، والالتزام الفكري و الأيديولوجي بالإجماع الوطني، إن كان هناك إجماع أصلاً، على قيم المواطنة والتعدّدية و المساواة و الحريات وحقوق الإنسان.

ومن شأن وجود مسار تحويلي إيجابي أن يشكّل أفضل سبيل بالنسبة إلى جماعة الإخوان كي تستعيد مكانتها كلاعب سياسي من يمين الوسط، وأيضاً كي تتمتّع بالقدرة على المساهمة في بناء الديموقراطية في مصر. بيد أن المشكلة تكمن في أن هذا السيناريو المثالي يفترض أن تكون جماعة الإخوان على عكس ما أثبتت أنها تمثله بطريقة مؤلمة. فقد تحوّلت شبكات التضامن و الدعم التي أنشأتها في أجزاء عديدة من المجتمع المصري، والتي تعتمد في الغالب على التعبئة الدينية و الدعوية و الرساميل الثقافية وسياسات الهوية، وتنظيم الإخوان الهرمي المغلق، إلى شبكات متعطّشة للسلطة. وتستفيد هذه الشبكات من الروابط الدينية والاجتماعية لالتماس الدعم الشعبي الأعمى للقيادة في صداماتها مع القوى التي ترى أنها عدوة للإخوان والحركة الإسلامية والهوية مصر الإسلامية. واضطرت السياسات التي اتبعتها جماعات الإخوان عندما كان مرسي في السلطة إلى التوافق مع طبيعة هذه الشبكات التنظيمية وإيديولوجيتها.

جماعة الإخوان ليست حركة إسلامية "معتدلة" يمكن ضبطها والسيطرة عليها وإضفاء الطابع الديموقراطي عليها عبر الاحتواء. عوضاً عن ذلك، أظهرت الجماعة أنها حركة  ملتزمة بأطر أيديولوجية إسلامية ويهيمن عليها هيكل قيادي مستحكم ومتمكن. وقد أظهرت الجماعة ميلاً للحفاظ على خطابات عامة متعددة و متباينة في محاولة للتوفيق بين مجموعات من المفردات السياسية التي لايمكن التوفيق في ما بينها. فكوادر الإخوان من معسولي الكلام الناطقين بالانكليزية الذين يتواصلون مع الدبلوماسيين والمحللين الغربيين وينشرون التصريحات الرنانة عن توافق أهداف  و مناهج جماعة الإخوان مع الديموقراطية الليبرالية، فهم لايمثّلون بالضبط جماعة الإخوان المسلمين الحقيقية.

ولكي يفهم المرء جماعة الإخوان المسلمين بصورة واقعية، ينبغي عليه أن يدرس الحركة على مستوى القواعد الشعبية، في المدن الصغيرة والمناطق الريفية في جميع أنحاء الدلتا والصعيد والتي تمثّل قاعدة القوة الحقيقية للتنظيم والدائرة الانتخابية التي يمثلها قادته. على هذا المستوى، لاتدعم جماعة الإخوان الخطاب المؤيد للديموقراطية. وبدلاً من ذلك، فهي تبدو أكثر انحيازاً إلى التفسير والفهم السلفيين في مسائل الدين و الفقه و العقيدة بالإضافة إلي التأطير الأيديولوجي لرسالة وأهداف الجماعة كما عبّر عنها سيد قطب، مفكر جماعة الإخوان المسلمين الشهير في خمسينيات وأوائل ستينيات القرن المنصرم. فقد كان لسيد قطب دور أساسي في تعزيز مفهوم "التنظيم أولاً"، والذي يوحي بأن القضية الاسلامية ترتبط بطبيعتها بإنشاء ومؤازرة مجتمع "الإخوان المسلمين" باعتباره تمثيلاً حصرياً للطليعة القرآنية المؤمنة المنوط بها وحدها إعادة تأسيس الإسلام و التحدث بإسمه في عالم اليوم 

على المستويين الفكري والثقافي، تشمل جماعة الإخوان مدارس مختلفة للفكر الإسلامي، يبدو بعضها أكثر انفتاحاً وتأييداً للإصلاح من سواه. ولكن على أساس المطبوعات العقائدية والسلوك الفعلي لجماعة الإخوان، يبدو جلياً أن جوهر التنظيم يركّز على إيديولوجية "الدولة الإسلامية" أو "عالمية إسلامية" أو "سلام  إسلامي"، وعلى مفاهيم للحكم تقوم على كون السيادة لله بدلاً من سيادة الشعب.

وبالتالي فإن أعضاء جماعة الإخوان ليسوا تلك النسخة الشرق أوسطية من الديموقراطيين المسيحيين التي يتصوّرها بعض المحللين السياسيين الغربيين، أي بمعنى أن الإخوان ليسوا لاعبين من يمين الوسط يقتفون أثر نزعتهم الاجتماعية والثقافية المحافظة دينياً لكن ضمن حدود الديموقراطية الليبرالية كما هو الحال عند الاحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا. ولكي تحيا بشكل مريح ضمن هذه الحدود، يتعيّن على جماعة الإخوان إجراء تغييرات كبيرة في إيديولوجيتها، ولاسيّما مفاهيمها عن الهوية الوطنية والمواطنة والحرية الدينية  و الحريات العامة و الخاصة والمساواة بين الجنسين والسيادة الشعبية و حكم الشعب. وطالما أنها لاتزال غير راغبة وغير قادرة على تحمّل هذه المسؤولية، فإنها لن تتحوّل إلى نموذج "الديموقرطيين الإسلاميين". ربما يجادل البعض بأن الوقت هو العامل الرئيس هنا، بيد أن البدايات الخاطئة لاتؤدّي أبداً إلى نهايات صحيحة، حيث كانت فترة حكم الإخوان في السلطة، والتي لم تدم طويلاً، مليئة بالبدايات الخاطئة.

براغماتيون لكنهم غير معتدلين

لايمتلك الإسلاميون المعاصرون نظرية واضحة عن الدولة يمكن ترجمتها إلى سياسة (وهذه على الأرجح نتيجة لعدم وجود مثل هذه النظرية في التراث الإسلامي). ونتيجة لذلك، أظهرت سياسات جماعة الإخوان أثناء وجودها في السلطة شيئاً من المرونة والانفتاح على البراغماتية، في بعض القضايا على الأقل. وقد شملت النماذج البراغماتية الاعتراف بمعاهدة السلام مع إسرائيل بعد أربعين سنة من المعارضة الشرسة، ورعاية علاقات عمل مع الدول الغربية على الرغم من سجلّ جماعة الإخوان الحافل من المساجلات النظرية المعادية للغرب، والميل إلى إهمال قضية فرض الشريعة الإسلامية في السياسات الحكومية والتشريعات، وهو ما أثار استياء الإسلاميين الآخرين، وأبرزهم السلفيين. وعلى سبيل المثال، عارض أعضاء جماعة الإخوان في البرلمان سلطة الأزهر، المؤسسة الإسلامية الدينية الرئيسة، في تحديد صوابية القانون المالي الجديد (الصكوك)، ووصفوا تدخّل الأزهر باعتباره "ثيوقراطية" كريهة.

ومع ذلك، لاينبغي أن تُفهَم مثل هذه البراغماتية على أنها علامة على الاعتدال أو الانفتاح على الطريق إلى تبنّي الديموقراطية الليبرالية. إذ يشكّل الخلط بين البراغماتية والاعتدال فخّاً للمحللين الباحثين بشيء من العناد البالغ عن إمكانيات الإخوان الديموقراطية. قد لايكون أعضاء جماعة الإخوان أشدّ المدافعين عن أسلمة المجتمع والقوانين من خلال تطبيق الشريعة (على عكس السلفيين، على سبيل المثال)، بيد أنه سيكون من قبيل الخطأ التوصّل إلى استنتاج مفاده أنهم ملتزمون بالديموقراطية العلمانية. إذ تلتزم جماعة الإخوان بإقامة دولة إسلامية، تفهم على أنها الدولة الحديثة التي تخضع إلى السيطرة الاستبدادية للجماعة الإسلامية المعبرة عن قيم الإسلام بلا منازع، أي مجتمع الإخوان المسلمين. وتعتمد جماعة الإخوان، بشكل انتقائي، إشارات إلى كل من الشريعة الإسلامية والقيم الديموقرطية الليبرالية، وأهمها العمليات الانتخابية،فقط كأدوات في إطار سعيها إلى تحقيق هذا الهدف الإيديولوجي.

كما يستبعد الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان اعتماد نهج معتدل. فالجماعة ليست حزباً سياسياً ولا جمعية اجتماعية. وعلى مدى وجودها الذي بلغ ثمانين عاماً، تطورت الجماعة لتتحول إلى مجتمع هرمي مغلق ونفعي منظّم على غرار الطراز البلشفي للقيادة والسيطرة. وتعتبر جماعة الإخوان نفسها مجتمعاً مضاداً مؤهّلاً لتمثيل الشعب وقيادته إلى عالم جديد، بحيث تستبدل الدولة الحديثة القائمة بأخرى جديدة تخضع إلى سيطرة الإخوان. ووفقاً للفكرة القطبية "التنظيم أولاً"، فإن كل شيء جائز إذا كان ضرورياً لجماعة الإخوان ومجتمعها.

في ظل حكم مبارك الذي استمر ثلاثين عاماً، خضع هذا المجتمع إلى قيادة جيل من القادة ممن تأثّروا جداً بأفكار سيد قطب (وهذا يشمل القادة الرئيسيين في مكتب الإرشاد التابع لجماعة الإخوان الذي يمثّل سلطة صنع القرار العليا في الجماعة، وحتى مرسي نفسه). في ظل هؤلاء القادة، لم تكن الجماعة متماسكة بسبب أواصر العقيدة والهوية وحسب، ولكن أيضاً من خلال شبكات من المصالح المشتركة: المال والعلاقات الاقتصادية والعلاقات الشخصية والعائلية، والولاءات الإقليمية. وقد طوّرت جماعة الإخوان علاقات وولاءات  ومصالح عابرة للحدود الوطنية.

لاتفضي هذه الشبكات إلى إضفاء الطابع الديموقرطي على جماعة الإخوان. إذ  أن دمقرطة الجماعة لا يتطلب فقط إرساء الديموقراطية في اتخاذ القرارات المؤسّسية داخل الهيئات المخوّلة للجماعة وحسب، ولكن أيضاً يستلزم تحوّل آلياتها الداخلية لتحديد الهوية والتربية والتعبئة والآليات المالية والتوظيف والترقية والولاءات وتشكيل الهوية، والتي صمّمت جميعها لتشكيل طائفة اجتماعية مغلقة و متماهية فقط مع نفسها داخل المجتمع المصري.

الطابع التنظيمي لجماعة الإخوان، والذي ينسجم مع مخططها الإيديولوجي، أدّى بها إلى تخييب الآمال في تحقيق التحوّل الوطني الديموقرطي من جانب الثوار المصريين الذين احتشدوا بأعداد كبيرة للإطاحة بمبارك. وفي الوقت نفسه، تسبّبت جماعة الإخوان في تنفير أصحاب المصالح في النظام القديم. وبالتالي، فقد اكتسبت عداوة كل من الحالمين بقيام مصر ديموقرطية جديدة من جهة والقوي الممثلة  لمصر القديمة من جهة أخري.

ونظراً لهذه الحقائق ذات الصلة بطابعها الإيديولوجي والتنظيمي، فإن التحوّل المثالي لجماعة الإخوان لا يبدو سيناريو معقولاً. فما هي خيارات الجماعة في البيئة السياسية الحالية المشحونة والمتضاربة؟ ثمّة ثلاثة سيناريوهات محتملة تفرض نفسها.

سيناريو التسوية: المساومة بهدف الاحتواء والإدماج

ينطوي أول السيناريوهات المحتملة على التوصل إلى اتفاق بين جماعة الإخوان المسلمين والحكومة المصرية المؤقتة، من شأنه أن يدمج التنظيم في العملية السياسية الجديدة. وهذا من شأنه الإبقاء على جماعة الإخوان كلاعب سياسي في الحياة السياسية المصرية ويترك أصولها المالية ورأس مالها الاجتماعي سليماً نسبياً. ولكي يحدث هذا، يجب أن ترضخ جماعة الإخوان إلى الحقائق التي تجعل العودة إلى الوضع الذي كانت تتمتّع به قبل الإطاحة بمرسي مستحيلة. كما عليها الاعتراف بالهزيمة السياسية وإلغاء أنشطتها الاحتجاجية. في المقابل، تعمد الحكومة إلى وقف عمليات القمع التي تمارسها بحق الجماعة، وتفرج عن سجناء الإخوان، وترفع القيود المفروضة على أصول الإخوان، وتسمح بإعادة فتح وسائل الإعلام الإسلامية، وتوقف عملية إستبعاد عناصر الإخوان من أجهزة الخدمة المدنية والبيروقراطية الحكومية ، وخاصة من قواعد قوة الإخوان في المؤسّسات الدينية (بما في ذلك الوزارة المكلفة بالأوقاف والدعاة والأئمة) وفي وزارات التربية والصحة والداخلية والبلديات. كما سيسمح لجماعة الإخوان بالمشاركة في العملية السياسية بما في ذلك الانتخابات البرلمانية والرئاسية الجديدة. وسيكون قبول جماعة الإخوان لبعض شروط الاحتواء الرئيسة ضرورياً لكي يتم هذا السيناريو:

  1. الإقرار بقواعد اللعبة السياسية الجديدة التي يحدّدها التوافق في الآراء، والتي لن يكون لجماعة الإخوان فيها حق الاعتراض على السمات الرئيسة للنظام الجديد، أي بمعنى "المشاركة لا المغالبة" لكن حقيقة هذه المرة.
  2. الامتثال إلى الخطوط الحمراء بشأن التسامح و قبول الآخر واحترام الهوية الوطنية المتنوّعة في مصر (كان أحد الأسباب الرئيسة لتدخّل الجيش خلال الاحتجاجات التي أسفرت عن سقوط مرسي هو القلق من سلوك جماعة الإخوان أثناء وجودها في السلطة، والذي كان سلوكاً غير مسؤول وطائفياً وإنقساميا تفتتيا، وكان يمكن أن يشعل فتيل فتنة أهلية في البلاد).
  3. تقديم ما هو أكثر من الالتزام الشكلي بقيم الديموقرطية الليبرالية، بما في ذلك المواطنة التشاركية والتعدّدية السياسية واحترام الحقوق السياسية والمدنية. وهذا يعني إجراء تغييرات كبيرة في الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان و أيديولوجيتها و مناهج تربيتها، وكذلك في الوضع القانوني والمؤسّسي لأنشطتها السياسية.

قد يكون النظام مهتماً بعقد مثل هذه الصفقة مع جماعة الإخوان. إذ لايمكن القضاء على  الحركات التي تستند إلى قاعدة جماهيرية مثل جماعة الإخوان المسلمين، ولها جمهور أنصار كبير ووجود يمتد عقوداً طويلة، بالقوة المحضة. فقد تمكنت الحكومات في معظم البلدان التي تواجه حركات تمرّد أو احتجاج، والتي تتمتع على الأقل بشيء من القاعدة الشعبية، من حلّ قضاياها على طاولة المفاوضات. وبعد أسابيع من المواجهات العنيفة، اتّضح أن القوة الغاشمة لايمكنها إجبار جماعة الإخوان على الاستسلام.

علاوة على ذلك، قد يستفيد النظام بصورة فعلية من وجود الإخوان كلاعب في نظام أعيد تشكيله  حديثاً. إذ كانت الدولة المصرية في عهد الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك أحد المستفيدين من سياسة الهوية الخاصة بجماعة الإخوان المسلمين، والتي  ساهمت في صرف الأنظار عن قضايا الفشل  الحكومي في إرساء الديموقرطية والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية و غيرها من المواضيع السياسية المزعجة للدولة القديمة. وكانت سياسة جماعة الإخوان على الدوام، والسياسة الإسلامية على نطاق أوسع، أحد عوامل البلبلة والانقسام في صفوف المعارضة، ما ساعد على إضعاف المعارضين للدولة. وكانت الأنظمة الاستبدادية في مصر مرتاحة تجاه المناقشات حول العلمنة في مقابل الأسلمة أكثر منها تجاه المناقشات حول إرساء الديموقرطية في مؤسّسات الدولة، أو العلاقات بين المدنيين والعسكريين، أو المساءلة العامة والشفافية، أو التنمية الاقتصادية العادلة والمستدامة، أو تدابير مكافحة الفساد.

جماعة الإخوان لديها أيضاً العديد من المصالح و الإرتباطات الإقليمية والدولية المعقّدة جداً بحيث لايمكن للنظام تجاهلها بسهولة. فقد كان الخوف العام من الإسلام السياسي وسيبقى دائماً مفيداً في محاولات تبرير الاستبداد. ونتيجة لذلك، ربما يكون النظام مهتماً في الحفاظ على المشاركة السياسية للإخوان والإسلاميين في المستقبل ولكن مع مراقبة قوتهم وإبقائهم تحت السيطرة. فالإسلام السياسي مقبول طالما أن الإسلاميين يتقبّلون الخطوط الحمراء والقواعد الموضوعة ويعملون بموجبها.

صعوبات عملية

على رغم فوائده المحتملة لكلا الجانبين، لايزال سيناريو التسوية إشكالياً. في هذه المرحلة، لن تعقد جماعة الإخوان صفقة إلا بشرط اتّخاذ تدابير بناء ثقة معيّنة تسبق المفاوضات، والتي تشمل يصورة رئيسة إطلاق سراح القادة المعتقلين وإعادة فتح القنوات التلفزيونية الإسلامية. أما النظام، أو على الأقل العناصر الأساسية في مؤسّساته الأمنية والعسكرية، فمن شبه المؤكد أن يتردّد للغاية في تقديم هذا العفو. فهو سيصرّ على الأقلّ على تقديم بعض قادة الإخوان الذين يتحمّلون المسؤولية عن أعمال إجرامية أو إرهابية إلى العدالة بهدف تبرير حملته الأخيرة.

الرسالة الخفيّة هنا هي أنه إذا كانت جماعة الإخوان تريد إعادة دمجها في الحياة السياسية الوطنية، فينبغي عليها إجراء تغييرات كبيرة في قيادتها. إذ لايمكن لقادتها القدامى التعامل مع الجيش والدولة بعد الآن. علاوة على ذلك، فإن احتواء وإدماج جماعة الإخوان قد يفقد التأييد الشعبي في حال استمرار تصاعد وتيرة العنف، سواء في شبه جزيرة سيناء، التي تعتبر مرتعاً للنشاط الإسلامي الذي ازداد عنفاً في الآونة الأخيرة، أو في باقي أنحاء مصر.

ولايقل أهمية عن ذلك أن مسألة ما إذا قادة الإخوان "المعتدلين" القادرين على الشروع في مفاوضات مع النظام يمثلون التنظيم فعلاً أم لا، تبقى مفتوحة. وتقدم وسائل الإعلام عموماً اثنين من كبار قادة الإخوان كمحاورين محتملين: محمد علي بشر وعمرو درّاج. والواقع أن أياً منهما لايتمتّع بنفوذ تنظيمي كبير. وعلى رغم كون بشر عضواً في مكتب الإرشاد،  و هو ينتمي إالي الفصيل "الإصلاحي" لجماعة الإخوان، وهي مجموعة من الإخوان المسلمين المعتدلين فشلت في حشد قوة كبيرة داخل التنظيم على مدى السنوات القليلة الماضية. أما درّاج فهو ليس حتى عضواً في مكتب الإرشاد. فموقعه في الحزب السياسي الرئيس لجماعة الإخوان، حزب الحرية والعدالة، والمنصب الوزاري الذي تقلّده في حكومة مرسي التي تم حلّها الآن لا معنى له عندما يتعلق الأمر بسلطة اتخاذ القرارات داخل التنظيم. وينفي دراج نفسه وجود أي علاقات له مع هيئات صنع القرار في الجماعة، بما في ذلك مكتب الإرشاد، ومجلس الشورى (برلمان الإخوان المسلمين)، والمكاتب الإدارية. لذلك، يصبح أمراً قابلاً للنقاش ما إذا كان هؤلاء يمثّلون بصورة  كافية التيار التنظيمي الرئيس في جماعة الإخوان. بالإضافة إلى ذلك، قد تمثّل الخلافات الداخلية على السلطة تفسيراً محتملاً آخر لدوافع أي طرف مفاوض. وبعبارة أخرى، ربما يتعلق الأمر بتنافس داخلي بين الفصائل يناور فيه أعضاء جماعة الإخوان لملء فراغ القيادة أكثر منه بمبادرة صادقة ومخلصة لتبنّي مسار معتدل وحلّ الأزمة الوطنية.

فضلاً عن ذلك، فإن فكرة عقد صفقة مع النظام من دون الوفاء بهدف الإخوان المعلن لإعادة تنصيب "الرئيس الشرعي" قد تكون انتحاراً سياسياً للجماعة، لأنها تهدّد بكسر وحدة التنظيم. فقد تم حشد أنصار جماعة الإخوان على أساس الهوية والإيديولوجيا منذ أن أصدر مرسي سلسلة من المراسيم الرئاسية والإعلانات الدستورية المثيرة للجدل في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 والتي أدّت إلى تقسيم البلاد. ويتم توظيف الشعارات التي تدعو إلى إعادة الرئيس الشرعي والمنتخب ديموقرطياً أساساً لجذب اهتمام الجمهور الدولي. بينما يؤكد جزء كبير من الدعاية المحلية التي تستهدف أعضاء جماعة الإخوان والقاعدة الشعبية الإسلامية على الطابع الديني والإيديولوجي للصراع السياسي في مصر بهدف رفع المعنويات ولكي يتردّد صداها في المنظور الشعبي.

استخدم المتظاهرون المؤيدون لمرسي في الاحتجاجات التي استمرت أربعين يوماً في شرق القاهرة والمعروفة باسم "اعتصام رابعة العدوية" شعارات تدّعي في الغالب أن قمع النظام لايتعلق بجماعة الإخوان المسلمين أو مرسي بل بالإسلام نفسه، وأنه يمثّل حرباً ضد الإسلام. ولم يتكتّل حول الجماعة أنصار الإخوان فقط بل الكتلة الإسلامية كلها (باستثناء حزب النور السلفي)، وذلك نتيجة لمخاوف وجودية من إقصاء و إستبعاد الإسلاميين بالجملة. وكما قال أحد المعتصمين الذي أتى من محافظة البحيرة الريفية للمشاركة في الاعتصام، "أنا هنا في الاعتصام لأنني أخشى من أن يمنع الحاكم الجديد الصلاة ويجبر زوجتي على خلع حجابها إذا رحل مرسي. أخشى أيضاً من أن يتم إلقاء القبض على أي رجلٍ ملتحٍ بصورة تعسفية وتعتقله شرطة النظام".

و في حقيقة الأمر هناك مايبرّر هذه المخاوف استنادا إلى المساجلات المثيرة المناهضة للإسلاميين في وسائل الاعلام الحكومية والخاصة، بالإضافة إلى زيادة العداء الاجتماعي تجاه الإسلاميين في الفضاء العام، وخاصة في المدن الكبيرة. ولذا فإن من شأن أي تحوّل مفاجئ من جانب قادة جماعة الإخوان أن يشوّه بصورة فورية صدقيّة القيادة في عيون أنصار القاعدة الشعبية و من هنا وجه الخطورة.حيث يبقى التضامن داخل الجماعة و وحدة التنظيم وراء قيادته أولوية قصوى بالنسبة إلى لإخوان، وذلك بسبب طبيعة التنظيم وإيديولوجيته.

المقاومة المؤسّسية للتغيير

على افتراض وجود محاورين ديموقراطيين يتّسمون بالحكمة ويهتمون حقاً بالتوسّط في تسوية مع النظام، مثل بشر ودرّاج، هل يمكن لهؤلاء الحصول حقاً على دعم قيادة التنظيم؟ الجواب، على الأرجح، هو لا، نظراً إلى أن معظم المناصب الرئيسة في هيئات صنع القرار التابعة للجماعة، بما في ذلك مكتب الإرشاد ومجلس الشورى والوحدات الإدارية، يشغلها أفراد موالون تماماً لقيادة الإخوان الحالية، ويرتبطون بها من خلال شبكة متعددة الطبقات من المصالح التجارية و الإقتصادية والعلاقات العائلية والمهنية والشخصية والإيديولوجية.

علاوة على ذلك، استخدمت قيادة الإخوان المسلمين ببراعة المخاوف الوجودية من قمع النظام لدى أعضاء الجماعة لردع أي دعوة جادّة لممارسة النقد الذاتي أو المراجعة الداخلية. ورفض قادة الإخوان حتى الآن بعناد الاعتراف بأخطائهم الخطيرة وخيانة قضيتي الثورة والديموقرطية. ولعل أفضل ما يمكن أن يسلّموا به، استناداً إلى تصريح درّاج الذي ينتمي إلى جناح الحمائم إلى وسائل الإعلام، هو دعم وجهة النظر التي تقول إن الخطأ الوحيد الذي ارتكبه الإخوان أثناء وجودهم في السلطة هو التقليل من شأن قوة "الدولة العميقة" المصرية وقدرتها على إفساد العملية السياسية. ويرى دراج أنه كان يجب على جماعة الإخوان أن تعتمد "استراتيجية أكثر ثورية" لتطهير الدولة. بيد أنه لايعبّر عن أي قدر من الندم بشأن الدستور الاستبدادي، أو العملية السياسية الإقصائية، أو سياسات الهيمنة و الإستقطاب التي وضعتها جماعة الإخوان أثناء وجودها في السلطة. علاوة على ذلك، الوقت لن يكون مناسباً لنقد هؤلاء القادة أو محاسبتهم على أوجه قصورهم وممارساتهم الخاطئة طالما استمرت سياسات النظام القمعية ضد التنظيم، حتى لو اعترف قادة الإخوان بارتكاب أخطاء جسيمة خلال حكمهم. ولذلك، فإن تفتّت وانشقاق جماعة الإخوان من الداخل  يبقى أمراً مستبعداً جداً في المرحلة الحالية.

ومع ذلك، حتى لو كان بوسع بعض المحاورين نظرياً التماس قدر من الدعم، وبالتالي البدء في إنشاء فصيل معتدل حقيقي داخل جماعة الإخوان، فإن هذا السيناريو يمثّل دعوة إلى انهيار الوحدة التنظيمية لجماعة الإخوان. فطالما أنه لا توجد تحوّلات شاملة في فكر الجماعة ورسالتها، لن تقبل كتلة الإخوان الصلبة عروض هؤلاء المعتدلين للتسوية بشروط النظام، والتي سيتم تصويرها بوصفها عملاً خيانياً غير مستساغ. قد تصل جماعة الإخوان إلى نهاية تاريخية، وقد تنشأ جماعات أكثر راديكالية من الإخوان، وتجذب مؤيديها السابقين الساخطين. لذا، فإن السيناريو الأول، وهو الحلّ الذي تفضله الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إشكالي للغاية ومستبعد، في المدى القصير على الأقل.

سيناريو العنف: الجزائر (أو سورية) تبعث من جديد

يمكن أن تنزلق مصر أيضاً إلى أعمال عنف واسعة النطاق، أو كما يحب المحللون تسميته، "السيناريو الجزائري"، في إشارة إلى المواجهة الدامية التي استمرت عشر سنوات بين "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" والنظام العسكري في الجزائر. اندلع هذا الصراع بعد أن قام الجيش بانقلاب وألغى نتائج الانتخابات البرلمانية في العام 1992، واغتصب الفوز الانتخابي الذي حققته الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومنعها من ممارسة السياسة تماماً. وتوضح سورية نسخة أخرى من هذا السيناريو: مواجهة عسكرية بين الجيش والمتمردين، الكثير منهم من الإسلاميين، ما أدّى إلى تفتيت الجيش على أسس طائفية وإيديولوجية.

على رغم أنه قد يبدو مروّعاً بالنسبة إلى معظم الناس من الخارج، فإن مثل هذا المسار قد يثير مخيّلة بعض الأعضاء من ذوي الميول الأكثر راديكالية في جماعة الإخوان، والذين قد يعتبرونه خيارهم الأفضل في مواجهة قدرة الجيش المصري المتفوقة بصورة واضحة على صعيد القوة. وتفسّر هذه الحقيقة خطاب جماعة الإخوان ضد الجيش بعد إطاحة مرسي. فقد درج المتحدثين في "اعتصام رابعة" علي رواية قصص لا أساس لها عن انشقاقات داخل الجيش احتجاجاً على قرار وزير الدفاع الفريق عبدالفتاح السيسي إطاحة مرسي. كما أن الأبواق الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان نشرت الكثير من الشائعات حول حدوث انشقاقات عن الجيش الثالث المصري في مدينة السويس وفرض الإقامة الجبرية على عدد من جنرالات الجيش المستائين من قرارات السيسي. وذكرت إحدى القصص اسم اللواء محمد العصار، العضو البارز في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي حكم البلاد مؤقتاً بعد سقوط مبارك وضابط اتصال عمليات التسليح في الجيش المصري.

هناك بعض العوامل التي تدفع مصر باتجاه سيناريو العنف. وهي تشمل الاستقطاب السياسي غير المسبوق الذي قسم البلاد منذ القرارات المثيرة للجدل التي اتخذها مرسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، و العقلية الصفرية التي تحكم فكر قادة الإخوان (إما الفوز بكل شيئ أو خسارة كل شئ)، وعودة وانتشار الخطاب الإسلامي التكفيري على مدى العامين ونصف العام الماضيين والذي يتَّهم فيه المسلم مسلماً آخر بعدم صحة إسلامه ويدعو إلى طرده وحرمانه دينياً و إستخدام العنف ضده و ذلك بعد تأويل أقواله أو أفعاله (و هذا يشمل السياسية منها بطبيعة الحال) بوصفها كفرية و مخرجة عن الدين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن آلة الدعاية الحربية الطابع للإخوان في اعتصام رابعة (مثل التعهّد "بالدفاع عن شرعية مرسي على جثثهم" والخطب العصماء التي اتّسمت بالحماس الديني) صبّت المزيد من الزيت على النار.

من الصعب أن نبالغ في تصوير مشاعر الغضب بين الإسلاميين التي نجمت عن المجازر التي ارتكبها النظام لتفريق المتظاهرين المؤيدين لمرسي في اعتصام رابعة والاعتصام الآخر في ميدان النهضة في 14 آب/أغسطس في القاهرة و الجيزة، فضلاً عن القمع الدموي للمظاهرات والمسيرات المؤيدة لمرسي في وقت لاحق. فقد برّرت تلك الأفعال ادّعاءات المتطرفين بأن الجهود الرامية إلى تأسيس عملية سياسية سلمية غير مجدية وأن النظام المناهض للإسلاميين اقصائي ويحرص على إبادة الإسلاميين تماماً، وهو الوضع الذي يجعل العنف الخيار الوحيد الممكن. وتشمل العوامل اللوجستية الأخرى التي تدعم ظهور سيناريو العنف هذا إضعاف جهاز الشرطة المصرية منذ انتفاضة العام 2011 التي أطاحت مبارك، وانتشار الأسلحة المهرّبة عبر الحدود الليبية في أعقاب ثورة ذلك البلد في العام 2011.

بلغت دورة العنف التي تجتاح البلاد منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2012 ذروتها يوم 14 آب/أغسطس وبعده، ما أسفر عن وصول حصيلة القتلى إلى أكثر من 1600 شخص. وثمّة تقارير عديدة تتحدث عن الهجمات التي يقودها الإسلاميون على الكنائس القبطية ومراكز الشرطة  والأحياء المناهضة لمرسي، بالإضافة إلى بعض المسيرات المسلحة الموالية لمرسي ومحاولة فاشلة لاغتيال وزير الداخلية يوم 5 أيلول/سبتمبر، والتي استخدمت فيها سيارات مفخخة تذكّرنا بتكتيكات تنظيم القاعدة.

إضافة إلى ذلك، ازدادت وتيرة العنف في سيناء، والتي يتم تقديمها بوصفها غير قابلة للسيطرة تقريباً بسبب التضاريس الجبلية المواتية، والدعم الشعبي للمتطرفين التكفيريين المحليين والإسلاميين الجهاديين ( و الذي يقوم جزئيا علي استياء سكان سيناء من عملية تهميشهم المستمرة من جانب الدولة المصرية) والتلاقح العابر للحدود مع الجماعات السلفية الجهادية في قطاع غزة.

حدود العنف

ومع ذلك، ربما يكون العنف الإسلامي قد وصل إلى حدوده اللوجستية والاجتماعية. فالعنف الذي يندلع على نطاق واسع يتطلّب، قبل كل شيء، عدداً كبيراً من الأشخاص المستعدين لتنفيذه وقاعدة اجتماعية مستعدّة لتقديم الدعم له. ولذا فإن وجود جيوب صغيرة من الإسلاميين المتطرفين الساخطين ليس كافياً. علاوة على ذلك، وخلافاً لما حدث في الجزائر في تسعينيات القرن المنصرم، فإن الظروف الطوبوغرافية المواتية لقيام تمرّد مسلح ليست موجودة في مصر. ومن الواضح أيضاً أن البلاد تفتقر إلى وجود دائرة اجتماعية كبيرة مؤيدة للعنف بما يكفي لتوفير المأوى والدعم للمقاتلين.

إن زيادة العداء الاجتماعي للإسلام السياسي بشكل عام والعنف الذي يحرّكه الإسلاميون على وجه الخصوص، يمكن أن يعزل سياسة العنف ويزيد من تآكل التأييد الشعبي لها. وفي حين شنّت الجماعات الإسلامية المتطرفة في مصر مواجهة مسلحة مع الدولة في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم، يبدو من المهم الإشارة إلى أنه خلال تلك الفترة ظل الجمهور إما محايدا او  متعاطفاً مع الإسلاميين أو معارضاً لهم ولكن لم  يجد الدوافع لكي يرمي بثقله وراء الحكومة. هذه المرة سيواجه الإسلاميون الذين يمارسون العنف معارضة كل من الدولة والمجتمع (أو شرائح واسعة من المجتمع على الأقل)، كما يتّضح من معارك الشوارع المستمرة بين الإسلاميين والجمهور المصري في المناطق السكنية والأحياء الشعبية والساحات العامة والأسواق في جميع أنحاء المدن ومختلف البلدات منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

السيناريو السوري مستبعد أيضاً. إذ يصعب أن نصدِّق أن الجيش المصري يمكن أن ينقسم على أسس طائفية أو سياسية أو إيديولوجية مثل نظيره في سورية.

وإذا ما تحقّق سيناريو العنف فقد ينطوي على مزيد من العنف منخفض الحدّة، ويقتصر على أنشطة وأماكن محدّدة. وقد يأخذ شكل صراعات في الشارع بين الإسلاميين وأشخاص معادين للإسلاميين في مناطق حضرية مختلفة. كان العنف في الشوارع بين عامة الناس والجهات الفاعلة المسيّسة نمطاً متكرراً منذ الأيام الأولى للفترة الانتقالية عقب سقوط مبارك في فبراير 2011. وينظر العديد من السكان  في المدن و البلدات المصرية إلى أي مسيرات مسيّسة تمرّ عبر أحيائهم باعتبارها عدواناً على منطقتهم. فقد وقعت اشتباكات واحتكاكات نتيجة لذلك، وتزايدت في الأسابيع الأخيرة، وهي تركّز الآن على مسيرات جماعة الإخوان. ومع ذلك من المرجّح لهذا العنف المنخفض الحدّة ألا يصل إلى ما وصلت إليه الحالتان الجزائرية أو السورية.

لذلك فإن كلاً من سيناريو التسوية وسيناريو العنف ليس وارداً. وهذا يبقي نتيجة واحدة أخرى ممكنة، أي استمرار الوضع الراهن.

سيناريو استمرار الاحتجاجات: محاولة نزع شرعية الحكومة

في إطار هذا السيناريو الثالث، ترفض جماعة الإخوان المسلمين أي دعوات للتوصّل إلى تسوية سياسية وإدماج ولن تقدّم أي تنازلات. ستطرح الحركة سرديتها الخاصة عن الشرعية المغتصبة من الرئيس المنتخب بطريقة شرعية والطابع غير الشرعي للنظام الحالي. وتشمل الأهداف المعلنة للحراك الإخواني في هذا السيناريو إعادة الرئيس المنتخب ودستور العام 2012 الذي تم تعليق العمل به، ومجلس الشورى المنحل، الغرفة العليا في البرلمان المصري. ستحاول جماعة الإخوان الإصرار على ألا تتم أي تسوية تفاوضية للأزمة إلا بعد إعادة المؤسّسات المنتخبة سابقاً. وسترفض  المشاركة في العملية السياسية الجديدة، بما في ذلك التعديلات الدستورية والعمليات الانتخابية البرلمانية والرئاسية. بدلاً من ذلك، ستلجأ إلى تكتيكات التعبئة والتبشير والدعاية التي كانت تستخدمها خلال عهد مبارك في تحدٍّ لاستبعادها الرسمي .

سيكون الهدف الرئيس لجماعة الإخوان المسلمين نزع الشرعية عن العملية السياسية الجديدة، التي ستصفها بأنها "إقصائية" و"غير تعددية" و"غير ديموقرطية"، والأهم من ذلك "معادية للإسلاميين" بل و للإسلام نفسه. ومن ثم فالجماعة تلجأ هنا إلي تنظيم أنشطة احتجاجية منتظمة، مثل المظاهرات الأسبوعية والمسيرات والتجمّعات، وتدخل في حرب دعائية من خلال وسائل الإعلام وشبكات الإنترنت. قد يكون هذا النهج كافياً للحفاظ على وحدة جماعة الإخوان كتنظيم. وستنسجم مع  العقلية الصفرية لخطاب الجماعة الأخير.

كان هذا النهج هو الخيار المفضّل لجماعة الإخوان المسلمين منذ بداية الأزمة الراهنة التي بدأت مع المظاهرات الحاشدة ضد مرسي. وكان هذا في جوهره نهج الجماعة حتى قبل إطاحة مرسي. رفضت جماعة الإخوان العنيدة تقديم أي تنازلات للمعارضة (أهمها الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة)، مع علمها بأن تعنّتها في مواجهة الغضب الشعبي المتصاعد سيستدعي إما نشوب حرب أهلية أو حصول انقلاب عسكري. وظفت جماعة الإخوان بنجاح خطابات متعدّدة لمواجهة هذه المقاومة، وتم استخدام الخطاب الديني والإيديولوجي لاسترضاء القاعدة الشعبية وتعزيز الهوية الإيديولوجية وتضامن الجماعة. وفي الوقت نفسه، كانت الإشارات إلى الديموقرطية والشرعية السياسية و النضال السلمي المناهض للانقلاب تهدف إلى كسب قلوب المتعاطفين المحتملين من غير الإسلاميين داخل مصر وعلى المستوى الدولي.

تعتبر جماعة الإخوان هذا الخيار مبرّراً في ضوء التدابير الإقصائية التي اتّخذتها الحكومة المؤقتة ومؤسّسات أمن الدولة. كما تقدّر أن ثمّة فرصة لنجاح هذا الخيار من حيث تشجيعها على العمل بصورة أكثر فعالية مع مرور الوقت. أولاً، على الرغم من قمع النظام، والذي استهدف في معظمه المستويين الأول والثاني من قيادة التنظيم، فإن عمليات التخطيط والتنفيذ في إدارة جماعة الإخوان (ولاسيما مركزية صنع القرار واللامركزية في تطبيقه وتنفيذه) تتيح مجالاً لتفويض المسؤوليات إلى الوحدات الإدارية المحلية في المستويات الوسطى والدنيا من التنظيم في حالات استثنائية كهذه هذا بالإضافة إلي الدور المهم لشبكات التنظيم الدولي للإخوان و التي تعمل بحرية بطبيعة الحال.

ثانياً، وهذا هو الأهم، تعلم جماعة الإخوان أنها كبيرة ومرئية جداً بحيث لايمكن تجاهلها. ويشكّل جمهور أنصارها قوة لايستهان بها، واستبعادهم سيكون مكلفاً للغاية ومستحيلاً  من الناحية العملية. ولذا يتعيّن على أي حياة سياسة ديموقرطية جديدة في مصر استيعاب الإسلاميين (شريطة أن تكون الأطراف الفاعلة الإسلامية، بطبيعة الحال، عقلانية بما يكفي للتوصّل إلى تفاهم).

بالإضافة إلى ذلك، تجادل جماعة الإخوان في أن زعزعة استقرار البلاد لأطول فترة ممكنة قد يحوّل ميزان القوى لصالحها. فالخط السياسي للجماعة  في هذه النقطة واضح. قد تتغير الأمور مع إطالة أمد الوضع المتأزم. على سبيل المثال، ربما تصقل الأزمة الممتدّة الرأي العام بصورة أكثر إيجابية تجاه الإخوان. وربما يزداد امتعاض الناس من الطريقة التي يدير بها النظام الأمور، وقد يتعاطفون تجاه الأعداد الكبيرة من  القتلي و الإصابات التي تعرَّض إليها الإسلاميون على يد النظام. وبالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي تغيير السياقات الإقليمية والدولية إلى دفع الحكومة المصرية إلي إحتواء الإخوان واستيعابهم.

علاوة على ذلك، قد تؤدي الانشقاقات داخل معسكر  30 يونيو المناهض لمرسي بسبب الجدل المثار حول "المضامين الديموقرطية" لسياسات الحكومة الانتقالية - بشأن قضايا الاقتصاد وحقوق الإنسان والتعديلات الدستورية والمقاربة تجاه "التهديد الإسلامي" - إلى إضعاف النظام الحالي أكثر. ويلاحظ أن الخلافات بين القوى الديموقرطية المؤيدة للتغيير وقوى النظام السابق الاستبدادية داخل الحكومة المؤقتة أصبحت أكثر وضوحاً.

أخطاء الفترة الانتقالية

أظهر النظام الحالي بعض أوجه القصور الفادح خلال إدارة الفترة الانتقالية منذ إطاحة مرسي. فقد ارتكب النظام ثلاث حماقات رئيسة، وما كان يمكن لهذه الأخطاء  إلا أن تكون أكثر نفعاً لجماعة الإخوان المسلمين.
أولاً، فشلت الحكومة المؤقتة في إحداث قطيعة جدّية مع عهد مبارك الذي سبق الثورة. ولم تسع إلى إيصال رسالة واضحة تفيد بأن الثورة التي أطاحت مرسي تمثّل استمراراً لثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، التي أطاحت مبارك وليست إلغاءً لها. وفي حين يبدو السلوك القمعي وغير القانوني و الإجرامي المتكرّر من جانب قوات الأمن في المواجهة مع جماعة الإخوان مقبولاً من الكثير من الناس الذين يتوقون للتخلّص من التهديد الإسلامي في أسرع وقت ممكن، فقد تم الاعتراض عليه أيضاً  بشكل صريح من جانب عدد قليل ولكن مؤثر من الجهات الفاعلة، بما في ذلك سياسيون مناهضون لجماعة الإخوان  لصحافيون و ناشطون في مجال حقوق الإنسان. علاوة على ذلك، ثمّة تحيّز صارخ واستفزازي لصالح مبارك ينتشر في الكثير من وسائل الإعلام العامة والخاصة، والتي تشغلها الآن شخصيات ترتبط بنظام مبارك السابق (معروفون في اللغة السياسية المصرية  بأنهم "فلول"). وقد أثار هذا مخاوف بين كثير من الناس الذين كانوا و مازالوا يكرهون "المباركية" بقدر ما يعارضون نظام الإخوان.

ونتيجة لذلك، عندما تدّعي جماعة الإخوان أن إطاحة مرسي كانت خطوة في خطة رئيسة لإعادة بناء نظام مبارك من جديد، قد يبدو الأمر مقنعا  لكثير من الناس. على أقل تقدير، قد يعتقد المصريون أن مايجري لايبشّر بالخير بالنسبة إلى توقعاتهم بشأن عملية الانتقال الديموقرطي في البلاد.

ثانياً، وضعت الحكومة المؤقتة خريطة طريق للتحوّل الديموقرطي في مصر أثبتت أنها مثيرة للجدل إلى حدّ بعيد. فالعديد من الناس لديهم هواجس إزاء تسلسل هذه العملية. إذ تدعو خريطة الطريق إلى إجراء انتخابات رئاسية  في ختام الفترة الإنتقالية وليس في بدايتها، على رغم أن مزايا مثل هذه الخطوة مسألة قابلة للنقاش. فهي لم تستجب بالتأكيد إلى مطلب الانتفاضة الشعبية المناهضة لمرسي بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وبالإضافة إلى ذلك، لم تكن عملية التعديل الدستوري ومحتوى العديد من التعديلات التي قدمتها الحكومة المؤقتة، والذي يبدو أنه أبعد ما يكون عن الديموقرطية، مرضياً في نظر الكثيرين ممن نزلوا إلى الشوارع لإطاحة مرسي وحكومته.
ثالثاً، يمكن القول إن الحكومة المؤقتة الحالية تعثّرت في إدارة العلاقات مع الإسلاميين. وثمّة جدل حول ما إذا كان استخدام العنف في تفريق اعتصامات جماعة الإخوان في رابعة وميدان النهضة ضرورياً (أو ما إذا كانت عملية التفريق نفسها ضرورية). ويتساءل كثيرون عما إذا كانت عملية تفريق الاعتصامات العنيفة ألحقت فعلا"أقل التكاليف الممكنة" كما تدعي الحكومة الحالية  نظراً لعدم الكفاءة والوحشية المعروفة لقوات الشرطة المصرية. ويقول البعض إنه على  رغم جميع النتائج السلبية للاعتصامات فقد كان من شأن تجاهل المظاهرات، في حين يتم التعجيل بتنفيذ خارطة الطريق السياسية، أن يكون خياراً أفضل من عملية تفريق الاعتصامات العنيفة (أو على الأقل كان يمكن أن يكون أهون الشرّين). إذ أعطى العنف الذي مارسه النظام جماعة الإخوان الهدية التي كانت تأمل في الحصول عليها: أي القدرة على تصوير نفسها على أنها ضحية و شهيدة، و من ثم مواجهة دامية واسعة النطاق يمكنها أن تحافظ على وحدة الجماعة، وكسب بعض التعاطف المحلي، وزيادة زعزعة استقرار البلاد.

ساعدت الدعاية الشرسة المعادية للإسلاميين في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، وعمليات الاعتقال الجماعية لشخصيات من جماعة الإخوان، وإغلاق القنوات الإعلامية الإسلامية في حشد كل الإسلاميين بل وحتى الكثير من السكان المتدينين المحافظين حول قضية الإخوان ومرسي. ويمكن لنا ان نقول ان الغالبية العظمى من الإسلاميين كانت لتتعاطف مع هذه القضية بغض النظر عما  كان يمكن أن يحدث، وذلك بفضل تأثير الإيديولوجيا والهوية الإسلامية، و لكن من الممكن القول أيضا أنه كان من الممكن تحييد الأفراد المحافظين والمتدينين الآخرين الذين لايصطفون بالضرورة مع تنظيمات الإسلام السياسي بشكل عام من خلال خطاب إعلامي أكثر اتّزاناً وليونة. لكن هذا الخطاب لم يتجسّد واقعاً على الأرض. و القاعدة الأولى للحرب السياسية الناجحة تتمثل في عزل عدوك وليس تزويده بالمزيد من المؤيدين الذين كان من الممكن تحييدهم بخلاف ذلك.

قد يسبّب استمرار الصعوبات التي عانى منها  -فيما مضي- نظام مرسي في متاعب للحكومة الانتقالية أيضا و بالتالي يفيد جماعة الإخوان. فمن المعروف أنه كان لسوء اوضاع الإقتصاد في مصر، وتراجع أداء الدولة (بما في ذلك الخدمات العامة المتهالكة ً)، والمجتمع الجامح والمتمرّد بصورة متزايدة، انعكاسات سلبية على نظام مرسي. وقد ولدت هذه الأمور غضباً شعبياً ضد عجز النظام الإخواني تصاعد حتي وصل إلي ذروته في مشهد الإنتفاضة الشعبية في 30 يونيو الماضي. ومع ذلك تعتقد جماعة الإخوان الآن أنها يمكن أن تحوّل هذه العناصر في الحياة المصرية لصالحها. فليس من المرجّح أن يتحسن الاقتصاد في المدى القصير أو المتوسط، وذلك بفضل أزماته الهيكلية. كما أن عدم الاستقرار السياسي يزيد الطين بلة من الناحية الإقتصادية.  سيستفيد النظام  الحالي من تدفّق النقد الأجنبي من دول الخليج والذي قد يوفِّر له مساحة للمناورة، ولكن ليس لفترة طويلة. علاوة على ذلك، لن يصبح حكم المجتمع المصري أسهل من دون إدخال تغييرات ديموقرطية في العلاقات بين الدولة والمجتمع وإصلاحات واسعة في مؤسّسات الدولة. و أغلب الظن أنه لن يتم إجراء مثل هذه الإصلاحات نظراً لميزان القوى الحالي في النظام. وبالتالي فإن من المرجّح أن تستمر الأزمات الاجتماعية والسياسية. لكن من سيدفع ثمن تلك الأزمات هذه المرة هي الحكومة المؤقتة الحالية ومؤسّسات الدولة القديمة في القلب منها.

احتمالات النجاح

في ظل سيناريو استمرار الاحتجاجات، لاتبدو فرص جماعة الإخوان سيئة. والواقع أنه يمكن للجماعة أن تدّعي أنها حققت تقدماً  عبر المواقف العصيبة التي حدثت في الشهر الماضي. ويمكن القول إن التنظيم الآن (على الأقل في أذهان قيادات الجماعة) في وضع تكتيكي أفضل بكثير مما كان عليه عندما بدأت الاحتجاجات ضد مرسي أو حتى مما كان عليه عندما أطيح به، يوم كان التعاطف الشعبي مع قضية مرسي في أدنى مستوياته والإيمان بخريطة الطريق الانتقالية المؤقتة للنظام في أوجه. وتكمن أكبر مشكلة في هذا السيناريو في طبيعته بالغة المخاطرة. وينطوي السعي إلى تحقيق هذا الخيار على خطر فقدان المكاسب السياسية الفعلية الضخمة و الغير مسبوقة التي حققتها جماعة الإخوان منذ سقوط مبارك والمتمثّلة بالاعتراف الرسمي بها والمشاركة السياسية والمشاركة في السلطة. هذه المكاسب يمكن أن تستمر جزئياً إذا ما تم القبول بسيناريو التسوية.

الرهان الذي تعوّل عليه جماعة الإخوان في ظل سيناريو استمرار الاحتجاجات هو أن بوسعها تحقيق مكاسب على المدى الطويل، مثل استنزاف النظام الانتقالي حتى يذعن لشروطها، إذا ما وافقت على تقديم بعض التنازلات التكتيكية على المدى القريب. إلا أن من المرجّح أن يكون إيقاع هزيمة كاملة بالجيش والدولة مستحيلاً كذلك. ومن المفارقات أن سيناريو استمرار الاحتجاجات في المدى الطويل قد يتحوّل إلى نسخة معدّلة من سيناريو التسوية بوصفه الحدّ الأقصى الذي يمكن أن تحصل عليه جماعة الإخوان نظراً إلى ميزان القوى الحالي.

التنبّؤ بمسار الإخوان

يصعب التنبؤ الآن بالقرارات التي يمكن أن تتّخذها جماعة الإخوان في المستقبل نظراً إلى الشكوك  و الغموض الذي يعتري الوضع الحالي في مصر. إذ يكمن الإختيار الاستراتيجي الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين بين سيناريو التسوية وسيناريو استمرار الاحتجاجات. أما سيناريو العنف فهو ليس سيناريو حصري و قد يصاحب سيناريوهات أخريً، فقد تنزلق البلاد إلى العنف حتى في ظل انتهاج الإخوان أياً من السيناريوهات الأخرى. خيار استمرار الاحتجاجات هو سيناريو الأمر الواقع حاليا عند الإخوان، ومن المرجّح أن يظل كذلك لبعض الوقت.

لكل واحد من السيناريوهات الثلاثة إيجابياته وسلبياته وحدوده. وتعتمد مسألة ما إذا كانت جماعة الإخوان ستستمر في نهجها الحالي أو تتبنّى خيارات أخرى، وخاصة سيناريو التسوية، على عدة عوامل. فالأوضاع السياسية والاقتصادية المحلية المتغيرة، وقدرة النظام المؤقت على تسريع وتيرة العمليات السياسية بطريقة ديموقرطية تستوعب كافة القوي السياسية و الإجتماعية بالتوازي مع العمليات الأمنية، ونجاح خارطة الطريق الانتقالية، والأزمة السياسية الناشئة في البلاد، كلها عوامل ستؤثّر على النتيجة. وستكون قدرة جماعة الإخوان على الشروع في إجراء تحوّلات إيديولوجية وعقائدية وتنظيمية شاملة ضرورية لأي سياسة ديموقرطية يمكنها كسب ثقة الناس ومداواة جراح الفترة السابقة والمساهمة في خلق دولة ديموقرطية جديدة في مصر.

يتجاوز نطاق هذه الإصلاحات الضرورية قدرة حركة الإخوان المسلمين على القيام بها نظراً إلى طبيعة إيديولوجية الحركة وهويتها ومهامها  و تنظيمها و قيادتها في الوقت الحالي. وإذا ما وضعت هذه الإصلاحات موضع التنفيذ، سيكون الباب مفتوحاً أمام فرص ظهور حركيات إسلامية جديدة تتجاوز  جماعة الإخوان او حركيات ما بعد إسلامية تماماً. وهذا تطور ترفضه جماعة الإخوان المسلمين بشكل قاطع، وهنا تكمن المشكلة الرئيسة.