لئن بدا ما حدث في مدينة سيدي بوزيد في الوسط الغربي التونسي صبيحة يوم 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، لمّا أشعل الشابّ محمّد البوعزيزي النار في جسده، منعَرَجاً مفاجئاً وحاسماً بالنظر إلى ما ترتّب عنه من حجم الاحتجاج الاجتماعي والسياسي وامتداده مكاناً وزماناً. فإنّ إرهاصات هذا الحدث وتراكماته وعلاماته ظهرت في الواقع هنا وهناك في تونس وسائر العالم العربي قبل ذلك بسنوات،1  مع ترسّخ أساليب التسلّط والفساد التي مارستها أنظمة سياسية دكتاتورية، والتي زادت من إنتاج الفقر والبطالة والتهميش والتفاوت بين الأفراد والجماعات والجهات على أيدي أجهزة قمعيّة. هذه الأخيرة فرضت الولاء والمراقبة على شعوبها وأحكمت سيطرتها على موارد الدولة ومصادر الإنتاج ودواليب الاقتصاد، وتولّت الإشراف المباشر على عمليّات التجارة والتسويق والتوريد والاستهلاك، وتدخّلت في منظومات التربية والتعليم، واستَخْدمتها لضمان استمرارها. 

جاء الانتفاض السياسي/المُنعرَج في تونس بفعل القوى الاجتماعية والسياسية التي تفاعلت تلقائيّاً مع الأحداث، وأطّرتها بمعزل عن قيادات الأحزاب والمنظّمات السياسية والاجتماعية القائمة. وقد لعبت القوى الشبابية بمختلف مكوّناتها من عاطلين عن العمل - من حَمَلة الشهادات وغيرهم – وطلبة الجامعات، وتلامذة المدارس والمعاهد، ومن عمّال وموظَّفين وإطارات – خصوصاً من المدرّسين والمثقَّفين والنُّخَب – دوراً حاسماً في إنجاح عمليّات الاحتجاج الشعبي في الشوارع والساحات، ومحاصرة المؤسّسات، والدفع بالثورة في اتّجاه التتويج، عبر إطاحة رأس النظام الاستبدادي يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011. وفرض شباب "القصبة"2  الذي توافد على تونس العاصمة من كلّ الجهات، بالضغط والاعتصام، مقُترَح المجلس الوطني التأسيسي الذي جرى انتخابه مباشرة من الشعب في أوّل انتخابات حرّة ونزيهة في تاريخ تونس الحديث، يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011.

إنّ أغلب الدراسات التي اهتمّت بموضوع الشباب التونسي، ومنه طلبة الجامعات وتلامذة المدارس والمعاهد، في ما يتعلّق بالقضايا المتّصلة بالتربية على الهويّة والمواطنة والدمج المدني والاجتماعي، تمّ إنجازها قبل الثورة في سياق تميّز بهضم الحقوق والحريّات وقمع الانتماء المخالف، ومن الحذر الشديد إزاء كلّ وسائل الاستبيان وكشف الواقع، خصوصاً إذا ما تمّت خارج الدوائر الرسمية. 

هذه الدراسات على أهمّيتها تُقسَم في رأينا إلى صنفَيْن: 

صنف متأثّر بأُطُر السياق العامّ التي كيّفها النظام الحاكم، وجاء أغلبه صدًى للقوانين المُتّبَعَة وللبرامج الرسمية وتوجّهاتها وإصلاحاتها. وهي بالتالي تمثّل وجهة نظر السلطة أكثر ممّا تُمثّل آراء الطلبة والتلاميذ في واقعهم ومشاغلهم وطموحاتهم،3  ومنها ما كان تنظيراً في خدمة "إيديولوجيا" النظام التي قامت على إظهار "التَّوْنَسَة" هويّةً مُميَّزة عن الهوية العربية الإسلامية بخصوصيات تاريخية وحضارية محلية متعدّدة.4 

وصنف مُنجَز في سياق أعمال بحثيّة سَعَت – على الرغم من ضغط المُؤسّسة الرسمية ورقابتها - إلى اعتماد مقاربات أكثر موضوعيةً في استقراء الميدان المدرسي الحاضن لواقعهم التربوي والاجتماعي، في محاولة لم تَخْلُ من "جرأة نسبيّة" في اختبار السياسات والبرامج والتوجّهات على الميدان، واستبيان مواقف بعض التلاميذ وأوليائهم ومدرّسيهم ومديريهم، وآرائهم ووجهات نظرهم إزاء القضايا التربوية والمدنية والسياسية وتداعياتها.5 

إنّ مقارنة دراستنا بالدراسة المُنجَزَة حول التربية والتنوّع والاندماج غرب المتوسّط - خصوصاً في فصلها الثامن حول التربية والتنوّع والاندماج بتونس6  – تؤدّي إلى ملاحظة أنّ عملنا قد تمّ بعد الثورة في سياق تميّز بارتفاع منسوب الحريّة الذي سمح بتعرية "الحقائق". وهو لئن اكتفى باستجواب تلامذة الأول ثانوي دون سائر تلامذة الأساسي والثانوي، وباقي فواعل العملية التربوية كالأولياء والمدرّسين والمديرين، فإنّه راعى هذا الجانب في الحوارات التي حفّت بالاستبيان وسمحت باستيعاب الوضع الاجتماعي والتربوي، الذي احتضنه، ودقّق توجيه الأسئلة ومسّ من خلالها أهمّ القضايا المدنية والاجتماعية والدينية والسياسية الراهنة، ووسّع في حجم العيّنة المدروسة من حيث عدَدُ المجموعات والتلاميذ وتوازنها بين الإناث والذكور، وعَددُ المعاهد المُستجوَبة وتنوّعُ مناطقها - من سيدي بوزيد غرباً، إلى المنستير شرقاً، إلى تونس العاصمة شمالاً - تنوّعاً جغرافياً/سياسياً واجتماعياً وثقافياً دالاً. في مقابل ذلك، اقتصرت دراسة نجيب عيّاد وآخرين على تلامذة منطقة ولاية أريانة شمال غرب تونس الكبرى. 

أطنبت دراسة التربية والتنوّع والاندماج الاجتماعي بتونس - في سياق تقديمها المشروع التونسي للتربية على المواطنة - في الإحالة على القوانين والبرامج والإصلاحات والتوجّهات المُعتَمدة رسميّاً بعد 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987، في ظلّ نظام اعتبرَتْهُ صاحب "إرادة في وضع تونس على طريق بناء ديمقراطيّة متقدّمة تُؤَسَّس على التعدّد ومبادئ حقوق الإنسان"،7  من خلال "المراهنة على أن تكون المدرسة حاضنةً لمراحل العملية التربوية في برامجها ومناهجها، ومنمّيةً لروح المواطنة والحسّ المدني حتّى يكون التلميذ في مستوى المطالبة بحقوقه والقيام بواجباته".8  واعتبرَتْهُ أيضاً إصلاحياً، "إذ لأوّل مرّة في تاريخ المدرسة التونسيّة جاء أمر عدد 2437 مُؤرَّخ في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2004 ينظّم الحياة في الوسط المدرسي... ويعمل على تنشئة التلميذ على احترام العادات الحسنة ومبادئ العيش المُشترَك والشعور بالمسؤوليّة".9 وهذه جملة توجّهات نبيلة كان النظام السابق يبرع في إتقان صوغها، وسرعان ما فنّدها التلميذ سيف على أرض الواقع حين أفاد بأنّ "مسؤوليّته على فصله التي تولاّها بالانتخاب، لم تكن تعني شيئاً لأنّها كانت مجرّد مسؤوليّة شكليّة ليس لديها ما تُقدّمه، مع أنّ انتخابه من زملائه كان يعني له مبدئياً إمكانيّة تدخّله لرفع المظالم عنهم وتقديم المقترحات لفائدتهم".10 فوضَعَ بذلك إصبعه على إحدى أهمّ مظاهر إفلاس النظام التربوي السابق، الذي كان يتعمّد برامج وإصلاحات تستجيب في ظاهرها للمبادئ والقيم المدنيّة والإنسانيّة، لكنّها مُسقَطة منهجاً ومضمونا ضمن واقع مفارِق يُرهبه الاستبداد والظلم، وتغيب عنه الممارسة الديمقراطية الحرّة.

لقد سعت ورقتنا هذه إلى دراسة الاتّجاهات والممارسات المدنية لدى تلامذة المدارس التونسية،11  بعد ثورة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 - 14 كانون الثاني/يناير 2011، من خلال البحث في مدى وعيهم المدني وقياس درجته استناداً إلى دراسة عيّنة مُحدَّدة منهم، شملت 3 مجموعات من تلامذة الأول ثانوي، جرى اختيارها والتعرّف عليها واستجوابها ميدانيّاً في 3 محاور رئيسة. خصّ المحور الأوّل منها تصوّرهم المصطلحات والمفاهيم المدنيّة، ومنها مفاهيم المواطنة، والهوية، والمجتمع المدني، والمواطن الصالح، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والشورى، والثورة، وسيادة القانون. وخصّ المحور الثاني مواقفهم وآراءهم إزاء مسائل حقوق الأفراد والجماعات، والمساواة بين المرأة والرجل، والثقة في المؤسّسات، ودور الدين في المجتمع. أما المحور الثالث، فخصّ دراسة الوسط المدرسي من جهات ثلاث: مناهج التدريس، والتلميذ وحريّة التعبير، والتلاميذ والأنشطة.12 

أُنجِزت الدراسة على مرحلتين: مرحلة ميدانية إجرائية تمّ فيها ضبط المجموعات المدروسة، والاطّلاع المباشر على أوضاعها المدرسية والاجتماعية، واستجوابها في معاهدها عن طريق أسئلة موجّهة بلغ عددها 43 سؤالاً توزّع على العناوين التالية: المفاهيم المدنية، والمواقف والآراء، والوسط المدرسي.13  ومرحلة تحليلية تأليفية تمّ فيها استقراء مادة الاستجواب وتصنيفها وتحليلها، والاستنتاج منها في سياق إطارها المرجعي ببُعدَيْه الراهن والاستشرافي، للوقوف على مدى وعي التلاميذ للمفاهيم المدنية ومصطلحاتها واستيعابها، من خلال تصوّرهم إيّاها وآرائهم الشخصية فيها وفي بعض القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة، وسُبُل تعامل أساتذتهم معهم عبر اختبار المناهج المُعتمَدة في تدريسهم داخل الصفوف، ومدى تباينها بين معهد وآخر.

الإطار المرجعي

أُنجِزت هذه الورقة بهدف توسيع رقعة المعرفة الميدانية بمظاهر سلوك تلامذة الصفّ الأوّل من المرحلة الثانوية، مِمَّن تتراوح أعمارهم ما بين 15 و16 سنة، وبمهاراتهم وقيمهم من خلال قياس درجة وعيهم للمفاهيم واستيعابهم وممارستهم إيّاها. كما هدف إلى الوقوف على خصائص فهمهم الفريدة لمفهوم المواطنة، وتدقيقه بطريقة أقرب ما تكون إلى الواقعية والموضوعية والتجرّد. 

طالت الدراسة عيّنةً مؤلّفةً من ثلاث مجموعات بؤريّة Focus groups، ضمّت كلّ مجموعة منها 12 تلميذاً مناصفةً بين الإناث والذكور، اختيروا من 3 معاهد ثانوية، في 3 ولايات من مناطق تونسيّة مختلفة من حيث الموقع الجغرافي والخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،14  وعلى خلفيّة أوضاع تونس قبل الثورة وبعدها.

سعى البحث ضمن إطاره المرجعي إلى صياغة محاوره وأسئلته بمراعاة الخصوصيات الثقافية المحلية للتلاميذ المُستجوَبين  ومستوى تحصيلهم المعرفي، للمساعدة على الوصول إلى ردود صريحة وواضحة ودقيقة، معتمداً طريقةً في الاستجواب جمعت ما بين الجنسين، تماشياً مع الواقع المدرسي التونسي الذي تميّز في نظامه التربوي ومراحل تعليمه وفي كلّ مؤسّساته منذ تاريخ استقلال البلاد في 20 آذار/مارس 1956، بالاختلاط انسجاماً مع المناخ الاجتماعي العام والتوجّه السياسي الرسمي الذي سعى إلى تكريس المساواة بين الإناث والذكور في التعليم والمواطنة. 

منهج البحث 

من البديهي التنبيه إلى أنّ بحثنا قام على اختيار منهجي جزئي من حيث عدد التلاميذ ومواقعهم الاجتماعية والمدرسية، لأنّه انطلق من جمع مادة مُختزَلَة من مواقع ولقاءات ثلاثة محدودة ومُحدَّدة سلفاً. ولذلك، ظلّ البحث طيلة مراحل إنجازه مدركاً لهذه المحدوديّة لجهة عدم القدرة على التعميم، آخذاً بعين الاعتبار في استنتاجاته الأسس التمثيليّة التي اعتمدها في اختياره، ومنتبهاً إلى أنّ دراسة العيّنة جرت في مناطق ثلاث منتقاة على أساس موضوعي مُغْرٍ بالبحث. فهذه المناطق كان لها حضور قويّ في المشهدَين الاجتماعي والسياسي في تونس، قبل تاريخ 14 كانون الثاني/يناير 2011 وخلاله وبعده، خصوصاً في أوساط الشباب من التلاميذ والطلبة والعاطلين عن العمل من حَمَلة الشهادات، سواء في تونس العاصمة حيث تتكثّف الأنشطة المختلفة، بالنظر إلى موقعها وأهمّيتها في بلورة المشهد العام للبلاد، أم في الولايات والمناطق الداخلية – من الشمال في اتّجاه الجنوب - على الشريط الساحلي الذي تميّز بأنشطته المتنوّعة في ميادين السياحة والصناعة والفلاحة، والذي شهد درجات نموّ اقتصادي وازدهار اجتماعي مرتفعة نسبيّاً في العقدَين الأخيرين، وعلى طول الشريط الداخلي الأوسط والغربي/الحدودي مع الجزائر، الذي ظلّ في معظمه أقلّ حظّاً وتنميةً بسبب ارتفاع معدّلات البطالة وانحسار مجال الاستثمار والعمل في المجالَيْن الزراعي والصناعي، ومنها مناطق صعبة المراس في سيدي بوزيد وتالة وفريانة والقصرين وقفصة وسليانة التي انفجر منها الغضب الاجتماعي في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، واشتعل ليمتدّ بعد ذلك كالنار في الهشيم إلى أرجاء البلاد التونسيّة كلّها تقريباً، ويُحدِث فيها تغييراً سياسياً تاريخياً مازالت آثاره ونتائجه في طور المخاض.

ما من شكّ في أنّ عيّنة البحث محدودة المجال والعدد ولا تسمح موضوعيّاً وفي كلّ الأحوال بالتعميم، لكنّها في الوقت نفسه تظلّ ممثّلة وإيجابيّة في التنبيه إلى مواطن تعزيز الفهم والمساعدة على تقديم الملاحظات والتحاليل والأجوبة والحلول والمقترحات في ما يتعلّق ببعض التساؤلات والإشكاليات والصعوبات الذاتية والموضوعية المهمة القائمة في تونس وسائر المجتمعات العربية في مطلع الألفيّة الثالثة، في وجه إنجاز مشروع التربية على المدنيّة والمواطنة بوصفه أساساً معرفيّاً وعمليّاً متيناً لبناء أرضيّة التنمية الوطنية ومقتضياتها الإنسانية المنشودة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية كافة. 

المفاهيم المدنيّة

إنّ المفاهيم والنُّظُم المدنيّة أَساسٌ رئيسٌ من أُسُس التربية الحديثة على المواطنة، ومعرفتها واستيعابها وممارستها على الوجه الأكمل في سياق المسار الطبيعي للحياة المدنيّة، يعزّز الشعور الفردي والجماعي بالمواطنة والانتماء إلى الدولة وإلى المبادئ والقيم المجتمعيّة المشتركة.15 

لذلك ركّز محور المفاهيم والنُّظُم على استبيان وضع المفاهيم المدنية لدى المُستجوَبين من تلامذة المعاهد الثانوية الثلاثة في كلٍّ من تونس العاصمة والمنستير وسيدي بوزيد، استبياناً ميدانيّاً سمح بقياس درجات معرفة الإناث والذكور من التلاميذ بهذه المفاهيم، ومدى استيعابهم وممارستهم إيّاها ضمن منظومة قيمهم الرمزية وخصوصيّاتهم الثقافية وتصوّراتهم وفهمهم لبعض المصطلحات والمفاهيم التي قُسِّمَت إلى 6 أصناف متضافرة في رسم صورة مكتملة عن وعيهم المدني. 

1. الوطن والمواطنة

مالت أغلب إجابات التلاميذ من الجنسين إلى تعريف الوطن تعريفاً متفاوتاً بين التدقيق والتعميم، كالقول إنه مجال جغرافي ومحيط مكاني للعيش المُشترَكن ينتمي إليه الفرد ويضمن فيه حقوقه وواجباته، أو إنّه مَسقط الرأس ومكان الولادة والنشأة، أو الإشارة إلى ضوابط حدوده البحرية والبرية ونشيده الوطني،16  من دون الإشارة إلى طبيعة الدولة أو نظام الحكم أو الهوية أو الدستور. ولم تكن إجاباتهم بالوضوح نفسه في ما يتعلّق بمفهوم المواطنة، إذ عرّفه بعضهم باحترام المبادئ العامّة للوطن، أو حتّى بواجب الاستخلاف في الأرض - على خلفية المفهوم الديني17  - ورَبَطه بعضهم الآخر بالمحبّة والإخلاص في العمل، والمحافظة على الممتلكات الخاصة  والعامة،18  فيما حَصَره آخرون في الانضباط الكلّي للقانون، وتقاسم المنافع، والمشاركة في الأعمال الخيريّة من خلال مساعدة الفقراء والمعوزين.19 

ويمكن أن نلاحظ - مقارنةً بدراسة التربية والتنوّع والاندماج الاجتماعي بتونس20 - استمرار تذمّر التلاميذ حتى بعد الثورة من انعدام إمكانيات الممارسة الفعليّة لحقّ المواطنة في الحياة المدنية داخل المؤسسة التربوية وخارجها، بسبب فقدان المصداقية والأُطُر والسُبُل المساعِدة على ذلك. 

يبدو إدراك مفهومَيْ الوطن والمواطنة لدى تلامذة المعاهد الثلاثة منحصراً في أوّليّات نعتبرها إيجابية بالنسبة إلى ردود أفهامهم وأفعالهم الأولى في شأن المجال والمحيط والحقوق والواجبات والانضباط والتشارك والمحافظة على الممتلكات والعمل الخيري. لكنّ المفهومين احتاجا مع ذلك إلى مزيد من التأسيس النظري والعملي المُساعِد على ضبط الفهم ووضوحه وتدقيقه، وعلى استيعابه استيعاباً واعياً مُتأصّلاً في مستوى القيم والمفاهيم والنُّظُم والمصطلحات والمؤسسات، وقوانين الحياة المدنية وشروطها، وإتقان مهاراتها، والإحساس بالانتماء الإيجابي إلى الدولة والمجتمع على أسس ديمقراطية تسمح بمشاركة الآخرين المبادئ والتطلّعات نفسها، ضمن تنوّع اجتماعي وسياسي وثقافي يقبل التعدّد والاختلاف والتداول والتنوّع، وحتّى الخروج عن المألوف.

2. الهوية

تمحور سؤال الهوية حول المصطلح ومفهومه، وحدّ انتسابه، ومدى إدراكه قبل الثورة وبعدها، بغية الوصول إلى إجابات دقيقة وشافية تخصّ وعي التلاميذ لهويّتهم - أو هويّاتهم - وكيفيّة وصفها والتعبير عنها وإظهارها. 

لاحظنا أنّ أغلب تلامذة المعاهد الثلاثة، الإناث منهم والذكور، اتّجهوا إلى ضبط مفهوم الهوية على أساس الجنسية وبطاقة التعريف الوطنية - أي ما هو منصوص عليه إدارياً في بطاقة الهوية الرسمية - في مرحلة أولى،21  وعلى أساس الوراثة والانتماء الأُسَري والخصوصيات المحلية في مرحلة ثانية. وقد عكس هذا الأمر نوعاً من الهشاشة والضبابية في دقّة المصطلح واستيعاب مفهومه لدى أغلبهم. ففي حين حدّد 20 تلميذاً (11 تلميذة + 9 تلاميذ) هويّتهم بالانتماء إلى تونس أوّلاً (باستخدام عبارة أنا تونسي/تونسيّة)، حدّد 15 تلميذاً (8 تلاميذ + 7 تلميذات) هويّتهم بالانتماء إلى الإسلام أوّلاً (باستخدام عبارة أنا مسلم/مسلمة)، مقابل تلميذ واحد من المُستجوَبين، ينتمي إلى معهد بئر الحفَيْ من سيدي بوزيد، جعل هويّته العروبة في مرتبة أولى (باستخدام عبارة أنا عربي).

ولا شكّ أنّ المُتابِع للشأن التونسي يلاحظ من خلال نتائج هذا الاستجواب إبراز الكثير من التلاميذ الخصوصية الإسلامية (15 تلميذاً/36) في وضوحٍ لم يكن بإمكانهم التعبير عنه في السابق، الأمر الذي يدلّ على انتعاش المدّ الإسلامي في تونس اجتماعياً وسياسياً بعد الثورة. هذا المدّ استفاد من أوضاع الحرية التي ساعدت الإسلاميّين على الظهور والعمل والانتشار بإمكانيات مادية وبشرية كبيرة، وعلى الفوز بالمرتبة الأولى في أولى عمليات الانتخاب "الديمقراطي" التي أُجريَت يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 لانتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي، بهدف صوغِ دستور جديد للبلاد، وتسييرٍ انتقاليٍّ وقتيٍّ للحكم في حدود السنة الواحدة.

وبصرف النظر عن مختلف المواقف والآراء والتقييمات التي سبقت هذه العملية السياسية وصاحبَتْها وعقبَتْها، وعن نتائجها وتداعياتها، فإنّ الأوضاع العامّة في تونس ظلّت في جملتها في "دائرة المُسيطَر عليه نسبيّاً"، على الرغم مما يشقّها من اختلاف وتجاذب ومظاهر عنف، ومن إرادة الغُنْم والتّموقع والهيمنة على السلطة، ولاسيما من قِبَل الحزب السياسي الأقوى، حزب حركة النهضة، على خلفية الهوية التي يريد بثّها في الدستور، وبشتّى الصياغات، على أنّها إسلامية.

لكنّ استنفار أحزاب المعارضة وقوى المجتمع المدني ونُخبه مازال يحدّ من "تغوّل النهضة" في صراع فكري وسياسي وإيديولوجي مفتوح تُلَبِّدُ وضوحَه قوى الانتهازية السياسية التي تشقّ كلّ الصفوف، وتتهافت على المواقع من أجل تأمين منافعها، الأمر الذي جعل الصورة مُعقَّدَة ومركَّبة، وجعل التكهّن بالصيغة النهائية للدستور الجديد، والاتّفاق على مقاييس إجراء الانتخابات المقبلة، وضبط موعدها وشروط نجاحها لفرز شرعيّةِ حُكمٍ قارٍّ، أمراً شيّقاً ومحفوفاً بالمنعرجات والمزالق، ولكن موعوداً، في الوقت نفسه، بكلّ التطلّعات والمفاجآت.

ويلاحِظ المُطَّلِع على نتائج استجوابنا التلاميذ في مسألة الهويّة، غياب الإشارة إلى "الأبعاد المغاربية والأفريقية والمتوسّطية والكونية"، التي كانت برامج التربية المدنيّة للنظام السابق تعتبرها من مكوّنات الهوية الوطنية،22  وكذلك تراجع الخصوصية القومية بشكل كبير، ولاسيما في مناطق سيدي بوزيد وما جاورها، المعروفة تاريخيّاً في تونس بهذا التوجّه. 

في المقابل، يبدو واضحاً من إجابات الكثير من التلاميذ (20/36) أنّ الخصوصية التونسية مازالت تحتلّ المرتبة الأولى مدعومةً من المناطق الثلاث، ولكن مدعومة بنسبة أكبر - بلغت النصف تقريباً من جملة القائلين بالهوية التونسية (9/20) – من منطقة المنستير، مسقط رأس الحبيب بورقيبة الذي يضمّ مدفنه الذي كُتِب على بابه الخارجي بتوصية منه "باني تونس الحديثة ومحرّر المرأة"، في إشارة إلى مسألتَي تحديث تونس وتحرير المرأة باعتبارهما من جوهر الهوية الوطنية التونسية التي عمل على دعمها وتعزيزها بنشر التعليم وتطوير التشريع خارج الأطر الدينية التقليدية.

أما عن وعي الهوية وأسبابه، فأكّد 27 تلميذاً وتلميذة (14 تلميذاً/ 13 تلميذة) وعيهم لهويّتهم قبل الثورة وبعدها. لكننا لاحظنا من خلال إجاباتهم ومحاورتهم الجانبية قبل إجراء الاستجواب وبعده، أنّ وعي الهوية احتضنته قبل الثورة أساساً عوامل أُسَريّة واجتماعية ودينية، بسبب مناخ الاستبداد السياسي الذي هيمن على البلاد، ولم يسمح بإظهار خصوصيات من الهوية مخالفة لاختيار النظام القائم. 

كما لاحظنا بروزاً لهذا الوعي بعد الثورة من خلال بعض المظاهر المتّصلة بأنماط العيش والسلوك وعادات التعامل لدى الجنسين الإناث والذكور، خصوصاً في أوساط بعض الفئات والشرائح الاجتماعية من الشباب كتلامذة المعاهد، منها ما يظهر مثلاً في اللباس، من خلال ظاهرة إقبال بعض الفتيات على الحجاب والنقاب وبعض الفتية على لبس الجلباب وإطالة اللحى. وهذه ظواهر قد تعكس متنفّساً وحنيناً وحتّى إظهاراً لبعض خصوصيات الهوية الإسلامية، التي يرى البعض أنّه قد تمّ إقصاؤها وتهميشها. وتسعى بعض التيارات الإسلامية الناشطة بعد الثورة في الأوساط التلمذيّة والطلابية، إلى توظيفها العقائدي والإيديولوجي. لكنّها ظواهر قد لا تخلو في الوقت نفسه من اهتزاز المفهوم وضبابيّته لدى الناشئة، إزاء مظاهر الحداثة والعولمة وانفتاح مجالات التقدّم الإنساني والمبتكرات العلمية، وإزاء تنامي مطلب الحريّة الذي بات يسمح بتعدّد الهويّات على أساس الاعتراف بالخصوصيّات واحترامها، بما فيها هويّات الأقلّيات وخصوصيّاتها، سواء تلك التي وافقت على الهوية الجامعة وانسجمت معها، أو حتّى تلك التي خالفتها أو حتّى خرجت عنها. 

3. المدنيّة والمجتمع المدني

كشف الكثير من التلاميذ – ولاسيما من معهدَيْ تونس وسيدي بوزيد - عن ضمور وعيهم لمفهوم المدنيّة، إذ غاب التعبير عن المفهوم لدى 14 تلميذاً منهم، مناصفةً بين الإناث والذكور، من خلال عدم إجابتهم على سؤال مفهوم المدنيّة،23  في حين أرجعه أغلب تلامذة معهد المنستير (11/12: 6 تلاميذ و5 تلميذات) إلى الحقوق والواجبات الفردية والجماعية، وأرجعه نصف المُستجوَبين من تلامذة معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد (6/12 مناصفةً بين الإناث والذكور)، إلى الاجتماع والحضارة.24 

نستنتج من إجابات التلاميذ باختلاف مواطنهم ومعاهدهم غياب مفهوم المدنيّة الذي سعت السلطة السياسية الاستبدادية إلى نشره وتعزيزه على قياسها، عن طريق برامج التربية المدنية الرسمية وكُتُبها، قبل 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، ومن خلال ترويجها صورة مثالية نموذجية للمواطن الصالح، الذي "يساهم في دعم نظام البلاد، ويسهر على أمنها، ويشارك في صنع قراراتها، ويحمي مؤسّساتها عبر شخص رئيسها بن علي"، الذي تكنّى بـ"حامي حمى الدين والوطن".

نستنتج أنّ أغلب التلاميذ – على الرغم مما أظهروه من حصانة نسبيّة إزاء سياسات النظام السابق- تعثَّرَ في الإفصاح عن مفهوم المدنية يتأسّس على مرجعية فكرية وثقافية واضحة. فالمفهوم غائم وحتّى غائب أحياناً في وعي بعض التلاميذ، وكأنّه دخيل على واقعهم الجديد وغير مُؤَسَّس فيه، وذلك على الرغم مما أبرزوه في إجاباتهم من وعيٍ واضحٍ لأهمية المدنيّة في حياتهم، ولوظيفة المواطن الصالح الذي يحترم مبادئ العيش المشترَك ويُقبِل، بتلقائيّة ومن دون مَنٍّ، على التضامن وفعل الخير ضمن أُطُر العمل الجمعيّاتي الذي هو من صميم الحقّ في مجتمع مدني مُزدهر يضاهي دوره دور الدولة، وحتّى يفوقه في بعض المجالات والأنشطة الإنسانية، كما هو جارٍ العمل به في المجتمعات المتقدّمة.

4. الوعي بحقوق الإنسان

بدا فهم حقوق الإنسان والانسجام في ضبط مفهومها، واضحَين لدى تلامذة المعاهد الثلاثة من الإناث والذكور.25  فقد اتّفق المُستَجوَبون جميعاً على تصنيف هذه الحقوق إلى فردية وجماعية، وإلى طبيعية ومُكتَسَبَة، وأبرزوا منها الحقّ في الحرية والكرامة والأمن، وحقّ التعلّم والعمل والصحّة والغذاء والتعبير والنشر،26  وهي من الحقوق التي نادت بها قوى الاحتجاج الشعبي - خصوصاً من الشباب المتعلّم – عبر الشعارات التي رفعتها خلال أحداث 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 وما تلاها.

إنّنا حقاً لا نستغرب هذه الدرجة من الوعي لحقوق الإنسان لدى تلامذة المدارس التونسية، لأنّ النظام السياسي، قبل 14 كانون الثاني/يناير 2011، كثّف من دعايته في أجهزة إعلامه الرسمي لفائدة بعض مبادئ حقوق الإنسان ومكاسبه فيها، ولاسيما في مجال حقوق المرأة والطفل والمُسنّ. حتّى أنّه أدخل فيها نشر الماء والكهرباء وارتفاع معدّل الحياة، وذهب أشواطاً في التمويه بإقرارها في مستويات التعليم وبرامجه كافّة إلى المرحلة الجامعية، وكذا في كتب التربية المدنيّة وبعض المنشورات الدعائيّة كأغلفة الكتب والكرّاسات التي كان التلاميذ يستعملونها أثناء دراستهم، تلميعاً لصورته واستجداءً لرضا بعض المنظمات السياسية والإنسانية الإقليمية والدولية.27 

لكنّنا نشير إلى أنّ ثقافة حقوق الإنسان في تونس مكسب تاريخي تأسّس قبل صعود زين العابدين بن علي إلى الحكم في 7 تشرين الثاني/نوفمبر1987. ويعود الفضل فيه خصوصاً إلى نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعملها طيلة عقود على نشر الثقافة الحقوقية في أرجاء البلاد كافة وكلّ الأوساط الفكرية، على الرغم من العراقيل والمضايقات السياسية والأمنية التي كانت تتعرّض إليها.

هذه الرابطة هي أوّل تنظيم حقوقي عربي وأفريقي يجري تأسيسه في تونس لفائدة المجتمع المدني، على أيدي بعض النخب الفكرية والحقوقية التي وقفت في وجه تجاوزات السلطة القائمة منذ فترة حكم بورقيبة. وقد دأب هذا التنظيم على العمل والإشعاع في استقلاليةٍ شبه تامّة عن النظام الحاكم، وزاد من دعم إشعاعه ورَفْدِهِ تأسيسُ جمعيّة النساء الديمقراطيّات ونشاطها الميداني المُكثَّف في حقل الدفاع عن حقوق المرأة والرجل والطفل والأسرة، على أرضيّة ميثاق حقوق الإنسان ومناهضة التمييز ضدّ المرأة.

نسوق هذه المعطيات الموضوعية للتنبيه إلى تاريخيّة ثقافة حقوق الإنسان في تونس وأهميّتها، والدعوة إلى ضرورة المحافظة عليها وتأصيلها ودعمها، وتعزيز حضورها في مؤسّسات التربية والتعليم وسائر مؤسّسات المجتمع التونسي، ولاسيما في الأوساط التي تؤمّها الناشئة التي يجب أن تشبّ على احترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية وصيانتها، من دون أيّ تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين أو غيره.28 

5. الديمقراطية والشورى 

وقف البحث في وعي مفهوم الديمقراطية وعلاقته بالشورى الإسلامية وبمسألتَيْ التعدّد والاختلاف، على انقسام واضح بين التلاميذ مرجعُهُ خيبةُ أمَلِهم في تطبيق الديمقراطية ومراعاة الشورى وحقّ الاختلاف، سواء في بلدهم تونس أم في بلدان العالم العربي، حتّى في مرحلة ما بعد الثورة. 

فقد امتنع 17 تلميذاً من الجنسين (8 من تونس + 3 من المنستير + 6 من سيدي بوزيد)، عن الإجابة على الأسئلة المتعلّقة بهذا المحور، ورفضوا الخوض فيها، لا تخوّفاً من إشكاليّاتها أو تجنّباً لحساسيّاتها، بل إصراراً منهم على إظهار امتعاضهم وخيبة أملهم من غياب التطبيق الفعلي للديمقراطية والشورى وحقّ الاختلاف في الواقع المَعيش. حتّى أنّ 18 تلميذاً وتلميذة (4 من تونس + 7 من المنستير + 7 من سيدي بوزيد) ممَّن قبلوا الإجابة، ذكروا أنّه لا توجد ديمقراطية ولا شورى ولا حقّ اختلاف، واستخدم بعضهم عبارات من نوع "لا معنى لها" أو "لا أعرف" أو "هذه المسائل لا تعنيني".

إلا أنّ 19 تلميذاً وتلميذة (5 من تونس + 4 من المنستير + 10 من سيدي بوزيد) أجابوا أنّ الديمقراطية هي حكم الشعب والغالبية عن طريق الانتخاب، وربطوا مفهومها بالحرية والمساواة والحقوق والواجبات والعيش الكريم.

وانتبه 5 تلاميذ فقط (2 من تونس + 3 من المنستير) إلى أنّ التشاور وتبادل الرأي والتوافق هي من أهمّ القِيَم التي تجمع موضوعيّاً ما بين الديمقراطية والشورى، في حين أكّد 14 تلميذاً (3 من تونس + 7 من المنستير + 4 من سيدي بوزيد ) أن لا علاقة بينهما. وغلّب 3 تلاميذ فقط (تلميذ واحد من تونس + تلميذتان من سيدي بوزيد) - في موقف "إسلامي راديكالي" - الشورى على الديمقراطية، فدعا التلميذ إلى "جعل الديمقراطية تحت الحدود الإسلامية"، فيما ذكرت التلميذتان "أنّ الشورى الإسلامية توفّر الحقوق وتحفظ الحياة"، و"أنّ الإسلاميّين هم الأجدر بثقة الناس وحكمهم".

الحاصل من استجواب التلاميذ في هذه المسألة هو ما ظهر من انزعاجهم وإحباطهم إزاء تعثّر تطبيق الديمقراطية والشورى وحقّ الاختلاف في ممارستهما، وهو محصول "مزعج" حقّاً لأنّه يدلّ من ناحية، على إخفاق الأساس التعليمي العصري في تونس، التي راهن شعبها عليه ومَنَحه الكثير من دخله الوطني طيلة عقود، ومن ناحية أخرى، على إخفاق إدارة المرحلة الانتقاليّة بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011، التي بات الكثير من التونسيّين يعتقد أنّها امتدّت أكثر من اللازم لفائدة أطراف سياسية واجتماعية دون غيرها، وبأساليب لا تنمّ عن احترامٍ للديمقراطية، بل تُساهِم في تأجيج مظاهر الخلاف والصراع والعنف.

يبدو أنّ التلاميذ منسجمون في ردود أفعالهم مع سائر فئات الشباب التي ظلّت تتابع هذه المرحلة بكثير من العزوف والترقّب، وحتّى الرغبة في التمرّد، بسبب إقصائها عن الفعل الديمقراطي الناشئ واستمرار معاناتها اجتماعياً واقتصادياًً بعد الثورة، إضافة إلى ما ظلّت تتابعه في ترقّب وإحباط – كغيرها من الفئات الاجتماعية الهشّة - من تباطؤ في الاستجابة لمطالبهم. 

وقد لاحظنا من خلال الاستجواب أنّ الإناث في المناطق الثلاث، تونس العاصمة والمنستير وسيدي بوزيد، أكثر إيجابيّةً وانفتاحاً من الذكور في قبول الاختلاف والتعدّد في الفكر والسياسة والاجتماع والتنمية، وحتّى في الدين واللون. برز هذا الانفتاح واضحاً في أجوبة كلٍّ من تلميذات سيدي بوزيد (5/6)، تَلَتْهُنّ تلميذات المنستير (3/6)، ثم تلميذات تونس العاصمة (2/6). وهذا الأمر رأيناه إيجابياً في حدّ ذاته لتعميق وعي مفهوم المدنيّة وممارستها، ويجب العمل على دعمه وتعزيزه.

6. الثورة وسيادة القانون 

بدت سيادة القانون قيمةً غير مُؤَسَّسة في وعي أغلب أفراد العيّنة المُستجوَبة. فالكثير من التلاميذ أبدى صعوبة في استيعاب مفهوم سيادة القانون وممارسته، وتأَرْجَح بين القول بعدم تطبيقه في الواقع العملي، وبين الدعوة إلى عُلويّة سلطته على كلّ السُّلُطات. 

7/12 من تلامذة معهد بئر الحفي في ولاية سيدي بوزيد مثلاً (4 تلامذة + 3 تلميذات)، كانوا حاسمين في ما اعتبروه تغليباً لسلطة الأشخاص على القانون قبل الثورة وبعدها، إلى درجة ظلّ القانون معها في رأيهم متمثّلاً في الأشخاص. وقد عبّرت إحدى التلميذات عن ذلك في لغة بليغة قائلةً "إنّ عشق الكراسي أخفى سيادة القانون قبل الثورة وبعدها"، في إشارة واضحة إلى التخوّف من خطر استمرار هذه الظاهرة بعد الثورة أيضاً، مثيرةً بذلك مسألة التخوّف من الآتي إزاء احترام علويّة القانون والإذعان الواعي لسلطته وسيادته.

وقد لاحظنا أنّ خيبة الأمل في ما يتعلّق بمفهوم سيادة القانون ووعيه وتطبيقه، ليست إلا صدًى وامتداداً لما شَهِدَتْهُ "دولة القانون والمؤسّسات" في المرحلة السابقة للثورة، من تجاوزٍ كبيرٍ على أيدي أجهزة النظام التي كانت ترفعه شعاراً لا غير بغاية الدعاية والاستهلاك والتمويه.

على العكس من ذلك، بدا مفهوم الثورة محسوماً في وعي التلاميذ وتصوّرهم وعبارتهم، على الرغم من اختلاف الموقف منه بين مجموعة وأخرى من هذا المعهد أو ذاك، ومن هذه المنطقة أو تلك. فقد اعتبر 32 تلميذاً/36 (11 من تونس + 10 من المنستير + 11/12 من سيدي بوزيد) الثورة تغييراً جذريّاً في الأوضاع، واشترط بعضهم (6/10 من تلامذة معهد ولاية سيدي بوزيد مثلاً) إنجاز التقدّم لفائدة الشعب والمجتمع حتّى يكتمل مفهومها، مبرزاً من مضامينها التغيير الفكري والعلمي أيضاً.س وربط أحد تلاميذ تونس العاصمة نجاحها بتوفير الطعام، في تعبير بليغ عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي أدّت إلى انفجار الأوضاع، وتنبيهٍ صارخٍ إلى أهمّية لقمة العيش لضمان الكرامة الإنسانية.

وفي الوقت الذي اعتبر أغلب تلامذة سيدي بوزيد (10/12: 6/6 إناث + 4/6 ذكور) ما حدث في تونس ثورةً كبرى، منبّهين إلى أنّ فصولها ونتائجها لم تكتمل بعد، رَفَض تلامذة المنستير بأغلبيّة ساحقة (11/12: 6/6 إناث + 5/6 ذكور) اعتبار ما حدث في تونس ثورة، في حين انقسم تلامذة تونس العاصمة (6 مقابل 6) بين اعتبارها ثورة (4 ذكور + 2 إناث)، وبين رَفْض ذلك (4 إناث + 2 ذكور).

ولنا أن نسأل، في استنتاج نُدرك أنّه نسبي، أوّلاً عن مدى مبدئيّة هذا الموقف من الثورة ونهائيّته لدى هذه الفئة من الشباب. هل هو موقف ظرفي قابل للتغيّر والتطوّر في هذا الاتّجاه أو ذاك، أم أنّه حاسم ونهائي؟ نلاحظ أنّ الأمر في الحالتَيْن والاحتمالَيْن جدير بالمتابعة ومزيد من الدراسة والبحث، في ضوء تطوّرات المشهد السياسي التونسي في علاقته بتطوّر وعي التلاميذ وموقعهم مستقبلاً. ونسأل ثانياً عن خلفيّة هذه المواقف المتباينة كلّيّاً بين تلامذة معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد، وبين تلامذة معهد بورقيبة في مدينة المنستير مثلاً، والمنقسمة على نفسها في صفوف تلامذة المعهد نفسه، معهد حسن حسني عبد الوهاب في تونس العاصمة. فنستقرئ بعض دوافعها من الواقع الاجتماعي الميداني الذي أفرزها بناءً على ملاحظة ما تقوم عليه سيدي بوزيد من نسيج اجتماعي/قبلي/زراعي طموح اخترقَتْه مظاهر حادّة من البطالة والهجرة والنزوح وضعف البنية التحتيّة وانعدام التهيئة والاستثمار ومحدوديّة وسائل العيش، الأمر الذي حكم عليها بالمراتب الأخيرة في مجال التنمية، ورشّح القوى الاجتماعية الفتيّة فيها وفي مثيلاتها من المناطق الشبيهة، إلى أن تكون في مقدّمة مفجّري الثورة وحاضنيها. في مقابل ذلك، حقّقت ولاية المنستير – كأغلب الولايات الساحلية الشرقية – نهوضاً عمرانيّاً واجتماعياً، وازدهاراً صناعياً وسياحياً جعلاها - بدعم واضح من اختيارات النظام السابق - تحتلّ المرتبة الأولى في التنمية، وبالتالي في منأى نسبي عن الأحداث العنيفة التي هزّت أنحاء البلاد التونسية.

إنّ واقع التفاوت الجهوي الكبير بين المنطقة الساحلية الشرقية وبين المنطقة الداخلية الغربية، كان ومازال من أهمّ دوافع التمرّد وأسبابه الكامنة في الأُسُسِ الظالمة للنظام السياسي التي قامت الثورة بهدف تغييرها جذريّاً في اتّجاه العدل والتنمية والحرية والكرامة للجهات والفئات كلّها، على قدم المساواة الوطنيّة في توفير الحظوظ والإمكانيّات، وحسن توظيف الموارد والكفاءات.

المواقف والآراء

للتلاميذ في سنّ 15/16 سنة - أي بداية مرحلة دراستهم الثانوية - وجهات نظر مختلفة إزاء القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تشقّ حياتهم وتؤثّر في بلورة مستقبلهم. لذلك ركّز المحور الثاني من الاستبيان على استجلاء مواقفهم وآرائهم ووجهات نظرهم إزاء ما جرى ويجري حولهم من أحداث ومتغيّرات وتطوّرات، ومدى مشاركتهم فيها وردود فعلهم عليها وتفاعلهم معها، عبر توجيه أسئلة استجوابهم إلى مسائل الحقوق الفردية والجماعية والمساواة بين المرأة والرجل، والثقة في المؤسّسات ودور الدين في المجتمع.

1. حقوق الأفراد والجماعات 

انصبّ اهتمام المسائل المرتبطة بالحقوق الفردية والجماعية على حقّ التنظّم والموقف من الأقلّيّات والمساواة بين الجهات. 

ولئن أجمع التلاميذ من المناطق الثلاث، الإناث منهم والذكور، أو كادوا يجمعون على إقرار حقوق التعلّم والتعبير والعمل والتنظّم والمساواة لكلّ الأفراد والجماعات والجهات،29  فإنّهم أظهروا اختلافاً مُميَّزاً في قضيّتَيْ حقّ الخصوصيّة في مسألتَيْ التصنّت على المكالمات الهاتفيّة ومراقبة البريد العادي والإلكتروني، وحقوق الأقلّيّات من الجماعات الدينية والعرقية والثقافية، كاليهود والأمازيغ والسُود.

فقد عبّر تلامذة معهد بورقيبة في المنستير، وبأغلبيّة ساحقة (11/12: 6/6 إناث + 5/6 ذكور)، عن مساندتهم المطلقة حقَّيْ الخصوصية والأقلّيات، ودعَوا خصوصاً إلى مساندة الأقلّيات العرقية والثقافية في حماية خصوصيّاتها والمحافظة عليها، وإبرازها باعتبارها رافداً من روافد النسيج الاجتماعي والتاريخي والثقافي المتنوّع والمشترك. 

في مقابل ذلك، لم يُخفِ بعض تلامذة معهد حسن حسني عبد الوهاب في تونس العاصمة، والمعهد الثانوي في بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد، اختلافهم في هذَيْن الحقّين من خلال تعبير البعض منهم عن احترازه منهما وحتّى اعتراضه عليهما. 

ففي معهد تونس العاصمة، أجاب بنعم لحقّ الخصوصيّة نصفُ التلامذة المُستجوَبين، أي 6/12 فقط (3 إناث + 3 ذكور)، في حين قَبِلَه نسبياً 4/12 (2 إناث + 2 ذكور)، ورفضه 2/12 (تلميذ + تلميذة). أمّا في معهد سيدي بوزيد، فسأجاب بنعم لفائدة هذا الحقّ 7/12 من التلاميذ (4 ذكور + 3 إناث)، في حين احترز منه وقَبِله نسبياً 5/12.

الطريف أنّ تلميذَيْ معهد العاصمة اللّذَيْن رفضا حقّ الخصوصيّة – مطالبين بالتصنّت على بعض المكالمات - برّرا موقفهما بالدواعي الأمنيّة تأثّراً واضحاً منهما بالسياق العامّ ساعةَ إجراء الاستبيان، الذي اتّسم بتداعيات الثورة عبر بعض مظاهر العنف والاعتداء والفوضى التي استمرّت هنا وهناك، وطالت آثارها المجال السياسي، من خلال حدثَيْ اغتيال الناشطَيْن، المحامي شكري بلعيد، الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي الموحّد، في 6 شباط/فبراير 2013، والأستاذ محمّد البراهمي، المنسّق العامّ للتيّار الشعبي وعضو المجلس الوطني التأسيسي، يوم ذكرى تأسيس الجمهوريّة في 25 تموز/يوليو 2013. وهذان الحدثان كانا حدثَي عنفٍ سياسيٍّ اهتزّت لهما مدينة تونس العاصمة وأرجاء البلاد كلّها،30  وكانت لهما آثار وانعكاسات أمنية وسياسية سلبيّة، زادت من تأزّم العلاقة بين طَرَفَيْ الحكم والمعارضة.

هذا الموقف المحترز على حقّ الخصوصية لدى بعض التلاميذ، انسحب أيضاً على الموقف من حقّ الأقلّيات الذي قَبِلَه 3/12 فقط من تلامذة معهد العاصمة مثلاً (2 ذكور + أنثى واحدة)، في حين رفضه 5/12، واحترز منه 4/12.

وقد برّر التلامذة المعترضون والمحترزون من معهدَيْ العاصمة وبئر الحفي، وعددهم 15/24 (8 من المعترضين + 7 من المحترزين)، موقفهم بالخوف على وحدة المجتمع من ظهور النَّعَرَات والمشاحنات العرقية والثقافية، وحتّى القبلية والجهوية والفئوية وغيرها، وهي من المبرّرات التي تنمّ عن قصور في ثقافة الاختلاف، وفي تصوّر المدنيّة الحديثة التي تقوم فيها وحدة المجتمع على قبول الخصوصيّات والتعدّد، وعلى صيانة أسباب التنوّع ومظاهرها. وهذا القصور يتعدّى في الحقيقة والواقع وعي التلاميذ وتصوّراتهم، لأنّه كامن في ثقافة المجتمع و"اختياراته" المنعكسة سلباً على البرامج التعليمية وتربية الجيل، ولا بدّ من وضع خُطَط مدنيّة استراتيجية بعيدة المدى لتجاوزه.

2. المساواة بين المرأة والرجل 

أصبحت المساواة بين الجنسين في تونس موضوع حوار مجتمعي بعد الثورة بسبب موقف بعض القوى الاجتماعية والسياسية ذات المرجعية الإسلامية، الداعي إلى مراجعة مفهوم المساواة بين المرأة والرجل في المجتمع على أساس التكامل لا التناصف، والساعي إلى التنصيص على ذلك في الدستور الجديد. وقد شكّل ذلك  نقطة خلاف حادّة بين القوى المختلفة اجتماعياً وسياسياً وفكرياً في هذه المسألة الحقوقية والإنسانية المبدئيّة، أدّت إلى جدل وتجاذب حول وضع المرأة في المجتمع. 

في هذا السياق الجدلي/الخلافي، استبيّنّا مواقف التلاميذ وآراءهم في المساواة بين الجنسين في التعلّم والعمل والتعبير والزواج وتسيير الأسرة والطلاق.

من الأمور التي شدّت انتباهنا كانت موافقة التلاميذ من الولايات الثلاث على المساواة في حقّ التعلّم بنسبة مطلقة (36/36)، الأمر الذي يؤكّد أنّ التعليم يبقى قيمةً ثابتةً لدى كلّ التونسيّين على اختلاف مشاربهم، يَقبلون المساواة فيه باعتباره حقّاً مشتَرَكاً للاستثمار في الإنسان وتنمية قُدُرات الأفراد والمجموعات والجهات، وحسن توظيف الموارد والكفاءات، وضمان الترقّي الفكري والاجتماعي والتهذيب الأخلاقي، وتطوير مؤسّسات الدولة والمجتمع ووظائفهما. 

وإذا استثنينا رفض 4 ذكور من معهد تونس العاصمة، المساواة في الزواج بين المرأة والرجل، فإنّ بقيّة التلاميذ - أي بنسبة 32/36 - وافقت من دون تردّد على هذا الصنف من المساواة أيضاً.

نعلم أن تونس، وبإرادة حازمة من أوّل رئيس لنظامها الجمهوري الحبيب بورقيبة، أقرّت عمليّاً حقّ المساواة بين الجنسين، وعملت على نشره ودعمه، خصوصاً من خلال عمليّتي التعليم والتشريع: عبر جعل التعليم إجباريّاً للجنسين، ونشر مؤسّساته في كلّ أنحاء البلاد حتّى الريفيّة النائية منها، والتشجيع على تعليم الفتاة؛ وعبراستصدار مجلّة الأحوال الشخصية التي منعت تعدّد الزوجات، ومنحت حقّ الزواج وحرّيته للمرأة؛ وعن طريق وضع برنامج رائد للتنظيم العائلي، نَشَر ثقافة الحدّ من الإنجاب، ولاسيما في الأوساط الاجتماعية الهشّة، وركّز على العناية بصحّة الأمّ والطفل من خلال بعث مراكز للغرض، وأقرّ حقّ الإجهاض للمرأة وشرّعه قبل عديد الدول الأوروبية.31 

يبدو أن آثار هذه الإجراءات ونتائجها مازالت سارية في الكثير من الأوساط الاجتماعية، ومنها الوسط التلمذي إلى مرحلة ما بعد الثورة. ولعلّنا بهذا التذكير ببعض المعطيات التاريخيّة وأثرها المتّصل، نفهم لماذا أجابت نسبةٌ مطلَقَة من التلميذات (18/18) لفائدة حقّ المساواة بين المرأة والرجل في التعلّم والزواج، وعياً منهنّ لمكتسبات إنسانيّة حصلت لفائدة المرأة – أي لفائدتهنّ - وباتت اليوم مُهدَّدَة بالمراجعة والتراجع. 

مقابل ما بدا من انسجام التلاميذ في التمسّك بحقّ المساواة في التعلّم والزواج – خصوصاً لدى الفتيات - برز انقسامٌ في مواقفهم في مايتعلّق بالمساواة في العمل والتعبير والزواج وتسيير الأسرة والطلاق، من خلال بروز آراء من الجنسين لا توافق على المساواة التامّة بين المرأة والرجل في هذه الحقوق.

ففي مجال العمل مثلاً، برزت 4 مواقف لدى تلامذة معهد تونس العاصمة (2 إناث + 2 ذكور) ضدّ المساواة في حقّ العمل بين المرأة والرجل، وبرزت مواقف مثلها لدى تلامذة معهد بئر الحفَيْ (3 ذكور + أنثى واحدة)، في حين احترز نصف تلامذة معهد المنستير (6/12) (3/6 إناث + 3/6 ذكور) من هذه المساواة. 

المُستغرَب في بعض الآراء التي صرّح بها التلاميذ وقوف بعض الفتيات ضدّ مساواتهنّ الذكور في حقّ العمل (3/18)، أو احترازهنّ من هذا الصنف من المساواة (6/18)، متنازلات بذلك عن حقّ أساسي من حقوقهنّ في المواطنة الكاملة، تحت ضغط أسباب مختلفة ومتعدّدة كالأزمة الاقتصادية وانتشار البطالة، وبعض الأفكار الدينية التي باتت تُروّج أنّ المرأة للبيت وطاعة الزوج والإنجاب، وأنّ الأولويّة في الشغل للرجل. وكلّ هذه الأسباب هي أسباب خلافيّة لا تبرّر الطعن في حقّ المساواة في العمل بين الناس، ويجب أن تُدرَس وتُعالج لتُقوَّم - في رِفْق وبعيداً عن كلّ مظاهر الإيديولوجيا – عبر برامج التربية الحقوقية والإنسانية التي يجب ألا يقتصر إشعاعها على المدرسة، بل أن يمتدّ ليشمل سائر مؤسسات المجتمع ضمن تصوّرات مدنيّة مواطنيّة للتعليم والتكوين والتأهيل والتشغيل.

برز تفرُّدٌ واضح لدى بعض التلاميذ في أمثلة أخرى من المساواة، كالمساواة في حقّ التعبير. فقد أبدت 4 تلميذات من معهد تونس العاصمة احترازاً بلغ حدّ الاعتراض على مساواة المرأة الرجل في حقّ التعبير، في الوقت الذي أجمع زملاؤها من الذكور في المعهد نفسه (6/6)، وكلّ تلامذة معهد بئر الحفَيْ، إناثاً وذكوراً (12/12)، على هذا الحقّ في المساواة.

واضطربت المواقف وتداخلت الآراء إزاء قضيّتَيْ تسيير الأسرة والطلاق. فاضطربت وتداخلت مثلاً بين ذكور يوافقون على المساواة في هذَيْن الحقَّيْن، وبين إناث لا يوافقن، باستثناء ما ورد في أجوبة تلامذة المنستير من إجماعٍ على المساواة التامّة بين المرأة والرجل في الطلاق (12/12). وهذا الموقف في الحقيقة موقف القوانين الرسميّة المعمول بها في تونس، حيث الطلاق حقّ للمرأة والرجل لا يتمّ إلا في المحاكم أمام قاضي الأسرة، بصِيَغ التراضي أو الإنشاء أو الضرر. غير أن هذا الحقّ الإنساني المكتَسَب والمعمول به في تونس منذ عقود من السنين، بات هو أيضاً – تحت ضغط إيديولوجيا الإسلام السياسي والاجتماعي - محلَّ تشكيك ودعوة إلى المراجعة وإعادة النظر، حتّى في أوساط بعض "النُّخَب" والفئات المتعلّمة.

لعلّنا بهذا نفهم لماذا 4 تلاميذ من معهد بئر الحفَيْ مثلاً (3 ذكور + فتاة واحدة)، وتلميذان من معهد تونس العاصمة، عبّروا عن موقف واضح ضدّ حقّ المساواة في الطلاق بين المرأة والرجل   - طاعنين بذلك في حقّ إنساني مدني آخر مُكتسَب لفائدة المواطن - بمفعول الثقافة الاجتماعية المُعترِضَة عليه، والتي تشكّك من وجهة نظرها في انسجامه مع التشريعات الإسلامية وجدواه، وتضغط بكلّ الوسائل – بما فيها الشائعات - في اتّجاه أن يُراجع، متعلّلةً بارتفاع نِسَب الطلاق، ورابطةً إيّاها بالمبالغة في منح حقوق المرأة وتحرّرها ومساواتها الرجل في حقّ الطلاق.

يبدو أنّ مثل هذه الآراء المستندة إلى خلفيّات اجتماعية/سياسية ودينية/إيديولوجية محدودة العمق المعرفي والحقوقي والثقافي – ومنها ما ينبع من اعتبار المرأة كائناً ناقصاً - قد تسرّب إلى الوسط المدرسي واجتاح عقول بعض التلاميذ، ليملأ فراغاتهم الفكرية والنفسية، ويُوهم بمساعدتهم على حلّ أزماتهم وأزمات مجتمعاتهم المتراكمة. مثل هذه الآراء لا بدّ لها من خطط مدنية علمية/تربوية/إعلاميّة شاملة وعميق تحتويها وتستوعبها، وتستبق غيرها من مظاهر الآتي السلبي - بسبب استمرار دواعي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المراحل القادمة - ضمن أطر ومؤسسات مختصّة تتبنّاها سياساتٌ نزيهة وحكيمة، تزاوج في عملها بين تلبية الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية، وبين مقتضيات الثقافة الإنسانية التي أقرّت في عهودها ومواثيقها نهائيّاً المساواة التامّة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.

3. الثقة في المؤسسات 

أراد هذا السؤال معرفة مدى ثقة التلاميذ في المؤسسات القائمة، واقترح عليهم المؤسسات التالية: رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، والبرلمان، والجيش، والشرطة، والمخابرات، والأحزاب والنقابات. كما طلب منهم التعبير عن مدى اهتمامهم بالقضايا السياسية والاجتماعية.

أبرزت إجابات التلاميذ ثقتهم القليلة في مؤسسات أعلى هرم الدولة الثلاث: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان. فـ7/12 من تلامذة معهد تونس العاصمة عبّروا عن ثقة قليلة في رئاستَيْ الجمهوريّة والحكومة، و8/12 عن ثقة قليلة في البرلمان، أمّا النسبة الباقية (من 4 تلاميذ إلى 5/12) فثقتها نسبيّة، ولم نسجّل ولَوْ إجابة واحدة عبّرت عن ثقة كبيرة في هذه المؤسّسات. 

وتزيد نسبة تدنّي الثقة في هذه المؤسسات الثلاث لدى كلٍّ من تلامذة معهدَيْ ولاية المنستير (11/12 ثقتهم قليلة في المؤسّسات الثلاث)، وبئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد (بين 8 و9/12). 

الملاحظة نفسها انتهى إليها استقراء الأجوبة بالنسبة إلى مؤسّستَيْ الشرطة والأحزاب السياسية، اللتَيْن بدت الثقة فيهما بين القليلة (من 8 تلاميذ إلى 11/12) والنسبيّة، في حين ارتفعت نسبة الثقة في المخابرات حتّى بلغت درجة كبيرة بنسبة 6/12 من تلامذة بئر الحفَيْ و8/12 من تلامذة المنستير.

نستنتج من هذا الاستقراء تأثيرَ الأحداث الجارية خلال المرحلة الانتقالية، التي تخلّلتها صعوبات كثيرة في مواقف أغلب التلاميذ من هذه المؤسّسات التي بدت ثقتهم فيها متدنّية. فثقة المُستجوَبين من التلاميذ في الشرطة ضعيفة بسبب رصيدها السلبي في مواجهة المتظاهرين بالسلاح أثناء أحداث الثورة وحتّى بعدها (في مدينة سليانة مثلاً حيث جُوبِه المتظاهرون بالرشّ)، وبأساليب ومظاهر من القمع والعنف ارتبطت بدورها "المؤسّسي" في مواجهة المتظاهرين والمعتصمين والمتجاوزين للقانون في ظروف صعبة واستثنائية. 

والطريف أنّ بعض التلاميذ – خصوصاً من ولايتَيْ المنستير وسيدي بوزيد - استثنى من هذا الموقف السلبي مؤسّسة المخابرات – على الرغم من دورها الأمني/الاستخباري - ربّما لضمور بروزها على ساحة المواجهات، كما هو الشأن بالنسبة إلى مؤسسة الشرطة.

في مقابل ذلك، بدت الثقة كبيرة في النقابات (10/12 في سيدي بوزيد مثلاً)، اعترافاً بدورها الإيجابي في احتضان المحتجّين والمتظاهرين من العمّال وسائر الفئات الاجتماعيّة الغاضبة في مقرّاتها خلال الثورة وبعدها، والدفاع عن القدرة الشرائية للعمّال والموظّفين، وتأمين بعض الزيادات في أجورهم، وبدورها في الوقوف أمام "تجاوزات" السلطة الانتقالية في مجالَيْ الحقوق والحريات، والدعوة إلى الوفاق الوطني والتقارب بين مختلف الفُرَقاء السياسيين والاجتماعيين.

وما يشدّ الانتباه في أجوبة التلاميذ الثقة الكبيرة المُطلَقة في مؤسسة الجيش (12/12 في المنستير، و11/12 في كلٍّ من تونس العاصمة وسيدي بوزيد)، ومرجعها الدور الوطني الذي أدّته المؤسسة العسكرية في حماية الممتلكات الخاصة والعامة، وحفظ أمن البلاد، واحترام إرادة الشعب أثناء الثورة والمرحلة الانتقالية، وحيادها، ووقوفها على المسافة نفسها من كلّ الفرقاء السياسيين، على الرغم مما شاب دورها من ملابسات أثارت تساؤلات حول موقفها قبل ليلة 14 كانون الثاني/يناير 2011 وبعدها، وحالات الطوارئ المستمرّة في تونس من تاريخ اندلاع الثورة إلى تاريخ إعداد هذه الدراسة، الأمر الذي اعتبره البعضُ إنهاكاً للجيش على حساب دوره في حماية الحدود وصدّ عمليات التسلّل والتهريب. 

أما في ما يتعلّق بالقضايا السياسية والاجتماعية، فقد عبّر تلامذة معهد بئر الحفَيْ عن اهتمام كبير بالمسألة السياسية في تونس وخارجها، في حين عبّر تلامذة كلٍّ من معهدَيْ تونس العاصمة والمنستير عن اهتمام أقلّ بالقضايا السياسية - ولاسيما في معهد تونس - مقابل تعبيرهم عن اهتمام كبير بالقضايا الاجتماعية. ومردّ هذه المواقف المتراجعة من السياسة ما رآه بعض التلاميذ تقصيراً لدى أغلب الأحزاب السياسية التونسية في الاستجابة لمستحقّات ناخبيها، واعتمادها طريقة التسويف والدعاية لبلوغ أهدافها، وسقوطها في الصراع والتجاذب من أجل الحُكم والسلطة، لا من أجل مبادئ الثورة وأهدافها. 

ويمكن اعتبار الموقف السلبي من السياسة والأحزاب انعكاساً أيضاً لضعف الخبرة في فهم آليّات العمل السياسي التي لا تخلو من حسابات ومصالح إلى حدّ "التلاعب" بالمبادئ والمواقف، من ناحية، وعدم دربة الأحزاب السياسية التونسية الناشئة – حتّى ما صعد منها إلى الحكم - على العمل الديمقراطي، واستعجالها النتائج على حساب المشاريع والبرامج وبعض مظاهر الإحباط من السياسة وأهلها، من ناحية أخرى. 

4. الدين في المجتمع 

لم يكن الدين الإسلامي في تونس قديماً وحديثاً محلّ جدل فكري وسياسي وتجاذب إيديولوجي واجتماعي قبل ظهور حركة الاتجاه الإسلامي في سبعينيات القرن العشرين التي تطوّرت تنظيميّاً إلى حركة النهضة، ومنها إلى حزب حركة النهضة بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011.

ظلّ الإسلام في تونس منذ تأسيس القيروان سنة 50 هـ/670 م على يد عقبة بن نافع، وانتشاره التدريجي على أيدي العبادلة السبعة ومَن جاء بعدهم من ولاة وشيوخ ومؤسسات وأنظمة، هو الدين الرسمي للدولة والمجتمع على مدى قرون من الزمن. غير أن ظاهرة الإسلام السياسي في تونس سرعان ما تحوّلت خلال النصف الثاني من القرن العشرين – رفضاً لما اعتبره شيوخها تجفيفاً لمنابع الدين وتدخّلاً للسلطة في شأنه بهدف تمرير مشروعها الحداثي المعادي – من مجرّد حركة دينية دعوية تُعلِّم الناس القرآن والأخلاق الحميدة في المساجد، إلى حركة سياسية معارضة رفضت السلطة الاعتراف بها.

ولم يشذّ حال المجتمع التونسي إزاء بروز الإيديولوجيا الدينية/الإسلامية عن حال أغلب المجتمعات العربية التي انتشر فيها الإسلام السياسي برغبة واضحة في بلوغ السلطة بكلّ الوسائل الممكنة والمُتاحة، لتكييف المجتمع وفق التصوّرات العقائدية التي يرتئيها. 

لم يكن ما حدث خلال ثورة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، وما آل إليه من تهاوي أعلى هرم السلطة، وصعود الإسلاميّين إلى الحكم عن طريق الانتخاب، وانفلات الحركات الدينية التحريرية والسلفية والجهادية وغيرها من عُقالها، إلا مظهراً آخر وطوراً جديداً من مظاهر تطوّر الإسلام السياسي وتاريخه المشحون بكلّ التفاعلات الإقليمية، وكلّ الإرهاصات المجتمعية والتفاعلات السياسية الوطنية والدوليسة المشحونة بالمتغيّرات التي لم تُحسَم نتائجُها وعواقبها بعد.

قَصَدَ البحث في الاتّجاهات والممارسات المدنية لدى تلامذة المعاهد التونسية استجلاءَ رأي العيّنة المدروسة في المسألة الدينية في تونس انطلاقاً من ثلاثة مفاصل مهمة: دور الدين في المجتمع، والدين والقوانين المدنية، والزعماء الدينيّون، والسلطة السياسية والاجتماعية.

أبرز التلامذة المُستجوَبين عن أهمية الدين في بُعدَيْه الاجتماعي والأخلاقي، أبدوا احترازاً بيّناً من سلطة الزعماء الدينيّين. ويمكن تبيّن هذا الموقف من تلامذة معهد بورقيبة في المنستير، الذين رأى 11 تلميذاً/12 منهم (6 إناث + 5 ذكور) أنّ تونس دولة قانون مدني ولا دور فيها للقوانين الدينية، ومن تلامذة معهد بئر الحفَيْ، الذين حذّر 8/12 منهم (5 إناث + 3 ذكور) من توظيف الدين ومنح سلطة أوفر للزعماء الدينيّين، ومن تلامذة معهد حسن حسني عبد الوهاب في تونس العاصمة، الذي نبّهوا بنسبة النصف (6/6) على ضرورة أن يحترم رجال الدين قيم الحرية والمساواة والعدل وحقوق المرأة، وأن يدعوا إلى نبذ العنف.

إنّ البحث في إجابات مختلف التلاميذ أوقفنا، في شأن دور الدين والزعماء الدينيّين في المجتمع، على بعض الآراء التي تشدّ الانتباه في صياغتها والتعبير عنها، كقول أحدهم مثلاً إنّ العصر يقتضي مجتمعاً مدنياً لا مجتمعاً دينياً، أو قول آخر إنّ القرآن فوق الجميع بشرط أن ينسجم فهمه مع مبادئ العصر، ودعوة آخر إلى تطبيق الأمر الإلهي وإن بقطع يد السارق... وبدا وكأنّ هذه الصيَغ التعبيريّة – في هذا الاتجاه الفكري/ السياسي أو ذاك على بلاغتها الظاهرة - لا تعكس في كلّ الحالات والأوضاع موقفا معرفيّا واعيا ورصينا، أو منهجا في التفكير عميقاً ودقيقاً، أو قناعة فكريّة مبدئيّة، بقدر ما تدلّ على رغبة في إبداء وجهة نظر ما تُحرّكها التجاذبات السياسية والإيديولوجية والبرامج الإعلامية المُوجَّهة التي باتت بعد الثورة من مجريات الأمور المُؤثِّرة في كلّ الأوساط الاجتماعية التونسية بما فيها الوسط المدرسي.

الوسط المدرسي 

يؤدّي الوسط المدرسي دوراً مركزيّاً في بناء مختلف جوانب العمليّتيْن التعليمية والتربوية، وفي مقدّمتها الجوانب المعرفية المتّصلة بالبرامج والدروس، والبيداغوجيّة المتّصلة بالمقاربات والمناهج ووسائل التدريس، واللوجستية المتّصلة بالأدوات والإمكانيّات والعلاقات المتاحة لإدارة الفصول والمؤسسات. 

أما الغاية القصوى من كلّ العمليّات المُحدِّدة للوسط المدرسي والخاصة به، هي أوّلاً وأخيراً التلميذ باعتباره مُنطلَقاً وهدَفاً ومرجَعاً لكلّ جوانب العملية التعليمية.

وقد سعت دراسة الاتجاهات والممارسات المدنية لدى التلاميذ من خلال استجوابهم الميداني، إلى النظر في بعض جوانب الوسط المدرسي باعتباره عاملاً حيويّاً في تكوين التلميذ وعاملاً مؤثّراً بشكل مباشر في عمليّتَيْ وعيه المدني وتربيته على المواطنة والتناغم الاجتماعي من جهات ثلاثة: مناهج التدريس، والتلميذ وحرية التعبير، والتلميذ والأنشطة.

1. مناهج التدريس 

تمّ النظر فيها من خلال السؤال عن مدى تشجيع الأساتذة تلامذتهم على التعبير عن آرائهم في القضايا السياسية والاجتماعية داخل القسم، ومدى التزام الأستاذ الكتاب المدرسي أو تجاوزه نحو توسيع الآفاق، ومنهج مدرّسي التربية المدنية بصفة خاصة.

وإذا كان تلامذة المنستير يرون أنّ أساتذتهم يشجّعونهم على إبداء آرائهم في القضايا السياسية والاجتماعية داخل القسم بنسبة 9/12، فإنّ نصف تلامذة تونس (6/12) وأغلب تلامذة سيدي بوزيد، (9/12) رأَوْا أنّ هذا التشجيع نسبي، ما يعني أنّ تشجيع الأساتذة إيّاهم على إبداء آرائهم في هذه القضايا يبقى مرتبطاً بالاجتهاد الشخصي للأستاذ، وبالأوضاع العامّة الخاصة بدرسه، أكثر ممّا يرتبط بحرية الفكر والتعبير، التي يبدو أنّها تأثّرت بحدّة الخلافات السياسية والإيديولوجية. 

ويتّضح الموقف نفسه مع الأستاذ الذي رآه أغلب تلامذة معهدَيْ تونس وسيدي بوزيد متردّداً بين التزام الكتاب المدرسي وبين تجاوزه نحو توسيع الآفاق خارج إطار ضوابط الجهاز البيداغوجي، في حين رآه أغلب تلامذة معهد المنستير أكثر جرأةً وتجاوزاً في انفتاحه على حرية تعبير التلميذ وتوسيع آفاق تكوينه خارج إطار الكتاب المُقرَّر.

إنّ الكتاب المدرسي، وهو أحد أهمّ رموز البرنامج الرسمي، يظلّ دائماً عنصراً ضاغطاً على حرية الأستاذ في أغلب الاختصاصات والمواد، وبصفة خاصة في مادة التربية المدنية، بسبب "حساسية" مسائلها وتداخلها مع القضايا السياسية والمجتمعية.

فهذا الكتاب أداة ضبط "مثلى" في التربية المدنية وغيرها من المواد للتحكّم بالبرامج ومراقبة تطبيقها، وتمرير السياسات والتوجّهات الرسمية، وللحدّ من اجتهاد المربّين وتدخّلهم في تربية الناشئة على القيم والمبادئ التي تقتضيها آداب التعلّم وشروطه.

هذا الاستنتاج يدعو اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى ضرورة مراجعة دور الأستاذ/المربّي لتمكينه من هامش أكبر من المسؤولية العلمية والبيداغوجيّة. هذه المسؤولية تساعده على تفعيل الأساليب النشيطة والإيجابية لفائدة التربية المواطنيّة الحرة والناجعة، وفي الوقت نفسه ضرورة مراجعة ما يتّصل من البرامج والمواد بالنُّظُم والمجالات المدنية وتفعيلها، وفي مقدّمتها قيم الحرية والكرامة والديمقراطية والاختلاف والتعدّد والنشاط الجمعيّاتي، وذلك بهدف حمايتها من كلّ مظاهر التدخّل والتسلّط والتوظيف، وجعلها أكثر موضوعيّةً ومبدئيّةً وجدوى في خدمة المجتمع ولفائدة القوى التي هي في حاجة أكثر من غيرها إلى التنمية البشرية في بُعدَيْها المادّي والمعنوي.

2. التلميذ وحرية التعبير 

هل يتمّ الأخذ برأي التلميذ داخل المعهد والقسم وفي نظام التأديب؟ وما مدى قدرته على التعبير عن رأيه في المشاكل المدرسية، كالعنف المدرسي والغشّ في الامتحانات وعدم كفاءة بعض المدرّسين والدروس الخصوصية؟ وما مدى حريّته داخل القسم في إبداء رأيه الشخصي في المواضيع السياسية حتى وإن خالف رأي الأغلبيّة؟

أجاب أغلب التلاميذ من المعاهد الثلاثة بأنّ النظام التربوي القائم في تونس قبل الثورة وبعدها لا يأخذ برأي التلميذ في تسيير شؤون المعهد إلا بصفة عَرَضِيّة، وبات يأخذ برأيه أحياناً داخل الفصل وفي المسائل المتّصلة بالتأديب بعد الثورة، لكن بصفة غير مُؤَسَّسة.

فقد أبرز أغلب تلامذة معهد سيدي بوزيد بنسبة 10/12 (5 إناث + 5 ذكور)، أنّهم لا يجدون إمكانيّةً للتعبير عن آرائهم في حرية نسبيّة إلا داخل القسم، أما في القضايا المتّصلة بشؤون المعهد ونظام تسييره، وبالمشاكل المدرسيّة المتّصلة بالعنف والغشّ وتقصير بعض الأساتذة، فلا تُؤخَذ مواقفهم بعين الاعتبار ولا يُلتفَت إلى آرائهم.

ويضيق هامش حرية التعبير في رأي تلامذة معهد تونس العاصمة، خصوصاً التلميذات منهم، حتى أنّه بلغ درجة الصفر إزاء مسألة الغشّ في الامتحانات، فقد عبّرت كلّ التلميذات بنسبة 6/6 عن عجزهنّ عن التعبير إزاء ما يشاهدنه قَبْل الفُرُوض والامتحانات وخلال إجرائها من حالات الغشّ وأنواعه، التي يتردّى فيها أغلب تلامذة المعهد. في المقابل، تتحسّن نِسَبُ التعبير لدى تلامذة معهد المنستير، الذين أبرزوا حرية نسبية في التعبير عن بعض المسائل المدرسية، باستثناء مسألة العنف المدرسي، التي يظلّ العجز عن التعبير عنها مُرتفعاً بنسبة 9/12 (5 إناث + 4 ذكور)، على خلفيّة تدهور الأوضاع الأمنية بسبب تداعيات أحداث الثورة وتجاذبات المرحلة الانتقالية.

ويبدو تلامذة معهد المنستير - ولاسيما الفتيات منهم - دون غيرهم من تلامذة معهدَيْ العاصمة وسيدي بوزيد، أكثر حرية داخل القسم في التعبير عن آرائهم في المواضيع السياسية وغيرها، حتى وإن خالفت رأي الأغلبيّة، ربّما بفضل المناخ الأمني والمدني الذي ظلّ مُميَّزاً نسبيّاً بهدوئه ووضوحه.

والطريف في مسألة التلميذ وحرية التعبير ما أثاره بعض التلاميذ من المعاهد الثلاثة من قضايا لم يتمّ طرحها في الأسئلة المُوجَّهَة، كقضايا نظافة المعهد ومحيطه والعنف اللفظي والجسدي ضدّ الأساتذة والإدمان، التي أثارها تلامذة معهد تونس العاصمة مثلاً، وقضايا التمييز بين التلاميذ ومحاباة بعضهم، التي أثارها بعض تلامذة معهد المنستير، إضافةً إلى قسوة بعض القيّمين مع التلاميذ وانعدام وسائل الراحة والترفيه، التي أثارها تلامذة معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد، خصوصاً من المقيمين في المبيت المدرسي من أبناء المناطق الريفية.

ويمكن ملاحظة أنّ القضايا والمشاكل المطروحة – مع أنها مُشترَكَة بين أغلب معاهد البلاد التونسية - تعكس أولويّة في سلّم اهتمامات تلامذة كلّ مجموعة من مجموعات العيّنة المدروسة: العنف والبيئة والمحيط والإدمان لدى تلامذة معهد العاصمة، والمنافسة والمحاباة والتمييز لدى تلامذة معهد المنستير، ومعاملة القيّمين ووسائل الراحة والترفيه لدى تلامذة معهد بئر الحفَيْ من سيدي بوزيد حيث نسبة مهمة من المستجوَبين تُقيم في مبيت المعهد. 

3. التلميذ والأنشطة 

حصرنا مدار مسألة التلميذ والأنشطة في مدى مشاركة التلميذ في النشاطَيْن المدرسي والاجتماعي، فلاحظنا من خلال الأجوبة أنّ كلّ التلميذات من معهدَيْ تونس والمنستير لا يُشاركن في أيّ نشاط مدرسي، في حين يشارك بعض الذكور بنسبة ضعيفة في بعض الأنشطة، مثل كرة القدم وألعاب القوى (3/12 من معهد تونس، و2/12 من معهد المنستير)، على الرغم من وفرة الأنشطة الرياضية المدرسية والمدنية والنسائية في العاصمة والمنستير. 

أما معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد، فلا مشاركة فيه للإناث والذكور على حدّ سواء في أيّ نشاط مدرسي، لا بسبب امتناع التلاميذ عن المشاركة، بل بسبب انعدام إمكانيّات النشاط ووسائله وأدواته، واحتراز الوسط الاجتماعي من نشاط الفتاة خارج إطار الدرس، ولاسيما بسبب بعض رواسب العقليّة الريفية الصعبة تجاه الأنثى.

أما عن مدى انخراط التلاميذ في النشاط الاجتماعي، فأظهرت الأجوبة إقبالاً نسبيّاً لدى بعض التلميذات - ولاسيما من معهدَيْ تونس والمنستير - على مجال العمل الخيري والمساعدة الإنسانية، في حين يمتنع الذكور عن المشاركة في النشاط الاجتماعي، ويميل أكثرهم إلى اللقاءات الجماعيّة في الأحياء والمقاهي، وإلى أدوات التواصل الاجتماعي وبعض النشاط الرياضي والسياسي. ويغيب هذا النشاط الاجتماعي كليّاً أو يكاد لدى تلامذة معهد سيدي بوزيد من الجنسَيْن.

إنّ عزوف التلاميذ عن النشاطَيْن المدرسي والاجتماعي واضح في الولايات الثلاث، ولاسيما لدى الذكور. أما أسبابه فذاتيّة وموضوعيّة، تكمن خصوصاً في غياب الأُطُر والتنظيمات والحوافز وضعف الإمكانيّات والوسائل، وكذلك في اضطراب الأوضاع الأمنية وتدهورها خلال الثورة وبعدها، على الرغم من ميل بعض الذكور إلى ممارسة الأنشطة الرياضية، واستئناس بعض الإناث بأنشطة المساعدة الاجتماعية. 

نتائج الدراسة

لا بدّ من التنبيه إلى أنّ البحث الميداني في مواقف تلامذة المعاهد التونسية، ووجهات نظرهم إزاء قضايا مركزيّة تتعلّق بواقعهم وواقع بلادهم حاضراً ومستقبلاً – كالمواطنة، والهوية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والمساواة بين الجنسين، ودور الدين في المجتمع - قد تمّ في سياق "ثوريّ" اتّسم بالكشف "الفاضح" عن كلّ السلبيّات والنقائص التي كان النظام السياسي السابق يتفنّن في إخفائها وتزويق ظاهرها، وبارتفاع درجة المطالبة بالحقوق المشروعة والرغبة في المشاركة المدنيّة في الحياة العامّة بكيفيّات ووسائل لم تَخْلُ من التداخل والتجاذب والاحتقان والعنف.

لم يكن التلاميذ المُستجوَبون بمعزلٍ عن هذا السياق العامّ، بل كانوا في خضمّه ومن الفاعلين فيه والمتفاعلين معه سلباً وإيجاباً. هذا السياق يؤثّر فيهم مادياً ونفسياً، ويُحدِث في شخصيّاتهم إرباكاً وتساؤلاً وحيرة وتحدّياً إزاء حاضر الأحداث ومستقبلها وأثرها المباشر في وسطهم الأُسَري والمدرسي والاجتماعي، هذا الوسط الذي اتّسم في مستوياته الثلاثة بضعف البنية التحتية وهشاشة البناء الفكري والتأطيري. 

فقد أبان الحوار الجانبي مع تلامذة العيّنة المدروسة هشاشةَ وضع الأسرة واهتزاز دورها في عمليّات النشأة والتربية على المواطنة وتنمية فهمها، فضلاً عن ترهّل وظيفة المُؤسَّسة التربوية وتراجع دورها وإشعاعها في مجال التربية والتعليم الحاضن الأساسي للمفاهيم والقِيَم. 

إنّ من أبرز ما أشار إليه التلاميذ خارج إطار الاستجواب المُوجَّه، ظاهرتَيْ بطالة حَمَلة الشهادات من المتعلّمين وأصحاب الكفاءات، والتعثُّر المدرسي المُفضي إلى الانقطاع عن الدراسة. هاتان الظاهرتان مهدِّدَتان للاندماج الأسري والاجتماعي، ومؤثّرتان سلباً في مصداقية العملية التربوية بأكملها. هذه العملية تحوّلت في نظر البعض إلى علامة من علامات الفشل والإعاقة في الحياة العملية، مقارنةً بتنامي أساليب التحيّل والتلاعب والمُضاربة باعتبارها مسالك مفتوحة على الثراء والرفعة المادية والاجتماعية.

من المؤسف أنّ مثل هذه الظواهر والأساليب التي كرّسها النظام السابق مازالت رائجة، ومن المُستغرَب حقّاً أنّها طالت بعد الثورة "عالم التديّن" الذي وفد إليه الكثيرُ من محترفي الجريمة والتجاوزات القانونيّة، مِمَّنْ أعلنوا توبتهم وأطالوا لحاهم وارتدَوْا أقمصةً وجلابيب، معتقدين أنّهم بهيأتهم الجديدة قد ضمنوا لأنفسهم موقعاً نافعاً في خضمّ الصعود الإسلامي إلى أعلى هرم "النظام الجديد". حتى أنّ الكثير منهم واصل نشاطَه الإجرامي أو استأنفه متخفّياً باللباس الديني ومدّعيًاً الانتماء إلى "الشريعة والأنصار والسلف"، في عمليّات مشبوهة لا تخلو من توظيفٍ إيديولوجي للدين ساذَج لكنّه مغرٍ وفاعلٍ. 

هذه الظواهر المُربكة أخلاقياً واجتماعياً للأوضاع السائدة والمثيرة للاهتمام من جهتَيْ البحث والدراسة - بالنظر إلى تفشّيها في أوساط الشباب والمجتمع - باتت تمثّل تحدّياً كبيرا قائماً في وجه المؤسسة التربوية الخاضعة إلى تفاقم أزمتها الداخلية المادية والمعنوية، وإلى ضغط الإيديولوجيا الدينية عليها.

إنّ ما عبّر عنه المُستجوَبون من تلامذة معاهد سيدي بوزيد والمنستير وتونس العاصمة، في ما يتعلّق بتراجع الشعور القومي وتنامي الشعور الإسلامي في تجاذب واضح مع "التَّوْنَسَة"، لا يخلو في الواقع الاجتماعي من أثر المدّ الإسلامي الشعبي والسياسي ولاسيما في الأوساط الفقيرة والمُهمَّشة، حيث بدا كأنّه "اختيار" مُغرٍ بالحلول التي عجز عنها "الزعيم الفاسد" وينجح فيها اليوم، "بعون الله الرؤوف بهذا الشعب المسلم"، زعماءُ جُدد متديّنون "يخافون ربّهم ولا ينقطعون عن ذكره ليلا نهارا". هذا الصنف من الاعتقاد الساري في بعض الأوساط الاجتماعية يبرّر كلَّ شيء بالدين – حتى الفشل في إدارة السياسات – فيُسوِّقُهُ على أنّه فشَلُ "المتديّن الصالح الذي لم يتعوّد هذه الأحجام الكبيرة من الفساد المتراكم".32 

في هذا السياق المشحون ترتبك المواقف من قضايا المساواة بين الجنسين في التعبير والعمل والزواج وتسيير الأسرة والطلاق، وكأنّها تُنبئ - تحت ضغط أزمات البطالة والتشغيل وارتفاع منسوب التديّن السياسي والتجاذب العقائدي والإيديولوجي – بحدوث تغيّرٍ في وضع المرأة على أساس التكامل مع الرجل "القوّام عليها"، استجابةً لمنظومة القيم والعلاقات الإسلامية التي تأبى الإذعان إلى مبدأ المساواة التامّة التي يقوم عليها ميثاق حقوق الإنسان العالمي. هذا التغيّرٍ لم يطَلْ إلى حدّ الآن قوانين مجلّة الأحوال الشخصية بفضل وقوف الجمعيات والهيئات المدنية الداعمة لحقوق المرأة وقانون الأسرة في وجه كلّ محاولات النيل، الأمر الذي نعتبره مكسباً للمجتمع التونسي كافّةً، يجب دعمه وتطويره لا التراجع عنه، وإن بدا بعض مظاهر هذا التراجع واضحاً في ما بات يُعرَف باللباس "الشرعي"، وعلاقات التعامل بين الرجال والنساء "الشرعيّة" في بعض مجالات الحياة العامة. 

إنّ الأثر المُتوقَّع لمواقف التلاميذ من مختلف القضايا المنعكسة عليهم وعلى وسطهم المدرسي والاجتماعي، وفي مقدّمتها قضايا الوعي المدني، هو في الواقع من صنف الأثر المُتوقَّع لمواقف شريحة الشباب عامّة إزاء مسألة التغيير النوعي في أوضاعهم، المستفيد من عوامل الثورة وحراكها الإيجابي، لتثبيت أسس المدنيّة الفعلية الواعدة بكلّ الخير والنفع لفائدتهم. 

وهو أثر متولّد لا محالة عن المسار الذي انخرطوا فيه منذ 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، وتميّز بطورَيْن مُدهشَيْن: طور المشاركة الحيويّة الفاعلة، من خلال صنع الأحداث والمواجهات ورفع الشعارات في الميادين والساحات والشوارع، حتى سقوط النظام، واقتراح المجلس الوطني التأسيسي وانتخابه من أجل وَضْع أسس دولة جديدة تُحقِّق أهداف الثورة؛ وطور التراجع والتهميش إلى حدَّ الإقصاء، الذي عاشوه بعد إجراء انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011، وصعود الإسلاميّين إلى الحكم، وبداية مسيرة التجاذب السياسي الحادّ مع خصومهم. آنذاك أخذت القوى الشبابية تُجدِّد حراكها للتعبير عن سخطها إزاء "انحرافات" السلطة الجديدة في اتّجاه خدمة الأحزاب الحاكمة، وتوظيف المال السياسي، والاستفادة من الضخّ الإعلامي، وهي وسائل باتت ساندة وداعمة للكثير من مظاهر الانحراف الأخلاقي والاجتماعي والسياسي.

إنّ أعداداً وافرة من الشباب المُعطَّل والمُهمَّش أخذت تعود - مع اشتداد مظاهر الإخفاق الاقتصادي والتجاذب الإيديولوجي والتراشق الإعلامي والفشل في إيقاف الاغتيالات والإرهاب المُسلَّح33 – إلى منابتها الأصلية، من خلال التَّمَتْرس الاجتماعي ضمن قوى "الدولة العميقة" التي باتت ملامحها تتشكّل في تونس من فئات أَكَلَها التهميش والإقصاء وصارت تبحث عن مسالك أخرى خارج إطار السائد السياسي والإعلامي الرسمي. وهي قُوى كامنة مبثوثة تُتابع الأحداث وتشارك فيها عبر تنشيط الساحات والشوارع مدنياً وسياسياً وثقافياً من خارج الأطر الرسمية.

مقترحات لتعزيز التربية المواطنيّة

إنّ محصول النتائج التي انتهى إليها البحث الميداني في دراسة اتّجاهات التلاميذ وممارساتهم ووعيهم المدني خلال ثورة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 وبعدها، يُبيّن صنفَيْن اثنين من المقترحات يستند كلٌّ منهما إلى أرضيّة سانحة للعمل الإيجابي من أجل تعزيز التربية المواطنيّة وترسيخها في تونس: 

أحدهما عاجل آني، وثانيهما استراتيجي آجل.

أمّا العاجل الآني فيخصّ ضرورة الاستفادة من كلّ المعطيات الميدانية المتوفّرة، سواء في مستوى استعدادات التلاميذ الأوّلية، من خلال ما أظهروه في إجاباتهم من استجابة واعية نابهة - وإن منقوصة – بالنسبة إلى مفاهيم الوطن والمواطنة والهويّة والمدنيّة وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والرغبة في أن يكون للدين دور أخلاقي/اجتماعي قِيَمي وفاقي تضامني، أم في مستوى تهافت السياسات والتوجّهات والوسائل التي عرّت الثورةُ عيوبَها ونقائصها وتداعياتها، ومنها خصوصاً ما يتّصل بالفجوة الكبيرة بين عناوين بعض البرامج والدروس وأهدافها اللامعة البرّاقة، التي تُوضَع في الغالب للشعار والتوظيف الاستهلاكي،34  وبين الواقع التربوي والاجتماعي الصعب الذي يعانيه التلاميذ وأولياؤهم وأسرهم ومحيطهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. 

ولعلّه من المُشين حقّاً في هذه المسألة ما أفرزته هذه الفجوة على مدى عقود من تلاعب باختيارات التربية والتعليم وطعن في مصداقيّتها وقيمها ومبادئها. وهذا في رأينا ما أصاب عملية التربية على المدنيّة والمواطنة بكلّ تفرّعاتها وأبعادها في مقتل، إذ أفرغها في نظر الناشئة المقبلة على بلورة مفاهيم وعيها المدني والمعرفي، من كلّ جدوى ونزاهة، وضرب في العمق عملية تأسيس الأرضيّة المجتمعية الضرورية لكلّ نظام مدني سليم. وهذا في رأيي من أخطر السلبيّات والنقائص التي يجب العمل على تداركها فوراً على الرغم من صعوبة المهمّة ودقّتها.

ما يلاحظه الدارس في هذا الخصوص أنّ السلطة الانتقالية بعد الثورة لم تُبادِر في حقل التربية والتعليم إلى إجراءات يقتضيها واجب التدخّل العاجل لإصلاح الأوضاع والتوجّهات التربويّة في مسائل المواطنة والمدنيّة وغيرها من المسائل الجوهريّة. كما أنّها لم تكن حاسمة في مسائل هي من صلب مفهوم الثورة، ذلك المفهوم الذي عبّر التلاميذ عن وعيهم له بكلّ وضوح، ومازال يمثّل انتظاراً أساساً من انتظارات الأسرة والمجتمع في تونس: التغيير الجذري لتحقيق إرادة الشعب وضمان تقدّمه.

يبدو أنّ الحسابات السياسية والانتخابية، والرغبة في التأنّي وخلط الأوراق وتأمين النتائج والمصالح، إضافة إلى الصعوبات الميدانية، ومنها حجم التَّرِكَة الثقيلة للنظام السابق في ميدان التربية والتعليم الذي تمّ توظيفه لاستقطاب الكوادر وتلميع الصورة، هي التي طغت على السلطة الانتقالية بعد الثورة، وجعلت متغيّرات السياسة التربوية محدودة المنطلقات والآفاق، وأقرب إلى التقوقع في المأزق الذي هي فيه، منها إلى المبادرة في البحث عن مخرج قد يكون مُكلفاً سياسياً. 

ويكفي أن نشير إلى أنّ أغلب عمليّات "الرتق" - لا الإصلاح أو التغيير - الجارية في مكاتب الوزارات المعنيّة، ظلّ يستخدم الأجهزة والآليّات والمناهج المتآكلة نفسها، بل هو يُضيف إلى كوادر قديمة ثبت تورّطها في التلاعب بالقيم التربوية، كوادر جديدة على أساس التبعيّة والولاء، ما يعني الاستمرار في المزالق والأخطاء نفسها التي ثبت ضررُها.

أمّا الاستراتيجي الآجل فيخصّ النظر في البنية الهيكليّة للنظام التعليمي والقائمين عليه منهجاً ومضامينَ واختياراتٍ وسياساتٍ وإمكانيّاتٍ. فعلى مستوى القائمين على هذا النظام،35   لا بدّ من التحرّي الموضوعي العميق حتى يكون التعليم عموماً، وما اتّصل منه بمسائل التربية على المواطنة والوعي المدني خصوصاً، بين أيدي كفاءات مختصّة بمنأى عن الولاء السياسي والمُحاصَصَة الحزبية، وذلك حتى نُجنِّب التربية والتعليم أسباب التلاعب وعلاماته التي آلت إلى الفشل. 

هذا المقترح ينبع ممّا نعتبره عطايا الثورة ومكاسبها التي يجب استثمارها للشروع في إحداث النقلة النوعيّة الاستراتيجية على مستوى العنصر الذاتي الذي سيتحمّل مسؤوليّة التغيير والتخطيط والاستشراف والتنفيذ. وهذه العملية هي معقَّدَة وصعبة وصارمة، لكنّها ممكنة في ظلّ التحوّلات الإنسانية المأمولة، وبفضل الأرضيّة الاجتماعية والتاريخية المتوفّرة اليوم في تونس، والجرأة والنوعيّة اللّتَيْن ميّزتا ثورتها.36 

ولعلّ الأخطر/الأهمّ في هذا البناء الاستراتيجي المأمول ترسيخ القناعة التامّة - عبر البناء التربوي السليم من أجل نحت العقول وصقل النفوس وبناء الأجيال الفاعلة في التاريخ - بأنّ أساليب العنف والقمع والاستبداد لا تبني شعباً ولا مجتمعاً ولا حضارة. 

هذه المسألة هي ممّا يجب الحسم فيه نهائياً، حتى مع أشدّ أعداء الحرية والديمقراطية والمدنيّة من مختلف التوجّهات السياسية، ذلك أن القمع بهدف الاستئصال لا يحلّ المشكل بل يعقّده ويزيد من انتشاره. في المقابل، يجب أن نراهن على نظام تعليمي وتربوي فاعلينشر الوعي والأمل، عبر تأصيل قِيَم العلم والمعرفة والعقل والتقنية في بناء الشعوب، ودعم تقدّمها وإشعاعها.

نشير بطرح هذه المسألة إلى ظاهرة الإسلام السياسي وإفرازاته المعقّدة التي باتت تشقّ المجتمع التونسي كسائر المجتمعات العربية، بسبب التداخل التاريخي والثقافي العميق بين مسألتَيْ الدين والهوية، وبين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي من القضايا والإشكاليّات التي يجب أن تُعالَج وَفق رؤيا تعليمية/تربوية استراتيجية. هذه الرؤية تخصّ الحريّات والعدل والمساواة والسلطة والمرجعيّات والمؤسّسات ودور الدين في المجتمع، ولا تقتصر على أجهزة الموروث الديني التقليدي، التي مازال أثرها القديم يخترق المدرسة والبيت والشارع والإعلام، بل على رصيد العلوم الاجتماعية والدينية والاختصاصات الإنسانية والثقافية الحديثة، التي ذهبت أشواطاً في دراسة المسائل المتعلّقة  بوظائف الدين وتاريخه ومقارنته، وعلم الاجتماع الديني، وعلم النفس الديني، والأنتروبولوجيا الدينية، وغيرها من علوم الدين الحديثة. وهذه العلوم لا تستثني الإسلام بل تُغني دراسته، لكنّها مع ذلك مقصاة من حياة مجتمعاته وثقافتها وتربيتها. ولذلك نرى أنّه قد آن الأوان للإفادة منها في دراسة واقعنا الديني والاجتماعي والمدني المعاصر، من أجل بناء جيل جديد واع لخصوصية هويّته وتنوّعها، ولضرورة انسجامها مع مقتضيات عصرها وقيمه الإنسانية.

يظلّ المسعى الاستراتيجي في تطوير الوعي المدني والتربية على المواطنة والممارسة المجتمعيّة المدنيّة، عبر الحقل التعليمي، وفي كلّ المسائل الخلافيّة المتعلّقة بالكرامة والحرية والعدل والسلطة والدين وحقوق الإنسان، رهينَ التعويل على مدرِّسين مقتدرين أكفاء، يكونون في وضع مادّي ومعنوي مريح يسمح بالتأطير والاجتهاد والعطاء في فضاء تربويّ لائق وجدير بالمؤسسة التعليمية، وعلى أساليب ومناهج بيداغوجيّة وتربوية نشيطة، تُشجِّع التلميذ على الكشف والبحث وتفتيق المهارات الذاتيّة، وتُحفّز قدرته وفطنته وذكاءه لإيجاد الحلول وابتكارها، بعيداً عن كلّ مظاهر الإسقاط والتلقين والحفظ والاتّباع واجترار النماذج والأمثلة المُستهلَكَة.

لقد أثبت البحث الميداني الذي اعتمد آليّة الاستجواب المباشر عبر الأسئلة المُوجَّهة، تقبّلاً واضحاً من التلاميذ للصياغة اللغويّة للمفاهيم والقضايا، باستثناءات قليلة خصّت بعض الصيغ المُتّصلة بالمواطنة والمدنيّة وسيادة القانون، بسبب التقصير الذاتي والنقص الموضوعي في تثبيت المفهوم.

فكلّ المسائل التي ركّز عليها البحث تقبّلها التلاميذ من دون تحسّس من أيّ مسألة من المسائل، بما فيها تلك المتعلّقة بإشكاليّات الهوية والأحوال الشخصيّة، والعلاقة بين الجنسين ودور الدين في المجتمع، والموقف من الخصوصيّات والأقلّيّات، وإشكاليّات الوسط المدرسي. وكانت جرأتهم واضحة في الحوار الجانبي من خلال طرح مسائل لم تشملها أسئلة البحث، وتخصّ قضايا الإدمان الآخذة في التفشّي في الوسط المدرسي ومحيطه، وعنف التلاميذ اللفظي والمادي ضدّ الأساتذة من الجنسين، والمحيط البيئي والطبيعي.

نقرّ بأنّ نتائج هذه الدراسة تظلّ محدودة بحدود مجالها البحثي وإطارها الدقيق. ويا حبّذا لو يتمّ إرضاخها إلى مزيد من التحرّي والاختبار، من خلال توسيع عيّنة البحث وتنويعها عَبْر إنجاز دراسة مسحيّة أوسع، تكون ممثّلةً إحصائياً لعموم التلاميذ والمدارس والمناطق التونسية، وتشمل مجموعات من أصناف التلاميذ ومستوياتهم وفصولهم من مؤسّسات ومناطق أخرى مُعبِّرة أكثر عن مختلف جهات البلاد التونسية. وهدف ذلك إجراء مزيد من المعاينة والتحقّق والاستنتاج بخصوص أرضيّة الوعي المدني، والتربية على المواطنة والاندماج الاجتماعي ومفاهيمها ومرجعيّاتها وأبعادها، وعناصر التقصير المدرسي والاجتماعي والسياسي وأدائها في المستويَيْن النظري والميداني، والتفكير العملي في أنسب الإجراءات والأدوات والوسائل المساعِدة على تفهّم أوضاع المستويَيْن وجسر الهوّة القائمة بينهما. 

هوامش:

1. نشير على سبيل الذكر إلى أحداث انتفاضة الحوض المنجمي وشهدائها وجرحاها وسجنائها، في مناطق الرديِّفْ والمِتْلَوِّي والمظِيلَّة، في ولاية قفصة – جنوب غرب تونس – التي امتدّ أثرها إلى منطقة فريانة في ولاية القصرين، التي حاصرها النظام السابق ثمّ قمعها بطريقة وحشيّة أمنيّاً وإعلامياً خلال سنة 2008، واستمرّت آثارها وتداعياتها إلى فترة اندلاع ثورة 17 كانون الأول/ديسمبر 2010.

2. "القَصَبة" هي تسميةُ ساحة الحكومة التونسية التي اعتصم فيها شباب الثورة، مُنادين بمجلس وطني تأسيسي منهم لإرساء دستور جديد لدولة جديدة تُحقِّق أهداف الثورة. وقد تلقَّف ساسةٌ محنَّكون هذا المقتَرَح ووافقوا عليه من أجل فضّ الاعتصام ضدّ حكومة الباجي قائد السبسي آنذاك، حتّى تستأنف نشاطها. ومثّل هذا الحدث آخر ظهور رسميٍّ جماعيٍّ بارزٍ للشباب بعد الثورة، ليتمّ إثر ذلك تهميشهم في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، ولتنحصر مطالبهم في التشغيل وتحسين الوضع الاجتماعي، ولتتصدّر المشهدَ السياسيَّ العامَّ بعضُ الأحزاب و"الزعامات" والوجوه السياسية، وتعمل على تكييفه لفائدتها.

3. من ذلك صياغة الكتب المدرسية المختصّة في العلوم الاجتماعية والتربية المدنية، ودراسات البرامج الرسمية لسنتَيْ 2002 و2007، والدراسات المتّصلة بإصلاحات سنوات 1989 و2002 و2004.

4. أنظر البشير بن سلامة، الشخصيّة التونسيّة، ط1، تونس، الشركة التونسيّة للتوزيع، لا- ت.

5. من أمثلة الدراسات الشبيهة بورقتنا البحثيّة هذه دراسةٌ جماعيّةٌ حول التربية والتنوّع والاندماج الاجتماعي، مُنجَزَة بين سنتَيْ 2007 و2009 منشورة بالفرنسيّة سنة 2010.

6. Ibid, pp 272-319  

7. Ibid, p 279  

8. Ibid  

9. Ibid, p 280  

10. Ibid, p 306 

11. تُصنَّف المدارس التونسية بحسب نظام وزارة التربية والتعليم التونسية، إلى مدرسة ومعهد: المدرسة للتعليم الأساسي الذي يمتدّ طيلة تسع سنوات، يقضي التلميذ السنوات الستّ الأولى منها في المدرسة الابتدائيّة، والسنوات الثلاث الموالية في المدرسة الإعداديّة، قبل أن ينتقل إلى المعهد الثانوي حيث يدرس طيلة أربع سنوات تنتهي بالحصول على شهادة الباكالوريا (وهو مصطلح مُعرَّب عن الفرنسيّة Baccalauriat، موافق في الشرق العربي لمصطلح الثانوية العامة)؛ وهذه الشهادة تُخوّل لصاحبها الالتحاق بالجامعة. وتُطلَق في تونس صفة التلميذ على المتعلِّم خلال مرحلَتَيْ تعليمه الأساسي (بمرحلتيه الابتدائية والإعدادية) وتعليمه الثانوي حتّى حصوله على شهادة الباكالوريا، وصفة الطالب خلال دراسته الجامعية. لذلك لا تُطلَق صفة الطالب في تونس على تلامذة التعليم الأساسي والإعدادي والثانوي أي ما قبل الجامعي، ولهذا السبب التزمنا في ورقتنا هذه مصطلَح التلميذ، وتخلّينا عن مصطلح الطالب انسجاماً موضوعياً مع طبيعة العيّنة البؤريّة المدروسة.

12. أنظر الإطار المرجعي للأوراق البحثيّة في مجال التعليم، الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط بخصوص ضبط مرجعيّة هذه الورقة البحثيّة وإطارها المُقترَح لدراسة عيّنة تتكوّن من ثلاث مجموعات من تلامذة المعاهد الثانويّة.

13. توزّعت هذه الأسئلة عل النحو التالي: 23 سؤالاً للمحور الأوّل، المتعلّق بالمفاهيم المدنيّة، و14 سؤالاً للمحور الثاني، المتعلّق بالمواقف والآراء، و6 أسئلة للمحور الثالث الخاص بالوسط المدرسي.

14. جرى اختيار العيّنة المدروسة من تلامذة المعاهد التالية: معهد حسن حسني عبد الوهاب في المنيهْلَة، في تونس العاصمة شمال البلاد، ومعهد بورقيبة في مدينة المنستير، في المنطقة الشرقية الساحلية، والمعهد الثانوي في بئر الحفَيْ، في ولاية سيدي بوزيد في المنطقة الغربية الوسطى. وشملت العيّنة ما جملته 36 تلميذاً مناصفةً بين الإناث والذكور، في حين قامت دراسة التربية والتنوّع والاندماج الاجتماعي بتونس لنجيب عيّاد وآخرين، على البحث في عيّنة من تلامذة مدارس ومعاهد ولاية أريانة الواقعة شمال/غرب تونس الكبرى في الأوساط الاجتماعية الثلاثة: الحَضَري وشبه الحَضَري والريفي (مدارس بلال و2 مارس والجبّاس، ومعاهد المنزه السادس والبساتين والشابّي وسيدي ثابت.) والتلامذة المُستَجوَبون في هذه الدراسة هم من مستويات السادس والتاسع أساسي، والرابع ثانوي، تتراوح أعمارهم ما بين 12 و15 و19 سنة. وقد تمّ توزيعهم على 9 مجموعات، ضمّت كلّ مجموعة منها 9 تلاميذ. كما شملت الدراسة 27 وليّاً و27 مُدرِّساً (بمعدّل 3 أولياء و3 مدرّسين لكلّ مجموعة من التلاميذ)، و9 مديري مؤسسات تربوية (بمعدّل مدير مؤسسة لكلّ مجموعة من التلاميذ).

15. أنظر محمّد فاعور في واقع التربية المواطنيّة في الدول العربية، أوراق كارنيغي، أيار/مايو 2013، ص 3.

16. بمعدّل 10/12 (5 إناث + 5 ذكور) في معهد المنيهْلَة في تونس العاصمة، و11/12 (6 إناث + 5 ذكور) في معهد برقيبة في المنستير، حيث حدّ أحد التلاميذ مفهوم الوطن بالحدود البحرية والبرية والنشيد الرسمي الوطني، و9/12 (5 إناث + 4 ذكور) في معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد.

17. مثلما ورد في إجابات 6/12 (4 إناث + 2 ذكور) من تلامذة معهد حسن حسني عبد الوهاب في المنيهْلَة، في تونس العاصمة.

18. مثلما ورد في إجابات 9/12 (5 إناث + 4 ذكور) من تلامذة معهد بورقيبة في مدينة المنستير.

19. مثلما ورد في إجابات 8/12 (4 إناث + 4 ذكور) من تلامذة معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد.

20. Ayed Néjib et Autres, ibid, pp 306-307 

21. 15/18 من الإناث (5 فتيات من كلّ معهد)، و11/18 من الذكور (4 من معهد المنستير، و4 من معهد سيدي بوزيد، و3 من معهد العاصمة).

22. Néjib Ayed et Autres, ibid, p 286  

23. 7 تلامذة من معهد المنيهْلَة في تونس العاصمة (4 تلاميذ و3 تلميذات)، و6 من معهد بئر الحفَيْ في سيدي بوزيد (3 تلاميذ و3 تلميذات)، وهي الأكثريّة (13/14) ممّن غاب لديهم المفهوم فلم يجيبوا على سؤال مفهوم المدنيّة، مقابل تلميذة واحدة من معهد مدينة المنستير.

24. نلاحظ أنّ هذا التعبير الذي استخدمه بعض تلامذة معهد بئر الحفَيْ في ولاية سيدي بوزيد يحيل –  بوعي أو من دونه – على مفهوم العمران البشري، الذي ضبطه عبد الرحمان بن خلدون (808 هـ/1406م) في المقدّمة، حتى أنّ أحد التلاميذ أجاب في عبارة دقيقة عن مفهوم المجتمع المدني بقوله: "الإنسان مدنيّ بطبعه".

25. 34 تلميذاً/36: 10/12 (5 إناث + 5 ذكور) من تلامذة تونس العاصمة، 12/12 من تلامذة المنستير، و12/12 من تلامذة سيدي بوزيد.

26. ورد ذكر هذه الأمثلة من حقوق الإنسان في إجابات تلامذة المعاهد الثلاثة. حتى أنّ إحدى التلميذات من معهد تونس العاصمة دعت في حقّ التعلّم إلى ضمان حقّ النجاح في الدراسة، إشارةً منها إلى ضرورة تكافؤ الفرص وحقّ توفير الظروف الملائمة للنجاح المدرسي.

27. ورد ذلك واضحاً مثلاً في اتّفاق الشراكة بين الحكومة التونسية والاتحاد الأوروبي في فترة رئاسة بن علي، لمّا اشترط الطرف الأوروبي على الحكومة التونسية احترام حقوق الإنسان ونشر ثقافتها، مقابل امتيازات اقتصادية وثقافية تحصل عليها تونس من الاتحاد الأوروبي.

28. من المادة الأولى لميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

29. بعض التلامذة المستجوبين من تونس العاصمة مثلاً (5/12) مالَ إلى موقف نسبي في ما يتعلّق بالتنظّم السياسي، ولم يُخفِ احترازه من هذا الحقّ على خلفيّة ما لاحظه من كثرة الأحزاب التي فاق عددها بعد الثورة الـ150 حزباً، ومَيل بعضها إلى التجاذب والمبالغة في الاحتجاج والتظاهر، الأمر الذي أدّى إلى تأجيج أسباب الصراع والعنف في نظره.

30. تمّ الاغتيال السياسي الثاني ونحن في صدد تحرير هذه الورقة البحثيّة.

31. يستمرّ هذا البرنامج - الذي وُضِع بإرادة شخصية ومتابعة خاصّة من الرئيس بورقيبة - من ستينيات القرن الماضي إلى اليوم، مُركّزاً على الجوانب الصحيّة للمرأة والفتاة والطفل خصوصاً. وقد تغيّرت تسميته من "التنظيم العائلي" إلى "الصحة الإنجابية"، وهو ينشط في كلّ ولايات البلاد، ولاسيما في المناطق النائية والريفية. ولم تسبق تونس عديد الدول الأوروبية في منح حقّ الإجهاض للمرأة وحسب، بل سبقت بعضها أيضاً في منحها حقَّيْ الترشّح والانتخاب، وفي سَنّ تشريعات تُساوي بينها وبين الرجل في الأجر ومزايا العمل. لكن يجب الإقرار أنّ هذه الحقوق والتشريعات وُظِّفت سياسياً واجتماعياً للتلاعب بوضع المرأة وإرادتها، لتكريس "الشخصنة" والاستبداد، الأمر الذي أفاد قضية المرأة وأضرّها في الوقت نفسه. وقد آن الأوان لتُصبِح هذه المسائل مبدئية سيادية في ظلّ التشريعات والقوانين المدنية التي لا يجوز البتّة التفكير في التلاعب بها.

32. تَرِد هذه التعبيرات والآراء على ألسنة العديد من المواطنين، وفي طيّات العديد من الصُحُف اليومية القريبة من الدوائر الإسلامية.

33. اغتيال كلّ من الناشطِين السياسيِّين لطفي نَقْض سحْلا بتطاوين، وشكري بلعيد، ومحمّد إبراهمي رميا، بالرصاص في تونس العاصمة، والهجوم المسلّح من قِبَل مجموعة إرهابية على دورية عسكرية، وقتل 10 جنود منهم وتشويههم وتجريدهم من بزاتهم في سفح جبل شعانبي، في ولاية القصرين على الحدود الجزائرية.

34. مثالُ ذلك ما ورد في أحد الكتب المدرسية التونسية، التي أشرف على إعدادها خبراء تربية وتعليم، وظّفهم النظام السياسي السابق، من أنّ "الديمقراطيّة خيار الألفيّة الجديدة، وأنّ تلازمها مع التعدّدية تلازم وجود"، في الوقت الذي يعلم الجميع ما كان عليه النظام واختياراته في الواقع من استبداد سياسي وظلم اجتماعي وقمع لمخالفيه الرأي من كلّ الفئات، بما فيهم الطلبة والتلاميذ الذين يدرسون تلك الكتب، وعند بعض الأساتذة الذين أشرفوا على وضعها.

35. وهذا في رأينا – على صرامته – يجب أن ينطبق استراتيجياً على سائر النُّظُم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية المعنيّة كلّها في نظرنا بالتربية على المواطنة والمدنية.

36. نشير في هذا المستوى من الاستنتاج إلى ارتفاع نسبة التمدرس في تونس، وإلى احترام مبدأَيْ الاختلاط والمساواة بين الجنسين في نظامها التربوي، وإلى تعدّدها الفكري والسياسي والاجتماعي الميّال إلى التوافق ونبذ الاستبداد والتطرّف. كما  أنّ تونس عاشت في تاريخها الحديث تجارب إصلاحية رائدة ومتنوّعة، وكانت سبّاقة في تأسيس النقابات والأحزاب وروابط حقوق الإنسان والصحافة الحرّة... وهذا من الرصيد الإيجابي الذي تراكم وسمح بالثورة على الاستبداد، وهو في اعتقادنا يسمح اليوم ببناء الأرضيّة المدنية والديمقراطية القابلة للعمل الإيجابي الذي يستوعب الجميع بهدف التأصيل والتقدّم والتطوير.