يتوفّر المهتمون بمتابعة كل كلمة من نتائج أعمال لجنة الخمسين، التي تعكف على صياغة تنقيحات شاملة لدستور مصر الآن، على مجموعة متنوّعة من المصادر التي يمكنهم متابعتها. فهناك مصدر "رسمي" يعتمد على تحديثات موقع "تويتر" ومصدر "غير رسمي"، وهناك المصدر الأحدث المتمثّل بوجود صفحة "رسمية" للّجنة على موقع "فيسبوك". بيد أنه لن يتم التطرّق إلى الكلمة الأكثر أهمية التي ستحكم النظام الدستوري المصري في المستقبل في أي من تلك الأماكن. والواقع أنه لن يتم تضمين تلك الكلمة في النص النهائي المقرّر عرضه على الناخبين الشهر المقبل. تلك الكلمة المصيرية لن ينطق بها سوى الفريق عبدالفتاح السيسي، وهي ستكون "نعم" أو "لا" بسيطة تتعلّق بترشّحه لرئاسة الجمهورية المصرية.

بيد أن هذا لايقلّل من طبيعة القضايا الأخرى التي تجري مناقشتها. فالمسائل التي يبدو أن الاتفاق عليها بعيد المنال - الدين والدولة، والموقف من الجيش، والنظام الذي سيتم بموجبه انتخاب برلمان مصر المقبل، وواجبات أو حتى وجود الغرفة الأولى في البرلمان (مجلس الشيوخ)أ والهياكل القضائية والضمانات - مهمّة هي الأخرى. بطبيعة الحال، في أفضل الأحوال، لن تؤثّر البنود الأكثر تقدّمية والمُحكَمَة في الدستور إلا ببطء شديد. وبما أن الإطار القانوني وهياكل الدولة في مصر استبدادية تماماً في إطارها وأساليب عملها الأساسية، فلن يتغيّر شيء بين عشية وضحاها. وفي حين رفع أعضاء لجنة الخمسين سقف النقاش حول تحرير وسائل الإعلام من أغلال الدولة، لاتزال محطات البثّ الإسلامية مغلقة. وبينما هم يتشاورون للوصول إلى رأي بشأن الحريات السياسية، لايزال أكبر حزب سياسي في البلاد متوقفاً عن العمل إلى حدّ كبير ولا يحتفظ إلا بهيكل خارجي من الوجود القانوني. وفي الوقت الذي يعكف فيه أعضاء اللجنة على صياغة مصطلحات للسماح بتنظيم الاحتجاجات والمظاهرات، تتم مضايقة ومطاردة مؤيدي الحكومة المخلوعة. بيد أن هذا لايعني أن صياغة الدستور ليست مهمة، ولكن حتى في حال اتفق المندوبون على المبادئ العامة (وهو ما لم يحدث إلى الآن) وتمكّنوا من تنظيم هذا الاتفاق بطريقة ماهرة، ستبقى هناك الكثير من النقاط القانونية والمؤسّسية الرئيسة التي تجب مناقشتها بشأن الإطار الدستوري البنيوي.

لكن حتى لو بدأت تلك العملية، فإن الأسئلة الأكثر جوهرية في ما يتعلق ببنية الدولة تعتمد على قرار من شخص ليس موجوداً حتى في غرفة الصياغة. فإذا ماقرّر السيسي خوض انتخابات الرئاسة، فإن أي وثيقة تصدر عن اللجنة ستعمل بطريقة تنعش (وحتى تقوّي) الرئاسة التي هيمنت على الدولة المصرية منذ إنشاء منصب الرئيس بعد إلغاء النظام الملكي قبل أكثر من نصف قرن من الآن. أما إذا لم يترشّح السيسي، فستعمل المؤسسات الرئيسة للدولة المصرية بطريقة أكثر لامركزية. ولا يرجّح لأي من المسارين أن يكون ديموقراطياً بصورة استثنائية.

إذا لم يصبح السيسي رئيساً، فمن المرجّح أن يؤول منصب الرئيس إلى شخصية مدنية، إما شخص من مجموعة ضئيلة من السياسيين في مصر أو شخصية عامة بارزة. عندما شغل محمد مرسي منصب الرئاسة في ظل حراك اجتماعي كبير ووجود حزب سياسي يدعمه، لم يتمكّن من جعل مقاليد السلطة تعمل بطريقة فعّالة، ومن المرجّح أن يواجه خَلَفُه المُنتخَب مشكلة مماثلة. فقد استغلّت مؤسّسات الدولة المختلفة فترة ما بعد العام 2011 كي تؤمّن لنفسها قدراً كبيراً من الاستقلالية، ويسعى بعضها الآخر جاهداً لكي يضمن أن تتم حماية هذه الاستقلالية في الدستور (أبرزها الجيش والقضاء والأزهر، ولكن أيضاً، وإن بدرجة أقلّ، اتحاد العمال وحتى الصحافة المملوكة للدولة). ولم تظهر المؤسّسات التي لاتحصل على ضمانات دستورية (وخاصة مجموعة أجهزة الأمن والاستخبارات) سوى قدر ضئيل من الميل للخضوع إلى أي نوع من الرقابة السياسية.

وباختصار، فإن مثل هذا النظام الدستوري يشبه الوضع الذي وصفته في أعقاب انقلاب 3 سبتمبر /أيلول: "في حال جرى تحصين وتوفير الحماية لقدر كبير من أنشطة الدولة، عندها سيتم تهميش السياسة (والمنظمات والحركات والأحزاب التي تملأ المجتمعين السياسي والمدني) إلى حدّ بعيد. ولن يترك اتّساع حجم الدولة مجالاً كبيراً للشعب". فقد وضع سقوط مبارك حدّأً لقبضة الرئاسة على جميع مؤسّسات الدولة، وليس من المرجّح أن يتمكّن رئيس مدني من إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

بيد أن الأمور قد تكون مختلفة تماماً إذا ما شغل السيسي منصب الرئاسة. فلن تعود المؤسّسة العسكرية معزولة في ظل وجود شخصية من صفوفها على رأس السلطة. إذ عملت الأجهزة الأمنية بنشاط على إضعاف الرئيس المنتخب محمد مرسي، ومن المرجّح لها أن تتصرّف وفقاً للقوانين إذا كان هناك رئيس قوي من الجيش. وربما تؤدّي شعبية سيسي واحتمال أن يحقّق فوزاً ساحقاً في الانتخابات، على الأرجح، إلى تخويف البرلمان ومعظم الأحزاب السياسية المدنية، حيث لاتظهر هذه الجهات الفاعلة شجاعتها إلا بشأن المسائل التي لم يتحدّث السيسي عنها بوضوح. سيتم حكم مصر مرة أخرى من جانب مؤسّسة الرئاسة. ولاشكّ أن الوضع سيكون مختلفاً عن الحقبة الناصرية (والتي ضمن فيها جهاز أمني عديم الرحمة وحزب سياسي واحد الهيمنة الشاملة للرئيس) أو حتى عن رئاسة مبارك (والتي أمكن فيها للحزب الوطني الديموقراطي ذي التفكير المتبلّد أن ينتج أغلبية موالية كي تخضع للإرادة الرئاسية وكانت تتم الهيمنة على غيره من المؤسّسات من خلال التملّق والتحييد عن طريق الاستتباع بقدر ماكانت تتم من خلال التخويف. ومع ذلك من المرجّح أن تواجه رئاسة السيسي بعض العقبات. إذ ستبقى الاستقلالية المؤسّسية للعديد من الجهات الفاعلة ثابتة حتى لو ضعفت الإرادة والرغبة السياسية للوقوف في وجه الرئيس. ومن المحتمل أن يبقى الرئيس متيقّظاً لضمان ألا يستغل الجيش مكانته المتميزة كي يتوحّد خلف أحد منافسيه. وربما تكون عملية السيطرة على برلمان ممزّق صعبة. كما أن من الممكن أن تؤدّي الأساليب الجديدة للسياسة المثيرة للجدل التي اعتمدها المصريون على مدى السنوات القليلة الماضية - المظاهرات وحملات تقديم العرائض والانتقادات العلنية القاسية - إلى جعل مسألة توجيه المجتمع من الناحية السياسية صعبة هي الأخرى، خاصة عندما تنحسر ظاهرة الهوس بالسيسي ويدرك المصريون أنه يستحيل الجمع بين أمرين لايجتمعان.

من وجهة نظر شخصية عسكرية، قد يبدو الوضع الحالي مثالياً حيث تتولّى قيادة مدنية ضعيفة زمام المسؤولية الرسمية، وخاصة بالنسبة للقضايا الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، في حين يهيمن الجيش على الأوضاع من دون أي مساءلة. ولهذا السبب فإنني طالما اعتبرت أن ترشيح السيسي للرئاسة أمراً مستبعداً. إذ أن انتقاله من منصبه الحالي إلى منصب الرئاسة لن يكون بمثابة تنزيل لرتبته، ولكنه سيسبّب له صداعاً، وربما أدّى، على المدى الطويل، إلى تحويل بعض مؤيّديه المتحمّسين إلى مشكّكين، خاصة إذا ما استمرت الخدمات العامة في التدهور جنباً إلى جنب مع الأوضاع الاقتصادية العامة.

بيد أن الاختيار بين هذين المستقبلين البديلين، حيث ينطوي أحدهما على وجود جهاز دولة منقسم وعاجز والآخر فيه جهاز أكثر توحّداً وقوة إرادة، قد يخلق ضغوطاً سياسية على السيسي كي يسعى للحصول على المنصب. صحيح أن أياً من هذين السيناريوهين ليس ديموقراطياً في شيء سوى بالمعنى الاستفتائي، بيد أن هذه نتيجة بديهية وواضحة للخيارات السياسية التي أقدم عليها الشعب المصري الصيف الماضي.

نشرت هذه المقالة أصلاً في مجلة "فورين بوليسي".