لم يؤدِّ سقوط الرئيس الإسلامي المُنتخَب، محمد مرسي، في تموز/يوليو 2013، إلى فصل الدين عن الدولة في مصر. ففي الواقع، يبدو أنّ أمراً مغايراً تماماً يحدث، وهو تركيز السلطة الدينية تحت قيادة الأزهر. يضم الأزهر ّ مدارس إسلامية، وكليات جامعية، ومعاهد بحوث، و يبدو أنّ المؤسسة الدينية في البلاد تشهد التحاماً داخليّاً، وتوفق أوضاعها مع خريطة الطريق لمرحلة مابعد مرسي، وتؤكّد قيادتها للحياة الدينية في مصر.

سيشكّل ذلك خبراً سارّاً لكثيرين يتطلّعون إلى شيخ الأزهر الحاليّ، الدكتور أحمد الطيب، على أنّه شخصية مستنيرة، إلا أنّ الأمر يثير الجدل ً في صفوف السلفيين والإخوان المسلمين واخرين في مصر. في السابق، تعارض سعي الأزهر إلى الاضطلاع بدور مركزي في الحياة الدينية المصرية مع سعيه إلى نيل الاستقلالية عن الدولة. ومع مرور السنوات، أدّى سعي المؤسّسة إلى الحصول على نفوذ أعظم إلى توريطها في صدامات سياسية أثّرت على اتّساقها واستقلالها. أمّا الآن، فبراعة أحمد الطيب والتغييرات المؤسساتية في المؤسسة الدينية إنّما تتيح للأزهر إمكانية العمل على تحقيق جميع أهدافه في نفس الوقت .

أحمد مرسي
أحمد مرسي باحث غير مقيم في برنامج الديمقراطية وحكم القانون في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
More >

بالنظر إلى هذه التطوّرات، يبدو جليّاً أنّ ماسينتج من إعادة البناء السياسي في مرحلة مابعد مرسي هو دولة تُدخِل البنيات الدينية في تركيبتها البيروقراطية تماماً كما كانت تفعل من قبل. وهكذا، بالكاد سيتمّ استبعاد الإسلام عن الحياة العامة. إلا أنّ رؤية الإسلام تظهر أكثر اتّساقاً وأكثر قابليّة لأن تكون موجَّهة من قيادة الأزهر العليا.

الأزهر بعد مبارك

منذ عهد محمد علي في القرن التاسع عشر، ينظر القادة المصريّون إلى الأزهر على أنّه أداة مؤثّرة في تشكيل سياسات الحكومة الداخلية والخارجية والترويج لها. وبالتالي، زادوا سيطرتهم تدريجيّاً على المؤسسة.

لقد عمل الرئيس جمال عبد الناصر بشكل طموح على إعادة تنظيم الأزهر من خلال القانون 103 لعام 1961، الذي وضع المؤسسة وأوقافها بالكامل ضمن صلاحية وزارة الأوقاف. وجعل هذا القانون أيضاً تعيين شيخ الأزهر من صلاحيات الرئيس المصري، كما هي حال تعيين أي مسؤول آخر في الدولة. وفي السنوات اللاحقة، عملت القيادة السياسية على ضمان أن يكون الأزهر بمثابة قوّة موازنة في مواجهة التأثير الديني المتنامي لقوّتين داخليّتين هما الإخوان المسلمون والسلفيّون، ولقوى خارجية مثل الوهّابية في المملكة العربية السعودية.

وقد أتاح الفراغ السياسي والاجتماعي في مصر في أعقاب سقوط الرئيس الأسبق حسني مبارك، في شباط/فبراير 2011، للأزهر الإفلات قليلا من سيطرة الدولة. ومع أنّ الأزهر كان بعيداً عن السياسة المصرية اليومية، إلا أنّه كان لايزال جزءاً من الدولة المصرية، واستغلّ السياق السياسي الجديد للضغط من أجل مزيدٍ من الاستقلالية.

شكّل الأزهر نقيضاً للأحزاب السياسية الإسلامية الصاعدة، من ضمنها حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين، و حزب النور التابع للدعوة السلفية. وخلافاً للإخوان، كان الأزهر مهتمّاً بالشقّ الأكاديمي، ولم ينغمس في السياسة. أما خلافاً للسلفيين، فيمكن وصف مقاربته بأنّها أكثر تناغماً مع احتياجات المجتمع في القرن الحادي والعشرين. وخلافاً للإخوان والسلفيين معاً، بدا أحمد الطيب على أنّه يروّج لإحلال التوافق عبر قيادته حوارات وطنيةً وإصداره بيانات ووثائق نالت دعماً واسع النطاق وهدفت إلى توجيه بوصلة العملية السياسية المضطربة.

في العام 2012، أصبح استقلال الأزهر من سيطرة الدولة رسميّاً إلى حدٍّ ما. واتّخذ المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الهيئة التي حكمت مصر بعد سقوط مبارك، خطوةً متسرّعةً قبل بضعة أيام من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، الذي انتُخِب بين أواخر العام 2011 وأوائل العام 2012، حين أصدر بشكلٍ أحاديّ تعديلات على القانون 103 منحت الأزهر على نحو فعّال وضعاً شبه مستقل. وتمّ تعزيز هذا الوضع من خلال المادة 4 من الدستور المصري، التي نصّت على أنّ الأزهر هو "هيئة إسلامية مستقلة جامعة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه". وقد أعادت التعديلات التي أُدخِلَت على القانون إلى إحياء هيئة كبار علماء الأزهر، وحقّ الهيئة في انتخاب شيخ الأزهر واختيار المفتي. وقد نصّ دستور العام 2012 على أن يؤخذ رأي الهيئة حول المسائل المتعلّقة بالشريعة الإسلامية.

لم تمنح هذه التغييرات الأزهر الاستقلالية وحسب، بل عزّزت أيضاً مكانة الطيب في داخل المؤسسة. إذ سمحت له باحتكار السيطرة على التشكيل الأولي لهيئة كبار العلماء. وبما أنّ الهيئة أُعطيَت صلاحية تسمية المفتي، دخل منصبٌ تنافسي تقليدي تحت سيطرة الأزهر فعليّاً. فضلاً عن ذلك، أكّدت التعديلات أنّ منالمهم الحفاظ على قيادة الأزهر الحاليّة، وتمكين الطيب من العمل بما يصبّ في مصلحة الأزهر دون فتح مزيد من النقاش في المؤسسة، إلا في صفوف الأشخاص الذين يعيّنهم شيخ الأزهر بنفسه.

وعلى الرغم من اتخاذ خطوات مهمة نحو الاستقلالية، لايزال ثمة شوط طويل ينبغي خوضه. فقد فشلت التعديلات في معالجة مسألة الاستقلال المالي، إذ لايزال الأزهر يعتمد على الحكومة في هذا المجال. وقد تمّ أيضاً تعليق إصلاحات أخرى مطلوبة داخل الأزهر، مثل المساعي التي طال انتظارها لتطوير منهجه التعليمي و نظامه الإداري.

صعود الإخوان المسلمين وسقوطهم

شكّل انتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر في حزيران/يونيو 2012 تحدّياً محتملاً للترتيبات الجديدة المرتبطة بعلاقة الأزهر مع الدولة المصرية. فقد كان مرسي مرشح جماعة الإخوان المسلمون وبالتالي، عنى صعود هذا الأخير أنّ حركة دينية كانت مستقلّة سابقاً عن الدولة (الإخوان المسلمون) بدأت تتسلّم زمام السلطة السياسية من خلال حزب الحرية والعدالة. إضافةً إلى ذلك، نال الإخوان المسلمون بعض الدعم في أوساط الهيئة التعليمية والطلابية في الأزهر.

لم تكن نقاط الاختلاف بين الإخوان والأزهر عقائدية بالضرورة، فقد زعم الإخوان المسلمون أنّهم حركة وسطية، ولطالما نادوا باستقلال الأزهر، وإعادة إحياء هيئة كبار العلماء، وإعادة الاعتبار إلى الأزهر. لكن من الواضح أنّ الكثير من شيوخ الأزهر، وبخاصّة الطيب، تطلّعوا بوضوح إلى جماعة الإخوان المسلمين على أنّها حركة سياسية أكثر منها دينية، وساورهم الشك في أنّ الإخوان سيعيّنون تدريجيّاً شخصيات تابعة لهم في المناصب الرئيسة في المؤسسة الدينية التابعة للدولة. وعلى الرغم من أنّ الاتهامات التي وُجِّهَت إلى مرسي بـ"أخونة" الدولة المصرية غالباً ماكان مبالغاً فيها، إلا أنّ وزارة الأوقاف عينت شخصيات تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين في وظائف عديدة.

و مع تسلّم مرسي زمام الرئاسة، تجنّبت قيادة الأزهر المواجهة الكاملة، وحافظت على علاقة ودّية عموماً مع الرئاسة. فعلى الرغم من بعض المشاحنات البسيطة، مثل انسحاب الطيب منحفل تنصيب مرسي، لم تحدث أي صدامات كبيرة. وفي بعض المناسبات، حين أصدر الإخوان المسلمون بيانات حول حقوق المرأة مثلاً، أو حين أقرّ مجلس الشورى قانون الصكوك الإسلامية، اغتنمت قيادة الأزهر الفرصة لتقديم صوتها المستقل، إلا أنّها لم تستخدم قط نبرةً توحي بالتحدّي المباشر.

ناثان براون
ناثان ج. براون أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث مرموق، ومؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.

مع ذلك، في نهاية حزيران/يونيو من العام 2013، حين بلغ استياء الرأي العام من مرسي درجة عالية، شعر شيخ الأزهر على مايبدو بأنّه لم يَعُد يستطيع الوقوف على الحياد من المواجهة الدائرة في السياسة المصرية. وفي 3 تموز/يوليو، أعلن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي عزل مرسي وتعليق دستور العام 2012. وقد ساند الطيب (وبابا الأقباط) السيسي، مؤيّداً بوضوح الخطوات التي اتخذها. وكان موقف الأزهر بما يمثّله من رمزٍ للوحدة الوطنية والتوافق حاسماً في إظهار أنّ الإطاحة بمرسي هي تعبيرٌ عن رفض شعبي واسع لحكم الإخوان، و ليس انقلاباﹰ عسكرياﹰ.

سعى الأزهر إلى إظهار خطوته هذه على أنها غير سياسية ولاتشكّل خرقاً لموقفه الحيادي، بل هي استمرار لهذا النهج. وقال الطيب في هذا الصدد: "كان واضحاً أنّ علينا الاختيار بين قرارين مريرين". فاتخذ القرار الأقل ضرراً، أي عزل مرسي ودعم خريطة الطريق السياسية التي وضعها الجيش المصري. ومع أنّ الأزهر لايزال يحظى باحترام غالبية المصريّين، إلا أنّ هذه الخطوة قللت من مصداقيّته وحياده، على الأقلّ في نظر مؤيّدي مرسي والإخوان المسلمين.

منذ الإطاحة بمرسي، دعا الأزهر إلى حوار وطني جامع وشامل بغية وضع الأجندة السياسية وإكمالها، إلا أنّ هذه الدعوات لم تُفضِ إلى أي نتائج ملموسة. ويُعزى ذلك جزئيّاً إلى أنّ حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين قاطع الحوار، حاملاً على الأزهر مساندته قادة الانقلاب. والسبب الآخر لفشل الحوار هو عدم رغبة الجيش والحكومة الانتقالية في تقديم أي تنازلات أو حتى مناقشة بنود الخطة الانتقالية. يُضاف إلى ذلك أنه، فور عزل مرسي تقريباً، شنّت الحكومة الانتقالية ووسائل الإعلام حملةً ضد الإخوان المسلمين تحت مسمى "الحرب على الإرهاب"، مما زاد من صعوبة جمع الفريقين المتنازعين.

ردّاً على ذلك، طالب تحالف دعم الشرعية (مكون من الإخوان المسلمين وبعض القوى الإسلامية) بعودة مرسي للرئاسة و إعادة العمل بدستور العام 2012، رافضاً تغيير النظام في 3 تموز/يوليو. ويقود هذا التحالف مسيرات واحتجاجات أسبوعية مندّدة بقادة الانقلاب وبالحكومة المؤقتة.

في آب/أغسطس الماضي، قامت قوات الأمن بتفريق تظاهرات كبيرة مؤيدة لمرسي بالقوة، وفرضت حظراﹰ للتجوال مما قلل من تلك التظاهرات. إلا أنّ الاحتجاجات في حرم الجامعة أصبحت حدثاً يومياً منذ بداية العام الدراسي. والمثير للإهتمام أنّ اكبر و أعنف المظاهرات كانت في جامعة الأزهر، وهي مؤسسةٌ يُعَدّ طلابّها أقلّ عدائية بكثير إزاء الإسلاميين من نظرائهم في الجامعات الأخرى. فمنذ اليوم الأول للدراسة بالأزهر في 19 تشرين الأول/أكتوبر، دعا الطلاب المتظاهرون إلى إقالة الشيخ أحمد الطيب و الإفراج عن زملائهم و التنديد بالانقلاب على مرسي. أما مسؤولو الجامعة فتعاملوا بتردّدٍ مع المتظاهرين الذين انتقدوهم معتبرين إيّاهم أقلّيةً لا تمثل كافة الطلاب. بيد أنّ قرب حرم جامعة الأزهر لجامع رابعة العدوية، حيث كان يعتصم أنصار مرسي قبل تفريقهم بالقوة، تؤجّج الطلاب للخروج بتظاهراتهم من حرم الجامعة ومحاولة القيام باعتصامات. وعلى الرغم من التحذيرات التي أطلقها رئيس الجامعة بالابتعاد عن السياسة في الجامعة، صعّد المتظاهرون احتجاجاتهم إلى أن طلبت الجامعة من الشرطة التدخل لتأمين المنشأت في 30 تشرين الأول/أكتوبر.

هكذا،أصبح الأزهر عالقاً، شاء أم أبى، في الاضطرابات السياسية عقب العام 2011. وهو يشهد، فضلاً عن ذلك، انقساماً داخلياً كما تظهره التظاهرات الطلابية.

توحيد القطاع الديني بعد مرسي

على الرغم من الاضطرابات و التغيرات على المدىالقصير ، فقد يحصد الأزهر، على المدى الأطول، مكافآت سخيّة من بيئة مابعد 3 تموز/يوليو.

في الأشهر التي عقبت إطاحة مرسي، طرأ تطوّران بارزان في مايتعلّق بدور المؤسسات الدينية في الحياة العامة المصرية: نشوء قيادة موحَّدة أكثر في المؤسسات الدينية الحكومية ، واضطلاع هذه المؤسسات بدور أكبر في الحياة العامة. ولم يحدث هذان التطوّران أساساً ضمن الأزهر وحسب، بل طالا أيضاً بنية وزارة الأوقاف وموظّفيها ونطاق عملها. ومع ذلك، يمنح هذان التطوّران الأزهر دوراً قيادياً في تشكيل الحياة الدينية في مصر.

وتعمل وزارة الأوقاف، التي لطالما اعتُبِرَت منافِسةً لسلطة الأزهر، مع هذا الأخير الآن لتطبيق نظام لتوظيف الخطباء، وضم المساجد تحت سلطة الوزارة، وتنظيم محتوى الخطَب وعملية إصدار الفتاوى. فأعلن وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، في الشهر الماضي، أن إقامة الصلوات ستُسمَح فقط في المساجد الخاضعة إلى سلطة الوزارة، وأنه لن يُسمَح بإلقاء الخطَب في المساجد إلا للأئمّة المُجازين من الأزهر. فضلاً عن ذلك، جرّدت الوزارة آلاف الأئمّة من تراخيص الخطابة، وأغلقت بعض المساجد التي تقلّ مساحتها عن 80 متراً مربّعاً، والتي غالباً ما يخطب بها أئمة مستقلّون، كما حظّرت جمع التبرّعات في المساجد التي "تذهب إلى الذين لايتّقون الله". إضافةً إلى ذلك، أمَرَ الوزير بإعادة تشكيل المجالس التي تشرف على المساجد المملوكة من الدولة.

وعلّل جمعة سبب لجوئه إلى هذه الخطوات بسوء استخدام المساجد في عهد مرسي، والتحريض على العنف ، و بعض الصدامات الأخيرة التي وقعت داخل المساجد بسبب الوضع السياسي المستقطب. ووفقاً لمصدر في الوزارة، كان الوزير الذي سبَقَ جمعة قد عيّن أعضاء من الإخوان المسلمين في مناصب رفيعة المستوى. فقرر د. مختار جمعة صرَفَ هؤلاء المُعيَّنين من الإخوان، إلا أن بعضُ المراقبين طالبوا بإقالة موظّفي الدرجتَين الثانية والثالثة في الوزارة أيضاً على أساس انتمائهم إلى جماعة الإخوان ومجموعات إسلامية أخرى.

أثارت هذه القرارات جدلاً في أوساط الخطباء والمجموعات الدينية. فانتقد حزب النور السلفي خطوة الوزارة، داعياَ إلى اختيار الخطباء وفقاً لـ"معايير علمية، لا بحسب ولائهم للسلطات أو لاعتبارات أمنية".

قد تبدو تدابير وزارة الأوقاف أنها ببساطة محاولة لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين والمجموعات الإسلامية الأخرى وإضعافها، إلا أن الوضع في الحقيقة أكثر تعقيداً. فالإجراءات توحي في الواقع بخطة لتأميم الممارسة الدينية في مصر.

لكن الخطة قد لاتكون قابلةً للتطبيق. فهذه بالكاد تكون المرة الأولى التي تحاول فيها الحكومة المصرية بسط إشرافها على مساجد البلاد، ذلك أن المساعي السابقة فشلت لضخامة و صعوبة هذه المهمة. كيف تستطيع الوزارة إذاً أن تتأكّد من أنّ المساجد تتّبع الإرشادات الخاصة بالخطابة أو أنّ صلوات الجمعة تُقام فقط في المساجد التي تزيد مساحتها عن 80 متراً مربّعاً؟ وكيف يمكن أن تتعامل الوزارة مع الخطباء "المشاهير" الذين لايحملون شهادةً من الأزهر؟ وهل ستسعى الوزارة إلى طلب المساعدة من الشرطة لتطبيق السياسات وتوقيف المخالفين؟ ثمة مشكة أخرى أيضاً تكمن في ردّ الفعل العكسي الذي يمكن أن تثيره هذه السياسات و موقف بعض الجمعيات الإسلامية التي تبني المساجد في أرجاء البلاد كافة وتُعلِّم وتخطب فيها منذ مدة طويلة.

أقرّ أحد المسؤولين في الأزهر، في مقابلة معه مؤخراً، التحديات الناجمة عن تطبيق هذه السياسات. الواقع أنّ الأزهر يدعم التغييرات التي أجراها وزير الأوقاف الجديد باعتبارها إصلاحات طالت الحاجةُ إليها وتأخّرَ تطبيقُها بسبب تجاهل الحكومات السابقة والقيادة الدينية في الأزهر والوزارة. لكن الأزهر يدرك أيضاً حجم و صعوبة هذه المهمة.

لاتزال نيّة الأزهر هي عدم السيطرة على الجهاز الديني، بل تعميم و تعزيز تفسيره الوسطي للإسلام. كخطوة أولى، قرّرت وزارة الأوقاف والأزهر إنشاء مجلس أعلى للدعوة برئاسة شيخ الأزهر، يكون مسؤولاً عن تدريب الأئمّة والخطباء، ويشرف على كلّ الشؤون المرتبطة بالدعوة. ويقود د. مختار جمعة، الذي كان عضواً في المكتب الفنّي لشيخ الأزهر حتى تعيينه وزيرا، الجهودَ لإرسال الخطباء من خرّيجي الأزهر إلى القرى والمناطق النائية، مثل صعيد مصر وشمال سيناء، بغية محاربة تأثير الرؤى المتطرفة للإسلام.

بيد أن المنتدى ً الذي يتجلّى فيه دور الأزهر الجديد بوضوح هو لجنة الخمسين التي تتولّى حالياً إجراء مراجعة شاملة للدستور المصري. للأزهر ثلاثة ممثّلين في اللجنة (المفتي وممثلان آخران)، و هم في موقع أقوى بكثير من موقع أسلافهم في الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور عام 2012.

ففي العام 2012، كان الأزهر في موقف دفاعي و، وسعى إلى الدفاع عن مصالح المؤسسة ورؤيتها في الوقت الذي كان الأعضاء غير الإسلاميين، والسلفيون، والإخوان يتشاجرون حول مختلف البنود الدينية. وكانت النتيجة أن صدرت وثيقة أعطت الأزهر أكثر ممّا كان يرجو. إذ منح أحد البنود الأزهر دوراً استشاريّاً حول مسائل تتعلّق بمبادئ الشريعة الإسلامية، فيما تبنّى بندٌ آخر تعريفات الأزهر لهذه المبادئ.

يبدو هذا الدور القوي شكليّاً أكثر بقليل ممّا كان يرغب فيه كبار قادة الهيئة الحاليّون، الذين يسعون إلى الحصول على سلطة أخلاقية عليا، لا على سلطة سياسية محدّدة ومقننة. ومن المرجّح أن تُحذَف هذه البنود في دستور العام 2013، الأمر الذي لن يحدّ من تأثير الأزهر، ولكنّه يخفّف من ذكر الأزهر في النص الدستوري .

الأزهر والنظام الجديد

على الرغم من جهود الأزهر التدريجية ورؤيته المُعلَنة المتواضعة، فهو يقود المؤسسة الدينية في مصر إلى حقبة جديدة. وقد فرض على المؤسسات التقليدية المتنافسة أن تنسّق في مابينها ، وأصبح شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء على رأس هذه المجموعة. إضافةً إلى ذلك، يعمل المفتي ووزارة الأوقاف بشكل أوثق مع الأزهر، ويبدو أنّ الجميع بات يعترف بالسلطة الأخلاقية التي يتمتع بها الأزهر.

لم تُكتَم الأصوات المعارضة كلّها، فهذا يظهر جليّاً من خلال التظاهرات التي يقوم بها طلاب الأزهر، وحضور السلفيين في النقاشات العامة. لكنّ موقف الأزهر وشيخه يبقى ثابتاً، في حين بدأت الأصوات المعارضة تفقد بعضاً من قوّتها وتأثيرها من دون أن تتعرّض إلى القمع .

ولعلّ الرمز الأكثر تعبيراً عن النظام الجديد هو يوسف القرضاوي، أحد أبرز علماء الدين الإسلامي ً. وعلى الرغم من أنّه مصري وتلقّى تعليمه في الأزهر، فهو يقيم في قطر، ويدافع عن رؤيته الوسطية للإسلام، إلا أنّه لايخفي تأييده للإخوان المسلمين. والقرضاوي المعروف بجموحه و تهوره أحياناﹰ قد انتقد علانية الإطاحة بمرسي، و موقف الأزهر و شيخه.. وقد قوبلت تعليقاته بردودٍ فعل غاضبةٍ من هيئة كبار العلماء بالأزهر – وهو أحد أعضائها - التي اجتمعت لمناقشة كيفية الرد عليها و طالبت بطرده منها، إلا أنه تقرر أن يبقي عضواﹰ بالهيئة. وثمة مؤشرات تقود إلى أنه هدّأ من نبرته، غير أنّه لايزال صوتاﹰ منعزلاً في الهيئة.

لم يكتسب الأزهر تماسكاً وحسب، بل تمكّن أيضاً من زيادة هيبته ومركزيته. وربّما بدا حضور أحمد الطيب في أثناء إلقاء السيسي خطاب عزل مرسي على أنّه خطوة سياسية، غير أنّه عزّز أيضاً موقف الأزهر باعتباره ضمير الأمة المصرية.

ترى شريحة كبيرة ومتنوّعة من المصريين أنّ الأزهر يمثّل وجه الإسلام الحقيقي في مصر. وقد التفّ المعارضون لحكم الإسلاميين حول الأزهر باعتباره بديلاً عنهم، وكان ردّ فعلهم إيجابياً تجاه موقف الأزهر ً الرافض للإخوان بعد 3 تموز/يوليو. ومع أنّ الإخوان المسلمين مستاؤون للغاية من سياسات الشيخ أحمد الطيب، إلا انهم مازالوا يزعمون أنّهم يدعمون مؤسسة الأزهر.

تشكّل اللحظة الراهنة فرصة هائلة للأزهر، إذ تبدو المؤسسة على شفا الحصول على قدرٍ من الاستقلالية والنفوذ لم تبلغه قط في العصر الحديث.