ظلّ المجتمع المسيحي الأرثوذكسي المصري، أي الأقباط، هدفاً للعنف والتمييز منذ سبعينيات القرن الماضي، وخصوصاً بعد الثورة التي أطاحت حسني مبارك. ولم تفعل الدولة المصرية شيئاً يُذكَر لمعالجة هذا الوضع، لابل أفسحت المجال، في بعض الأحيان، للصراع بين المسلمين والمسيحيين. ولذا، فإن تحقيق الحرية الدينية والمساواة يعتمد على بناء مؤسّسات الدولة التي يمكنها ضمان الحقوق الدستورية لجميع المواطنين.

الصراع

  • تدهورت العلاقات بين النظام والكنيسة في سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس أنور السادات، الذي احتضن الإسلام والإسلاميين كثقلٍ موازن لليسار.
     
  • تمثّل الكنائس نقاط اشتعال لشنّ هجمات ضد الأقباط. كما يُعَدّ بناء الكنائس وترميمها في مصر عملية سياسية إلى حدّ كبير، كان المضيّ بها يتطلّب تاريخياً الحصول على موافقة رئاسية.
     
  • عندما يتم الاعتداء جسدياً على الأقباط لايتدخّل الجيش والشرطة في كثير من الأحيان لضمان السلامة العامة، الأمر الذي يتيح الفرصة لانتشار الاعتداءات. في بعض الأحيان، كما في حادث الاعتداء على اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري "ماسبيرو" في تشرين الأول/أكتوبر 2011، لجأ أفراد الأمن إلى استخدام العنف المميت ضد الأقباط العُزَّل .
     
  • مع أن الهجمات التي يشنّها المسلمون على الأقباط تنطوي على عنصر طائفي، ليست الاختلافات المذهبية المصدر الأساسي للتوتّر. فقد أدّت القوانين والمؤسسات السلطوية التي عفا عليها الزمن في مصر إلى جعل الأقباط هدفاً للصراع الاجتماعي.

توصيات للحكومة المصرية

توسيع عملية الانتقال السياسي. ينبغي تعيين النخب القبطية في مناصب وزارية أو في المجموعة الفرعية من المقاعد البرلمانية غير المُنتخَبة. فهذا من شأنه توفير صوت أكبر للمسيحيين داخل الحكومة، التي في وسعها تحسين أوجه القصور المؤسّسية ومعالجة عدم المساواة.

إجراء إصلاحات أمنية تضع الشرطة في خدمة المجتمعات المحلية. تعمل الشرطة حالياً، باعتبارها من مخلّفات الحكم الاستبدادي، في خدمة الدولة المصرية بدل أن تخدم الشعب المصري. ولذا ينبغي على الشرطة أن توفّر الحماية لجميع المواطنين المصريين، بمَن فيهم الأقباط، وألا تكتفي بحماية مصالح الدولة فقط.

التحقيق في فشل قوات الأمن في الدفاع عن الكنائس وغيرها من المواقع المستهدفة بسبب علاقتها بالمجتمعات القبطية. يجب أن تُبنى محاكمات المُعتَدين والتغييرات الأوسع نطاقاً في مجال السياسات على تقييم دقيق للأحداث الأخيرة، بما في ذلك إهمال المسؤولين الأمنيين على جميع المستويات في توفير الأمن الأساسي للمواطنين المصريين من جميع الأديان .

إعادة النظر في التوصيات الواردة في تقرير لجنة العطيفي. أوصى التقرير المذكور، الذي صدر بعد موجة من الاشتباكات الطائفية في العامين 1971 و1972، بأن توضّح الحكومة الإجراءات اللازمة لبناء الكنائس. ويمكن أن يساعد إصدار وتطبيق قانون موحّد لبناء دور العبادة في تخفيف مصدر متواتر للصراع.

مقدّمة

لم يتمخّض زوال الحكومة الإسلامية المُنتَخَبة في مصر في تموز/يوليو الماضي عن بداية مشجّعة للعلاقات بين الأديان. فقد كان العنف يتصاعد في مصر حتى قبل أن يخلع الجيش الرئيس محمد مرسي في انقلاب أيّده الملايين، بيد أن الاضطرابات الاجتماعية والسياسية لم تتصاعد إلا منذ ذلك الحين. وكانت أعمال القتل على أيدي قوات الأمن المصرية لما يزيد عن 1000 من أنصار مرسي في عمليات إطلاق نار منفصلة وواسعة النطاق، في شهرَي تموز/يوليو وآب/أغسطس، من أبرز الحوادث. كما تشكّل الهجمات المميتة على المسيحيين المصريين، الأقباط، سبباً للقلق. فقد حاصر المهاجمون من شمال سيناء إلى جنوب مصر الكنائس وقتلوا رجال الدين الأقباط والعلمانيين. وتصاعد هذا الاتّجاه بعد أن فضّت الشرطة بعنف الاحتجاجات الرئيسة المؤيّدة لمرسي في القاهرة في 14 آب/أغسطس. وهو يهدّد بإيقاع المزيد من الخسائر في الأرواح، وبنشوء استقطاب سياسي حادّ، مايعرّض إلى الخطر الجهود الرامية إلى بناء توافق وطني حول الإصلاحات الجديدة. 1

نادراً ماتبشّر موجة من جرائم الكراهية بالخير. والآن، في عهد الحكومة الانتقالية الثانية التي يقودها الجيش في مصر في سنوات عديدة، يرجع السبب في التوتر الطائفي إلى لامبالاة الدولة والقلق الاجتماعي اللذين أشعلا الثورة المصرية الأصلية في 25 كانون الثاني/يناير 2011. إذ نسبت منظمات حقوق الإنسان بعض الهجمات التي شُنَّت ضد الأقباط إلى أنصار جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الإسلامية الأخرى. وذكرت أيضاً أن الجيش والشرطة غالباً مازادا الوضع السيئ سوءاً، من خلال تجاهل نداءات المساعدة وترك الجناة يهوجون ويموجون بحرّية. وتكشف انتقادات تلك المنظمات كيف يرتبط الأمن القبطي بالجهد الأوسع نطاقاً لتشكيل حكومة تُعامِل المصريين على أنهم مواطنون لهم حقوق لا على أنهم مشكلة يجب التعامل معها وإدارتها.

أزعجت مسألة المواطنة - العضوية الكاملة في المجتمع السياسي الوطني - كل المصريين، سواء كانوا يمارسون الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو أي دين آخر. لقد أصبحت البلاد جمهورية بصورة رسمية في العام 1953، بيد أن المسؤولين في الدولة لم يكونوا يوماً عرضة إلى المحاسبة حقاً أمام الجمهور الذي يخدمونه ظاهرياً. وإذا ما أخذنا أحد الأمثلة الصارخة على ذلك، لوجدنا أن من المحتمل أن تؤذي الشرطة المصريين بقدر ماتحميهم. لابل إن وزير الداخلية الذي أمضى أطول فترة في منصبه في عهد حسني مبارك، مضى إلى حدّ استبدال شعار وزارته "الشرطة في خدمة الشعب"، بشعار "الشرطة والشعب في خدمة الوطن".2 أما في الممارسة العملية، فإن حيل الابتزاز التي تمارسها الوزارة تضع الشعب بالفعل في خدمة الشرطة. على سبيل المثال، عندما هدّد الشاب خالد سعيد بفضح تورّط الشرطة في الاتجار بالمخدرات، قام اثنان من ضباط الشرطة في الإسكندرية بسحبه من أحد مقاهي الإنترنت في الإسكندرية وضرباه حتى الموت. وقد أصبح موت سعيد، الذي تم تخليده في مجموعة "كلنا خالد سعيد" على موقع فايسبوك سبباً للاستياء في العام 2010. والجدير بالذكر أن وزارة الداخلية، التي ينتمي إليها قَتَلة خالد سعيد، تُعَدّ من أكثر المؤسّسات عرضة إلى الانتقاد والأقلّ تغييراً في سياق العملية الانتقالية الجارية.

على مدى ستين عاماً، دافع القادة المصريون بقوّة عن التسلسل الهرمي الصارم بدلاً من ترسيخ المساواة السياسية. وقد تقاسم الحكام العسكريون للبلاد السلطة مع قلّة من المدنيين. أما بقيّة السكان، الذين يبلغ تعدادهم عشرات الملايين، فارتضوا بالحقوق والفرص التي منحها النظام لهم. في ظل هذا النظام الاستبدادي، كانت الهوية الدينية أقلّ أهمية من الثروة والعلاقات الشخصية مع الجيش. ويترتّب على ذلك أن معظم المصريين، المسلمين والأقباط على حدّ سواء، شهدوا نوعاً من المواطنة من الدرجة الثانية عند التعامل مع حكومتهم.

إذن، ماعلاقة الدين بالهوية الوطنية؟ في بلد أدّى دوراً أساسياً في الانتشار العالمي للمسيحية والإسلام، عمل الدين على تفتيت مجتمع يعاني بالفعل انقساماً حادّاً بين الحكام والمحكومين. فقد أصبح نظام الرئيس أنور السادات أكثر تديّناً بشكل علني في سبعينيات القرن الماضي، وتم إدراج الأذان في برامج التلفزيون الوطني، وحظّر بيع الكحول في معظم أنحاء البلاد. 3 ووجد الأقباط أنه يجري تعريف مصر بمصطلحات تستبعدهم علناً من الانتماء بقدرٍ متساوٍ جنباً إلى جنب مع المصريين المسلمين. وبصرف النظر عن لحظة الانسجام بين الطوائف خلال الانتفاضة التي استمرّت ثمانية عشر يوماً ضدّ حسني مبارك، واجه الأقباط التمييز والاضطهاد في ظل النظام الاستبدادي السابق والحكومات الانتقالية التي جاءت بعده. ومن الأمثلة على ذلك المذبحة التي اقترفها الجيش بحقّ المدنيين في "ماسبيرو" في تشرين الأول/أكتوبر 2011، والحصار الذي فرض على كاتدرائية القديس مرقس في نيسان/أبريل 2013 قرب نهاية رئاسة محمد مرسي، وإطلاق النار وقطع الرؤوس وإحراق الكنائس الذي لم تفعل قوات الفريق عبدالفتاح السيسي شيئاً يُذكَر لمنعه بعد تولّي السيسي السلطة في تموز/يوليو. وخلاصة القول، يظل الأقباط واحدة من أكثر الجماعات ضعفاً في المجتمع المصري.

ظهر العنف ضد الأقباط خلال السنوات الأربعين الماضية نتيجة تقاطع الخطاب الديني والسيطرة الاستبدادية. فقد روّج السادات للإسلام في الحياة العامة وأعاد بناء الدولة البوليسية الناصرية كوسيلة لتعزيز موقفه السياسي. ويُنظَر على نحو صحيح إلى الشكاوى القبطية بشأن مرسي، والتي ازدادت خلال فترة ولايته التي استمرت اثني عشر شهراً، في ضوء صعود جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميين المحافظين الذين تحالفوا معها والذي كشف المأزق السياسي الذي يعانيه الأقباط، وهو المأزق الذي تسبّب به النظام السابق. وبالتالي، لاتبشّر نهاية أول رئاسة إسلامية في مصر بعصر ذهبي للعلاقات بين المسلمين والأقباط، بل بالعودة إلى المشاكل الخبيثة والأكثر مكراً لعهد السادات – مبارك.

ينبغي أن يُنظَر إلى العنف ضد الجماعة القبطية في مصر، والتي تمثّل أكبر عدد من السكان المسيحيين في الشرق الأوسط، في سياقه التاريخي والمؤسّسي. فأي هجوم من جانب المسلمين على الأقباط ينطوي على عنصر طائفي، بيد أن القوانين التي عفا عليها الزمن والمؤسّسات المصرية السلطوية، لا الاختلافات المذهبية، هي التي جعلت الأقباط هدفاً للصراع الاجتماعي.

وبصرف النظر عن الاعتداءات الجسدية، يواجه الأقباط أشكالاً عديدة من التمييز اليومي. إذ مُنِع الأقباط في العادة من تقلّد المناصب القيادية (بما في ذلك رئاسة الجامعات والمحافظين، مع استثناء وحيد سنناقشه أدناه)، وكذلك المناصب التي تُعَدّ حسّاسة بالنسبة إلى الأمن القومي، ومن المستويات العليا في جهاز الأمن إلى خطوط الجبهة التربوية حيث يُمنَع الأقباط من تدريس اللغة العربية. ومامن شكّ في أن الأشكال اليومية من التحيّز تُسهِم في إيجاد مناخ من انعدام الأمن. ولذا لن تكون التغييرات المؤسّسية كافية لإحداث تحوّل في المواقف الاجتماعية، غير أن في وسع المسؤولين في الدولة بناء بيئة يرجّح أن تجري فيها مثل هذه التحوّلات.

واليوم يساهم غياب الإرادة السياسية والإصلاح المؤسّسي في تفسير سبب عدم شعور الأقباط بأمان أكثر إثر سقوط الرئيس مرسي. أما بخصوص القانون، فعندما يرغب الأقباط في بناء أماكن عبادتهم أو ترميمها، وهو تقليد ضروري لحرية العقيدة والمساواة الدينية، يواجهون حقل ألغام سياسياً لا عمليةً إداريةً بسيطة. وفي مايتعلّق بشروط السلامة العامة، لم تغيّر وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والمؤسّسات الأمنية الرئيسة في مصر الروتين الذي تعلّمتاه في ظل نظام الضباط الأحرار منذ أكثر من نصف قرن. وفي معظم الأحوال، يتصرّف رجال الشرطة والجنود كما لو كان القادة السياسيون في مصر هم واجبهم الأول وليس شعبهم. وعندما يندلع العنف فهُم إما غائبون وإما متواطئون. هذه العيوب، فضلاً عن الظاهرة الأوسع المتمثّلة بالتمييز ضد الأقباط في الشؤون اليومية، تثقل كاهل المناقشات التي تجري حالياً حول خطة "خريطة الطريق" نحو مصر أقوى وأكثر مساواة وتستنفدها. وإذا ماكانت المجموعة الحالية من القادة والليبراليين والإسلاميين ترغب في حماية جميع المصريين وإشراكهم، فإنها ستكون في حاجة إلى سنّ الإصلاحات القانونية والأمنية التي فشل السادات ومبارك ومحمد حسين طنطاوي (قائد القوات المسلحة الذي كان رئيساً للدولة بحكم الأمر الواقع بعد إطاحة مبارك) ومرسي في القيام بها. ويمكن لهذه الجهود أن تساعد في إعادة بناء الشعور الوطني بـ"الهوية المصرية" الذي تضاءل في عهد الحكام العلمانيين والإسلاميين على حدّ سواء.

من "الهوية المصرية" إلى الهوية الإسلامية

يقدّر أحدث إحصاء (تعارض الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أرقامه) أن الأقباط يشكّلون نسبة 7 في المئة من عدد سكان مصر، وبالتالي يصل عددهم إلى نحو 6 ملايين نسمة. 4 وبغضّ النظر عن حجمهم الديمغرافي، فقد جرى تمثيل الأقباط بصورة واضحة في البرلمان والحياة السياسية المصرية، ولاسيما خلال "الحقبة الليبرالية" في عشرينيات القرن الماضي. ويكمن أحد أسباب الصدمة التي يشعر بها المراقبون المصريون والأجانب إزاء زيادة الهجمات على الأقباط اليوم، في أن هذا النوع من العنف ضد الأقباط جديد نسبياً. فخلال العقود الأربعة الماضية، تراجعت السمة الطائفية في العلاقات بين المسلمين والأقباط بشكل كبير.

كان الأقباط منذ فترة طويلة عنصراً أساسياً في النضال من أجل الاستقلال الوطني والسيادة الشعبية في مصر. وجاءت ذروة المشاركة السياسية للأقباط في عشرينيات القرن الماضي. فخلال ثورة العام 1919، تجاوزت الهوية الوطنية الانقسامات المذهبية عندما قاوم المسلمون والأقباط الحكم البريطاني، لا بوصفهم أفراداً في دين كل منهما، بل باعتبارهم مواطنين مصريين. قاد سعد زغلول هذه الحركة، وقدّم حزبه، حزب الوفد، رعاية مؤسّسية للأقباط كي يسعوا إلى الحصول على المناصب خلال العقود التالية. ومع ذلك، أدّت سنوات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي إلى صعود تنظيمات على أساس ديني، أهمّها جماعة الإخوان المسلمين، التي أُسِّسَت في العام 1928، فضلاً عن الانكماش الاقتصادي الذي أدّى إلى تفاقم القلق الاجتماعي وتأزيم العلاقات بين المسلمين والمسيحيين. ومن المفارقات في ذلك الوقت أن المؤيّدين الأجانب لحقوق المسيحيين، مثل المبشّرين الأنغليكانيين والإمبرياليين البريطانيين، أضعفوا الهوية الوطنية المصرية عن طريق وضع الحركات الإسلامية في موقف دفاعي وتعميق الخلافات المذهبية. فقد استخدمت بريطانيا العظمى الدين كجزء من استراتيجية "فَرِّق تَسُد" التي أبقت على السيطرة البريطانية بحكم الأمر الواقع على الرغم من استقلال مصر الرسمي بعد العام 1922. وعندما برزت الهويات الطائفية بصورة أكبر، واجه الساسة الأقباط أوقاتاً صعبة باستمرار للفوز في الانتخابات البرلمانية، حتى أن حزب الوفد خفّف من دعمه للأقباط. 5

بعد انقلاب العام 1952 الذي قاده جمال عبدالناصر وأتى به إلى السلطة، عاد المصريون مرة أخرى ليجتمعوا تحت مظلّة مشروع وطني. وفي حين حظّر ناصر جماعة الإخوان المسلمين وقمعها، سعى إلى بناء الأمة العربية. ومع أن هذه الهوية الإقليمية الواسعة شملت المسيحيين والمسلمين، إلا أنها كانت تفتقر إلى "الهوية المصرية" المميزة التي ربطت بين أجزاء البلاد في عشرينيات القرن الماضي. إضافة إلى ذلك، وبينما لم تكن سياسة عبدالناصر الخارجية تُميِّز على أساس الدين، فإن نهجه الاقتصادي المحلي، الذي تضمّن عمليات إصلاح ومصادرة واسعة للأراضي إضافة إلى فرض قيود على حرية التعبير وتكوين الجمعيات السياسية، أدّى إلى طرد الكثير من المصريين الأثرياء، منهم العديد من الأقباط.

وفي مايتعلّق بالأقباط الذين لم يهاجروا، عرض ناصر أن يوفّر لهم شكلاً من الحماية الموروثة التي عزّزت الاستقرار الاجتماعي في الوقت الذي كرّست فيه عدم المساواة السياسية. وقد عقد الزعيم المصري شراكة مع بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كيرلس السادس، يتولّى ناصر بموجبها "ضمان... أمن الجماعة" ومكانة كيرلس باعتباره المتحدّث باسم الجماعة المحلية. وكان من نتائج هذا الاتفاق عملية تشييد الكنائس التي جُمّدت في السابق ولكن رخّص لها عبدالناصر. 6 لكن هذا الاتفاق لم يسفر عن حصول وئام دائم بين الأديان. فبعد خسارة مصر المدمّرة لأراضيها في مواجهة إسرائيل في حزيران/يونيو 1967، بحث الكثير من المصريين، من المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء، عن أجوبة ووسائل لتحقيق النجاح في المستقبل داخل معتقداتهم. وهكذا، عندما انتهت فترة حكم عبدالناصر، ازدادت النزعة الطائفية.

تدهورت العلاقات بين النظام والكنيسة في سبعينيات القرن الماضي خلال رئاسة أنور السادات. فقد لجأ السادات، الذي انقضّ على بقايا حاشية عبدالناصر الاشتراكية، إلى تبنّي الإسلام والإسلاميين كثقل موازن لليسار. واعتمد دستور العام 1971 مبادئ الشريعة الإسلامية بوصفها المصدر الرئيس للتشريع. كما سمح الرئيس لقادة الإخوان المسلمين بالخروج من السجن أو العودة من المنفى في الخارج. وبعد مايقرب من عقدين من العمل السرّي، عاد التنظيم مرة أخرى إلى العمل بصورة علنية.

وفي حين كان السادات يفكّك الناصرية ويمكّن الإسلاميين، ازدادت أعمال العنف الطائفي. فخلال العامين 1971 و1972، وقعت إحدى عشرة حادثة طائفية، نجم معظمها عن الخلافات حول تشييد الكنائس أو ترميمها. بيد أن هذه الاشتباكات الأوّلية لم تحظَ باهتمام جدّيّ من جانب الحكومة. بعدئذ، في تشرين الثاني/نوفمبر 1972، أشعل مخرّبون في منطقة الخانكة في القليوبية المقرّ المحلي لمنظمة قبطية اسمها "جمعية الكتاب المقدس"، والتي كان جزء منها يُستخدَم ككنيسة بشكل غير قانوني، بعد أن أمر الأنبا شنودة الثالث، خليفة كيرلس، مجموعة من الكهنة بزيارة الموقع وإقامة قدّاس. وقد أغضبت تعليماته، التي قام الكهنة بتنفيذها، الرئيس السادات، الذي اعتبر أن شنودة يتحدّى سلطته، كما أثارت غضب بعض المسلمين في المنطقة. بعد أن غادر الكهنة الخانكة، أحرق المهاجمون ستّ شقق قريبة يملكها أقباط. شكّلت الحادثة مؤشراً على أسوأ درك تصل إليه العلاقات بين المسلمين والأقباط منذ العام 1952 .

في أعقاب الحادثة، أمر السادات ببدء تحقيق برلماني بقيادة جمال العطيفي، أحد نواب رئيس مجلس الشعب المصري (كان في ذلك الوقت الهيئة التشريعية الوحيدة في البلاد). أوصى التقرير النهائي للجنة بأن توضّح الحكومة إجراءات بناء الكنائس لتخفيف نقطة الاشتعال هذه التي تؤدّي إلى الصراع الطائفي. ووفقاً لروايته، شجّع محمد حسنين هيكل، الذي كان مستشاراً مقرّباً من السادات في ذلك الوقت، الرئيس على العودة إلى العرف الذي درج عليه عبدالناصر في إصدار خمسة وعشرين تصريحاً لبناء الكنائس في السنة. لكن السادات أحجم عن تنفيذ النصيحة. وبعد أن التقى مع الأنبا شنودة وكبار القادة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تعهّد السادات بنوع من الغرور بمنح الأقباط ضعف عدد التصاريح التي منحهم إياها عبدالناصر. لكنه لم ينجز ماتعهّد به. 7 (ولم يحقّق خليفته مبارك نتائج أفضل، إذ يقال إنه لم يمنح الأقباط سوى عشرة تصاريح خلال العقد الأول له في المنصب في ثمانينيات القرن الماضي).

مع مرور السنين، تراجعت شعبية السادات ومعها العلاقات بين المسلمين والأقباط. وبدل أن يستخدم سلطاته الواسعة للدفاع عن الجماعة القبطية في مصر، عزّز الرئيس الإسلام السياسي في المجال العام. ففي أيام الجمعة، أصبح بإمكان المصريين مشاهدة البث التلفزيوني الذي يظهر السادات، "الرئيس المؤمن"، وهو يحضر صلاة الجمعة، في مسجد مختلف في كل مرة. وكانت كل البرامج التلفزيونية تتوقّف خمس مرات في اليوم لرفع الأذان. 8 في العام 1980، استخدم السادات، الذي كان غارقاً في جدل داخلي حول معاهدة السلام التي كانت مصر قد عقدتها مع إسرائيل وارتفاع معدّل التضخّم، مهارته في إجراء الاستفتاءات لتعديل المادة الثانية من الدستور المصري، وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. اتّخذ الأنبا شنودة موقفاً عدائياً من طائفية السادات، وعقد سلسلة من المؤتمرات التي:

"طالبَتْ بتوفير حماية حكومية للمسيحيين وممتلكاتهم، وحرية الاعتقاد والعبادة، ووضع حدّ لمصادرة ممتلكات الكنيسة من جانب وزارة الأوقاف، والتخلّي عن الجهود المبذولة لتطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، فضلاً عن زيادة تمثيل الأقباط في النقابات العمالية والجمعيات المهنية والمجالس المحلية والإقليمية والبرلمان".9

عندما قاوم الأنبا ما اعتبره أسلمة زاحفة، اتهم السادات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأنها تتصرّف كطابور خامس، بالتعاون مع الشيوعيين. واتّهم شنودة بأنه ذو نزعة انفصالية، قائلاً إن الأنبا القبطي يرغب في اقتطاع جزء من صعيد مصر لإقامة دولة مسيحية. 10

سرعان ماتردّدت أصداء خلافات النخبة في الصراع الاجتماعي. في حزيران/يونيو 1981، اندلعت معارك بين الأقباط والمسلمين في حي الزاوية الحمراء في القاهرة. مرة أخرى، كان السبب هو الجدل حول بناء الكنائس. فعندما بدأت مجموعة من المسلمين إقامة مسجد على قطعة أرض خاصة مقرّرة لبناء كنيسة قبطية، عَمَد الأقباط إلى إطلاق النار عليهم. ردّ المسلمون على إطلاق النار، وسمحت وزارة الداخلية باستمرار المعركة المحتدمة لمدة ثلاثة أيام قبل أن تتدخّل. أسفرت الأزمة في الزاوية الحمراء عن مقتل سبعة عشر شخصاً (تسعة منهم من الأقباط) و112 جريحاً. عاب النقّاد على السادات أنه رعى بيئة من الارتياب الطائفي ولم يبادر إلى الحدّ من أعمال العنف عندما بدأت. ظنّ السادات الذي كان يعيش في عزلة متزايدة، أن الاضطرابات الاجتماعية تبرّر له ممارسة المزيد من القمع. وفي أيلول/سبتمبر 1980، أَمَرَ باعتقال أكثر من 1500 من منتقديه من المسلمين والأقباط، ووضع الأنبا شنودة قيد الإقامة الجبرية. وبلغ "خريف الغضب" ذروته عندما قتل متشدّدون إسلاميون الرئيس في عرض عسكري في ذكرى حرب العام 1973 بين العرب وإسرائيل. 11

دروس الخانكة المنسيّة

في عهد السادات، كانت مسألة السياسة العامة التي غالباً ما أثارت قلق الجماعات القبطية، تتمثّل في ترميم الكنائس وتشييدها، وهي مسألة بسيطة وواضحة، على مايبدو، فشلت الحكومات المصرية المتعاقبة في معالجتها بصورة ملائمة. 12

طيلة السواد الأعظم من حقبة الحكم العثماني، كان الزعماء المحليون هم الذين يحدّدون الجهة التي يمكنها بناء دور العبادة. في العام 1856، صدر المرسوم المعروف باسم "المرسوم الهمايوني" الذي نقل السلطة على أماكن العبادة غير الإسلامية من السلطات المحلية إلى الحكومة المركزية في الدولة العثمانية. وفي حين تركت هذه الخطوة القرارات الخاصة ببناء دور العبادة غير الإسلامية خاضعة إلى السلطة التقديرية للسلطان، اعتبرها المسيحيون المصريون نوعاً من التطوّر لأن الزعماء المحليين كانوا في الغالب متحيّزين ضدهم. مع ذلك، وبعد أن نالت مصر استقلالاً جزئياً عن بريطانيا العظمى في العام 1922، انتقلت نحو الدولة الحديثة من دون وجود إطار قانوني رسمي ينظّم تشييد الكنائس. في العام 1934 وضع نائب وزير الداخلية العزبي باشا قائمة من عشرة أسئلة أصبحت مجموعة فضفاضة من المبادئ التوجيهية حول متى يمكن للمسيحيين أن يحصلوا على تصريح لبناء الكنائس (أنظر الإطار الرقم 1). وقد تضمّنت الأسئلة، من بين أمور أخرى، ضرورة أن تكون الكنائس الجديدة على مسافة معقولة من المساجد القائمة، وأن تحظى بموافقة من السكان المسلمين المجاورين، وألا تكون قريبة جداً من أي كنائس قائمة.

بعد ثورة 23 تموز/يوليو 1952، أصبح رئيس مصر الشخصية المخوّلة إعطاء الموافقة على تشييد الكنائس وترميمها وإصلاحها. ومع ذلك، كان لـ"شروط" العزبي، حتى عندما حظي الأقباط بصورة دورية باهتمام مناسب من جانب الرئيس بين وحين وآخر، تأثير ضارّ تمثَّل بعودة السلطة إلى المستوى المحلي وحتى للمسلمين في محيط مواقع البناء المحتملة. ولذلك، حتى عندما كفل نظام الضباط الأحرار حرية المعتقد الديني من حيث المبدأ، كافح الأقباط في الواقع للحصول على التصاريح اللازمة لإقامة كنائس جديدة أو حتى الحفاظ على الموجود منها. وفي الوقت نفسه، كانت عمليات بناء المساجد المشروعة وغير المشروعة منتشرة. 13

إطار رقم 1: "شروط" العزبي بشأن بناء الكنائس

  1. هل الأرض التي سيتم بناء الكنيسة عليها أرض فضاء أو زراعية، وهل تخصّ الشخصالذي قدّم الطلب؟ يجب إضافة أوراق ملكية الأرض إلى الطلب المقدّم.
  2. ما المسافة بين الكنيسة المقترحة والمساجد المحيطة؟
  3. إذا كانت الأرض شاغرة، هل هي وسط مساكن مسيحية أم مسلمة؟
  4. إذا كانت الأرض وسط المسلمين، هل لديهم أي اعتراضات على ذلك؟
  5. هل هناك كنيسة أخرى تخصّ هذه الجماعة في البلدة أو القرية نفسها؟
  6. ما المسافة بين أقرب كنيسة تخصّ هذه الجماعة وبين البلدة التي سيتم بناء الكنيسة فيها؟
  7. إذا كانت الأرض التي سيتم بناء الكنيسة عليها تقع بالقرب من الجسور القائمة على نهر النيل أو المرافق العامة التابعة لوزارة الريّ، فيجب الحصول على الموافقة من الوزارة نفسها. وإذا كانت الأرض تقع بالقرب من خطوط السكك الحديدية، فينبغي أن توافق سلطات السكك الحديدية أيضاً.
  8. ماعدد المسيحيين في المنطقة؟
  9. يجب إعداد تقرير رسمي حول جميع النقاط الواردة أعلاه، ويجب أن يشير إلى المباني المحيطة بالموقع الذي سيتم بناء الكنيسة عليه، بما في ذلك أقرب المرافق ذات الطابع العام، والمسافات بين هذه المرافق وبين الكنيسة. ويتم إرسال هذا التقرير إلى الوزارة.
  10. يجب على مقدّم الطلب تقديم رسومات معمارية مع طلبه بمقياس 1/1000 موقّعة من زعيم الجماعة الدينية ومهندس لديه خبرة في المنطقة التي سيتم بناء الكنيسة عليها. وعلى الإدارة المختصة التحقيق في صحة الأوراق وتوقيعها وتقديمها مع أوراق التحقيق.

المصدر: Christian Fastenrath and Corin Kazanjian, “Important Factors for Church Building in Egypt,” Arab-West Report Paper 4, April 2008, 32–33.

استمرّ هذا المأزق خلال هجمات الخانكة والتحقيق الذي أعقبها. وقد وجدت لجنة العطيفي في تقريرها أن:

"من بين أهم الأسباب التي تؤدّي إلى الاحتكاك وإثارة الانقسامات هو عدم صياغة أي عملية سهلة لتنظيم هذه التراخيص من دون أن تكون هناك حاجة إلى إصدار مرسوم رئاسي في كل حالة. ويعود ذلك إلى أن الحصول على مرسوم من هذا القبيل يتطلّب الكثير من الوقت الذي يحدث خلاله أن تكون معالم الموقع المقرّر لإنشاء الكنيسة قد تغيّرت، مثل إنشاء مسجد قريب، وهو مامن شأنه أن يحول دون الامتثال للشروط العشرة. ونظراً إلى بطء الإجراءات، غالباً مايلجأ العديد من الجماعات القبطية إلى إنشاء مثل هذه الكنائس من دون ترخيص. في بعض الحالات تتسامح الجهة الإدارية المسؤولة مع ذلك، وفي حالات أخرى تُجرى تحقيقات مع الشخص المسؤول في الجماعة. يبدو أن هذا الوضع يخلق تناقضاً بين احترام سيادة القانون من جهة، وبين احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية من جهة أخرى، وهو مبدأ مكفول في الدستور في مادته السادسة والأربعين".14

ولأن اللجنة لاحظت أن معظم حوادث الصراع بين الطائفتين خلال السنتين السابقتين، وكذلك في منطقة الخانكة، كانت "مرتبطة ببناء الكنائس غير المرخصة، والمواجهات بين الإدارة أو بعض المقيمين والمسؤولين" عن الكنائس، أوصى أعضاؤها بوضع إجراء قانوني واضح وبسيط للأقباط لتقديم التماس لإنشاء كنائس جديدة. وقد تجاهل السادات التوصية. نتيجة لذلك، مارست الأعداد المتزايدة من السكان المسيحيين المصريين عقائدها في ظلّ فراغ قانوني، وفي ظلّ تهديد المسلمين في المناطق المحيطة بمعارضة تشييد الكنائس وعرقلته.

مبارك والأقباط

استبق الصراع بين الطوائف أثناء رئاسة السادات المشاكل التي ستواجه الأقباط في ظلّ حكم مبارك، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، (الذي تولّى السلطة بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك في العام 2011)، ومرسي. فالمناخ السياسي الوطني كان يتغيّر بصورة جذرية، حيث أفسحت الروح "الهوية المصرية" التي سادت في فترة مابين الحربين العالميتين المجال أمام ظهور هوية إسلامية أضيق. وفي الوقت نفسه، لم يتم تحديث الهيكل القانوني الرسمي للبلاد لضمان أن يتمكن الأقباط من مواصلة سبل عيشهم وممارسة شعائرهم الدينية بحرّية. وعندما حلّ الدين محلّ الشعور الوطني، أصبحت المسائل التي كان ينبغي أن يحكمها القانون نقاط اشتعال لسياسات الهوية.

حافظ مبارك، بعد تولّيه الرئاسة في العام 1981، على السياسات الداخلية والخارجية العامة للسادات، وخفّف من مستوى القمع الذي كان قد أغضب المصريين ونفَّرهم. كما استفادت العلاقات بين النظام والكنيسة من بداية جديدة. أُطلِق سراح شنودة من الإقامة الجبرية في العام 1985 وفق تسوية مؤقّتة دعمَ الأنبا بموجبها مبارك سياسياً في حين ميّز الرئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية باعتبارها القناة الرئيسة للتعاطي مع مخاوف الأقباط. أدّى الاتفاق، الذي شكّل نوعاً من هيمنة جماعة المصالح الدينية، إلى توسيع سلطة شنودة، وأتاح لمبارك مخاطبة الملايين من المسيحيين المصريين عبر وكيل واحد. وقد أُجبِر الأقباط ممَّن يعانون مظالم سياسية على التماس الخلاص كتابعين للكنيسة، عن طريق الأنبا القبطي، لا كمواطنين في الدولة. وعلى مدى عقود برهنَ شنودة ثباته في دعم مبارك كما كان في معارضة السادات، ودعم النظام حتى عندما قاتل الأقباط العلمانيون لإطاحته. 15

أخفى اتفاق مبارك وشنودة المساوئ المؤسّسية التي تعانيها الجماعات القبطية بدلاً من حلّها. إذ كان ينبغي على الأقباط الذين يسعون إلى بناء الكنائس أو ترميمها العمل من خلال مستنقع بيروقراطي وسياسي للحصول على التراخيص. فالسلطة النهائية لتشييد الكنائس في يد الرئيس، مع أن مبارك فوّض في نهاية المطاف سلطات المحافظة البتَّ في أي قرارات ترخيص خاصة بتجديد الكنائس القائمة أو هدمها أو إعادة بنائها. فضلاً عن ذلك، عندما تكثّفت الهجمات ضد الأقباط، استغلّ مبارك الشعور القبطي بانعدام الأمان لمنفعته السياسية. فقد كانت المواطنة الهادفة وسيادة القانون تنطويان على إمكانية قلب حكم مبارك الاستبدادي الذي اتّسم بالعدد المفرط للوظائف من الرتب العليا. لذلك، بدلاً من وضع الدولة في خدمة المسيحيين والمسلمين على حدّ سواء، جعل مبارك من نظامه جدار حماية ضدّ الطائفية. وعلى مدى عقود نشر هو وزمرته رواية تقول بأنه من دون حماية مبارك سيصبح الأقباط في حالة مختلفة في ظل نظام إسلامي ومُعادٍ للمسيحيين. 16

خلال تسعينيات القرن الماضي، خاضت أجهزة الاستخبارات وقوات الشرطة التابعة لنظام مبارك حرباً داخلية على المتشدّدين الإسلاميين الذين استهدفوا مسؤولي النظام والسياح الأجانب والأقباط. في العام 1998، نجحت الأجهزة الأمنية في التغلّب على الجماعة الإسلامية، المنفّذ الرئيس للهجمات. وقد استطاع الحاكم المستبدّ (مبارك) أن يدّعي، بصورة مؤقّتة، أنه أنقذ الأقباط من "التهديد الإسلامي". بيد أن الهدوء لم يَدُم طويلاً، إذ شكّلت أجهزة الشرطة نفسها التي سحقت المتشدّدين الإسلاميين، خطراً على المدنيين المصريين. 17 في آب/أغسطس 1998، عذّب مسؤولون أمنيون في بلدة الكشح في محافظة سوهاج في جنوب مصر، مئات الأقباط أثناء التحقيق صورياً في مقتل اثنين من الأقباط. 18 كانت تلك الحادثة نذيراً مخيفاً للعقد الذي تلاها، وهو الأخير من حكم مبارك.

كان عناصر أمن النظام مسؤولين جزئياً على الأقل عن أسوأ أعمال عنف ضد الأقباط في حوادث قُتِل فيها من الأقباط أكثر مما قتل في معارك الزاوية الحمراء أو أي أعمال عنف سابقة ضد المسيحيين في تاريخ مصر الحديث. 19 في يومَي 1 و2 كانون الثاني/يناير 2000، توافد المسلمون من البلدات والقرى المجاورة إلى الكشح ردّاً على شجار نشب بين اثنين من التجار، أحدهما قبطي والآخر مسلم، مساء يوم 31 كانون الأول/ديسمبر. كان عدد سكان الكشح في ذلك الوقت 35 ألفاً، غالبيتهم العظمى من الأقباط. قام المهاجمون بتخريب محلات الأقباط وبيوتهم، وهاجموا السكان المحليين. وقُتِل عشرون شخصاً، جميعهم من الأقباط، قبل أن تتدخّل وزارة الداخلية. وبدلاً من التغلّب على الانقسامات الطائفية، عمدت شرطة المنطقة إلى مفاقمتها، وغادرت المكان بصورة لافتة في حين كان النزاع يتصاعد. 20

في العقد الذي أعقب مجزرة الكشح، تدهور الاقتصاد والبنية التحتية والمناخ الأمني في مصر. وكما هي الحال في فترات أخرى، أوهنَ موسم الانحدار الأقباط وأضعف معنوياتهم جنباً إلى جنب مع كل المصريين الآخرين. لم يجد الأقباط الذين عانوا من الاعتداءات أو التمييز العدالةَ في المحاكم. ولم تتم إدانة أي من مرتكبي جرائم القتل في الكشح، وهي النتيجة التي ثبت أنها نمطية في المناسبات النادرة التي وُجِّه فيها الاتهام رسمياً إلى المسلمين المشتبه بهم في مهاجمة الأقباط. وفي حين كانت الدولة في تراجع كان النشاط السياسي يتصاعد. بحلول العام 2009، بدأت مجموعة من الحركات الجديدة التي تدعو إلى حقوق العمال والاستقلال القضائي الكامل والإصلاح السياسي، تتحدّى النظام. كانت "الحركة المصرية من أجل التغيير" إحدى تلك الحركات التي ساعد بعض النشطاء الأقباط في تأسيسها في كانون الأول/ديسمبر 2004، وكانت معروفة بشعارها "كفاية". أدّت التظاهرات التي قامت بها "كفاية" إلى كسر الحظر على المعارضة العلنية المنظّمة. كما قدّمت الجماعة سبلاً واضحة أمكنَ من خلالها للأقباط الذين عارضوا سياسات مبارك أن يتصرّفوا سياسياً، وأن يتحدّوا، ضمناً، شراكة الرئيس مع الأنبا شنودة.

وقد حفّز هجومان مميتان شُنّا على المسيحيين في العام 2010 مجموعةً من الشباب الصغار الأقباط على النأي بأنفسهم عن دعم الكنيسة للنظام. وقع الهجوم الأول في محافظة قنا الجنوبية، والثاني في محافظة الجيزة المجاورة للقاهرة. وفي يوم 6 كانون الثاني/يناير، في نجع حمادي، قتل شخص أطلق النار من مركبة متحركة، ستة أقباط كانوا عائدين من قداس عشية عيد الميلاد وضابط شرطة مسلماً خارج الخدمة. وفي حيّ العمرانية في الجيزة، في تشرين الثاني/نوفمبر، أطلقت الشرطة النار على رجل قبطي خلال نزاع حول بناء كنيسة تم الترخيص لها في الأصل لتكون مركزاً اجتماعياً. وأصيب العشرات في تظاهرات قبطية ذات صلة ضد الشرطة. وعلى مدار السنة، كان مبارك وكبار مسؤولي النظام غير مُبالين، وكانوا مهتمين، على مايبدو، بتكريس سلطتهم أكثر من اهتمامهم بحماية المصريين. 21 وسرعان مادفعت لامبالاتهم المسيحيين والمسلمين إلى التمرّد.

لم يكَد يمرّ نصف ساعة على بداية العام 2011 حتى وقع انفجار شديد خلال قدّاس منتصف الليل في كنيسة القديس مرقس والأنبا بطرس القبطية (المعروفة أيضاً باسم كنيسة القديسين) في الإسكندرية. أدّى انفجار السيارة إلى مقتل ثلاثة وعشرين من أبناء الأبرشية وجرح العشرات، وبدّد زعم النظام بأنه يحفظ أمن المسيحيين. كشف هجوم رأس السنة الجديدة عن استمرار ضعف الأقباط، مع أنهم يعيشون في دولة أمنية فيها رئيس تنفيذي قوي ووزارة داخلية مترامية الأطراف. شعر المصريون بالرعب والغضب الشديد. فلم يفشل ضباط الأمن في اعتراض الانتحاري وحسب، بل وقفوا مكتوفي الأيدي أيضاً عندما اشتبك المسيحيون والمسلمون بعد ذلك في المنطقة المحيطة. لابل إن محامياً قبطياً اتّهم وزير الداخلية بتدبير التفجير لتخويف الأقباط كي يدعموا مبارك خوفاً من تفاقم الصراع الطائفي. 22 وبدلاً من وقف تدفّق الأقباط إلى صفوف المعارضة، دفع تفجير كنيسة القديسين الشباب الأقباط إلى التظاهر في الشوارع. 23

الطائفية بعد ثورة 25 يناير

عندما أطلق المصريون "يوم الغضب" في 25 كانون الثاني/يناير 2011، أذكوا "الهوية المصرية" المشتركة التي ميّزت ثورة العام 1919 وعشرينيات القرن الماضي. بعد ثلاثة أيام، شقَّ الأقباط والمسلمون طريقهم جنباً إلى جنب ضد شرطة مبارك وبلطجيته، وهشّموا سيطرة وزارة الداخلية على الفضاء العام وسيطروا على ميدان التحرير. وسرعان ماتشكّلت مدينة من الخيام لتكون شاهداً على الوحدة بين الطوائف. وفي مساحة محاصرة من جانب بلطجية النظام المحاصر، طوّق المسيحيون المسلمين الذين كانوا يصلّون ودافعوا عنهم. وبالمثل ردّ المسلمون الجميل عندما مارس الأقباط عباداتهم يوم الأحد. وأظهر نموذج التحرير مرة أخرى كيف تغلّب التضامن الوطني على محاولات إثارة الفتنة على أسس دينية. 24

في وقت سابق، امتدّت أواصر الشعور الوطني لأكثر من عقد من الزمن عندما عارض حزب الوفد البريطانيين بعد ثورة العام 1919. وعلى النقيض من ذلك، بعد ثورة 2011، لم تستمر علاقة المودّة التي جمعت بين الأقباط وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين سوى بضعة أسابيع. في 18 شباط/فبراير، أي بعد سبعة أيام على تنحّي مبارك، عاد الداعية الإسلامي وعالم الدين الشهير الشيخ يوسف القرضاوي بعد عقود أمضاها في المنفى، وأمَّ الناس في صلاة الجمعة في ميدان التحرير. كان أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وعشرات الملايين من أهل السنّة في جميع أنحاء العالم قد اتّبعوا تعاليم القرضاوي وتفسيراته منذ وقت طويل. ومع أن خطبة القرضاوي خاطبت الأقباط وأثنت عليهم فضلاً عن المسلمين، إلا أن ظهوره التاريخي، والذي كان يذكّر بعودة آية الله الخميني إلى إيران في شباط/فبراير 1979، أضفى نبرة إسلامية على الأسبوع الأول من مرحلة مابعد مبارك. 25

شكّل حضور القرضاوي تحدّياً رمزياً لوحدة الأديان، ولكن سرعان ما أظهر الإسلاميون المصريون نفوذاً سياسياً أكثر إثارة للقلق للأقباط والمسلمين من غير الإسلاميين. في 19 آذار/مارس 2011، ذهب المصريون إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات ديمقراطية في حقبة مابعد العام 1952. كان المطلوب منهم أن يدلوا برأيهم في استفتاء طرحه المجلس العسكري، والذي أجرى تعديلات طفيفة على دستور العام 1971 تنصّ على أن تسبق الانتخابات البرلمانية صياغة دستور دائم. أيّدت جماعة الإخوان المسلمين والسلفيون التقليديون المتشدّدون هذا الإجراء، الذي أبقى على المادة الثانية من الدستور. أما الليبراليون واليساريون والأقباط فعارضوا الإجراء، بحجّة أن الدستور يجب أن يُصاغ ويُعتمَد قبل الانتخابات. حظيت خطة المجلس العسكري بنسبة تأييد مدوّية بلغت 77 في المئة من الناخبين، وأنبأت بضعف القوى غير الإسلامية في الانتخابات. 26

في حين تميّزت مرحلة مابعد ثورة العام 1919 بالوئام بين الطوائف، لم يكن المشهد السياسي للعام 2011 يضمّ أي حزب ديني عام وجامع لتمكين المسلمين أو الأقباط وحمايتهم. كان حزب الوفد، على سبيل المثال، فَقَدَ منذ فترة طويلة جاذبيته السياسية، فيما لم تكن الأحزاب الأصغر حجماً التي تضم أعضاء من المسلمين والمسيحيين معروفة على الصعيد الوطني. ولذا تمخّضت المناشدات الدينية في سياق عملية التحوّل الديمقراطي عن سلطة غير مسبوقة للإسلاميين. فبعد إعلان نتائج الاستفتاء، تبجّح أحد الدعاة السلفيين قائلاً إن المسلمين "سيطروا" على صناديق الاقتراع، واقترح أن يحصل المصريون الذين يعارضون إقامة دولة إسلامية على تأشيرات دخول إلى أميركا وكندا. 27 وفي الوقت نفسه، في جنوب مصر، رأى محافظون متطرفون آخرون في نتائج الاستفتاء تفويضاً لهم بإنزال العقاب وفقاً لنسختهم الخاصة من العدالة الدينية. ففي قنا، اتّهموا رجلاً قبطياً هو أيمن متري "بإدارة شبكة للدّعارة" وقطعوا إحدى أذنيه عقاباً له. حاول متري أن يرفع دعوى ضدّ لجان الأمن الأهلية في المحكمة لكنه تعرّض بدلاً من ذلك إلى ضغوط أعيان محليين وممثلين عن المؤسّسة العسكرية للقبول بمصالحة غير رسمية وترك المُعتدين من دون محاكمة. 28

كشفت الأشهر الأولى التي أعقبت إطاحة مبارك أنه جرى عزل الأقباط إن لم يكن تم سحقهم. فمن جهة، وقفت القوى الإسلامية تتبجّح حول نتائج الاستفتاء، ومن جهة أخرى، وقف العسكريون الحكام المطلقون للبلاد، الذين أثبتوا أنهم ضعيفو الإرادة وكاذبون.

في 15 نيسان/أبريل، عيّن المجلس العسكري واحداً وعشرين محافظاً جديداً من أصل سبعة وعشرين، معظمهم يتحدّرون من الجيش أو الشرطة. كان من ضمنهم عماد شحاتة ميخائيل، وهو ضابط شرطة قبطي حارب في السابق الغش الضريبي. اختير لإدارة محافظة قنا، حيث كان مبارك قد عيّن قبل خمس سنوات محافظاً قبطياً آخر هو مجدي أيوب. كان أيوب ثاني محافظ مسيحي في تاريخ مصر، غير أن سكان قنا، الأقباط والمسلمين على حدّ سواء، اعتبروا أن أيوب ضعيف وغير مؤهّل لحكم المحافظة. 29 خلال فترة تولّي أيوب منصب المحافظ، وقعت حادثة إطلاق النار من سيارة مسرعة في نجع حمادي في كانون الثاني/يناير 2010. وعندما أعلنت حكومة رئيس الوزراء عصام شرف تعيين ميخائيل، نظّم السلفيون في قنا تجمّعات حاشدة، وأغلقوا خط القطار الذي يمرّ عبر المحافظة. وعلى مدى أكثر من أسبوع، أوقف المتظاهرون حركة النقل بالسكك الحديدية من خلال الشريان الرئيس بين الشمال والجنوب الذي يعبر قنا. وقالوا إن محافظتهم اختيرَت من بين جميع المحافظات لتكون المنطقة الرمزية التي يحكمها مسؤول قبطي. لابل إن البعض هدّدوا بقتل ميخائيل إن هو حاول تولّي المنصب. وبسبب عدم قدرته على كسر حصار خط السكك الحديدية من خلال المفاوضات، استسلم شرف وأوقف تعيين ميخائيل. في نهاية المطاف، تم تثبيت عادل لبيب في المنصب، وهو ضابط مسلم في أمن الدولة، عمل بنجاح محافظاً لقنا قبل أيوب مباشرة في العام 2006. 30

خلال هذه الفترة من الإحساس بانعدام الأمن بالنسبة إلى جميع المصريين، أظهرت موجة من جرائم الخطف الضعف الحادّ الذي يعانيه الأقباط. فقد انهار الأمن العام في جميع أنحاء البلاد، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المسؤولين في نظام مبارك أطلقوا سراح السجناء بشكل متعمّد في محاولة غير مجدية لإحباط الانتفاضة. وسعى عتاة المجرمين وصغار اللصوص الشباب إلى انتهاز الفرصة وتحقيق ربح سريع في الاقتصاد المصري الضعيف. فقد أثبت الأقباط الأثرياء في قنا والمحافظات القريبة، سوهاج والمنيا وأسيوط، التي تُعَدّ موطناً لأكبر تجمّع للأقباط في البلاد، أنهم هدف جذّاب. وابتداءً من العام 2011، غالباً ما اختُطِف الأقباط واحتُجِزوا في هذه المناطق من صعيد مصر حتى تدفع عائلاتهم الفدية. ومما يسهم في ضعف الأقباط أنهم يعيشون في ظل دولة تفضّل مصالحة الضحايا المسيحيين مع الجناة على ملاحقتهم قضائياً. فقد اعترف مسؤول من وزارة الداخلية بأن "خطف المسيحيين يمثّل وسيلة سهلة لكسب المال.... [وهم] لايمتلكون قوة دعم قبلية أو عشائرية من شأنها ردع الخاطفين، وهم سعداء بأن يدفعوا الفدية لكسب حرية أحبائهم". والواقع أن عمليات الخطف في المنيا، حيث يُقدَّر أن المسيحيين يشكّلون أكثر من ثلث السكان، كانت حدثاً أسبوعياً منذ إطاحة مبارك. في أواخر العام 2011، دفع الأقباط في قنا مبلغ 600 ألف جنيه مصري (حوالى 100 ألف دولار) فدية لعودة موظّفَين قبطيَّين. وفي الأشهر التالية، احتُجِز عشرات الأقباط كرهائن. 31 وقد أوضح الكاتب حنا حسيب قائلاً إنه في قنا "نحن لانؤمن بالانتقام وليس لدينا أسلحة. فكيف يمكن أن يكسب [اللصوص] المال؟ من أضعف فئة في المجتمع، المسيحيين، الذين لايتمتّعون بحماية الدولة".32

كان إغلاق السكك الحديدية في قنا وزيادة حالات الاختطاف في جميع أنحاء صعيد مصر مؤشّراً على عجز الدولة بعد الثورة. فبدلاً من الدفاع عن المواطنة، سمح المجلس العسكري للإسلاميين المارقين والمجرمين العاديين بأن يعيثوا في الأرض فساداً. وفي حين وفّروا الحماية لتدفّقات مواردهم وامتيازاتهم في الاقتصاد المصري، وقف الجنرالات مكتوفي الأيدي فيما كان الأقباط يعدّون أنفسهم لمواجهة مزيد من الهجمات. في آذار/مارس 2011، أُحرِقَت إحدى الكنائس خلال صدام بين المسلمين والأقباط في أطفيح في حلوان، إحدى ضواحي القاهرة، ولقي ثلاثة عشر شخصاً حتفهم خلال الاحتجاجات على حرق الكنيسة. في أيار/مايو، تجمّع ألفان من الأقباط والمسلمين في حي إمبابة ذي الدخل المنخفض في القاهرة، ليقفوا في مواجهة بعضهم بعضاً بسبب إشاعة عن زواج بين الأديان. وتَلَت ذلك اشتباكاتٌ قُتِل فيها ما لايقلّ عن أربعة أقباط وتسعة مسلمين واحترقت كنيستان. ردّاً على ذلك، نصب آلاف الأقباط من جميع أنحاء البلاد، والعديد من مؤيّديهم من المسلمين، خياماً أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري المعروف باسم "ماسبيرو"، لأكثر من أسبوع لمطالبة المجلس العسكري بضمان سلامة الكنائس والجماعات القبطية. 33

في يوم الأحد 9 تشرين الأول/أكتوبر، وبعد عملية الحرق التي استهدفت مؤخراً إحدى الكنائس في أسوان، احتشدت مجموعة كبيرة من الأقباط وأنصارهم من المسلمين مرة أخرى أمام مبنى "ماسبيرو" للتنديد بتواطؤ المجلس العسكري في أعمال العنف ضد المسيحيين. وقبيل وصول المحتجّين الى المبنى، اخترقت عربات الجيش الحشد. زَعَمَ التلفزيون الرسمي أن المتظاهرين هم مَن بدأ أعمال العنف وحرّض المشاهدين على دعم الجيش. وفي حين حاول الأقباط ومؤيّدوهم من المسلمين تجميع صفوفهم، بدأ البلطجية الذين كانوا يحتلّون أسطح المنازل القريبة يمطرونهم بوابل من المقذوفات. قُتِل في تلك الحادثة سبعة وعشرون مدنياً معظمهم من الأقباط. دافع المجلس العسكري عن نفسه من خلال الزعم بأن بعض الجنود أصيبوا بحالة من الذعر. وبدلاً من معاقبة القوات التي قصّرت في أداء واجبها، على مايبدو، سجن المجلس العسكري 31 من المتظاهرين وقرّر تقديمهم لمحاكمات عسكرية. 34

أظهرت مذبحة "ماسبيرو" أن الأقباط كانوا عرضةً إلى الهجوم بقدر ماكانوا قبل الثورة. وكما كانت الحال في عهد مبارك، عكست معظم الهجمات مزيجاً من الازدراء الرسمي والتحيّز المحلي. وبما أن الأقباط يفتقرون إلى وجود حزب وطني لإيصال صوتهم، لم يحرّكوا ساكناً عندما أوصلت الانتخابات الإسلاميين إلى سدّة الحكم في الفترة الانتقالية. في شتاء 2011-2012، سيطر مرشحون من جماعة الإخوان المسلمين والحزب السلفي البارز "النور" على البرلمان، إذ فازوا بأكثر من ثلثَي المقاعد في مجلس الشعب ومجلس الشورى الفخري آنذاك.

المسيحيون في ظلّ حكومة إسلامية

مع أن حكم المجلس العسكري انتهى رسمياً في العام 2012، انصاع الأقباط وغير الإسلاميين عموماً عندما أفسح الحكم العسكري المجال للإسلام السياسي غير المرن والإقصائي، فوصل الإخوان المسلمون إلى سدّة الحكم.

في نيسان/أبريل 2011، تعهّد المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، بأن تنظيمه يسعى إلى "المشاركة في الانتخابات لا إلى الهيمنة عليها".35 وبعد ذلك بعام، طَغَت تصرّفات الحركة على خطابها. فبعد أن طمأن الإخوان المسلمون المتشكّكين في البداية بأنهم سيسعون فقط إلى الحصول على ثلث المقاعد في البرلمان، شاركوا في الانتخابات التشريعية بكامل قوتهم، الأمر الذي تسبّب بإخراج جزء من الحركات الليبرالية واليسارية ذات الصلة باحتجاجات 25 يناير الأصلية من المشهد. 36 ثم تراجعت جماعة الإخوان عن موقف آخر من مواقفها بشأن الانتخابات، والذي أوضحت فيه أنها لن تسعى إلى الفوز بالرئاسة، من خلال ترشيح العضو البارز في التنظيم، خيرت الشاطر، لهذا المنصب. 37 وعندما استُبعِد الشاطر على خلفية اتّهام جنائي في عهد مبارك، رشّحت الجماعة محمد مرسي. تعهّد هذا الأخير، في حملته الانتخابية، بأن يمثّل جميع المصريين لا أنصار الإخوان المسلمين فقط إذا ما جرى انتخابه. وقد حصل على ربع الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات، ثم دخل في جولة إعادة ضد أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك. ونظراً إلى ارتباط شفيق بالنظام السابق، منح عدد كبير من الناخبين غير الإسلاميين أصواتهم لمرسي. ومع ذلك، لم يحصل مرسي على دعم الأقباط الذين فضّلوا بأغلبية ساحقة عسكرياً سابقاً وقناعاً للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم البائد على مرشّح الإخوان. في نهاية المطاف، ربح المعركة المزيج المكوّن من الإسلام السياسي والنزعة المعادية لحقبة مبارك. وعندما ذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع، تفوّق مرسي على شفيق بنسبة 51.7 مقابل 48.3 في المئة. 38

تولّى مرسي منصبه في 30 حزيران/يونيو، وبعد ستة أسابيع، عمَدَ إلى تهميش دور كبار الجنرالات الذين كانوا حتى ذلك الحين يشرفون على المرحلة الانتقالية. مع ذلك، سرعان ما أصبحت المعارضة تنظر إلى ماكان يمكن أن تكون خطوة نحو الديمقراطية المدنية، بوصفها المرحلة الأولى من الاستيلاء الحزبي على السلطة من جانب مرسي وقادة الإخوان المسلمين، أي الشاطر والمرشد محمد بديع. في الأشهر التي تَلَت ذلك، لم يفعل مرسي شيئاً لتهدئة المتشكّكين. وبعد اختيار الكنيسة القبطية تواضروس الثاني خلفاً دائماً للأنبا شنودة، الذي توفي في آذار/مارس 2012، ضيّع مرسي فرصةً ذهبيةً للتوافق بين الأديان من خلال عدم حضور حفل التنصيب. 39

بدّد مرسي أي فرصة للفوز بنسبة 48.3 في المئة من أصوات الناخبين الذين دعموا شفيق، من المسيحيين والمسلمين، بسبب الدستور الجديد الذي فرضه أنصاره في نهاية العام 2012. وقد عكست الجمعية التأسيسية المكلّفة صياغة الدستور المصري هيمنة الإسلاميين في مجلس الشعب ومجلس الشورى، مع أن المجلس السابق حُلَّ بقرار من المحكمة. وبدلاً من أن يتوصّل المندوبون القانونيون لجماعة الإخوان وحزب النور والحركات الإسلامية الأخرى، إلى حلّ وسط مع كتلة الأقلية التي تتألف من الاتجاهات غير الإسلامية، بما فيها الكنيسة القبطية، أصرّوا على صياغة وثيقة تضخّم اللغة الدينية في دستور السادات للعام 1971، وحذفوا الآليات الخاصة بحماية الفئات الضعيفة سياسياً مثل المسيحيين والنساء والصحافيين. في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، وقبيل نشر المسوّدة النهائية للدستور، أصبح ممثّلو الكنيسة القبطية الأحدث في سلسلة المنشقّين الذين انسحبوا من الجمعية التأسيسية احتجاجاً. 40

فقدت الجمعية التأسيسية شرعيتها بسرعة وجرى حلّها من أعلى محكمة في مصر. في هذا السياق، أصدر مرسي إعلاناً دستورياً في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، قّرر فيه أن مراسيمه الرئاسية السابقة، إضافة إلى الأشخاص الذين يعكفون على وضع الدستور الدائم، محصّنون مؤقّتاً من المراجعة القضائية. 41 وسرعان مانشرت الجمعية التأسيسية المسوّدة النهائية للدستور، التي تضمّنت لغة طائفية صريحة لاتهدّد بتهميش المسيحيين وحسب، بل المسلمين غير السنّة أيضاً. وقد حدّدت المادة الثانية من مسوّدة الدستور "مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيس للتشريع"، ونظّمت المادة الرابعة دور الأزهر، المؤسسة الدينية الإسلامية الرئيسة، لضمان أن تتوافق القوانين مع الشريعة الإسلامية. وفي مايتعلّق بالمسيحيين واليهود، نصّ الدستور على أن العقيدة هي المحكّ لتسوية المنازعات: "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيس للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية". أما بالنسبة إلى الأقباط، فقد نظّمت هذه الصياغة اللغوية الهيكل النقابي الذي أدخل الأنبا وسيطاً بينهم وبين الدولة. 42 إضافة إلى ذلك، أعاد الدستور قضية بناء الكنائس التي لم تحلّ إلى السلطة التشريعية، ونصَّ على أن "تكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية؛ وذلك على النحو الذي ينظّمه القانون". وحظّرت المادة التالية التجديف على "جميع الرسل والأنبياء".43 انضمّ النشطاء الأقباط إلى المنشقّين المسلمين في التنديد بالدستور قبل عرضه على الجمهور. فقاموا بحملة تدعو إلى عدم المشاركة في التصويت وتفوّقوا على أدائهم في آذار/مارس 2011. وفي جولتين من التصويت (15 و22 كانون الأول/ديسمبر)، وافقت أغلبية ضئيلة نسبياً من الناخبين، 64 في المئة، على الوثيقة التأسيسية.

عندما مرّت الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، رأى الأقباط والمعارضة غير الإسلامية والعديد من المصريين العاديين أن بلادهم تعيش حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية. وبعيداً عن التمسّك بفكرة "المشاركة لا المغالبة"، بدا أن الإخوان المسلمين يتّجهون من الهيمنة الانتخابية إلى الهيمنة المؤسّسية، إذ شكّلت تعيينات المحافظين واحداً من أقوى أعراض الاستيلاء الزاحف على الدولة. وألمح مرسي والمتحدثون باسم الإخوان إلى نيّتهم طلب العون من منتقديهم وتعديل الدستور، لكنهم تلكّأوا في المبادرة إلى ذلك. وقد أُضيفَ السخط السياسي مع المظالم الاقتصادية التي يعانيها ناخبو مرسي السابقون. ووجد مسح قامت به منظمة استطلاعات الرأي المصرية "بصيرة"، أن نسبة التأييد الشعبي للرئيس انخفضت من 76 في المئة عندما تولّى منصبه، إلى 49 في المئة بعد ثمانية أشهر.

أثبت العنف الذي مورِسَ ضد المسيحيين صحّة المخاوف التي انتابت الأقباط. فقد استمرت عمليات الخطف في صعيد مصر، وهزّت الهجمات ضدّ المسيحيين وسط البلاد كذلك. (أنظر الإطار الرقم 2). وفي يوم الجمعة، 5 نيسان/أبريل، قُتِل في القاهرة الكبرى خمسة أقباط ومسلم واحد جرّاء إطلاق النار عليهم. استمرت الهجمات في مدينة الخصوص خلال عطلة نهاية الأسبوع، وامتدّت إلى كاتدرائية القديس مرقس في وسط القاهرة يوم 7 نيسان/أبريل. وهناك انضمّ رجال الشرطة إلى حشد من البلطجية في فرض الحصار على أبناء الأبرشية الذين كانوا يشيّعون ضحايا الخصوص. 44 دافع مكتب مرسي عن وزارة الداخلية في مواجهة الانتقادات، مشيراً إلى أن الشرطة عملت على تهدئة الاشتباكات حول الكاتدرائية، مع أن روايات شهود العيان ناقضت ذلك. 45 وعلى غرار السادات بعد حادثة الخانكة، طلب مرسي العون من الأنبا القبطي، ودعا إلى إجراء تحقيق فوري. لكن نظراً إلى سجلّه، كان من السهل التساؤل، كما فعل تواضروس مباشرة، عما إذا كانت الأفعال ستتبع الأقوال. 46 وعندما قويت شوكة الحركة الشعبية المناهضة لمرسي، "تمرّد"، واكتسبت قوة دافعة، كان الأقباط من بين الملايين الذين دعوا إلى عزل مرسي من منصبه في وقت مبكر وإجراء انتخابات جديدة، وهي الدعوات التي استجاب لها الجيش بخلع الرئيس يوم 3 تموز/يوليو.

إطار رقم 2: حوادث العنف الكبرى ضد الأقباط المحيطة بثورة 25 يناير

6 كانون الثاني/يناير 2010 مسلّح يقتل ستة من أبناء أبرشية قبطية وضابط شرطة مسلماً خارج الخدمة في نجع حمادي في محافظة قنا.
6 تشرين الثاني/نوفمبر 2010 الشرطة تقتل قبطياً فيما كانت تحاول وقف بناء كنيسة في العمرانية في محافظة الجيزة، الأمر الذي يدفع المئات من الأقباط إلى تنظيم مسيرة إلى مكتب المحافظ.
1 كانون الثاني/يناير 2011 تفجير سيارة مفخّخة في كنيسة القديسين في الإسكندرية يودي بحياة 23 مصلياً.
4 آذار/مارس 2011 إحراق كنيسة الشهيدين في أطفيح بحلوان، ومقتل ثلاثة عشر شخصاً من الأقباط والمسلمين بعد أربعة أيام، أثناء تظاهرة احتجاج على عملية الحرق.
7 أيار/مايو 2011 مقتل خمسة عشر مصرياً، منهم أربعة أقباط على الأقل، وإصابة أكثر من 200 آخرين، وإحراق كنيستين في حي إمبابة في القاهرة.
9 تشرين الأول/أكتوبر 2011 مقتل سبعة وعشرين مدنياً، معظمهم من الأقباط، على أيدي الجنود والبلطجية فيما كانوا يتظاهرون أمام اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري "ماسبيرو".
5 نيسان/أبريل 2013 مقتل خمسة أقباط ومسلم واحد بالرصاص في مدينة الخصوص في القاهرة الكبرى. بعد يومين، حوصر المشيّعون في كاتدرائية القديس مرقس في العباسية فس القاهرة.

المصادر: أنظر النص والهوامش.

زعيم جديد ومشاكل قديمة

كان الفريق عبدالفتاح السيسي محاطاً بوجهاء من الجماعات الدينية الرئيسة في البلاد، بمَن فيهم الأنبا تواضروس، عندما أعلن عن حكومة مؤقّتة جديدة. تحدّث السيسي بنبرة تصالحية عن الانتقال بالبلاد إلى الأمام، وأعرب الكثير من المصريين عن ارتياحهم لعودة الجيش إلى الحياة السياسية. فقالت طالبة قبطية: "الآن وقد أصبح الجيش في صفنا، نشعر بأننا أكثر أمناً. نشعر أن مصر قد عادت إلينا".47 ضمّت الحكومة الجديدة ثلاثة وزراء أقباط، كُلِّف أحدهم بتولّي حقيبة التجارة النافذة. 48 بيد أن إظهار الوحدة الوطنية في المراتب العليا من السياسة المصرية لم يوطّد روح الكياسة بين الأديان وسط السكان. فقد أعقب الانقلاب المزيد من العنف لا الاستقرار.

تشير التقارير الأولية إلى أن الهجمات تأجّجت بشكل متساوٍ بسبب مظالم الإسلاميين ولامبالاة الدولة. في 3 تموز/يوليو، أحرق مشعلو الحرائق كنيسة في المنيا في الجنوب، في حين اعتدى مخرّبون على كنيسة في مرسى مطروح على الساحل الشمالي الغربي. بعد ذلك بيومين، في قرية نجع حسان بالقرب من الأقصر، اعتَدَت عصابة بالضرب على أربعة أقباط حتى الموت، ودمّرت أربعة وعشرين عقاراً مملوكاً للأقباط. وقال بعض المدافعين عن حقوق الإنسان إن أنصار مرسي الساخطين هم سبب زيادة وتيرة الهجمات. واتَّهم إسحق إبراهيم من "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" أعضاء جماعة الإخوان المسلمين "بنشر... إشاعات [بعد خلع مرسي] تفيد بأن [الانقلاب] مؤامرة قبطية تهدف إلى إقصائهم عن السلطة".49 وفي حين كان الإسلاميون هم المعتدين أحياناً، فإن المسؤولين عن إنفاذ القانون هم الذين أفسحوا المجال لشنّ الهجمات في أغلب الأحيان. بعد عمليات القتل التي جرت في نجع حسان، أبلغ مدير أمن محافظة الأقصر منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن وظيفة الشرطة ليست التدخّل و"وقف عمليات القتل" بل "التحقيق بعد ذلك". (في مدينة قنا القريبة، أظهرت الشرطة المحلية كيفية وقف الجناة أثناء اقتراف جريمتهم. وقام أفرادها بتفريق حشد كان يحاصر الكاتدرائية الرئيسة باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع). وجرى قطع رأسَي اثنين من الأقباط كانوا قد اختطفوا في شمال سيناء يومَي 5 و6 تموز/يوليو، لأن الفدية لم تدفع في إحدى الحالتين. 50

في منتصف آب/أغسطس، أتلف مشعلو الحرائق أو دمّروا أكثر من 40 كنيسة في صعيد مصر وبني سويف والفيوم. كان الحافز المباشر لموجة إحراق الكنائس هو قتل الجيش يوم 14 آب/أغسطس أكثر من ثمانمئة من المدنيين الذين كانوا يحتجّون على الانقلاب. وفي حين نجحت قوات السيسي في تفريق مركز فعالية المتظاهرين المؤيّدين لمرسي بالقرب من مسجد رابعة العدوية في حيّ مدينة نصر في القاهرة، بدا أن الخسائر في الأرواح التي ألحقتها بهم أثارت غضب الآلاف من المصريين في أماكن أخرى في البلاد. وعندما بدأت الحرائق المفتعلة، كان غياب الشرطة واضحاً.51 وباختصار، أحدثت نهاية حكومة إسلامية شعوراً فورياً بالارتياح لدى الجماعات القبطية. ومع ذلك، يبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كانت العملية الانتقالية ستسفر عن توفير حقوق وأمن دائمَين أو ما إذا كان سيتم، بدلاً من ذلك، إعادة إنتاج النموذج القديم من المسؤولين في الدولة الذين يستغلّون التوتّرات الطائفية بدل معالجتها.

خلاصة

فشلت الدولة المصرية في ضمان الأمن الجسدي والحقوق السياسية للمواطنين، بغضّ النظر عن الطائفة الدينية التي ينتمون إليها. وقد كان الأقباط من بين الجماعات الأكثر تضرّراً من الدولة الأمنية المصرية وخطابها الديني منذ سبعينيات القرن الماضي. ومع أن زعماء مصر المتعاقبين تضمّنوا مروحة كاملة تراوحت من المستبد المناهض للإسلاميين (مبارك) إلى حامل لواء الإسلام المُنتخَب (مرسي)، فقد ساهموا جميعاً في ترسيخ نظام سياسي فئوي وخلافي، تحميه قوى أمنية تعاملت مع المواطنين بازدراء. ففي عهد السادات وخلفائه، كان ضباط أمن الدولة مشاركين نشطين في أعمال العنف أكثر منهم متفرّجين يفتقرون إلى الكفاءة. ويشهد التحقيق في حادثة الخانكة والشهود في حصار كاتدرائية القديس مرقس بأن الشرطة وقوات الأمن المركزي وقفوا متفرّجين على مايحدث أو تحالفوا مع المعتدين ضد الأقباط بدل اعتقالهم أو احتجازهم. وقد ازدهر هذا التعاون، بين أجهزة الدولة الرسمية القسرية ووكلائها غير الرسميين، برعاية قادة معنيّين من الناحية الخطابية ولكنهم يعيشون بمعزل عن الآخرين سياسياً.

يساعد غياب الضمانات المؤسّسية للحقوق التي يمنحها الدستور لجميع المصريين على توضيح السبب في أن تفشّي العنف الذي يستهدف الأقباط يستمر في زعزعة البلاد. ولكي تسفر العملية الانتقالية الحالية عن حكومة جامعة وأكثر استقراراً مما كانت عليه الحال في العامين 2011 و2012، يتعيّن على القادة المصريين تجاوز التضحية بالإسلاميين وتعزيز المواطنة. وتتطلّب هذه المهمة صياغة دستور شامل يستمدّ تأييداً شعبياً بالقدر الذي حازه الدستور الذي أُقِرّ في كانون الأول/ديسمبر 2012، وكذلك متابعة الإصلاحات القانونية والأمنية التي تعالج مشاكل تشييد الكنائس والعنف ضد الأقباط.

وفي مايتعلّق بموجة عمليات الخطف وإحراق الكنائس، أصبح غياب إطار قانوني فعّال مشكلة حادّة. فبعد سقوط مبارك، أثار التدهور الاقتصادي موجة من عمليات النهب المادي. وبعد عزل مرسي، ساهم الإحباط السياسي في زيادة جرائم الكراهية. وبدلاً من الدفاع بقوة عن سيادة القانون، فضّل المسؤولون المصريون، على الصعيدين الوطني والمحلي، تسوية المنازعات بصورة غير رسمية على إجراءات المحكمة، الأمر الذي يشكّل تحيّزاً يعود بالفائدة على الجناة المسلمين في مواجهة ضحاياهم من المسيحيين. نتيجة لذلك، اختطف المجرمون أفراداً من أُسَر قبطية ثرية، لا بسبب الاختلافات الدينية، بل بسبب اللامبالاة الرسمية والفرصة الملموسة للحصول على المال. ويشجّع شعور مماثل بالإفلات من العقاب العصابات على ارتكاب أعمال عدوانية ضد الكنائس القبطية. ويمكن خفض وتيرة الاعتداءات ضد الأقباط، إن لم يكن القضاء عليها تماماً، من خلال ملاحقة المهاجمين واعتماد قانون موحّد لبناء دور العبادة. إذ ستكون هذه القوانين وإنفاذها أحد العوامل المساعدة في إطار جهد أوسع لضمان حقوق المواطنة لجميع المصريين.

وفي مايتعلّق بالتطورات الدستورية والسياسية، ولكي تحقّق العملية الانتقالية الحالية النجاح، يجب أن تكون أكثر شمولاً من العملية التي جَرَت على مدى العامين ونصف العام الماضية. وستتميّز عملية الإدماج المجدية بمفاوضات عميقة وصعبة، بدلاً من المبادرات التجميلية حول وحدة الأديان مثل ظهور الفريق السيسي مع رجال الدين الأقباط والمسلمين عندما وقع الانقلاب. وربما يساعد تعيين النخب القبطية في مناصب وزارية أو في المجموعة الفرعية من المقاعد البرلمانية غير المُنتخَبة في تأمين الأصوات المسيحية في الحكومة. ومع ذلك، هذا لن يعني الكثير إذا لم تبادر الحكومة التي تنتج عن العملية الانتقالية، إلى ترسيخ مبدأ المساواة لعشرات الملايين من المصريين الذين لن يشغلوا هذه المناصب. وبالمثل، لن تسفر العودة إلى اللغة الدستورية السابقة عما هو أكثر من نتيجة رمزية، إذا لم تترافق مع إنشاء قوة شرطة وسلطة قضائية تطبّقان القانون بصرامة، بغضّ النظر عن الطوائف التي ينتمي إليها مَن يقيمون الدعاوى. ويترتّب على ذلك أن إعادة التفاوض على اللغة الدستورية التي وردت في دستور العام 2012، والتي ضخّمت دور الإسلام في التشريع، لن تعالج سوى أحد جوانب المشكلة. وبالمثل، وعلى الرغم من أن المراقبين الأجانب قد يركّزون بشدّة، وبشكل مفهوم، على المجموعة التالية من الانتخابات، أظهرت السنة الماضية أن التصويت ضروري لكنّه غير كافٍ بالمرّة لضمان تشكيل حكومة تمثيلية. فالمشكلة لاتكمن في أن المصريين انتخبوا "الأشخاص غير المناسبين" (الإسلاميين)، بل في أن قادتهم المُنتخَبين لم يعالجوا العيوب الهيكلية التي ينطوي عليها النظام السياسي والقانوني. وينبغي على المسؤولين الأجانب أن يكونوا على بيّنة من الشكّ الذي تولّد عن الجهود الخارجية الرامية إلى تعزيز حقوق الأقباط، حيث يرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى سجلّ البريطانيين في استخدام الخلافات الطائفية كإسفين في جدار الوحدة الوطنية المصرية.

وبالقدر نفسه، كان حكام مصر بارعين في ممارسة نسختهم الخاصة من استراتيجية "فَرِّق تَسُد". وكما أظهر عهد مبارك، لايحمي القمع الذي مارسته الدولة ضد الإسلاميين الأقباط بالضرورة. على العكس من ذلك، ثمة احتمال بأن يؤلّب المسؤولون الجماعات الدينية في البلاد بعضها ضدّ بعض، ويعملوا من خلال هيمنة جماعات المصالح الدينية، التي تعامل الأقباط بوصفهم أعضاء في الكنيسة لاجزءاً من الأمة. وبالتالي، يتطلّب الوصول إلى مصر ديمقراطية مساواةً سياسيةً بين الأقباط والمسلمين، تعتمد بدورها على معالجة التحيّزات المؤسّسية التي بدأت، ولاتزال مستمرة، في ظل القادة العسكريين في مصر. بيد أن الأمور لم تكن دائماً على هذا النحو. فقد تميّزت فترة مابين الحربَين العالميّتَين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بمظاهر قوية للوحدة الوطنية عبر الخطوط الطائفية. ومع ذلك، فشل نظام الضباط الأحرار في الحفاظ على هذا الوئام الوطني، أو في الغالب في إيلاء المخاوف القبطية ماهو أكثر من مجرّد اهتمام بلاغي. قبيل اندلاع ثورة العام 2011، ومنذ ذلك الحين، افتقر المسؤولون المصريون إلى الإرادة السياسية للدفاع عن حقوق المواطنين الدستورية. وبالتالي، يجب أن تقترن الوحدة بين الطوائف في المستويات العليا للنظام بجهود سياسية توفّر الأمن والحرية للأقباط على أرض الواقع.

نبذة عن المؤلف

جايسون براونلي أستاذ مساعد في مادة الحكم في جامعة تكساس، أوستن، وهو مؤلف كتاب Democracy Prevention: The Politics of the U.S.-Egyptian Alliance

(منشورات جامعة كامبريدج، 2012).

1 "مصر – اعتداءات جماعية على الكنائس"، منظمة "هيومن رايتس ووتش"، 22 آب/أغسطس 2013، www.hrw.org/news/2013/08/21/egypt-mass-attacks-churches.

2 Samer Shehata, “Roundtable on Post-Mubarak Egypt: Authoritarianism Without Autocrats? (Part III: Shehata),” Jadaliyya, www.jadaliyya.com/pages/index/2211/roundtable-on-post-mubarak-egypt_authoritarianism-.

3 Caryle Murphy, Passion for Islam: Shaping the Modern Middle East: The Egyptian Experience (New York: Scribner, 2002), 36.

4 Mark Purcell, “A Place for the Copts: Imagined Territory and Spatial Conflict in Egypt,” Ecumene 5, no. 4 (1998): 448 n13.

5 B. L. Carter, Copts in Egyptian Politics: 1918–1952 (London: Croom Helm, 1984); David Zeidan, “The Copts—Equal, Protected or Persecuted? The Impact of Islamization on Muslim-Christian Relations in Modern Egypt,” Islam and Christian-Muslim Relations 10, no. 1 (1999): 53–67.

6 Paul Sedra, “Class Cleavages and Ethnic Conflict: Coptic Christian Communities in Modern Egyptian Politics,” Islam and Christian-Muslim Relations 10, no. 2 (1999): 225.

7 “Report by Dr. Jamal al-’Utayfi on the al- Khankah Sectarian Events,” translated and published by Arab-West Report, January 4, 2009, www.arabwestreport.info/year-2009/week-13/2-report-dr-jamal-al-utayfi-al-khankah-sectarian-events; Mohammed Heikal, Autumn of Fury: The Assassination of Sadat (London: Andre Deutsch, 1983), 162–64; Saad Eddin Ibrahim, “The Road of Thorns From Al-Khanka 1972 to Al-Kosheh 2000,” Watani, February 13, 2000, translation from Arab-West Report; Zeidan, “The Copts—Equal, Protected or Persecuted?,” 57.

8 Heikal, Autumn of Fury, 129.

9 Paul Sedra, “The Church, Maspero, and the Future of the Coptic Community,” Jadaliyya, March 19, 2012, www.jadaliyya.com/pages/index/4735/the-church-maspero-and-the-future-of-the-coptic-com.

10 Kirk J. Beattie, Egypt During the Sadat Years (New York: Palgrave, 2000), 270–71; Heikal, Autumn of Fury, 217–19.

11 Beattie, Egypt During the Sadat Years, 271; N. R. Farah, Religious Strife in Egypt: Crisis and Ideological Conflict in the Seventies (London: Routledge, 1986); Moussa Sabri, Al-Sadat: Al haqiqah wa al usturah [Sadat: The Reality and the Legend] (Cairo: Al maktab al misri al hadith, 1985); Murphy, Passion for Islam.

12 هذا القسم يستند إلى الصفحات 23-28 من الورقة التالية: Christian Fastenrath and Corin Kazanjian, “Important Factors for Church Building in Egypt,” Arab-West Report Paper 4, April 2008.

13 Zeidan, “The Copts—Equal, Protected or Persecuted?,” 57.

14 “Report by Dr. Jamal al-’Utayfi on the al- Khankah Sectarian Events.”

15 آفي أشر-شابيرو، "هل التحالف بين الحكومة والكنيسة "زواج قبطي"؟"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 1 آذار/مارس 2012، http://carnegieendowment.org/sada/2012/03/01/is-government-church-alliance-coptic-marriage/a0t6; Sedra, “Class Cleavages and Ethnic Conflict,” 227–28.

16 Fastenrath and Kazanjian, “Important Factors for Church Building in Egypt,” 26–28.

17 Jason Brownlee, Democracy Prevention: The Politics of the U.S.-Egyptian Alliance (New York: Cambridge University Press, 2012), 63.

18 Ibrahim, “The Road of Thorns From Al-Khanka 1972 to Al-Kosheh 2000.”

19 Ibid.

20 المصدر السابق.

21 “Man Sentenced to Death in Egypt Over Copt Killings,” BBC News Middle East, January 16, 2011, www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-12201318; “Egyptian Coptic Christians Revolt Over Halted Church-Building,” Guardian, November 24, 2010, www.guardian.co.uk/world/2010/nov/24/egypt-christians-cairo-church-building.

22 Essam Fadl, “Prosecution Investigates Interior Minister’s Alleged Involvement in Church Attack,” Daily News Egypt, February 7, 2011, www.dailynewsegypt.com/2011/02/07/prosecution-investigates-interior-min-alleged-involvement-in-church-attack.

23 Borzou Daragahi and Amro Hassan, “Coptic Church Bombing in Egypt Is Latest Assault on Mideast Christians,” Los Angeles Times, January 1, 2011, http://articles.latimes.com/2011/jan/01/world/la-fg-egypt-church-attack-20110102; Abigail Hauslohner, “After Bombing, Egypt’s Christians Worship and Worry,” Time, January 3, 2011, www.time.com/time/world/article/0,8599,2040491,00.html; “Egypt Church Blast Death Toll Rises to 23,” Reuters, January 4, 2011, www.reuters.com/article/2011/01/04/us-egypt-church-idUSTRE7010M020110104.

24 Mona El-Ghobashy, “The Praxis of the Egyptian Revolution,” MERIP Reports 258 (Spring 2011), www.merip.org/mer/mer258/praxis-egyptian-revolution; Mariz Tadros, “Sectarianism and Its Discontents in Post-Mubarak Egypt,” Middle East Report 259, www.merip.org/mer/mer259/sectarianism-its-discontents-post-mubarak-egypt?ip_login_no_cache=3c91272c1d56bc3b03739bb6a3022e49.

25 مقابلات أجراها الكاتب؛ David D. Kirkpatrick, “After Long Exile, Sunni Cleric Takes Role in Egypt,” New York Times, February 19, 2011; Yahya M. Michot, “Qaradawi’s Tahrir Square Sermon: Text and Comments,” OnIslam, March 23, 2011, www.onislam.net/english/shariah/contemporary-issues/interviews-reviews-and-events/451341-the-tahrir-square-sermon-of-sheikh-al-qaradawi.html?Events.

26 Jason Brownlee and Joshua Stacher, “Change of Leader, Continuity of System: Nascent Liberalization in Post-Mubarak Egypt,” APSA-CD 9, no. 2 (May 2011).

27 أنظر: www.youtube.com/watch?v=PxkUmwMF994, March 25, 2011.

28 Tadros, “Sectarianism and Its Discontents in Post-Mubarak Egypt.”

29 Aمقابلات أجراها الكاتب في قنا في مصر. أول محافظ قبطي كان اللواء فؤاد عزيز غالي الذي عيّنه السادات محافظاً لجنوب سيناء في العام 1980. Galal Nassar, “A Hero Bid Farewell: Fouad Aziz Ghali (1927–2000),” Al-Ahram Weekly, January 13–19, 2000, no. 464, http://weekly.ahram.org.eg/2000/464/eg7.htm.

30 “Twenty New Governors to Be Sworn in Saturday,” Daily News Egypt, April 15, 2011; “Protests Continue Against Qena’s New Governor,” Daily News Egypt, April 17, 2011; Dina Zayed and Mohamed Abdellah, “Christian Governor Named in S. Egypt, Protests Flare,” Reuters, April 17, 2011; Sarah El Deeb, “Top Egyptian Official Heads South to Defuse Islamist-Led Strike Over Christian Governor,” Associated Press, April 18, 2011; “Tribalism, Comparisons to Former Governors Fueling Qena Protests, Says Former MP,” Daily News Egypt, April 20, 2011; Maggie Michael, “Tens of Thousands of Protesters Rally Against Christian Governor in Southern Egypt,” Associated Press, April 22, 2011; “Christian Governor With Mubarak Ties Suspended,” Agence France-Presse, April 25, 2011; “Egypt Makes Concession to Anti-Governor Protesters,” Reuters, April 25, 2011.

31 Nation Without Borders, “Report on Incidents of Kidnapping in the Governorate of Qena [Arabic],” n.d.; Hamza Hendawi, “Kidnappers Target Christians in Egyptian Province,” Associated Press, April 4, 2013, http://bigstory.ap.org/article/kidnappers-target-christians-egyptian-province; MCN, “Kidnapping Copts a Dominant Trend in Egypt Since January 25 Revolution,” January 25, 2013, www.copticsolidarity.org/media-news-events/news/1145-kidnapping-copts-a-dominant-trend-in-egypt-since-january-25-revolution.

32 Kristen Chick, “In Egypt, Journey Down a Nile of Discontent, Christian Science Monitor, July 28, 2013.

33 أصبح "ماسبيرو" بؤرة للنشاط القبطي خلال الأشهر الأخيرة من حكم مبارك. أنظر: Jailan Zayan, “Egypt Warns ‘Iron Hand’ to Halt Religious Unrest,” Agence France-Presse, May 9, 2011, http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5gn1imhFiLQE08WnBUABWI_RkXE0w?docId=CNG.0ade78defc2875bf3eb3e6867300e47f.a11; “Army Starts Rebuilding Atfeeh Church,” Al-Ahram Online, March 13, 2011, http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/7608/Egypt/Politics-/Army-starts-rebuilding-Atfeeh-Church.aspx; Nader Habib, “Staying Put in Maspero,” Al-Ahram Weekly Online, May 12–18, 2011, http://weekly.ahram.org.eg/2011/1047/eg51.htm; David Kirkpatrick, “Sectarian Clash in Egypt Kills a Dozen and Leaves 2 Churches in Flames,” New York Times, May 9, 2011; Ernesto Londono and Ingy Hassieb, “Coptic Christians in Cairo Defy Leader, Continue Sit-In,” Washington Post, May 16, 2011.

34 Mariz Tadros, “Egypt’s Bloody Sunday,” Middle East Report Online, October 13, 2011, http://www.merip.org/mero/mero101311; “The Maspero Massacre: What Really Happened” (video), Jadaliyya, November 11, 2011, www.jadaliyya.com/pages/index/3103/the-maspero-massacre_what-really-happened-; Brownlee, Democracy Prevention: The Politics of the U.S.-Egyptian Alliance, 159.

35 ”MB Chairman: We Seek to Participate, not Dominate Elections,” IkhwanWeb, April 20, 2011, www.ikhwanweb.com/article.php?id=28432.

36 “Al-Arian: MB Will Contest 35% of Parliamentary Seats and No Need to Fear NDP,” IkhwanWeb, March 14, 2011, www.ikhwanweb.com/article.php?id=28213; ناثان ج. براون، "عندما يصبح النصر خياراً: جماعة الإخوان المسلمين في مصر تُواجه النجاح"، أوراق كارنيغي، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كانون الثاني/يناير 2012.

37 Marwa Awad and Sherine El Madany, “In U-turn, Egypt’s Brotherhood Names Presidential Candidate,” Reuters, March 31, 2012, www.reuters.com/article/2012/03/31/us-egypt-brotherhood-presidency-idUSBRE82U0DL20120331.

38 Yasmine El Rashidi, “Egypt: The Rule of the Brotherhood,” New York Review of Books, February 7, 2013.

39 “Egypt’s Morsi ‘Will Not Attend’ Coptic Pope Ceremony,” Agence France-Presse, November 16, 2012, www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5hpUR4Y2wpRHcyuplpEh9ZBpiCsMg?docId%3DCNG.cddd441c7c4ca34f51e4e1f72f107e16.1e1.

40 “Egypt’s Churches Withdraw From Constituent Assembly,” Ahram Online, November 17, 2012, http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/58411/Egypt/Politics-/Egypts-churches-withdraw-from-Constituent-Assembly.aspx.

41 “Morsy Issues New Constitutional Declaration,” Egypt Independent, November 22, 2012, www.egyptindependent.com/news/morsy-issues-new-constitutional-declaration.

42 Paul Sedra, “Copts and the Power Over Personal Status,” Jadaliyya, December 3, 2012, www.jadaliyya.com/pages/index/8741/copts-and-the-power-over-personal-status.

43 “Egypt’s Draft Constitution Translated,” www.egyptindependent.com/news/egypt-s-draft-constitution-translated.

44 “In Search of a New Prayer: An Eye Witness Account of the Cathedral Attack,” Atlantic Council, April 8, 2013. www.atlanticcouncil.org/blogs/egyptsource/in-search-of-a-new-prayer-an-eye-witness-account-of-the-cathedral-attack.

45 "على مصر معالجة العنف الطائفي المتكرر؛ يجب ضمان إجراء تحقيقات جادة وتعديل القوانين التمييزية"، منظمة "هيومن رايتس ووتش"، www.hrw.org/news/2013/04/10/egypt-address-recurring-sectarian-violence.

46 Billy Hallowell, “Coptic Christian Pope Blasts Egypt’s Islamist President Amid Intense Muslim-Christian Tensions,” Blaze, April 9, 2013, www.theblaze.com/stories/2013/04/09/egypts-christian-pope-blasts-the-nations-islamist-president-amid-intense-muslim-christian-tensions.

47 Sharon Behn, “Egypt’s Copts Welcome Government Change,” Voice of America, July 19, 2013, www.voanews.com/articleprintview/1705153.html.

48 “Egyptian Gov’t Sworn In: 33 Ministers, 3 Women, 3 Copts,” Ansamed, July 16, 2013.

49 Borzou Daraghi, “Attacks on Copts Rise,” Financial Times, July 13, 2013.

50 "مصر – اعتداءات طائفية في غمار أزمة سياسية"، منظمة "هيومن رايتس ووتش"، 23 تموز/يوليو 2013، www.hrw.org/news/2013/07/23/egypt-sectarian-attacks-amid-political-crisis.

51 "مصر – اعتداءات جماعية على الكنائس"، منظمة "هيومن رايتس ووتش"، 22 آب/أغسطس 2013، www.hrw.org/news/2013/08/21/egypt-mass-attacks-churches.