تواجه حكومة الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية والمنظمات الدولية المهتمّة بنزاهة الانتخابات، عملية موازنة صعبة إزاء الاستفتاء المقرّر على الدستور في مصر يومي 14و15 كانون الثاني/يناير الجاري.

إذ ترغب تلك الأطراف في مراقبة عملية التصويت على الدستور الجديد للبلاد بهدف تشجيع مصر على العودة إلى المسار الديمقراطي، على إثر انقلاب تموز/يوليو الذي أطاح الرئيس محمد مرسي. وتحتشد في مصر الآن فرق عدة من المراقبين الدوليين، والذين ستحظى بياناتهم وتقاريرهم بعد الاستفتاء باهتمام من جانب صانعي القرار ووسائل الإعلام، استعداداً للانتشار في مراكز التصويت المختلفة.

ميشيل دنّ
ميشيل دنّ هي باحثة أولى في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على التغييرات السياسية والاقتصادية في البلدان العربية، وخصوصاً في مصر، وعلى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
More >

بيد أن ثمّة خطراً حقيقياً بأن تضفي الأطراف الدولية الفاعلة الشرعية على عملية مَعِيبة وغير ديمقراطية. وتخاطر تلك الأطراف في أن تتصرّف بطريقة تعود بالفائدة على جهود الحكومة الانتقالية المصرية لتركيز الاهتمام على الجوانب التقنية من خريطة الطريق السياسي بعد الانقلاب، في الوقت الذي تشتت فيه الانتباه عن سياق الأحداث المقلق للغاية، والذي يتمثَّل في الاضطرابات واسعة النطاق، والإعلان مؤخّراً عن اعتبار جماعة الإخوان المسلمين (أكبر جماعة سياسية في مصر) منظمة إرهابية، وتصاعد عمليات قمع المعارضين العلمانيين، ومشروع الدستور الذي يعطي صلاحيات واسعة للجيش، وعملية صياغة الدستور التي استبعدت الإسلاميين إلى حدّ كبير، والتضييق على من يرغبون في تنظيم حملات ضد إقرار الاستفتاء. ولذا فإن احتمالات استمرار الاحتجاجات خلال الاستفتاء، وكذلك شنُّ هجمات عنيفة ضد أهداف حكومية، تبدو وازنة.

سيكون من المستحيل تقريباً بالنسبة إلى المراقبين القيام بعمل ذي صدقيّة في ظل الظروف الحالية في مصر. وحتى لو جرى الاستفتاء بسلاسة، فليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت عملية التصويت ستقدم مساهمة هامة لإعادة مصر إلى مسار الديمقراطية. وسيحسن المراقبون والحكومات الأجنبية صنعاً، بما في ذلك الولايات المتحدة، إن هم تأكدوا من أن مشاركتهم والبيانات والتقارير التي يصدرونها ستبقي التركيز على الصورة الكبيرة للمسار المثير للقلق في مصر.

عيّنة شاذّة

في هذا الاستفتاء، وكما هو الحال في جميع الانتخابات، يجدر بالمراقبين الدوليين أن يشعروا بالقلق ليس إزاء ما إذا كان وجودهم سيضفي الشرعية على من لايستحقونها وحسب، بل أيضاً ما إذا كانت الأوضاع السائدة ستتيح لهم قدراً كافياً من وضوح الرؤية بشأن عملية الاستفتاء كي يصدروا أحكاماً معمَّقة ومستنيرة.

اختارت العديد من المؤسّسات الرائدة، مثل مركز كارتر، الذي يتّخذ من الولايات المتحدة مقرّاً له، والاتحاد الأوروبي، إرسال مجموعات صغيرة من الخبراء نظراً إلى الظروف السلبية للاستفتاء، فضلاً عن الوضع الأمني المتردّي في مصر. فقد أشار مركز كارتر إلى "البيئة الاستقطابية والفضاء السياسي المحدود الذي يحيط بالاستفتاء المقبل، بالإضافة إلى عدم وجود عملية شاملة لصياغة الدستور ومناقشة مسودته بصورة علنية"، واعتبر كل هذه المعطيات مصدر قلق خاص.

وقد جرى إبعاد منظمتين أميركيتين بارزتين لمراقبة الانتخابات شاركتا في رصد ومراقبة انتخابات العام 2012 البرلمانية في مصر- المعهد الديمقراطي الوطني والمعهد الجمهوري الدولي - من البلاد، ولايمكنهما المشاركة في هذا الاستفتاء. كما تمت محاكمة موظفيهما، وكانوا ضحايا نزاع حول برامج المساعدة بين حكومة الولايات المتحدة والحكومة العسكرية في مصر التي تولّت السلطة بعد إطاحة الرئيس حسني مبارك.

على الرغم من الوضع الحالي وهذا التاريخ المضطرب في العلاقات، ستموّل حكومة الولايات المتحدة فريقاً يتألف من نحو 80 مراقباً دولياً شكّلته المنظمة غير الحكومية "الديمقراطية الدولية" لمراقبة الاستفتاء. وسيكون هناك أيضاً العديد من المنظمات غير الحكومية الأخرى على لائحة المنظمات المخوّلة مراقبة الاستفتاء، بما فيها "شبكة الانتخابات في المنطقة العربية" و"المعهد الانتخابي للديمقراطية المستدامة في أفريقيا"، والتي يقال إنها سترسل فرقاً صغيرة نسبياً.

ينبغي أن يحظى هؤلاء المراقبون بتعاون من جانب مسؤولي الانتخابات وغيرهم من المسؤولين بهدف الوصول إلى الأماكن التي ستجري فيها عمليات الاقتراع والفرز. ويمكن أن يكون هذا الأمر إشكالياً في مصر، حيث كان كذلك بالفعل خلال الانتخابات الرئاسية في حزيران/يونيو 2012، على سبيل المثال، لكن من المفترض الآن أن يتعاون المسؤولون المصريون بعد أن اعتمدوا المراقبين الدوليين وأن يمحضونهم الإذن المطلوب للدخول.

ومن ثمَّ هناك مسألة ما إذا كان المراقبون الدوليون سيتمكّنون من زيارة عدد كافٍ من مراكز الاقتراع في جميع أنحاء مصر كي يحصلوا على عيّنة معبّرة. إذ أن الظروف الأمنية السيئة في البلاد تجعل هذا الأمر مغامرة مثيرة للشكّ.

ومع ذلك، لن يتمكّن المراقبون الدوليون، حتى في ظل وجود أوضاع أمنية هادئة، من الحصول على أكثر من نظرة خاطفة على واقع الانتخابات في بلد كبير مثل مصر، وخاصة في المحافظات النائية حيث وقعت العديد من التجاوزات الانتخابية في الماضي. على أبعد تقدير، سيكون هناك بضع مئات من المراقبين الذين يتابعون عملية الاستفتاء، والذين لن يتمكّنوا إلا من زيارة جزء بسيط مما يقرب من 13 ألف مركز للاقتراع. وهذا يعني أنه يتعيّن على المراقبين الدوليين الاعتماد على معلومات من مراقبي الانتخابات المحليين، الذين يجب أن يكونوا أكثر عدداً من المراقبين الأجانب.

عادة ما يكون المراقبون المحلّيون من الأشخاص المنتمين للأحزاب السياسية، والمشاركين في حملات المرشحين، ومن منظمات المجتمع المدني، وعليهم أن يبذلوا جهداً أكبر بكثير من الأجانب في عمليات الرصد. وستضع المنظمات أو الشبكات الأكثر جدّية مراقباً في كل مركز اقتراع منذ بداية التصويت وحتى نهاية عمليات الفرز. ففي الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في العام الماضي، حصل المراقبون المحليون المصريون في الواقع على أرقام رسمية مكتوبة عن نسبة إقبال وأعداد الناخبين من كل مركز من مراكز الاقتراع، وهو مامكّن المنظمات التي تملك شبكة وطنية من القيام بعمليات فرز موازية. أما بالنسبة إلى هذا للاستفتاء وكذلك الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، فقد سمحت اللجنة الانتخابية لعدد من المنظمات المصرية بنشر عشرات الآلاف من المراقبين (على الرغم من أنه لن تتوفّر للعديد من تلك الجماعات الوسائل المالية أو الأنظمة اللوجستية اللازمة لنشر العديد من المراقبين بالقدر الذي تمت الموافقة لها عليه).

بيد أنه اتَّضح أن الجانبين المتنافسين في مسألة الاستفتاء – المؤيّدون والمعارضون لإقراره – لن يحظيا بحرية الوصول على قدم المساواة. إذ سيتم تشجيع المنظمات المصرية التي تؤيّد إقرار الدستور الجديد على رصد الأحداث، في حين سيتم استبعاد المنظمات التي تعارض الاستفتاء.

ولنأخذ على سبيل المثال حركة "تمرّد"، المنظمة الشبابية التي دعمت الانقلاب وظلّت داعمة للجيش، في حين أصبحت جماعات أخرى، مثل حركة شباب 6 أبريل تنتقد الانقلاب. فقد أعلنت الحركة أنها سترسل أعداداً كبيرة من المراقبين، وقد حذت العديد من منظمات المجتمع المدني التي دعمت الانقلاب حذوها.

وفي الوقت نفسه، لن تتمكّن المنظمات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجهات التي ترغب في أن يفشل الاستفتاء (أو أن تتحقّق من إقبال الناخبين على الأقل) من القيام بأعمال الرصد. وفي حين اعتمدت السلطات الانتخابية في البداية 67 جماعة محلية للقيام بالرصد، بما فيها جماعات تابعة للإسلاميين، مثل مركز سواسية لحقوق الإنسان ومناهضة التمييز (الذي خطّط لإرسال ما يصل إلى 5 آلاف مراقب)، أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي مؤخّراً أنه لن يسمح سوى لـ 40 من الجماعات الـ 67 الأصلية، وأنه سيتم استبعاد جماعات أخرى بما فيها مركز سواسية.

إن حقيقة أنه لن يتم السماح سوى لمنظمات محلية من طرف واحد من النقاش الدائر بشأن الاستفتاء بالقيام بعمليات الرصد، تعني أن ثمّة احتمالاً أكبر لأن تمرّ المخالفات والتجاوزات مرور الكرام أو أنه لن يتم الإبلاغ عنها. وهذا يعني أيضاً أن من غير المرجّح أن تجري عملية جدّية موازية لفرز الأصوات. وبالتالي لن يتوفّر للمراقبين الدوليين أساساً يستندون إليه للحكم على ما إذا كان ما تعلنه السلطات المصرية عن إقبال الناخبين ونتائج التصويت موثوقاً، أو ما إذا كانت العينّة الصغيرة من عمليات التصويت والفرز التي رأوها تمثيلية حقا.

هل يمثّل الاستفتاء النظيف سبيلاً للعودة إلى الديمقراطية؟

حتى في خضمّ التحدّيات الهائلة التي تواجه المراقبين الدوليين، يمكن القول إن إقرار الدستور من خلال عملية نظيفة بصورة معقولة، يشكّل خطوة حاسمة في التطور السياسي في مصر، وأنه يتعيّن على اللاعبين الدوليين أن يفعلوا ما في وسعهم للمساعدة في تمهيد طريق العودة إلى السياسة التشاركيّة. صحيح أن خريطة الطريق السياسية بعد مرسي تعتمد على إقرار مشروع الدستور، وأنه ليس من الواضح بعد ما إذا كانت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرّرة بعد الاستفتاء ستعقد إذا ما فشل الاستفتاء. بيد أنه لايمكن تقريباً تصوّر إمكانية أن يتم رفض الاستفتاء لمجرّد أن المعارضة الرئيسة تخطّط لمقاطعة التصويت، وأن عدداً قليلاً فقط من الجماعات الصغيرة تقوم بحملة لإقناع المصريين بالتصويت بـ "لا".

قد يحاجج البعض بالقول إن الدستور سيؤدّي إلى العودة إلى السياسة التشاركية (ناهيك عن المسار الديمقراطي) إذا ما اتّخذت السلطات المصرية خطوات لتشجيع التعدّدية وبناء الجسور بعد الانقلاب المؤلم وإراقة الدماء التي حدثت خلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس 2013. غير أن الإعلان الأخير باعتبار جماعة الإخوان منظمة إرهابية، وإصدار قانون للتظاهر يتميّز بالقسوة الشديدة وتطبيقه على منتقدي الحكومة من العلمانيين والإسلاميين، والتحرّش المتكرّر بالنشطاء من جانب أجهزة المخابرات، والأحكام المعادية للديمقراطية التي تتعلّق بسلطات الجيش في الدستور الجديد، كلها أمور توحي بغير ذلك.

وتبقى مسألة ما إذا كان الدستور يبشّر باقتراب عودة السياسة التشاركية موضع شكّ أيضاً لأن الوثيقة تركت بعض المسائل الحاسمة معلّقة. على سبيل المثال، يجب على المصريين أن يصوّتوا على الدستور وهم لايعرفون ماهية النظام الانتخابي الذي سيصار إلى استخدامه في الانتخابات البرلمانية، سواء جرت الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أولاً، أو ما إذا كان الرئيس الجديد سيظل متمتّعاً بصلاحيات واسعة للغاية مثل الحق في تعيين جميع المحافظين. إذ ستكون لهذه القرارات آثار هامة على تطوّر النظام السياسي، ولكنها تركت في عهدة الرئيس الانتقالي، عدلي منصور، كي يصدرها بمراسيم، ربما بعد أن يجري الاستفتاء على الدستور.

لم يعلن وزير الدفاع القوي عبدالفتاح السيسي بعد ما إذا كان يعتزم ترشيح نفسه للرئاسة، وقد لايفعل ذلك قبل 14 كانون الثاني/يناير. إذ لم يتم حسم هذه المسألة في الدستور، لكنها قد تحدث فرقاً أيضاً في ما يتعلّق بمدى دعم الناخبين المصريين لنظام مابعد الانقلاب.

قضية الشرعية

يبدو أن السلطات المصرية عازمة على ضمان تقديم استعراض قوي للتأييد الشعبي للنظام المدعوم من الجيش بعد مرسي أكثر منها على استعادة العمليات الديمقراطية. فقد قال رئيس الوزراء حازم الببلاوي، خلال مقابلة تلفزيونية معه يوم 29 كانون الأول/ديسمبر، إن السلطات تريد "حشوداً كبيرة" و"تتوقّع من كل من تظاهروا في 30 حزيران/يونيو [داعين لعزل مرسي] أن يتوجّهوا للمشاركة في التصويت". وتبحث السلطات المصرية، على وجه التحديد، عن أرقام تتجاوز بصورة حاسمة الـ 18 مليون ناخب ونسبة التأييد البالغة 64 في المئة التي أحرزها مرسي في استفتاء العام 2012.

ولاريب أن تحقيق نتائج قوية أمر هام لأسباب سياسية داخلية وبالنسبة إلى الشرعية الدولية. إذ يشير استطلاع رأي قام به "مركز جيمس زغبي" مؤخّراً إلى أن الرأي العام لايزال مستقْطَباً تماماً بشأن المرحلة الانتقالية المدعومة من الجيش، وأن الرئيس منصور ومسؤولين آخرين دعوا المصريين إلى "إبهار العالم" بإقبالهم على المشاركة في الاستفتاء.

إذا ما أنجز المراقبون الدوليون مهمتهم بدقّة، فهم لن يتمكّنوا على الأرجح من تقديم الإقرار على إجراء استفتاء حرّ ونزيه وإقبال قوي من جانب الناخبين الذي تسعى السلطات المصرية للحصول عليه، لأنهم لن يتوفّروا على المعلومات اللازمة لإصدار مثل هذه الأحكام. وعلى أي حال، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار أحد بنود إعلان مبادئ المراقبة الدولية للانتخابات ومدونة قواعد السلوك لمراقبي الانتخابات الدوليين، الذي احتفلت به الأمم المتحدة في العام 2005 ، والذي صادقت عليه معظم منظمات الرصد الرئيسة:

يفترض بأي منظمة ألا ترسل بعثة دولية لمراقبة الانتخابات إلى بلد يعيش في ظل ظروف يحتمل أن توحي بأن الغرض من وجودها هو إضفاء صفة الشرعية على عملية انتخابية يبدو جليّاً أنها لاتتّسم بالديمقراطية، ويجب على بعثات المراقبة الدولية للانتخابات في مثل هذه الظروف أن تصدر بيانات وتصريحات عامة للتأكّد من أن وجودها لايضفي مثل هذه الشرعية.

وأخيراً فإن على المراقبين الدوليين الذين يرصدون الاستفتاء في مصر أو المسؤولين الحكوميين الأميركيين والأوروبيين الذين يجب أن يصدروا بيانات وتصريحات عامة بشأن الاستفتاء، الحفاظ على هذه الكلمات في مفكراتهم كرسالة تذكير لأنفسهم.