ستبدأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي ينتظرها البعض بفارغ الصبر فيما يعارضها البعض بشدة ويتوجّس آخرون، محاكماتها في لاهاي في 16 كانون الثاني/يناير. خمسة مشتبه بهم يرتبطون بحزب الله ستجري محاكمتهم غيابياً بعد أن وُجِّهَت إليهم التهم في التورّط في اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005. 1

لايُعَدّ هذا الأمر تقدّماً مهماً للبنان وحسب، بل أيضاً للمنطقة ككلّ. غير أن تشكيل المحكمة والمسار الذي قاد إلى المحاكمات كانا محفوفَين بالعراقيل والانتقادات. والواقع أن قصة المحكمة تذكّرنا بصعوبة تطبيق إجراءات المساءلة الدولية. ويجب أن تقود الدروس المستخلصة من مساهمات المحكمة الخاصة بلبنان وتحدّياتها النقاشات المتنامية في الدول العربية حول العدالة والمساءلة.  

يُعرَف لبنان بسجّلٍ طويلٍ من العنف السياسي، بما في ذلك اغتيالات سياسية عدة لم يجرِ التحقيق فيها أو محاسبتها كما يجب، الأمر الذي أرسى ثقافةً سياسيةً يدفعها الخوف وتسيطر عليها التكهّنات ونظريات المؤامرة وخطر الثأر.

هذا التوتّر ازداد عقب اغتيال الحريري، وقد أدّت المحكمة الخاصة بلبنان دوراً إيجابياً بشكل غير مباشر في الحؤول دون حصول انهيار في لبنان. وفي التظاهرات التي أطلق شرارتها السخطُ حيال عملية الاغتيال، نادت الجماهير المحتشدة بـ"الحقيقة" كجزء من انتفاضة ضدّ الثقافة السياسية الراهنة والنظام الذي روّج لها. وقد طالب المتظاهرون بمحكمة دولية مستقلّة لمحاكمة المجرمين، بدافعٍ من رغبتهم في تفادي غرق البلاد في حربٍ أهليةٍ إذا ما أخذ الناس حقَّهم بأيديهم.

مع ذلك، لم يكن إنشاء المحكمة بالمهمّة اليسيرة، فمعارضوها حاربوها بشراسة. وفي نهاية المطاف، أنشأ كلٌّ من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والحكومة اللبنانية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في العام 2007، إلا أن كلّ خطوة في اتّجاه إنشائها ترافقت إما مع مزيد من الاغتيالات، أو مع أزمات سياسية حادّة: كانت الحكومة والبرلمان في حالة شلل، وكان وسط بيروت مُحتَلاً لأكثر من ثمانية عشر شهراً، وكانت البلاد بدون رئيس لحوالى عام. وقد عبّر منتقدو المحكمة الدوليون عن قلقهم إزاء تأثيرها السلبي والمزعزِع على لبنان. آنذاك أخبرني أحد الدبلوماسيين الغربيين بأن من غير المفيد جداً أن يجري اتهام بضعة أشخاص في لاهاي على حساب عشرات آلاف القتلى في شوارع بيروت نتيجة حرب أهلية تتسبّب بها المحكمة الخاصة بلبنان. في غضون ذلك، رأى المدافعون عن المحكمة أنها ستُدخِل عنصر المساءلة إلى السياسة في كلٍّ من لبنان والمنطقة.   

على الرغم من هذا الاستقطاب، ساهمت المحكمة الخاصة بلبنان في استمرار الحياة السياسية. وفي إطار المحكمة، يجري اتهام الأشخاص على أنهم أفراد لا على أنهم جزء من الحزب أو الطائفة اللذين يمثّلون؛ كما أنهم يُعَتبرون أبرياء حتى إثبات العكس. فالمحكمة هي إذاً الإطار الذي احتوى عقبة الاغتيال التي لاتُقهَر، وقد أتاحت فصل القضاء عن السياسة.

في ظلّ هذه الصيغة، جلس مَن اعتبروا أنفسهم ضحايا، في الحكومة نفسها  جنباً إلى جنب مع مَن كانوا يُعدونهم عن قناعة بأنهم في صفٍّ واحدٍ مع مرتكبي الاغتيال. وقد وضع رئيس الحكومة، سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، جانباً ما أسماه "الاتهامات السياسية" وترأّس حكومة ضمّت حزب الله، حتى أنه ذهب إلى دمشق لزيارة الرئيس السوري بشار الأسد، الذي زُعِم أنه هدّد رفيق الحريري شخصياً قبل اغتياله. وهكذا، وُضِعَت مسألة اغتيال والده جانباً بشكل مؤقّت، الأمر الذي أجَّلَ نتائج المحكمة. 

بيد أن هذه الصيغة لم تَطُل وكانت لها تكلفة سياسية باهظة لسعد الحريري الذي شُلَّت حكومته وسقطت في نهاية المطاف، في العام 2011، إثر انقسامات حيال المحكمة الخاصة بلبنان.

أما الحكومة الحالية، المؤلَّفة أساساً من معارضين للمحكمة، فقد سيَّرَت المساهمة المالية للدولة اللبنانية في المحكمة في السنوات الثلاث الماضية، الأمر الذي يؤشّر إلى أن هؤلاء المعارضين يقبلون الآن بالمحكمة الخاصة بلبنان على أنها أمر واقع، وإلى القوة التي يتميّز بها قرارٌ ملزمٌ من مجلس الأمن يجبر الحكومة اللبنانية على التعاون مع المحكمة. والمفارقة أن معارضي المحكمة فشلوا في الحؤول دون إصدارها الاتهام، فأصبح لهم حصة في أفضل ممارساتها كشكلٍ من الحماية في وجه قناعةٍ مُحرِجةٍ سياسياً.  

على الرغم من ذلك، كانت إجراءات المحكمة بطيئةً ومثقلةً بالبيروقراطية. وفي غضون ذلك، أدّت الانقسامات الجديدة حيال انخراط لبنان في الصراع السوري، إلى تأجيج الاستقطاب السياسي في البلاد. وقد عانت المحكمة الخاصة بلبنان، على غرار محاكم أخرى دولية الطابع قبلها، من اتهامات بالتسييس وبارتباطها بأجندة دولية معيّنة.

يبدو هذا التقدّم المتردّد حاداً بشكل خاص في ضوء اقتراحات ناشئة بإحالة الجرائم المرتكَبة في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبإنشاء محكمة خاصة بسورية للمساعدة في عملية الانتقال والمصالحة في خضمّ الحرب الأهلية المتواصلة في البلاد. ثمة حاجة ماسة على الأرجح إلى هذه الإجراءات في بلدان مثل سورية أو ليبيا حيث تُرتكَب جرائم خطيرة ضدّ الإنسانية.

والواقع أن كلّ المحاكم الدولية رزحت تحت وطأة بيروقراطيةٍ ثقيلةٍ وبطيئة، ومع ذلك لاتزال قادرة على إحداث فرق في بلدان تحتاج إلى إرساء المساءلة. لقد واجهت المحكمة الخاصة بلبنان وغيرها الاعتقاد بأنها قد تفاقِم الصراعات بدلاً من أن تساعد في حلّها، لأن الاتهامات يمكن أن توصِد كلّ باب في وجه التوصل إلى اتفاق، أو إعلان العفو، أو إجراء المصالحة. هذا الأمر يفسّر جزئياً التردّد في اللجوء إلى العدالة الدولية في أُطُر أخرى، إلا أن التخلّي عن العملية قد يكون مضرّاً أكثر بكثير.

في ظلّ الاضطرابات الدولية الحالية، من الصعب تصوّرُ إطلاقِ مبادرةٍ كتلك التي أنشأت المحكمة الخاصة بلبنان. فكما تُظهِر هذه المحكمة بشكل ملائم، فإن وضع حدّ للإفلات من العقاب، من خلال أدوات قانونية دولية غير متحيّزة يُنظَر إليها على أنها حيادية سياسياً وتعمل في ظلّ أفضل الممارسات، هو أمرٌ ضروريٌّ ويشكّل تحدّياً في الوقت نفسه. والحال أن تطبيق هذه الأدوات يجب أن يترافق مع إدراكٍ للتوازن الهشّ بين تأثيرها المحتمل وبين التحدّيات التي ستواجهها لامحالة، ولاسيما تلك التي تنتج عن البيئة السياسية في البلدان التي خُصِّصَت لها المحاكم. وفي نهاية المطاف، يمكن أن يسهم هذا الشكل من العدالة في إرساء نظام دولي سلمي وتحقيق مستقبل أفضل.

في تشرين الاول/أوكتوبر 2013، تم اتهام شخص خامس بالتورط، لكن مع كتابة هذه السطور لم تُدمج قضيته بعد بالمحاكمة التي بدأت في 16 كانون الثاني/يناير 2014.