القول إن المؤتمر الدولي حول سورية، الذي بدأ في مدينة مونترو السويسرية، يوم 22 كانون الثاني/يناير ويليه بعد يومين محادثات مباشرة في جنيف بين النظام السوري والمعارضة، لن يسفر عن اتفاق، يبدو أمراً مفروغاً منه. إذ على الرغم من أن الطرفين ينزفان بشدّة في ساحة الوغى، إلا أنهما لا يزالا غير مستعدّين سياسياً لخوض مفاوضات جوهرية. 

بيد أن هذا ينبغي ألّا يمنع الأطراف الخارجية الفاعلة الرئيسة من اغتنام مباحثات جنيف 2 باعتبارها فرصة لأن تدفع حوارها الموازي الذي تقوم به إلى اتجاه جديد. فعلى مدى عامين، ظلّت الأطراف الخارجية تماطل وتتلكّأ في مناورات سياسية حول الشروط المسبقة للمفاوضات، ما أدّى إلى حصول مأزق دبلوماسي، مع ما ترتّب على ذلك من عواقب وتبعات مدمّرة.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

كانت الولايات المتحدة وروسيا، على وجه الخصوص، خجولتين جداً، مثلهما مثل حلفاء كل منهما السوريين، حول ما هما على استعداد للقبول به بصورة ملموسة في اتفاق سلام انتقالي في سورية. ومع ذلك، من الواضح أنه مهما كانت تفاصيل التسويات مؤلمة وحتى منفّرة، فإنه لامفّر منها إذا كانت هناك رغبة في التوصّل إلى حلّ سياسي. من جانبهم، لايزال كلٌ من أطراف الصراع السوري غير راغب في أن يكون البادئ  في المجاهرة بشروط واقعية، لأسباب ترتبط جزئياً بهشاشة تحالفاتهمم الداخلية. لذا فقد حان الوقت لمؤيّديهم الخارجيين كي يخرجوا عن ذلك النمط.

للقيام بذلك، ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا أن تقدّما للسوريين من جميع الاتجاهات قالباً عملياً لقياس مدى استعداد النظام والمعارضة لإيجاد حلّ سياسي حقيقي. وهذا يتطلّب شكلاً جديداً من المشاركة السياسية وراء الكواليس يضم هذين اللاعبين الخارجيين الرئيسين، ومن ثمَّ اللاعبين الإقليميين الرئيسيين. وما لم يحدث هذا، فإن أعمال القتل في سورية ستستمر في المستقبل المنظور.

تكرار صفقة الأسلحة الكيماوية؟

لايزال نظام الرئيس بشار الأسد غير راغب أساساً في مناقشة نقل أي سلطات ذات مغزى إلى حكومة انتقالية تتمثّل فيها قوى المعارضة الحقيقية. علاوة على ذلك، يسعى النظام إلى صرف مؤتمر السلام عن غايته والتركيز على الجهود الجارية لاستكمال تدمير مخزون الأسلحة الكيماوية في سورية، وأيضاً على مواجهة تهديد الجهاديين الذين ينتمون إلى تنظيم القاعدة. وبالفعل فقد أكّد الأسد في 20 كانون الثاني/يناير أن مؤتمر السلام المقبل يمكن أن يكون، في أحسن الأحوال، "مكمّلاً" للحوار بين السوريين داخل سورية، وبالتالي يجب أن يكون الهدف الرئيس للمؤتمر "مكافحة الإرهاب في سورية".

وجاء عرض تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في حلب الذي نقله وزير الخارجية وليد المعلم إلى نظيره الروسي سيرجي لافروف يوم 17 كانون الثاني/يناير، ليكمل هذا النهج بدقّة. وعلى ما يبدو، فإن النظام يحاول تصوير نفسه باعتباره شريكاً مسؤولاً ومتجاوباً، من خلال موافقته على اهتمام المجتمع الدولي الشديد بضرورة اتّخاذ تدابير لبناء الثقة، عبر وقف إطلاق النار في مناطق معيّنة وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق السكنية المحاصرة في سورية. والهدف النهائي الذي يرمي إليه النظام في هذا الصدد هو تحويل النقاش في جنيف حول تقاسم السلطة الانتقالية، والذي يحتمل أن يكون محرجاً له، إلى فرصة لتحقيق مكاسب سياسية.

ومع أن المعارضة السورية سارعت إلى التنديد بعرض النظام باعتباره بادرة جوفاء، إلا أنه سيجري الضغط على الولايات المتحدة وشركائها في المجموعة الأساسية من الدول الإحدى عشرة من مجموعة أصدقاء سورية للبناء على العرض، أملاً في توليد ديناميكية إيجابية. وتجسِّد تدابير بناء الثقة هذه، في آخر الأمر، ماتعمل الولايات المتحدة على تحقيقه بصورة ثنائية مع روسيا، على رغم زيادة شحنات الأسلحة والمساعدة التقنية الروسية لنظام الأسد في الأسابيع الأخيرة. ويمكن توقع قيام روسيا بالترويج لعرض النظام، بحجّة أن مؤتمر جنيف 2 سيفشل منذ بدايته إذا ماكانت أهدافه طموحة جداً والتوقعات منه مرتفعة.

البراعة الروسية في انتزاع ميزة دبلوماسية ورمي طوق نجاة للنظام، تَعِد بتكرار نجاح مماثل لذلك الذي حققته حين بلورت صفقة الأسلحة الكيماوية في أيلول/سبتمبر 2013 وتوسّطت لإبرامها. والسؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة سوف ستلجأ مرة أخرى إلى مسالك الهروب المعروضة عليها، كما فعلت في أيلول/سبتمبر عندما ألغت ضربتها المقرّرة ضد النظام بسبب استخدام قواته المفترض للأسلحة الكيماوية وعمليات القتل الجماعي للمدنيين التي ارتكبها في منطقة دمشق في 21 آب/أغسطس.

إذا ما سمحت الولايات المتحدة بتحويل التوجّه الأساسي لمؤتمر جنيف 2 إلى تدابير لبناء الثقة، عندها ستظهر الدبلوماسية الروسية مرة أخرى باعتبارها بنّاءة وأكثر إبداعاً. وسيكون على الولايات المتحدة وغيرها من أصدقاء سورية، ناهيك عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية البائس، والذي بالكاد اجتاز امتحان اقتراع داخلي في 18 كانون الثاني/يناير يؤكد مشاركته في جنيف 2، أن يكونوا أكثر فطنة إن هم أرادوا ألّا يفاجأوا بأنهم وقعوا في موقف صعب ومحرج للغاية. وعليهم كذلك أن يكونوا أكثر التزاماً باستراتيجيتهم لوضع الحديث عن تقاسم السلطة الانتقالية موضع التنفيذ في إطار الواقع السياسي والمعركة القائمة.

تحويل الفرصة إلى تحدٍّ
ولعل التحدّي الأكبر الآن هو أن الجهات الخارجية الفاعلة الرئيسة لاتزال منقسمة بصورة خطيرة بشأن الملامح الرئيسة العملية للترتيبات الانتقالية الخاصة بسورية وتسلسلها. ومن الغريب أن الولايات المتحدة وروسيا بدأتا عملية دبلوماسية مشتركة في أيار/مايو الماضي من دون التوصّل إلى اتفاق حدّ أدنى جوهري بينهما. ولايزال الأمر كذلك بعد ثمانية أشهر. بيد أن عدم وجود نهج منسَّق كان أحد أعراض الانخراط الدولي في الأزمة السورية على مدى العامين الماضيين.

كان هناك على الدوام إطار دبلوماسي متَّفق عليه بدءاً من خطة كوفي أنان ذات النقاط الست التي أقرّها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 16 آذار/مارس 2012، مروراً ببيان جنيف في 30 حزيران/يونيو (جنيف 1)، ومن ثم البعثتين الرئيستين اللتين ترأسهما الأخضر الإبراهيمي الذي خلف كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة للسلام في صيف العام 2012، وصولاً إلى جنيف 2 الآن. ومع ذلك، فقد كان ذلك الإطار على الدوام مجرّد هيكل شكلي في انتظار أن تتم إضافة تفاصيل عليه في واقع الأمر. إذا فشل مؤتمر جنيف 2، فما من شكّ أن مبادرة جماعية أخرى ستظهر بصورة مبكرة. غير أن الإطار الأميركي - الروسي يفسح المجال، في الوقت الحالي، للتركيز على هدف بناء الثقة الأكثر تواضعاً. ولذا لايبدو مستغرباً أن المعارضة السورية تخشى من نسخة طبق الأصل عن "عملية السلام" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أي مجرّد عملية من دون سلام.

تبدو فرص إحراز تقدم في مفاوضات جوهرية ضئيلة، لا بل على العكس، فهي تنحسر. وقد يتم التغلّب على مشكلة سحب دعوة الأمم المتحدة إلى إيران للمشاركة في جنيف 2، إذا ما التزمت ببيان جنيف، لكن حتى في حال حدوث ذلك تبقى هناك مشكلة حقيقية جداً تتعلّق بالتوقيت: فالمسائل التي ربما كان سيتم حلّها عندما تم نشر بيان جنيف الأصلي قبل ثمانية عشر شهراً أصبحت أصعب بما لا يقاس الآن.

آنذاك، كانت مجموعة أصدقاء سورية قد اعترفت قبل ثلاثة أشهر بالمجلس الوطني السوري بوصفه "ممثلاً شرعياً لجميع السوريين و المظلة التي تجمع جماعات المعارضة السورية". ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المجلس الوطني كان يتمتّع في تلك المرحلة بصدقيّة في أوساط نشطاء المعارضة والمتمرّدين المسلحين داخل سورية تفوق كثيراً ما تمتّع به خليفته، الائتلاف الوطني. في السابق، كان المجلس الوطني السوري غير متحمس بوضوح بشأن مؤتمر جنيف 1، لكنه قبله على مضض. مع ذلك، وبدلاً من البناء على هذا الموقف، تنصّلت الولايات المتحدة عمليا من البيان بعد يومين من التوقيع عليه، وضاعت الفرصة.

على الرغم من لهجتها حول تصميمها على رؤية عملية انتقال حقيقي في سورية، ليست لدى الإدارة الأميركية الآن فكرة حول كيفية تحقيق ذلك أكثر مما كان عليه الحال في منتصف العام 2012. وليست لديها أي رغبة أكبر للاضطلاع بمستوى الالتزام المادي والعمل المباشر اللازم لضمان حدوث التغيير في الواقع. وليس ثمّة احتمال في أن يجتهد الأعضاء الغربيون الآخرون في المجموعة الأساسية من أصدقاء سورية أكثر، أو أن يتجاوز شركاؤهم الإقليميون - تركيا وقطر  والمملكة العربية السعودية - سياستهم الحالية المتمثّلة بتزويد متمرّدي المعارضة بالأسلحة والأموال إلى ما هو أكثر من ذلك.

وتوضح حقيقة أن الحكومات الغربية والعربية وعدت بتقديم مبلغ 1.4 مليار دولار من المساعدات الإنسانية الجديدة لسورية في 15 كانون الثاني/يناير، استجابة لنداء الأمم المتحدة لجمع 6.5 مليار دولار لعام 2014، مدى مستوى الالتزام. وهذا الأداء الضعيف في المؤتمر الدولي الثاني للمانحين في الكويت يتبع نمط العام 2013 عندما لم يقدَّم سوى 70 في المئة فقط من مبلغ  1.5 مليار دولار الذي تم التعهّد بتقديمه.

جهد لا طائل منه
إذا سمحت الولايات المتحدة وغيرها من أصدقاء سورية بأن يصبح التركيز على تدابير بناء الثقة هو الإطار الافتراضي للدبلوماسية بشأن سورية، عندها ستملي التطوّرات على الأرض النتيجة النهائية لعملية جنيف 2 برمّتها. ففي هذا الجانب، لازال النظام يتمتّع بميزة يتم تعظيمها ليس بسبب قوته أو إخلاص حلفائه الخارجيين، بل بسبب التداعي المتزايد للائتلاف الوطني للمعارضة واتّساع رقعة الانشقاقات داخل التمرّد المسلح. وسيُفسح هذا المجال للنظام كي يضعف الحاضنة الاجتماعية للمعارضة تدريجياً، لأنه يجبر السكان المنهكين في المناطق المحاصرة على الخضوع إلى شروطه الخاصة بالسماح بعقد هدنات موضعية وإدخال الإمدادات الغذائية.

الأفق أمام مؤتمر جنيف 2 ليس مفتوحاً على مصراعيه. صحيح أن النظام منهك وفي وضع مزرٍ، ولكن من المرجّح أن يحسّن موقفه بصورة مستمرة من الآن وحتى حزيران/يونيو 2014، عندما ينبغي أن يكون قد تم تفكيك قدرته على إنتاج الأسلحة الكيماوية تماماً. وإذا ما توصّلت مجموعة (5+1) وإيران في نهاية المطاف إلى اتفاق نووي شامل، فقد يسهّل ذلك لاحقاً تأمين اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران حول سورية. لكن في غضون ذلك، وربما بعده أيضاً، قد تصعّد إيران والمملكة العربية السعودية وتيرة تنافسهما في أماكن أخرى في المنطقة، مايزيد من زعزعة استقرار العراق ولبنان وبطبيعة الحال سورية.

يتوقف الكثير الآن على كيفية تعامل أصدقاء سورية مع روسيا وإيران اللذين لا يفضّل أي منهما بالضرورة نتيجة تبقي الأسد في منصبه أو تجسّد انتصاراً كاملاً وواضحاً للنظام. والأرجح أن البلدين يريدان، لا بل يحتاجان، إلى حدوث تغيير في سورية، وإن كان يجب أن يكون مضبوطاً للغاية. ومن الواضح أن روسيا تستخدم نفوذها لإقناع نظام الأسد بالانخراط في إطار جنيف 2، وربما تفعل الشيء نفسه لضمان التزام إيران الصريح في نهاية المطاف ببيان جنيف للعام 2012. فإيران لم تشكّك أبداً بصلاحية أو شرعية عملية جنيف 2، وستمثل مشاركتها اعترافاً ضمنياً على الأقلّ بأن الحلّ السياسي في نهاية المطاف سيؤدّي إلى سورية مختلفة .

لكن هذا أقلّ مما سترضى به مجموعة أصدقاء سورية الأساسية، ناهيك عن معظم أجنحة المعارضة السورية. غير أنه يمكن لنظرائها أن يدَّعوا أنهم يعملون ضمن الإطار الذي حدده أصدقاء سورية في اجتماع لندن يوم 22 تشرين الأول/أكتوبر، والذي دعا إلى إجراء مفاوضات جوهرية وجهاً لوجه على أساس بيان جنيف 1 ومجموعة تدابير بناء الثقة التي كانت في الغالب على بساط البحث منذ خطة أنان في آذار/مارس 2012.

من الواضح أن الخلاف الرئيس يكمن في دور الأسد. فالسرعة العاتية التي قبل بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم المشورة الروسية للقيام بلفتة قوية في مجال العلاقات العامة بعرض تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في حلب، قد تكشف عن قلق الأسد حول الالتزام الروسي ببقائه في السلطة. ومع أن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف عكس رغبة جديدة للحدّ من التوتّرات الإقليمية والانفتاح على عملية جنيف 2 خلال زياراته الأخيرة إلى بيروت ودمشق وعمان وبغداد وموسكو، يجب على الأسد أيضاً أن يتعامل مع إمكانية حدوث تحوّل في الموقف الإيراني يكفي لجعل مستقبله الشخصي موضع شكّ.

بيد أن هذا لم يحن أوانه بعد. في الوقت الراهن، لايظهر أصدقاء سورية لا الوسائل ولا العزم على فرض شروط. فعندما كرّر وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ يوم 19 كانون الثاني/يناير القول إن "أي تسوية متفق عليها بصورة متبادلة تعني أن الأسد لايمكن أن يلعب أي دور في مستقبل سورية"، تغاضى عن الردّ الواضح بأن التبادليّة تفترض أيضاً موافقة الأسد، وهي التبادلية التي لايزال بمنأى عن إجباره على تقديمها.

لا يبدو، والحالة هذه، أن تبديل المواقف ممكن إلا بموافقة روسيا وإيران على الانخراط الجدّي في الحل. ولضمان حدوث ذلك، ستضطرّ مجموعة أصدقاء سورية إلى إعادة النظر في مقاربتها لتمثيل المعارضة في المفاوضات، والأهم من ذلك، ما ستؤول إليه العملية الانتقالية في سورية في الممارسة العملية. إذ تسعى روسيا وإيران إلى الحفاظ على جزء كبير من النظام وقاعدته الاجتماعية، وتتوخّى حصول نتائج سياسية مرحلية ونهائية مختلفة إلى حدّ كبير. ومع ذلك، سيكون لزاماً على مجموعة أصدقاء سورية التعامل مع هذه النتائج كي يكون لها أمل في تأمين رحيل الأسد في نهاية المطاف في المقابل. وإلى أن يحدث ذلك، فإن التزامها المعلن بعكس ذلك هو، بشكل مأساوي، مجرّد جهد لا طائل منه.

تحويل التحدّي إلى فرصة

دخل الصراع السوري مرحلة حساسة. وإذا ما فشل مؤتمر جنيف 2 في بدء مفاوضات جادّة، على الأقلّ بين الجهات الخارجية الفاعلة الرئيسة، فإن هذا قد يجعل سورية أسوأ حالاً حتى من ذي قبل لأن الأمر سيستغرق وقتاً أطول لإعادة بناء زخم و صدقيّة العملية الدبلوماسية. وفي غضون ذلك فإن الحقائق الذي يتم تكريسها على الأرض تؤدّي إلى الاتجاه المعاكس.

ولكن من خلال انخراطهما في إطار مؤتمر جنيف 2 والضغط على نظام الأسد للتظاهر باقتراح تدابير هامة محتملة لبناء الثقة، فإن روسيا وإيران تشيران بذلك إلى التزامهما بعملية دبلوماسية ينبغي أن تؤدّي، عاجلاً أو آجلاً، إلى تغيير سياسي في سورية. وقد يكون من غير المعقول مطالبة المعارضة السورية باغتنام هذه الآمال الضعيفة، بيد أن ثمّة التزاماً على أصدقاء سورية بأن يحاولوا ذلك، إلا إذا رغبوا في أن يكونوا أكثر حزماً في فرض مسار مختلف للعمل.

هذا يعني الانتقال من المواقف المعلنة، وربما أيضاً من الأقنية الرسمية، إلى مزيد من النقاش الحرّ والصريح حول كيفية تنظيم وتسلسل عملية الانتقال في سورية. فالمسؤولون الأميركيون والروس الذين يعملون على الشأن السوري يتخاطبون بصورة شبه يومية، لكن ليس لديهم حتى الآن شيئ جوهري يشاركون به حلفاءهم وشركاءهم، يمكن بموجبه البدء في بناء مواقف إجماعية. وقد تساعد عملية مسار موازٍ على نطاق أوسع، تضم جهات خارجية فاعلة رئيسة أخرى ولا تقف إلى جانب أي من طرفي الصراع السوري، على التحوّل عن المواقف الأولية، وتمكّن من كسر المأزق الدبلوماسي وتقدّم فرصة حقيقية للسلام للشعب السوري.

تبدو الفرص والتحدّيات في الوقت الحاضر متوازنة بدقّة، بيد أن هذا الحال لن يدوم إلى الأبد. وإذا لم يتم اقتناص الفرصة بحلول منتصف العام 2014، عندها يبدو من المحتّم أن سورية ستبتعد أكثر 

القول إن المؤتمر الدولي حول سورية، الذي بدأ في مدينة مونترو السويسرية، يوم 22 كانون الثاني/يناير ويليه بعد يومين محادثات مباشرة في جنيف بين النظام السوري والمعارضة، لن يسفر عن اتفاق، يبدو أمراً مفروغاً منه. إذ على الرغم من أن الطرفين ينزفان بشدّة في ساحة الوغى، إلا أنهما لا يزالا غير مستعدّين سياسياً لخوض مفاوضات جوهرية. 
بيد أن هذا ينبغي ألّا يمنع الأطراف الخارجية الفاعلة الرئيسة من اغتنام مباحثات جنيف 2 باعتبارها فرصة لأن تدفع حوارها الموازي الذي تقوم به إلى اتجاه جديد. فعلى مدى عامين، ظلّت الأطراف الخارجية تماطل وتتلكّأ في مناورات سياسية حول الشروط المسبقة للمفاوضات، ما أدّى إلى حصول مأزق دبلوماسي، مع ما ترتّب على ذلك من عواقب وتبعات مدمّرة.

كانت الولايات المتحدة وروسيا، على وجه الخصوص، خجولتين جداً، مثلهما مثل حلفاء كل منهما السوريين، حول ما هما على استعداد للقبول به بصورة ملموسة في اتفاق سلام انتقالي في سورية. ومع ذلك، من الواضح أنه مهما كانت تفاصيل التسويات مؤلمة وحتى منفّرة، فإنه لامفّر منها إذا كانت هناك رغبة في التوصّل إلى حلّ سياسي. من جانبهم، لايزال كلٌ من أطراف الصراع السوري غير راغب في أن يكون البادئ  في المجاهرة بشروط واقعية، لأسباب ترتبط جزئياً بهشاشة تحالفاتهمم الداخلية. لذا فقد حان الوقت لمؤيّديهم الخارجيين كي يخرجوا عن ذلك النمط.

للقيام بذلك، ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا أن تقدّما للسوريين من جميع الاتجاهات قالباً عملياً لقياس مدى استعداد النظام والمعارضة لإيجاد حلّ سياسي حقيقي. وهذا يتطلّب شكلاً جديداً من المشاركة السياسية وراء الكواليس يضم هذين اللاعبين الخارجيين الرئيسين، ومن ثمَّ اللاعبين الإقليميين الرئيسيين. وما لم يحدث هذا، فإن أعمال القتل في سورية ستستمر في المستقبل المنظور.

تكرار صفقة الأسلحة الكيماوية؟

لايزال نظام الرئيس بشار الأسد غير راغب أساساً في مناقشة نقل أي سلطات ذات مغزى إلى حكومة انتقالية تتمثّل فيها قوى المعارضة الحقيقية. علاوة على ذلك، يسعى النظام إلى صرف مؤتمر السلام عن غايته والتركيز على الجهود الجارية لاستكمال تدمير مخزون الأسلحة الكيماوية في سورية، وأيضاً على مواجهة تهديد الجهاديين الذين ينتمون إلى تنظيم القاعدة. وبالفعل فقد أكّد الأسد في 20 كانون الثاني/يناير أن مؤتمر السلام المقبل يمكن أن يكون، في أحسن الأحوال، "مكمّلاً" للحوار بين السوريين داخل سورية، وبالتالي يجب أن يكون الهدف الرئيس للمؤتمر "مكافحة الإرهاب في سورية".

وجاء عرض تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في حلب الذي نقله وزير الخارجية وليد المعلم إلى نظيره الروسي سيرجي لافروف يوم 17 كانون الثاني/يناير، ليكمل هذا النهج بدقّة. وعلى ما يبدو، فإن النظام يحاول تصوير نفسه باعتباره شريكاً مسؤولاً ومتجاوباً، من خلال موافقته على اهتمام المجتمع الدولي الشديد بضرورة اتّخاذ تدابير لبناء الثقة، عبر وقف إطلاق النار في مناطق معيّنة وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق السكنية المحاصرة في سورية. والهدف النهائي الذي يرمي إليه النظام في هذا الصدد هو تحويل النقاش في جنيف حول تقاسم السلطة الانتقالية، والذي يحتمل أن يكون محرجاً له، إلى فرصة لتحقيق مكاسب سياسية.

ومع أن المعارضة السورية سارعت إلى التنديد بعرض النظام باعتباره بادرة جوفاء، إلا أنه سيجري الضغط على الولايات المتحدة وشركائها في المجموعة الأساسية من الدول الإحدى عشرة من مجموعة أصدقاء سورية للبناء على العرض، أملاً في توليد ديناميكية إيجابية. وتجسِّد تدابير بناء الثقة هذه، في آخر الأمر، ماتعمل الولايات المتحدة على تحقيقه بصورة ثنائية مع روسيا، على رغم زيادة شحنات الأسلحة والمساعدة التقنية الروسية لنظام الأسد في الأسابيع الأخيرة. ويمكن توقع قيام روسيا بالترويج لعرض النظام، بحجّة أن مؤتمر جنيف 2 سيفشل منذ بدايته إذا ماكانت أهدافه طموحة جداً والتوقعات منه مرتفعة.

البراعة الروسية في انتزاع ميزة دبلوماسية ورمي طوق نجاة للنظام، تَعِد بتكرار نجاح مماثل لذلك الذي حققته حين بلورت صفقة الأسلحة الكيماوية في أيلول/سبتمبر 2013 وتوسّطت لإبرامها. والسؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة سوف ستلجأ مرة أخرى إلى مسالك الهروب المعروضة عليها، كما فعلت في أيلول/سبتمبر عندما ألغت ضربتها المقرّرة ضد النظام بسبب استخدام قواته المفترض للأسلحة الكيماوية وعمليات القتل الجماعي للمدنيين التي ارتكبها في منطقة دمشق في 21 آب/أغسطس.

إذا ما سمحت الولايات المتحدة بتحويل التوجّه الأساسي لمؤتمر جنيف 2 إلى تدابير لبناء الثقة، عندها ستظهر الدبلوماسية الروسية مرة أخرى باعتبارها بنّاءة وأكثر إبداعاً. وسيكون على الولايات المتحدة وغيرها من أصدقاء سورية، ناهيك عن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية البائس، والذي بالكاد اجتاز امتحان اقتراع داخلي في 18 كانون الثاني/يناير يؤكد مشاركته في جنيف 2، أن يكونوا أكثر فطنة إن هم أرادوا ألّا يفاجأوا بأنهم وقعوا في موقف صعب ومحرج للغاية. وعليهم كذلك أن يكونوا أكثر التزاماً باستراتيجيتهم لوضع الحديث عن تقاسم السلطة الانتقالية موضع التنفيذ في إطار الواقع السياسي والمعركة القائمة.

تحويل الفرصة إلى تحدٍّ
ولعل التحدّي الأكبر الآن هو أن الجهات الخارجية الفاعلة الرئيسة لاتزال منقسمة بصورة خطيرة بشأن الملامح الرئيسة العملية للترتيبات الانتقالية الخاصة بسورية وتسلسلها. ومن الغريب أن الولايات المتحدة وروسيا بدأتا عملية دبلوماسية مشتركة في أيار/مايو الماضي من دون التوصّل إلى اتفاق حدّ أدنى جوهري بينهما. ولايزال الأمر كذلك بعد ثمانية أشهر. بيد أن عدم وجود نهج منسَّق كان أحد أعراض الانخراط الدولي في الأزمة السورية على مدى العامين الماضيين.

كان هناك على الدوام إطار دبلوماسي متَّفق عليه بدءاً من خطة كوفي أنان ذات النقاط الست التي أقرّها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 16 آذار/مارس 2012، مروراً ببيان جنيف في 30 حزيران/يونيو (جنيف 1)، ومن ثم البعثتين الرئيستين اللتين ترأسهما الأخضر الإبراهيمي الذي خلف كوفي أنان مبعوث الأمم المتحدة للسلام في صيف العام 2012، وصولاً إلى جنيف 2 الآن. ومع ذلك، فقد كان ذلك الإطار على الدوام مجرّد هيكل شكلي في انتظار أن تتم إضافة تفاصيل عليه في واقع الأمر. إذا فشل مؤتمر جنيف 2، فما من شكّ أن مبادرة جماعية أخرى ستظهر بصورة مبكرة. غير أن الإطار الأميركي - الروسي يفسح المجال، في الوقت الحالي، للتركيز على هدف بناء الثقة الأكثر تواضعاً. ولذا لايبدو مستغرباً أن المعارضة السورية تخشى من نسخة طبق الأصل عن "عملية السلام" بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أي مجرّد عملية من دون سلام.

تبدو فرص إحراز تقدم في مفاوضات جوهرية ضئيلة، لا بل على العكس، فهي تنحسر. وقد يتم التغلّب على مشكلة سحب دعوة الأمم المتحدة إلى إيران للمشاركة في جنيف 2، إذا ما التزمت ببيان جنيف، لكن حتى في حال حدوث ذلك تبقى هناك مشكلة حقيقية جداً تتعلّق بالتوقيت: فالمسائل التي ربما كان سيتم حلّها عندما تم نشر بيان جنيف الأصلي قبل ثمانية عشر شهراً أصبحت أصعب بما لا يقاس الآن.

آنذاك، كانت مجموعة أصدقاء سورية قد اعترفت قبل ثلاثة أشهر بالمجلس الوطني السوري بوصفه "ممثلاً شرعياً لجميع السوريين و المظلة التي تجمع جماعات المعارضة السورية". ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المجلس الوطني كان يتمتّع في تلك المرحلة بصدقيّة في أوساط نشطاء المعارضة والمتمرّدين المسلحين داخل سورية تفوق كثيراً ما تمتّع به خليفته، الائتلاف الوطني. في السابق، كان المجلس الوطني السوري غير متحمس بوضوح بشأن مؤتمر جنيف 1، لكنه قبله على مضض. مع ذلك، وبدلاً من البناء على هذا الموقف، تنصّلت الولايات المتحدة عمليا من البيان بعد يومين من التوقيع عليه، وضاعت الفرصة.

على الرغم من لهجتها حول تصميمها على رؤية عملية انتقال حقيقي في سورية، ليست لدى الإدارة الأميركية الآن فكرة حول كيفية تحقيق ذلك أكثر مما كان عليه الحال في منتصف العام 2012. وليست لديها أي رغبة أكبر للاضطلاع بمستوى الالتزام المادي والعمل المباشر اللازم لضمان حدوث التغيير في الواقع. وليس ثمّة احتمال في أن يجتهد الأعضاء الغربيون الآخرون في المجموعة الأساسية من أصدقاء سورية أكثر، أو أن يتجاوز شركاؤهم الإقليميون - تركيا وقطر  والمملكة العربية السعودية - سياستهم الحالية المتمثّلة بتزويد متمرّدي المعارضة بالأسلحة والأموال إلى ما هو أكثر من ذلك.

وتوضح حقيقة أن الحكومات الغربية والعربية وعدت بتقديم مبلغ 1.4 مليار دولار من المساعدات الإنسانية الجديدة لسورية في 15 كانون الثاني/يناير، استجابة لنداء الأمم المتحدة لجمع 6.5 مليار دولار لعام 2014، مدى مستوى الالتزام. وهذا الأداء الضعيف في المؤتمر الدولي الثاني للمانحين في الكويت يتبع نمط العام 2013 عندما لم يقدَّم سوى 70 في المئة فقط من مبلغ  1.5 مليار دولار الذي تم التعهّد بتقديمه.

جهد لا طائل منه
إذا سمحت الولايات المتحدة وغيرها من أصدقاء سورية بأن يصبح التركيز على تدابير بناء الثقة هو الإطار الافتراضي للدبلوماسية بشأن سورية، عندها ستملي التطوّرات على الأرض النتيجة النهائية لعملية جنيف 2 برمّتها. ففي هذا الجانب، لازال النظام يتمتّع بميزة يتم تعظيمها ليس بسبب قوته أو إخلاص حلفائه الخارجيين، بل بسبب التداعي المتزايد للائتلاف الوطني للمعارضة واتّساع رقعة الانشقاقات داخل التمرّد المسلح. وسيُفسح هذا المجال للنظام كي يضعف الحاضنة الاجتماعية للمعارضة تدريجياً، لأنه يجبر السكان المنهكين في المناطق المحاصرة على الخضوع إلى شروطه الخاصة بالسماح بعقد هدنات موضعية وإدخال الإمدادات الغذائية.

الأفق أمام مؤتمر جنيف 2 ليس مفتوحاً على مصراعيه. صحيح أن النظام منهك وفي وضع مزرٍ، ولكن من المرجّح أن يحسّن موقفه بصورة مستمرة من الآن وحتى حزيران/يونيو 2014، عندما ينبغي أن يكون قد تم تفكيك قدرته على إنتاج الأسلحة الكيماوية تماماً. وإذا ما توصّلت مجموعة (5+1) وإيران في نهاية المطاف إلى اتفاق نووي شامل، فقد يسهّل ذلك لاحقاً تأمين اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران حول سورية. لكن في غضون ذلك، وربما بعده أيضاً، قد تصعّد إيران والمملكة العربية السعودية وتيرة تنافسهما في أماكن أخرى في المنطقة، مايزيد من زعزعة استقرار العراق ولبنان وبطبيعة الحال سورية.

يتوقف الكثير الآن على كيفية تعامل أصدقاء سورية مع روسيا وإيران اللذين لا يفضّل أي منهما بالضرورة نتيجة تبقي الأسد في منصبه أو تجسّد انتصاراً كاملاً وواضحاً للنظام. والأرجح أن البلدين يريدان، لا بل يحتاجان، إلى حدوث تغيير في سورية، وإن كان يجب أن يكون مضبوطاً للغاية. ومن الواضح أن روسيا تستخدم نفوذها لإقناع نظام الأسد بالانخراط في إطار جنيف 2، وربما تفعل الشيء نفسه لضمان التزام إيران الصريح في نهاية المطاف ببيان جنيف للعام 2012. فإيران لم تشكّك أبداً بصلاحية أو شرعية عملية جنيف 2، وستمثل مشاركتها اعترافاً ضمنياً على الأقلّ بأن الحلّ السياسي في نهاية المطاف سيؤدّي إلى سورية مختلفة .

لكن هذا أقلّ مما سترضى به مجموعة أصدقاء سورية الأساسية، ناهيك عن معظم أجنحة المعارضة السورية. غير أنه يمكن لنظرائها أن يدَّعوا أنهم يعملون ضمن الإطار الذي حدده أصدقاء سورية في اجتماع لندن يوم 22 تشرين الأول/أكتوبر، والذي دعا إلى إجراء مفاوضات جوهرية وجهاً لوجه على أساس بيان جنيف 1 ومجموعة تدابير بناء الثقة التي كانت في الغالب على بساط البحث منذ خطة أنان في آذار/مارس 2012.

من الواضح أن الخلاف الرئيس يكمن في دور الأسد. فالسرعة العاتية التي قبل بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم المشورة الروسية للقيام بلفتة قوية في مجال العلاقات العامة بعرض تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في حلب، قد تكشف عن قلق الأسد حول الالتزام الروسي ببقائه في السلطة. ومع أن وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف عكس رغبة جديدة للحدّ من التوتّرات الإقليمية والانفتاح على عملية جنيف 2 خلال زياراته الأخيرة إلى بيروت ودمشق وعمان وبغداد وموسكو، يجب على الأسد أيضاً أن يتعامل مع إمكانية حدوث تحوّل في الموقف الإيراني يكفي لجعل مستقبله الشخصي موضع شكّ.

بيد أن هذا لم يحن أوانه بعد. في الوقت الراهن، لايظهر أصدقاء سورية لا الوسائل ولا العزم على فرض شروط. فعندما كرّر وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ يوم 19 كانون الثاني/يناير القول إن "أي تسوية متفق عليها بصورة متبادلة تعني أن الأسد لايمكن أن يلعب أي دور في مستقبل سورية"، تغاضى عن الردّ الواضح بأن التبادليّة تفترض أيضاً موافقة الأسد، وهي التبادلية التي لايزال بمنأى عن إجباره على تقديمها.

لا يبدو، والحالة هذه، أن تبديل المواقف ممكن إلا بموافقة روسيا وإيران على الانخراط الجدّي في الحل. ولضمان حدوث ذلك، ستضطرّ مجموعة أصدقاء سورية إلى إعادة النظر في مقاربتها لتمثيل المعارضة في المفاوضات، والأهم من ذلك، ما ستؤول إليه العملية الانتقالية في سورية في الممارسة العملية. إذ تسعى روسيا وإيران إلى الحفاظ على جزء كبير من النظام وقاعدته الاجتماعية، وتتوخّى حصول نتائج سياسية مرحلية ونهائية مختلفة إلى حدّ كبير. ومع ذلك، سيكون لزاماً على مجموعة أصدقاء سورية التعامل مع هذه النتائج كي يكون لها أمل في تأمين رحيل الأسد في نهاية المطاف في المقابل. وإلى أن يحدث ذلك، فإن التزامها المعلن بعكس ذلك هو، بشكل مأساوي، مجرّد جهد لا طائل منه.

تحويل التحدّي إلى فرصة

دخل الصراع السوري مرحلة حساسة. وإذا ما فشل مؤتمر جنيف 2 في بدء مفاوضات جادّة، على الأقلّ بين الجهات الخارجية الفاعلة الرئيسة، فإن هذا قد يجعل سورية أسوأ حالاً حتى من ذي قبل لأن الأمر سيستغرق وقتاً أطول لإعادة بناء زخم و صدقيّة العملية الدبلوماسية. وفي غضون ذلك فإن الحقائق الذي يتم تكريسها على الأرض تؤدّي إلى الاتجاه المعاكس.

ولكن من خلال انخراطهما في إطار مؤتمر جنيف 2 والضغط على نظام الأسد للتظاهر باقتراح تدابير هامة محتملة لبناء الثقة، فإن روسيا وإيران تشيران بذلك إلى التزامهما بعملية دبلوماسية ينبغي أن تؤدّي، عاجلاً أو آجلاً، إلى تغيير سياسي في سورية. وقد يكون من غير المعقول مطالبة المعارضة السورية باغتنام هذه الآمال الضعيفة، بيد أن ثمّة التزاماً على أصدقاء سورية بأن يحاولوا ذلك، إلا إذا رغبوا في أن يكونوا أكثر حزماً في فرض مسار مختلف للعمل.

هذا يعني الانتقال من المواقف المعلنة، وربما أيضاً من الأقنية الرسمية، إلى مزيد من النقاش الحرّ والصريح حول كيفية تنظيم وتسلسل عملية الانتقال في سورية. فالمسؤولون الأميركيون والروس الذين يعملون على الشأن السوري يتخاطبون بصورة شبه يومية، لكن ليس لديهم حتى الآن شيئ جوهري يشاركون به حلفاءهم وشركاءهم، يمكن بموجبه البدء في بناء مواقف إجماعية. وقد تساعد عملية مسار موازٍ على نطاق أوسع، تضم جهات خارجية فاعلة رئيسة أخرى ولا تقف إلى جانب أي من طرفي الصراع السوري، على التحوّل عن المواقف الأولية، وتمكّن من كسر المأزق الدبلوماسي وتقدّم فرصة حقيقية للسلام للشعب السوري.

تبدو الفرص والتحدّيات في الوقت الحاضر متوازنة بدقّة، بيد أن هذا الحال لن يدوم إلى الأبد. وإذا لم يتم اقتناص الفرصة بحلول منتصف العام 2014، عندها يبدو من المحتّم أن سورية ستبتعد أكثرعن عملية انتقال سلمية، ناهيك عن أن تكون ديمقراطية.