بعد مرور سنوات ثلاث على الانتفاضة التي أطاحت بحسني مبارك من السلطة، لاتزال مصر تصارع الدولة الاستبدادية. وطوال مرحلة صعود وسقوط جماعة الإخوان المسلمين، ظلت القوى الاستبدادية لاعباً سياسياً أساسياً في المشهد المصري. ولم تفلح البدائل الديمقراطية في استثمار التصدّعات التي يعاني منها النظام والاستفادة منها. ولذا تبدو فرص إعادة دمج جماعة الإخوان المسلمين في المشهد السياسي وإرساء ديمقراطية الإسلام السياسي قاتمة. وطالما فشلت البدائل المعقولة في تحقيق زخم وقبول جماهيري، فستبقى الدولة القديمة قائمة وستظل التحدّيات الرئيسة التي تواجهها مصر عصيّة على الحل.

الأفكار الرئيسة

  • لاتزال مصر الآن حيث كانت قبل انتفاضة العام 2011، حيث يجري رسم خطوط المعركة الثورية على أساس تأييد الدولة القديمة التي تميّزت بسلسلة من الإقطاعيات المؤسّسية التي تتصرّف وفقاً لمصلحتها الخاصة وليس وفقاً للمصلحة الوطنية.
     
  • شكّل حكم جماعة الإخوان المسلمين فاصلاً غير ديمقراطي في الحياة السياسية المصرية، وكان سقوط هذا الحكم نتاج عدم قدرتها على التعامل بفعّالية مع الدولة القديمة. ولايمكن إعادة دمجها سياسياً إلا بعد استسلامها التام سياسياً وهو الأمر المستبعد.
     
  • أصبح حكم مصر وضبط الأوضاع فيها صعباً على نحو متزايد. إذ ليس يسع الدولة تحويل هيمنتها التي تم تعزيزها إلى شرعية. وفيما تطغى المنافسة الداخلية وسياسة الاحتجاج الجامحة على الساحة السياسية، تواجه البلاد فراغاً سياسياً في ظل عدم وجود قرار واضح.

النتائج

لاتزال الدولة القديمة قائمة ومستمرّة بكل مراكز القوة المؤسّسية المتنافسة فيها. فالدستور الجديد ينطوي على قابلية مفاقمة المشكلة حيث يحافظ على امتيازات مؤسّسات الدولة القديمة ويوفّر لها القدرة على التصرّف كسماسرة سلطة داخل نظام ممزّق الأوصال.

مصر في حاجة إلى تجديد بيئتها السياسية بصورة كاملة. وعلى الرغم من تطور فضاء مجتمعي عام مثير للجدل منذ العام 2011، لاتزال مصر تفتقر إلى وجود طبقة سياسية قادرة، لن يكون في وسع البلاد من دونها على مواجهة العقبات المؤسّسية المستحكمة التي تعرقل الديمقراطية.

التحالف الذي دعم انقلاب تموز/يوليو 2013 الذي أطاح بالرئيس آنذاك محمد مرسي يتفكّك. فثمّة انقسام تتّسع شقّته بين الجماعات التي ترغب في استنساخ النهج الاستبدادي لنظام مبارك وتلك التي تدعم مستقبلاً أكثر ديمقراطية في مصر. لكن لم تتمكن جماعة بعينها من احتكار النقاش في هذا الشأن.

لاتزال إمكانية عقد مصالحة بين النظام والإخوان المسلمين بعيدة المنال. فقد اختارت جماعة الإخوان حتى الآن مسار التعنّت السياسي. ونظراً إلى حملة القمع التي يشنّها النظام الإخوان والحوافز السياسية الكامنة وراء رفضهم قبول التهدئة، سيجد الإخوان أنفسهم في مواجهة خيارات محدودة.

يتعيّن على القوى الديمقراطية أن تتغلّب على أوجه القصور التي تعاني منها على صعيد القيادة والقدرات. فهي في حاجة إلى تجاوز الشعارات الجوفاء وتطوير تكتيكات تدعم أهدافها. إذ يشكّل تطوير حركة ديمقراطية ناجحة أمراً حاسماً بالنسبة إلى مستقبل مصر.

مقدمة

الارتباك والتنافر الذي شهدته مصر في أعقاب انتفاضة العام 2011 ضد نظام الرئيس السابق حسني مبارك أصاب المحللين بالتردّد والحيرة إزاء طبيعة التطور السياسي في البلاد. إذ يشير الكثيرون إلى مشاكل الانتقال الديمقراطي المفترض بوصفها مصدر المصائب في مصر. ومع ذلك، لاتزال مصر تصارع الواقع المستمر لدولة متخلفة واستبدادية وأوليغارشية قديمة أكثر من كونها تناضل ببساطة لتحقيق نظام ديمقراطي.

من هنا فإن مصر في حاجة إلى إعادة صياغة كاملة للحياة السياسية، بحيث تقوم فيها علاقات جديدة تماماً بين الدولة والمواطن على أساس عقود اجتماعية وسياسية واقتصادية وديمقراطية. ويبدو مثل هذا التحوّل بعيد الأثر ضرورياً لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي لا تعدّ ولا تحصى في البلاد.

كان سقوط نظام مبارك لحظة مفعمة بالأمل ومبشّرة بالنسبة إلى الكثير من الثوار. فقد شجّعت المطالبات بإجراء تغييرات تواجه طغيان واستبداد الدولة في مصر على اندلاع انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011. في هذا الإطار، كانت المؤسّسات العسكرية والمدنية للدولة القديمة والشبكات وجماعات المصالح المرتبطة بها، بالإضافة إلى الرؤية السياسية والمصالح ونظام القيم الخاص بهذه القوى، هي العدو الرئيس. بيد أن هذا النظام لم يتلاشَ بعد إطاحة مبارك في شباط/فبراير 2011، وبشّرت إطاحة الرئيس، إلى حدّ ما، بالمزيد مما كان قائماً، أي عملية سياسية سلطوية. في هذه المرة، خضعت العملية أولاّ إلى هيمنة الجيش وإلى شريك جديد تمثّل في جماعة الإخوان المسلمين. بدلاً من ذلك، أدّت إلى إطاحة الرجل القوي تكراراً.

بعد عامين ونصف العام من الارتباك والاضطراب، عمد الجيش إلى عزل أول رئيس منتخب للبلاد، محمد مرسي المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، من السلطة في 3 تموز/يوليو 2013. وقد وصف أنصار جماعة الإخوان النظام الذي كانوا يقودونه بأنه "ديمقراطي"، فيما وصف أنصار الجيش قرار إسقاط نظام الإخوان بأنه "ثوري"، بيد أن كلا الوصفين لم يكونا كذلك على الرغم من هذا اللغوية الفارغة.

تواصل المشاكل التي تواجهها مصر التفاقم، حيث أثبتت القوى السياسية الموجودة في الساحة أنها عاجزة عن تقديم أيّ حلول حقيقية. وتواجه البلاد فراغاً اجتماعياً وسياسياً، في ظل عدم وجود مؤسّسات حاكمة ديمقراطية تقوم على أساس شعبي تتولّى ملء الفراغ. وقد أدّى السلوك السياسي للحركة الإسلامية غير الديمقراطية وشبه الفاشية والمتعنّتة إلى مفاقمة الفراغ الذي ظهر عندما تمت إطاحة مبارك. وعلاوة على ذلك، لاتزال السلطوية العميقة للدولة القديمة تخيّم على المجتمع المصري وتُفشِل الجهود الرامية إلى إجراء تغيير حقيقي، في حين تبدو الحركات الاحتجاجية الديمقراطية الوليدة عاجزة عن تقديم طريق ثالثة عملية وقابلة للحياة.

ويبدو والحالة هذه أن مصر قد عادت، في نواح كثيرة، إلى حيث كانت تتموضع قبل ما يقرب من ثلاث سنوات. فالتعبئة الشعبية ضد مرسي، التي وصلت ذروتها في المظاهرات الحاشدة التي شهدتها البلاد في حزيران/يونيو 2013، كانت تدل على تغيير في الاتجاه. وفي أعقاب الانحرافات التي شابت حكم الإخوان المسلمين، ها هو المجتمع يعود إلى خطوط المعارك الثورية ضد الحكم الاستبدادي للدولة القديمة. ويعتقد بعض المتفائلين أن الدولة القديمة ستؤسّس دولة ديمقراطية بعد أن تقضي على الإسلاميين. ومع ذلك، فإن هذا الأمل ينطوي في حقيقته إما على سذاجة أو خداع وتضليل.

لاتبدو العملية السياسية الحالية، التي حدّد إطارها إعلان الجيش عن خريطة الطريق السياسية بعد الإطاحة بمرسي، أقل استبداداً من تلك التي قادها الجيش وجماعة الإخوان المسلمين معاً بعد إطاحة مبارك. وعلاوة على ذلك، فإن العملية السياسية الجديدة لا تجعل الحكومة المؤقتة في وضع يمكّنها من التعاطي بصورة أفضل مع أزمة الشرعية الديمقراطية الحالية في مصر، ناهيك عن خلق مستقبل سياسي أفضل للمصريين. إذ تحتدم اليوم معركة سياسية بين الدولة القديمة وبين الإسلاميين، وهو مايشلّ حركة جميع الأطراف السياسية الفاعلة في البلا .

من المستبعد أن تشهد مصر قريباً ظهور نظام حكم جديد ديمقراطي وشامل للجميع، بيد أنه لايمكن أيضاَ استنساخ النظام الاستبدادي القديم على نحو مستدام. وعلى الرغم من أن الدولة القديمة تعيد فرض هيمنتها على النظام السياسي، فإنها تواجه أزمات مستشرية على صعيد الشرعية والأداء. وطالما استمرت الأزمات المؤسّسية التي تواجهها لدولة والمجتمع والاقتصاد، فستبقى الدولة القديمة عاجزة عن تحويل هيمنتها الحالية إلى سيطرة شرعية على السلطة، وستبقى مشاكل مصر عصيّة على الحلّ. ومن ثَمَّ فإن تحقيق أي نجاح في المستقبل بشأن القضايا الرئيسة، بما في ذلك التنمية الاقتصادية وتحديث الدولة والأمن والاستقرار السياسي، سيبقى مستبعداً جداً. وهذا يعني أن النظام سيظل يعاني من عدم وجود قواعد شاملة للجميع ومقبولة للعبة السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، ينقسم التحالف الكبير الذي دعم انقلاب 3 تموز/يوليو إلى مجموعات فرعية من الأطراف الفاعلة التي لها رؤى مختلفة حول النظام السياسي الجديد. وتشمل هذه المجموعات القوى السياسية الأكثر تحفّظاً التي تريد استنساخ سياسة الاستبداد والمحسوبية والنخبوية التي ميّزت عهد مبارك، وكذلك القوى التي ترغب في إدخال إصلاحات جوهرية على صعيد السياسات العامة والحوكمة. وبالتالي فإن كلا الخيارين إشكاليان ولايحظيان بدعم واسع لأسباب مختلفة.

تتنافس الأطراف الفاعلة المختلفة في الدولة في ما بينها على النفوذ والموارد والسلطة. وقد أدّت هذه الانقسامات بين أفراد النخبة في هذه المنافسة الجشعة داخل الدولة إلى بروز خلافات كبيرة بين اللاعبين السياسيين حول الدستور الجديد والنظام الانتخابي والسياسات العامة. ولم يتمكّن أي طرف فاعل حكومي أو غير حكومي داخل نظام 3 تموز/يوليو المؤقّت من تحقيق الغلبة في هذا النقاش. ولذلك فإن هذا الوضع يهدّد بتفتيت القوى بدلاً من الفصل بين السلطات.

بعد فشل تجربتهم غير الشعبية في الحكم، ها هم الإخوان المسلمون يرون بأم العين أن أحلامهم القديمة في الهيمنة على الدولة أصبحت بعيدة المنال أكثر. وبدل ذلك فإنهم يجدون أنفسهم أمام مجموعة محدودة من الخيارات وسلسلة من التحدّيات السياسية والوجودية. إذ إن مصير الإسلام السياسي في مصر مهم من حيث إمكانية ظهور أي نظام حكم ديمقراطي جديد في البلاد. ومع ذلك، يمثّل الإسلاميين جزءاً من المشكلة ولايمكن أن يكونوا هم الحلّ. أما القوى الديمقراطية فتواصل التفجّع على أهدافها الثورية التي لم تتم تلبيتها، لكنها تبقى عاجزة كما كان حالها في السابق. ولأنها تعاني من أزمات على مستوى التنظيم والتمويل والقيادة والخطاب، فإن عليها أن تقطع شوطاً طويلاً في تطوير أدوات التغيير والمقاومة الخاصة بها، وأن تتجاوز الشعارات كي تحدّد بصورة واضحة نظام الحكم الجديد الذي تسعى إلى تكريسه وإنجازه.

المجتمع المصري حائر ويعيش حالة من الاستقطاب الحاد، في حين يميل المواطنون العاديون إلى الانخراط والمشاركة في الشأن العام أكثر فأكثر، لكنهم يفعلون بذلك بطريقة مرتبكة. ربما تكون البونابارتية1  غير قابلة للتحقيق وهي غير مستدامة بالتأكيد. بيد أن هذا لايعني أن الديمقراطية ستظهر وكأنها البديل التلقائي. بدلاً من ذلك، من المرجّح أن يستمرّ الفراغ في السلطة وتسود فترة من عدم اليقين السياسي. وكانت الانتفاضة المصرية حتى الآن دليلاً واضحاً على شدّة الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستمرة، مايجعل مصر غير قابلة للحكم أكثر فأكثر. وبالتالي يجب تبنّي مقاربة هيكلية جديدة تماماً إذا كانت مصر ترغب في إقامة نظام سياسي ودولة ديمقراطية وفعّالة.

الدولة القديمة

من الصعوبة بمكان تحديد المعنى السياسي لمصطلح "الدولة القديمة" وذلك بسبب التحوّلات في السياسات في ظل الأنظمة المختلفة التي سادت خلال القرن الماضي وتغيّر الظروف الاقتصادية والمؤسّسية والاجتماعية والتاريخية. بيد أن دولة ما بعد العام 1952، على وجه الخصوص، ترفض الاستسلام. فقد أسهمت مؤسّساتها وقيمها وأنماط أدائها ومصالحها في جعل حقبة مابعد العام 1952 علامة بارزة في تاريخ التحديث بقيادة الدولة في مصر.

على الرغم من تحقيق بعض النجاحات التنموية الأولية، شهدت دولة ما بعد العام 1952 سلسلة من الهزائم بعيدة الأثر التي كشفت عن أوجه العجز والقصور الأساسية فيها. وعلى الرغم من أنه غالباً مايتم وصف هذه الدولة التي تعصف بها الأزمات بأنها مصر "الحديثة"، فإن بالإمكان أن يطلق عليها اسم "الدولة القديمة" لأنها أثبتت بسرعة أنها متخلفة، وتفتقر إلى القدرة على معالجة المشاكل وتقديم الحلول. كانت تلك الدولة في لبّ الانهيار السياسي في مصر خلال انتفاضة العام 2011.

على الرغم من أن الدولة القديمة تطورت مع مرور الوقت، إلا أنها احتفظت بثلاث سمات أساسية في هياكلها الدستورية والقانونية وسلوكها السياسي: النخبوية والمركزية، والوصاية الاستبدادية، والعنف.

النخبوية والمركزية

سيطرت نخب السلطة التي تجمّعت داخل المؤسّسات العسكرية والأمنية والإدارية على الدولة القديمة.

تاريخياً، وخلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، أبرمت النخب التي سيطرت على الاقتصاد المصري وكانت مسؤولة عموماً عن عملية تحديث الدولة، (مثل الطبقة الأرستقراطية والبرجوازية التجارية والصناعية وطبقة رجال الأعمال)، شراكة مع نخب الدولة ضمن زواج مصلحة. وعندما جاء جمال عبدالناصر والنخبة العسكرية إلى السلطة في العام 1952، تحوّل ميزان القوى لصالح نخب الدولة.

أنشأت الحكومة الجديدة نمطاً أبوياً للإنتاج بقيادة الدولة، الأمر الذي أعاق تطور فئات اجتماعية واعية وممكّنة وبنية طبقية واضحة المعالم. عمدت نخب الدولة إلى استمالة المؤسّسات السياسية أو الاجتماعية التي سعت إلى توضيح أو تمثيل رغبات ومصالح القاعدة الشعبية، وأدرجتها ضمن البنية القائمة التي تهيمن عليها النخبة بطريقة هرميّة مستخدمة نظاماً معقداً من السيطرة  الإدارية والقانونية، والترهيب والرصد من جانب أجهزة الشرطة، والمحسوبية والزبائنية. وفي النهاية كانت الغلبة من نصيب جماعات المصالح السياسية.

لم تكن الدولة "أخاً أكبر" توتاليتاريّاً. فقد كان هناك مجتمع مدني وهامش ضئيل من التمثيل السياسي الشعبي، ولاسيّما في ظل سياسة التحرير والانفتاح السياسي في عهد أنور السادات وحسني مبارك. غير أن المجتمع المدني كان تحت السيطرة على الدوام. إذ كانت الدولة هي الطرف الفاعل السياسي والاجتماعي المهيمن في البلاد. أما مشاريع التحديث التي لاتقودها الدولة فلم تكن، لكل الأسباب العملية، موجودة لأنه كان من المستحيل حشد الدعم الشعبي لها.

أما المصريون من أبناء الطبقة العليا، فقد حاولوا إمّا إيجاد وسائل للتأثير في الدولة واستغلالها بهدف تحقيق مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية، أو تقبّل استتباع الدولة لهم وتحييدهم إذا كان ذلك يلائم مصالحهم أكثر. وتصرّفت القوى التقليدية في المناطق الريفية وشبه الريفية، مثل المجموعات العائلية والعشائر والقبائل بصورة مماثلة. وكان النظام السياسي للدولة من الناحية العملية منتدىً لدمج هذه الفئات والجماعات وتوزيع المحسوبيات.

تطلّعت الفئات الضعيفة والدنيا إلى الدولة باعتبارها الطرف الأبوي الرئيس الذي يتبنّى الطرائق العصرية ويميل إلى تحقيق مصالح الجميع. ومنذ زمن عبدالناصر، لم تفكر حركات العمال أو الفلاحين الرئيسة في إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي الذي تقوده الدولة، بل ضغطت على الدولة كي تفي بواجباتها الأخلاقية والشعبية وإنجاز وعودها بتحقيق المساواة الاقتصادية.

الوصاية السلطوية

على الرغم من التغييرات التي شهدها النظام على مدى القرنين الماضيين، احتفظت الدولة القديمة بمكانتها في مصر بوصفها الوكيل الوحيد للتحديث الاجتماعي والاقتصادي والتقدّم، فضلاً عن مكانتها باعتبارها الحامية الحصرية للهويّة الوطنية المصرية. كانت الدولة وصيّة على المجتمع الذي كان متخلفاً ومتأخّراً ومشاكساً من دون تلك الوصاية.

قامت الدولة بتوجيه الاقتصاد بطريقة أبوية وبالشراكة مع القطاع الخاص عند الضرورة. وقد بدا ذلك جليّاً بصورة خاصة في ظل رأسمالية المحاباة الأوليغارشية في عهد مبارك.

في ظل هذه العلاقة غير المتوازنة بين الدولة والمجتمع، لم يسمح لمختلف القوى الاجتماعية والأطراف الفاعلة والجماعات والطبقات والهيئات بالتنافس على السلطة أو تمثيل مصالحها أو مطالبها أو رؤاها. إذ تمّ التغاضي عن التنوّع والتعدّدية في المصالح والرؤى وحتى الهويّات. منعت الدولة المنافسة السياسية والتعدّدية الفعّالة، من خلال إنكار حقوق التنظيم والتمثيل والمشاركة والتعبير المستقلة. وأدّى اعتماد عدد لا حصر له من الآليات القانونية والإدارية إلى منع النشاط الذي ربما كان الدستور سيسمح به من الناحية الشكلية.

بدلاً من ذلك، تولّى الجيش والبيروقراطية المدنية إدارة  الدولة والمجتمع. كانت بيروقراطية الدولة هذه فوق الصراعات الاجتماعية والطبقية (فوق السياسة في الواقع)، وكانت تملك التفويض الوطني اللازم لاتخاذ القرارات بشأن السياسات العامة باسم المصلحة الوطنية. وقد قامت نخب الدولة بتعريف وتحديد المصلحة الوطنية بصورة حصرية، حيث تصرّفت أخلاقياً وسياسياً بوصفها وصيّة على الناس. وقد نوّه القادة بثقافة مصر الأبوية ومبادئ وصاية الدولة ورعايتها لتبرير هذا النظام. كان "الشعب" مجرّد ضرورات للسياسات العامة للدولة. وكان هذا يعني، في الممارسة العملية، موت السياسة.

العنف

استخدمت مؤسّسات الدولة العنف لضبط المصريين. وقد تراوح العنف الذي لجأت إليه الدولة من القانوني إلى ما هو خارج نطاق القانون، وتم توظيفه في بعض الأحيان بحيث أدّى إلى نتائج فادحة. كما أثبتت الدولة عجزها عن حماية أرواح المواطنين المصريين، على سبيل المثال، في حالات الاضطرابات السياسية والاجتماعية، فضلاً عن العنف الرمزي الذي مورس ضدّ المرأة والأقليّات الدينية والعرقيّة (كالأقباط والبدو والنوبيين).

فشل الدولة القديمة اليوم

استمرت هذه السّمات الهيكلية الثلاث للدولة الاستبدادية المصرية الحديثة طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وتمّ تدوينها في الدساتير والقوانين. ولايقلّ أهمية عن ذلك أنه جرى الحفاظ على تلك السمات وحمايتها في الخيال السياسي لنخب الدولة والجماهير وفي عمليات صنع القرار.

كان من الممكن تبرير هذه الجرعة الزائدة من سلطوية الدولة فيما لو تمكّنت من تقديم انجازات كبيرة. فقد طوّر العديد من الأنظمة السلطوية في أجزاء أخرى من العالم بلدانها. بيد أن هذا لم يكن واقع الحال في مصر. كانت الدولة القديمة غير ديمقراطية وعاجزة عن تحقيق التنمية. وكانت سيادة القانون غائبة حتى وفق أبسط التعريفات المحافظة، ليس من حيث المحسوبية والتعسّف في تطبيق القانون وحسب، بل أيضاً من حيث تدنّي نوعية قدراتها التنظيمية. لم تنجز الدولة التنمية الاقتصادية المستدامة أو التصنيع الذي يولّد الثروة، ولم تكن هناك مؤسّسات مؤهّلة تابعة للدولة، فارتفعت معدّلات البطالة وانتشر الفقر وازدادت مشاعر انعدام الأمن الغذائي، وتفشّت الأنشطة القائمة على الريع، وتضخّم عجز الميزانية، كما تضخّمت الأحياء الحضرية الفقيرة ومدن الصفيح، وانهار النظام التعليمي. كان حجم الإهمال واضحاً في تدهور نوعية المرافق العامة وتوفير الخدمات الأساسية كذلك. بحلول نهاية حكم مبارك، احتلّت مصر مرتبة متدنية في تقارير التنمية البشرية التي تقيّم مستويات المعيشة ونوعية الحياة والحصول على الاحتياجات الأساسية مثل السكن والغذاء والتعليم والرعاية الصحية. كما توفّي الكثير من المصريين في حوادث المرور كل سنة بسبب تطبيق الحكومة السيئ لقوانين النقل.

كما أدّى تدهور قدرات الدولة التنظيمية إلى نمو الاقتصاد غير الرسمي وانتشار الخدمات غير الرسمية بما في ذلك السكن والنقل. وازدهرت التنظيمات الإسلامية بسبب الفراغ الناجم عن الخمول الاقتصادي للدولة، بيد أن الفراغ لم يوفّر فرصة لإنشاء مشاريع تنموية تقودها جهات غير حكومية. وطالما كانت الدولة تحتفظ بمؤسّساتها الأمنية القوية واحتكارها للقرارات الرئيسة المتعلّقة بالسياسات والموارد الاقتصادية، ولاسيّما أراضي الدولة والطاقة، فقد كانت على أتمّ الاستعداد لتحمّل هذه الظواهر غير الرسمية كصمّامات أمان لا أكثر. أخيراً، فشلت الدولة من حيث الكفاءة في معظم صراعاتها العسكرية مع خصومها طوال عمر مصر الحديثة.

قد تكون الدولة سلطوية، غير أنها عاجزة من الناحيتين الإدارية والتنظيمية.

جذور الانتفاضة

في الأغلب، صمدت الدولة القديمة التي تعاني من أزمة مزدوجة تتمثّل بالشرعية وعدم وجود إنجازات بسبب ضرورات صنع الحرب، ومن ثمَّ السلام، مع إسرائيل. وقد أصبحت محاربة الإسلام المتطرّف والعنيف في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي سبباً آخر لوجود الدولة التي تعصف بها الأزمات. وعندما هدأ التهديد الإسلامي الراديكالي في مصر بحلول العام 2000، بعد أن تم التوصّل إلى سلام مع إسرائيل قبل عقدين من الزمن، بدأت التعبئة السياسية ضد النظام بالتطّور بين عامي 2004 و2011.

كانت انتفاضة العام 2011 نتيجة تراكمية لعقد من الاحتجاجات ضد الدولة القديمة من جانب قطاعات مختلفة من السكان، بما في ذلك الحركات الشبابية والعمالية والتجمّعات السياسية غير الحزبية. كانت هذه الأطراف الفاعلة إما غير ممثّلة في الدولة أو لم تعد قادرة على تحمّل الظروف المعيشية المزرية ووطأة استبداد الدولة العاجزة والخاوية سياسياً. وقد انضم الكثيرون من أبناء الطبقة فوق المتوسطة، الذين أتيحت لهم، بفضل التعليم والعمل، فرصة الوصول إلى الأسواق الدولية، إلى الانتفاضة احتجاجاً على الفساد الحكومي وانعدام الشفافية والمساءلة لأن رأسمالية المحسوبية في مصر تشكّل تبديداً للموارد ولاتطوّر الاقتصاد أو تجعله قادراً على المنافسة.

كانت الاندفاعة الرئيسة لانتفاضة كانون الثاني/يناير تتعلّق بالحاجة إلى بعث الحياة السياسية المصرية وتجديدها بطريقة أعمق، أكثر منه بإنشاء نظام انتخابي مشروع. كان هدف الكثير من المصريين هو تفكيك الدولة القديمة التي استبعدت الغالبية العظمى من السكان من عملية اتّخاذ القرار، وهي الدولة التي يتم تحديدها بأنها تعني هيمنة المؤسّسات العسكرية والأمنية والنخب البيروقراطية والأوليغارشية الاقتصادية.

في ظل حكم مبارك، على وجه الخصوص، تحوّلت الدولة "الحديثة" السلطوية بصورة غير رسمية ولكن فعّالة إلى مجموعة من الإقطاعيات المختلفة. احتلت كل مؤسّسة حكومية مجال نفوذها الخاص، ووضعت قواعدها وأحكامها ووزعت مواردها بطريقة أوليغارشية بين موظفيها وزبائنها الذين كانوا يخضعون إلى المساءلة أمام قواعد ومؤسّسات إقطاعياتهم فقط. علاوة على ذلك، أصبح التوظيف والتعيين داخل هذه الإقطاعيات يعتمد أكثر فأكثر على القرابة والشبكات الشخصية. وشملت هذه الإقطاعيات الجيش والشرطة والمخابرات والقضاء والجهاز الإداري وشركات القطاع العام وكذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل طبقة رجال الأعمال والمنظمات الدينية الإسلامية والمسيحية. كانت السياسات العامة للدولة نتيجة عملية تسوية ومقايضة شكّلها توازن القوى والمصالح والتقسيم الفعّال للعمل بين مختلف هذه الإقطاعيات الحكومية وغير الحكومية.

تعدّ دولة الطوائف هذه محورية في تكوين فكرة عن سياسة الدولة المصرية وتحديد مفاهيمها في ظل حكم مبارك وحتى اليوم. ويشير مصطلح دولة الطوائف إلى نظام تعمل فيه مؤسّسات الدولة بوصفها طوائف نفعيّة منفصلة ومغلقة أكثر منها مؤسّسات للحكم في النظام السياسي الوطني. هذا النظام يذكرنا بسياسة دولة المماليك في مصر في القرن الثامن عشر قبل أن يؤسّس محمد علي الدولة الحديثة.2 في هذا السياق فقط، يمكن للمرء أن يفهم حقاّ المجمّع الصناعي - العسكري المصري، و"جمهورية الضباط "، والإمبراطورية الاقتصادية والعسكرية، التي تتكّون من استثمارات ضخمة في منتجات غير عسكرية وصناعات وخدمات قابلة للتداول، بالإضافة إلى التجارة في أراضي الدولة والسياحة ومرافق إنتاج الطاقة.3 

كانت قوة الشرطة هي الإقطاعية التي تتمتّع بالسلطة الأكثر اعتبارية وتميزاً. لم تكن مجرّد أداة قمعية في يد النظام، بل كانت هي الدولة أساساً بالنسبة إلى عامة الناس في مصر، لأنها كانت المؤسّسة الحكومية التي هم أكثر دراية ومعرفة بها. في عهد مبارك، وعندما كانت مسألة اللاتسييس وانعدام الكفاءة الإدارية في أسوأ حالاتها، وسُمح لأجهزة الشرطة بتولّي سلطة الحكومة في الأمور التي تتعلّق بأحوال الناس. وقد قامت الشرطة بذلك ليس فقط من حيث تطبيق القانون بل أيضاً من حيث إدارة شؤون الدولة وإدارة العلاقات الاجتماعية وتخصيص الموارد الاجتماعية والاقتصادية المحلية وتسوية النزاعات. وبما أن أجهزة الشرطة لم تكن تخضع إلى المساءلة أمام أي جهة، وكانت وحشية وسيئة في أداء وظائفها الاجتماعية والسياسية والإدارية، فقد استحقّت غضب قطاعات واسعة من السكان.

مع مرور الوقت، أصبح حجم الفساد والعشوائية والوحشية والقمع المرتبط بعمليات إدارة الشرطة لايطاق. وبالتالي، كانت انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011 الشعبية ضد النظام تعني عملياً استهداف مؤسّسة الشرطة وهدم مراكزها وإلحاق الهزيمة بقواتها في معارك الشوارع التي دارت آنذاك وإرغامها على الاستسلام المهين.

وباستثناء تفكيك المؤسّسات القديمة، كانت الانتفاضة ترمي إلى تحقيق أهداف إيديولوجية كبيرة. فقد هتف المتظاهرون من أجل العدالة الاجتماعية، وطالبوا بإحداث قطيعة تامة مع السياسات العامة المتبّعة بشأن تخصيص الموارد الاقتصادية وتوزيع الدخل من شأنها أن تصل إلى قلب الدولة القديمة ونظام الاقتصاد السياسي فيها.

طالب المتظاهرون بالحرية التي تعتبر مصطلحاً معقداً جداً في هذا السياق. وبطبيعة الحال فإن إجراء انتخابات حرة ونزيهة هو أحد مكوّنات هذه الحرية. غير أن الكثيرين ممن خرجوا إلى الشوارع فهموا الحرية أيضاً على أنها تعني القدرة على تحدّي السلطات، والضغط من أجل تحقيق مطالبهم، وفتح الفضاء العام، والتعبير عن ثقافتهم وقيمهم من دون خجل، والاحتجاج على تهميشهم وإقصائهم، وتحدّي الأفكار المسيطرة، والتشكيك في المحرّمات السياسية والاجتماعية والثقافية الوطنية، وتجربة العنف كوسيلة للتمرّد السياسي وإثبات الذات.

كانت الإشادة الحماسيّة بهذه المطالب من جماعات وأطراف فاعلة متنوّعة تتمسّك بإيديولوجيات وتوجّهات مختلفة، توحي بمزاج عام من الاستياء تجاه الدولة القديمة وهيمنتها الزاحفة على المجتمع. فقد كانت هناك أطراف فاعلة مختلفة تتوق إلى وجود دولة أكثر شمولاً ومساواة تقوم على عقود اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة. في هذا النظام السياسي الجديد، تساهم الجماهير في اتّخاذ القرارات الخاصة بالسياسات العامة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

تطلّب تحقيق هذه الأهداف إعادة بناء مؤسّسات الدولة عن طريق إعادة هيكلة العلاقات بين الدولة والمجتمع، وإعادة تشكيل مفهوم سيادة القانون، وإرساء الديمقراطية في الحياة العامة والمجتمع المدني في مواجهة القيود الرسمية والسلطوية، وتوفير الحماية للحريات العامة والخاصة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق المساواة، والتعدّدية الاجتماعية والسياسية، ودمج الأقلّيات والجماعات الهامشية في الدولة والحياة العامة. إذ من شأن هذه الدولة، في ظل الشرعية الديمقراطية غير المسبوقة التي تأسّست حديثاً، أن تكون أكثر قدرة، من الناحية النظرية، على وضع سياسات جديدة لخدمة شرائح واسعة من السكان، وتحسين مستويات المعيشة، ودفع عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي  تحسين الظروف المعيشية لغالبية المصريين. لم تكن هذه الأهداف قابلة للتحقيق في ظل الدولة القديمة.

بيد أن الظروف لم تكن مناسبة لإقامة هذه الدولة الجديدة. فقد كانت الجماهير الثورية الساخطة تعرف ماتكره ولكن لم تكن لديها فكرة واضحة عن البديل الذي تريده، ناهيك عن كيفية تحقيق ذلك. كانت الجماهير الثورية غير المنظمة المتجذّرة في حقبة "موت السياسة"، تفتقر إلى التنظيم والأموال والقيادة والبرامج السياسية اللازمة لتحويل أحلامها إلى بديل سياسي حقيقي يمكن إضفاء الطابع المؤسّسي عليه. بدلاً من ذلك، سعى الثوار إلى تحقيق الهدف الأسهل منالاً والمتمثّل بالتخلّص من مبارك نفسه. ولتحقيق هذا الهدف لجأ الثوار إلى تجربة داعمة حيث استعانوا بالجيش لإقصاء "قادة الدولة السيئين" وعزلهم. وكل ما عدا ذلك كان مستحيلاً نظراً إلى محدودية الموارد السياسية للمعارضة.

لم تكن الأطراف الفاعلة الوحيدة في البلاد التي تملك الموارد اللازمة - أطراف الدولة القديمة وعلى رأسها الجيش وجماعة الإخوان المسلمين - ترغب في تأسيس نظام سياسي ديمقراطي جديد. كانت أهدافها أكثر سلطوية. وبهدف تسريع تحقيق تلك الأهداف لم تكن بحاجة إلا لانتهاز الفرص والتقليل إلى أقصى حدّ ممكن من العراقيل التي أظهرتها الانتفاضة.

الإخوان المسلمون: فاصل غير ديمقراطي 

لعبت جماعة الإخوان المسلمين دوراً رئيساً في التعبئة الشعبية التي أسقطت مبارك على مدى ثمانية عشر يوماً من المظاهرات والاعتصامات في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2011. وقد قامت الجماعة باستنفار مواردها البشرية والسياسية ومواهبها اللوجستية لدعم الانتفاضة.

غير أن الإخوان لم يعملوا على تحقيق الأهداف الأوسع للثوار. ولم يكن النضال من أجل إقامة دولة ديمقراطية جديدة قضيتهم. والواقع أن المواقف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لجماعة الإخوان المسلمين تعني أن التنظيم منحاز في الأساس ضد فكرة إضفاء طابع ديمقراطي راديكالي على السياسة الوطنية.4 

إيديولوجية الإخوان المسلمين

بصورة عامة، يمكن القول إن مشروع الإخوان المسلمين يتمحور حول فكرة الخلاص الديني الفردي والجماعي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة المنكوبة بسبب عمليات التغريب والعلمنة، وفقاً لما يقوله الإخوان. وتهدف عملية التلقين الإيديولوجي الإسلامية المكثّفة التي تقوم بها جماعة الإخوان إلى تثقيف الأعضاء حول القيم الضرورية لاكتساب الهوية الإسلامية. والمقصود من هذه العملية هو أن تؤدّي إلى خلاصهم الفردي.

تعتبر السياسة أمراً أساسياً بالنسبة إلى إيديولوجية الإخوان المسلمين، باعتبارها تشكّل السياق الاجتماعي الذي يحكم أي خلاص فردي ممكن. ومن المعلوم أيضاً أن السياسة تمثّل جزءاً لايتجزّأ من الدين والنظام والرؤية والمنهج (منهجية التغيير) الإسلامي نفسه.

من أساسيات المشروع الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين الحلم النخبوي المتمثّل بإقامة "الدولة الإسلامية" التي من شأنها إحياء الخلافة الإسلامية، وإرشاد الإخوان لتحقيق هويتهم الإسلامية، وبالتالي خلاصهم وتمكينهم. ويتم تقديم الهوية الإسلامية باعتبارها مجموعة ثابتة من السمات الدينية الموروثة والميزات الثقافية الجوهرية التي يلزم أن تكون تحت حراسة الدولة الإسلامية. وفي موازاة ذلك، توظّف إيديولوجية الإخوان مفهوماً أكثر ديناميكية للهوية الإسلامية بوصفها مشروعاً حيوياً للثوابت السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي لم تؤسّسها الدولة الإسلامية بعد. صحيح أن المفهومين متناقضان، لكنهما يعنيان أن الدولة الإسلامية هي الممثّل الحقيقي للهوية الإسلامية، وأن لها دوراً رئيساً في حماية هذه الهوية وتشكيلها.

من الناحية العملية، تم تقليص الدولة الإسلامية إلى دولة تهيمن عليها جماعة الإخوان المسلمين تحديداً، والتي أصبحت مرادفاً للإسلام والهوية الإسلامية. إذ ينظر الإخوان إلى جماعتهم باعتبارها المثل الأعلى الذي يخلو من الأدران التي تلوّث المجتمع خارج الجماعة. وهذا يعني، في الممارسة العملية، أن جماعة الإخوان المسلمين هي في الأساس ملَّة ترسّخ علاقاتها ليس من خلال العقيدة الدينية وحسب، بل أيضاً من خلال التماس وتوسّل المصالح الاقتصادية المشتركة والروابط والعلاقات الاجتماعية والعائلية، وأنماط الحياة المشتركة والخبرات الشخصية.

كانت علاقة الإخوان المسلمين بالدولة الحديثة في مصر معقّدة. فقد سعت الدولة إلى تهميش الإخوان والحركات الإسلامية الأخرى، ومع ذلك ازدهرت هذه الحركات في أجواء الفراغ الاجتماعي الذي تسبّب فيه فشل الدولة القديمة وعجزها. فقد أدّى موت السياسة إلى جعل الدين وحده باعتباره حيلة يمكن اللجوء إليها لتحقيق الأهداف. ملأ الإخوان الفراغ الناجم عن موت السياسة وبنوا، بصورة تدريجية، رأس مال اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً كبيراً. 

بطبيعة الحال، لم يكن الإخوان محصّنين في مواجهة الفكرة المتأصّلة التي تقول إن الدولة المصرية - المؤسسة الأكثر حداثة وقوة في المجتمع - هي الجائزة الذهبية التي تستهدفها كل حركة إيديولوجية وسياسية من أجل تحقيق أهدافها وجعل أحلامها عن مصر حقيقة واقعة. ولعلّ هذا يشكّل سبباً آخر في كون الدولة الإسلامية السلطوية محورية لمشروع الإخوان.

وبالتالي فقد أصبح الاستيلاء على الدولة القديمة، بسماتها الأساسية الثلاث المتمثّلة بالنخبوية والوصاية السلطوية والعنف الهيكلي، يشكّل الجوهر السياسي الحقيقي لخطط الإخوان المسلمين. كان الاستيلاء على الدولة القديمة، من موقع قيادي، ضرورياً لتنفيذ المشروع الإيديولوجي للإخوان المسلمين الذي يركّز على الهوية. وكان إحداث تحوّل ما في توجّهات النخبة هو ما يحتاجه الإخوان كي يحظوا بوضع مهيمن داخل الدولة القديمة الموروثة، والتي كانوا يأملون في تحويلها إلى دولة إسلامية بديلة بمجرّد أن يوطّدوا سلطتهم.

بعد سقوط مبارك، وحتى قبل ذلك، بذل الإخوان وإسلاميون معتدلون آخرون، الكثير من الجهود للتكيّف مع متطلّبات الديمقراطية الانتخابية. بيد أن هذه الجهود اقتصرت في الغالب على الإجراءات والآليات الانتخابية. ولم ينفذ فهمهم للديمقراطية إلى العمق الإيديولوجي لمواقف الإخوان الدينية والسياسية، والتي لاتزال تمارس التمييز ضد غير المسلمين والمسلمين العلمانيين والمرأة.فالمفاهيم الدينية للدولة الإسلامية لاتزال محورية في الرؤية السياسية لجماعة الإخوان المسلمين .

الإخوان والانتفاضة

في السنوات العشر التي سبقت إطاحة مبارك، أحجمت جماعة الإخوان المسلمين عن المشاركة في الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات كي لاتكون هدفاً لقمع النظام. ولايقلّ أهمية عن ذلك أن تنصّل جماعة الإخوان من الثورة كان يمثّل دليلاً على عقليتها السياسية، والتي كانت ومازالت إصلاحية في أحسن الأحوال ومحافظة في أسوأ الأحوال. فالإخوان لايشجعون الاضطرابات الثورية أو سياسة المواجهة التي تعرقل مشروعهم التدرّجي طويل الأمد.

ومع ذلك، وفرت انتفاضة العام 2011 وإطاحة نظام الشرطة القمعي التابع لمبارك جماعة الإخوان فرصة ذهبية لكسب الاعتراف والشرعية، والحق بالمشاركة في النظام السياسي. رأى الإخوان فرصة للفوز بموطئ قدم أساسي في داخل المؤسّسات السياسية وومؤسّسات الدولة الجديدة في البلاد، وضمان الحصول على دور مهيمن في تشكيل الملامح الرئيسة للنظام السياسي في مرحلة ما بعد مبارك. وهذا من شأنه أن يسمح لهم بتكييف النظام بما يتناسب مع أهدافهم الإيديولوجية والسياسية.

بيد أنّ الانتفاضة الثورية المستمرّة هدّدت بدفع هيمنة الإخوان المتزايدة على المعارضة والسياسة الدينية إلى التآكل. وبالتالي عملت جماعة الإخوان بهمّة لوقف سيل الاحتجاجات الثورية في مصر في أعقاب إطاحة مبارك، كاشفة عن عدائها لأي أجندة ديمقراطية اجتماعية - اقتصادية وتشاركية. تعاون الإخوان مع الجيش لبناء ديمقراطية إجرائية محافظة تكون في صالح الإخوان سياسياً وتوقف موجة التطرّف السياسي.

بعد سقوط مبارك، تقاطعت مؤسّسات الدولة القديمة والإسلاميون والولايات المتحدة في ذلك المنعطف الحاسم للسماح للإخوان المسلمين بالاستيلاء على السلطة. اعتمدت مؤسّسات الدولة السلطوية القديمة، وعلى رأسها الجيش، على الانتفاضة للتخلّص من منافس واحد على السلطة. وقضت على احتمال أن يصبح نجل حسني مبارك، جمال، رئيساً لأنها اعتبرت أن هذه الخلافة تشكّل تهديداً لأسس الدولة واستقرارها والتي تقوم على وصاية الجيش وأسبقية البيروقراطية. وفي الوقت نفسه، سعى الجيش، الذي وجد نفسه في مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية، إلى الاحتفاظ بموقعه المهيمن على الدولة  وبمصالحه الأوليغارشية التي تمتدّ على مدى عقود من خلال عقد شراكة مع قوة سياسية مدنية محافظة في المجال الانتخابي، أي جماعة الإخوان المسلمين.

وظّف الإسلاميون، وعلى رأسهم الإخوان، مزاياهم التفاضلية الانتخابية النسبية للحصول على عدد وافر من الأصوات. وقد وفّر ذلك للإخوان نقطة يمكنهم الانطلاق منها لتنفيذ مشروعهم الإيديولوجي السلطوي التدريجي طويل الأمد لبناء دولة إسلامية. وتطلّب هذا المشروع وضع حدّ للتعدّدية والتنوّع في المجتمع والثقافة المصرية، لأنه كان يتطلّب أن تفرض الدولة بالقوة مفهوم الإخوان المسلمين في السياسة والثقافة والقانون والأخلاق والتقاليد في المجتمع.

استثمرت الولايات المتحدة، الطرف الأساسي الأخير، في الفكرة القائلة إن الحركات المعتدلة في الإسلام السياسي لابدّ أن تكون جزءاً أساسياً من الديمقراطية الانتخابية في الشرق الأوسط، بسبب كفاءتها التنظيمية وتماسكها، أو لأن الإسلاميين المعتدلين، من وجهة نظر بعض صنّاع السياسة الأميركيين على الأقل، يمثّلون "الثقافة الأصيلة" للسكان المسلمين في الشرق الأوسط. وبناءً على ذلك، فإن مجيئهم إلى السلطة سيضفي الشرعية على الأنظمة السياسية الجديدة، وبالتالي يضمن الاستقرار السياسي.

وفقاً لهذه الحجّة، أظهرت الحركات الإسلامية المعتدلة قدراً ملحوظا من ضبط النفس عندما كان   الأمر يتعلّق بالمصالح الغربية وأبدت التزامها بالعملية الديمقراطية. وبوصفها قوى تسعى إلى تحقيق الاستقرار، يمكن لهذه الحركات الإسلامية المعتدلة حماية المصالح الاستراتيجية الغربية مثل أمن النفط وأمن إسرائيل. كما يمكن للإسلاميين المعتدلين في السلطة الحيلولة دون انتشار الإسلاميين المتطرّفين واحتواء الجاذبية الإيديولوجية لهذا التطرّف. وبعبارة أخرى، رحّب صنّاع السياسة الغربيون بما كانوا يعتقدون أنها ستكون ديمقراطيات إجرائية جديدة وأليفة، تهيمن عليها انتصارات الإسلاميين الانتخابية، باعتبارها أفضل ضامن للوضع الاستراتيجي والاقتصادي القائم على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

كان تقاطع هذه القوى كافياً لضمان دخول الإخوان إلى البرلمان، من خلال حزب الحرية والعدالة في أواخر العام 2011، وأن يصبح محمد مرسي المدعوم من الإخوان، رئيساً للبلاد في حزيران/يونيو 2012. ومع ذلك، لم يكن الدعم الذي حظي به الإسلاميون ساحقاً، ولم يتمكنوا من الاستئثار بالانتخابات الرئاسية في مصر. ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، لم يحصل مرسي سوى على نسبة 24.8 في المئة من الأصوات، حيث صوّت بقية الناخبين للمرشحين غير الإسلاميين بمن فيهم المتنافسون من تيار مبارك والثوار والمحافظون.6  في الجولة الثانية، تضاعف عدد الأصوات التي حصل عليها مرسي، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى دعم الثوار والديمقراطيين الذين كانوا يشعرون بالقلق من خصمه الذي ينتمي إلى تيار مبارك، أحمد شفيق، بالإضافة إلى أنصاره الإسلاميين في الجولة الأولى. لكنه لم يفز إلا بنسبة 51 في المئة من الأصوات.

مع حصول مرسي على 5.7 مليون من أصوات الإسلاميين في الجولة الأولى، أصبح ينظر إلى الإسلاميين باعتبارهم قوة انتخابية قوية. ولكن هذا لايعني أنهم مسيطرون أو أنهم سيستأثرون بالأصوات في المستقبل، ولاسيّما في ضوء سجّل الإخوان في السلطة.

الإخوان المسلمون في السلطة

أشاح الإخوان بوجوههم عندما كان الأمر يتعلّق بالانتقال السياسي والاقتصادي الديمقراطي. عمد الإخوان المسلمون، على نحو يتجاوز الإهمال، إلى استرضاء أصحاب المصالح القديمة وانتقدوا حركات الاحتجاج خلال الفترة الانتقالية بين عامي 2011-2012. كان النظام السياسي لجماعة الإخوان المسلمين ببساطة زعامة قديمة بأثواب جديدة. كان نظامهم ديمقراطياً بمعنى أن هناك منافسة انتخابية مفتوحة حرّة ونزيهة نسبياً.7غير أن الانتخابات كانت الصيغة الشرعية الوحيدة للمشاركة السياسية الشعبية.

الديمقراطية الانتخابية8 

وضعت جماعة الإخوان المسلمين، بالتعاون مع الجيش، دستوراً جديداً في العام 2012 قوبل بانتقادات شديدة من جانب غير الإسلاميين في البلاد. استبعد الإخوان القوى غير الإسلامية من عملية صياغة الدستور، لكن الأمر الأكثر خطورة هو أن الدستور تضمّن أحكاماً سلطوية بشأن قضايا العلاقة بين السلطتين المدنية والعسكرية، ونظام الحكم، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والحريات المدنية، وعلاقة الدين بالدولة. ولم يقدم دستور العام 2012 ضوابط وتوازنات رقابية كافية، حيث وضع الكثير من القيود المعقّدة على عمل البرلمان المنتخب الذي تم تجريده من السلطة دستورياً مقابل الرئيس ومؤسّسات الدولة الأخرى. أما المؤسّسات العامة المسؤولة عن الرقابة والتدقيق فقد خضعت إلى سيطرة الرئيس. وعلاوة على ذلك، جعلت الوثيقة الدستورية العديد من إقطاعيات الدولة الرئيسة محصّنة وفوق النقد حتى من جانب المؤسّسات المنتخبة. ونتيجة لذلك، لم تكن النتائج الانتخابية تعني الكثير، بغضّ النظر عن حجم الموارد العامة التي تم استثمارها فيها، عندما تعلّق الأمر بتغيير السياسات الفعلية. وبالتالي فقد تم ترسيخ السلطوية الانتخابية، أو الديمقراطية الانتخابية في مصر.

هذه العملية السياسية لم تولِ الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية قدراً كبيراً من الاهتمام. أما القوانين السلطوية القديمة المتعلّقة بهذه الحقوق فهي إما جرى الإبقاء عليها عن طريق العملية التي قام بها الإخوان والجيش، أو حلّت محلها قوانين جديدة لاتقل استبداداً. وشملت الأمثلة على ذلك مشاريع قوانين جديدة قدّمها الإخوان المسلمون، في عهد حكومة مرسي، بشأن المظاهرات والجمعيات الاجتماعية والنقابات والمعلومات واستقلالية وسائل الإعلام والسلطة القضائية. وقد تم الإبقاء على القيود الدستورية والقانونية والسياسية القديمة بشأن الاحتجاجات التي تهدف إلى إجراء تغييرات جذرية في السياسة والاقتصاد المصري، بما في ذلك النقابات والجمعيات المهنية ومنظمات حقوق الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، تم إضافة ضوابط جديدة، مثل دعاية الإخوان المسلمين المهينة ضد هذه الحركات، والتي وصفت بأنها "مثيرة للانقسام"، وأنانية ونفعية (فئوية باللغة السياسية المصرية)، و"تآمرية"، و"مربكة للاقتصاد الوطني وتطوير مصر الجديدة".9  وقد دعمت نخب الدولة القديمة، وخاصة وسائل الإعلام التي يسيطر عليها رجال الأعمال، موقف الإخوان المسلمين في هذه المسائل.

كما تجاهل الإخوان المقترحات التي قدمتها مختلف منظمات حقوق الإنسان والنشطاء السياسيون لإعادة هيكلة الشرطة ووسائل الإعلام المملوكة للدولة، وإصلاح القضاء وجعله مستقلاً، وإضفاء الطابع الديمقراطي على البنية التحتية القانونية للمجتمع المدني. وقد جرى تهميش المقترحات القانونية التي تهدف إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات بين الدولة والمجتمع ( الهدف الأصلي لانتفاضة كانون الثاني/يناير 2011).

استهدفت حكومة الإخوان المسلمين النشطاء السياسيين، حيث لاحقهم المدعي العام الذي عيّنه مرسي ووزير الداخلية قضائياً. بدأت جماعة الإخوان دون من توقف باتباع سياسة بطيئة ولكنها مطّردة تمثّلت في تعيين أعضائها وأنصارها وزراء في الحكومة وفي مناصب في أجهزة الدولة التنفيذية والإدارية والبلدية والقضائية، والتي تعدّ فعّالة في التأثير على نتائج العملية الانتخابية في مصر.

شكّلت مراسيم مرسي الرئاسية التي صدرت يوم19  تشرين الثاني/نوفمبر 2012، أو الإعلان الدستوري، تدابير هامة. وفقاً لهذه المراسيم، لم يعد ممكناً من الناحية القانونية حلّ الجمعية التأسيسية التي يهيمن عليها الإخوان المسلمون، والتي كانت مسؤولة عن صياغة الدستور. كما حظي مجلس الشورى الذي يهيمن عليه الإخوان المسلمون في البرلمان بالحصانة نفسها وحاز سلطات تشريعية هي أصلاً من اختصاص مجلس النواب الذي تم حلّه بموجب حكم قضائي في أيار/مايو 2012. أخيراً تم عزل النائب العام في نظام مبارك (الأمر الذي كان هدفاً ثورياً متكرراً) في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 ليحلّ محلّه نائب عام عيّنه مرسي. وبالتالي، سيكون النائب العام الجديد تابعاً وخاضعاً إلى السلطة التنفيذية مثل سلفه. عند هذه النقطة، أصبح سعي الإخوان المسلمين إلى الهيمنة التامة أكثر من واضح.

لم يكن الإخوان راضين عن التدخّلات السياسية للسلطة القضائية بعد انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011، وهو مادفعهم إلى اقتراح تشريعات جديدة تهدف إلى إعادة هيكلة السلطة القضائية باسم الإصلاح. ولإحداث التغيير، ربما كان بوسع الإخوان طلب المساعدة من الفصائل الإصلاحية داخل المؤسّسة القضائية، وتهدئة مخاوف السياسيين غير الإسلاميين المشروعة من هيمنة الجماعة، عبر بناء إطار توافقي غير حزبي للإصلاحات المؤسّسية. لكن جماعة الإخوان المسلمين اختارت، بدلاً من ذلك، اتباع أساليب خرقاء وقاسية.

كان تقديم الإخوان مشروع قانون لخفض سن تقاعد القضاة في أوائل العام 2013 خطيراً بصورة استثنائية. إذ كان يمكن أن يؤدّي إلى إحالة ثلث أعضاء السلطة القضائية إلى التقاعد بين عشية وضحاها. اقترح بعض قادة الإخوان أن تتم ترقية 3 آلاف محامٍ من الجمعيات العمومية للمحاكم المصرية ليحلّوا محلّ المتقاعدين، في حين كان البقية يخشون من أن يكون هؤلاء من أعضاء جماعة الإخوان أو من ينوب عنهم.

كانت الضجّة في الأوساط القضائية والشعبية كافية لعرقلة ووقف مشروع الإخوان المسلمين، غير أن فقدان الصدقية والاستياء العام من أجندة الإخوان الرامية إلى فرض هيمنتهم كان قاطعاً ولايقبل الجدل. وبالتالي فإن وضع السياسات الخرقاء التي تفتقر إلى الحكمة، والمحاولات السابقة لأوانها لفرض الهيمنة أكسبت جماعة الإخوان المزيد من الأعداء العنيدين.

العنف

باستثناء الممارسات السياسية والتشريعية الفظّة، أبقت حكومة الإخوان المسلمين في عهد مرسي تقريباً على سياسات عهد مبارك على صعيد رأسمالية المحسوبية، والسياسات الريعية، والاعتماد على القروض الأجنبية، وإهمال الإصلاح الاقتصادي الهيكلي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة. علاوة على ذلك، وبالإضافة إلى كوارث العلاقات العامة، شاركت جماعة الإخوان المسلمين في نشر خطاب الكراهية ضد الآخر الديني والمذهبي والسياسي. فالإخوان إما ارتكبوا هذه الأفعال أو سكتوا عن الجناة الذين كانوا ينتمون إلى حركات إسلامية أكثر تطرّفا، ما أدّى إلى خلق مناخ يفضي إلى مزيد من الكراهية الطائفية والسياسية الميّالة إلى العنف.

وقد وقعت أحداث عنف بما فيها الهجمات التي قام بها الإخوان المسلمون على المتظاهرين في ميدان التحرير في تشرين الأول/أكتوبر 2012، والهجوم الذي شنّه الإخوان على خصومهم أمام قصر الرئاسة يوم 5 كانون الأول/ديسمبر 2012. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك حملات متكرّرة قام بها الإخوان المسلمون على المعارضة والمارّة خلال الاحتجاجات والمظاهرات التي هزّت البلاد في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2013. كما تم الإبلاغ عن هجمات طائفية ضد الأقباط والشيعة.

ابتداءً من تشرين الثاني/نوفمبر 2012 فصاعداً، كانت البلاد تنزلق، وسط هذا الجو من الاستقطاب السياسي والاجتماعي الشديد، إلى صراع أهلي منخفض الحدّة لكنه ثابت على محاور مختلفة من المواجهة، حيث يقف الإخوان المسلمون ضد المعارضة، والإخوان ضد عامة الناس، والإسلاميون ضد الشيعة، والإسلاميون ضد الأقباط. وقد أدّى هذا الصراع إلى تخريب الاستقرار السياسي والاقتصاد والأمن.

استرضاء الدولة القديمة

حاولت جماعة الإخوان المسلمين أيضاً استرضاء مؤسّسات الدولة القديمة وأصحاب المصالح فيها، وهو الأمر الذي اعتبرته ضرورياً لتحقيق هدفها على المدى الطويل بالتسلّل إلى الدولة والاستيلاء عليها في نهاية المطاف. حاول الإخوان تهدئة مؤسّسات الدولة القديمة من خلال إجراء تعديلات دستورية وتقديم حزمة من السياسات.

حصل الجيش على ما أراد من خلال طبيعة العلاقات غير المتوازنة بين السلطتين المدنية والعسكرية المبيّنة في دستور العام 2012. فقد استثنى الدستور الميزانية العسكرية من أي رقابة برلمانية، ما أدّى إلى تأمين الامبراطورية الاقتصادية للجيش. كما منحت مواد أخرى في دستور العام 2012 مجلس الدفاع الوطني، الذي يهيمن عليه الجيش، حق النقض في مسائل الحرب والسلام والأمن القومي. أخيراً، صادقت الوثيقة الدستورية على إجراء محاكمات عسكرية للمدنيين وأضفت الشرعية على المحاكم العسكرية باعتبارها مؤسّسة قضائية .

علاوة على ذلك، امتنعت حكومة مرسي، والبرلمان الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان المسلمين، عن تنفيذ أي مشاريع على صعيد العدالة الانتقالية، ما أثار استياء العديد من الحركات الثورية. وقد تم رفض مطالبات بإعادة هيكلة وزارة الداخلية ومساءلة قوة الشرطة عن الفظائع التي ارتكبت قبل وأثناء وبعد انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011، على الرغم من أن خطاب الإخوان كان يشير إلى عكس ذلك. كما ضاعفت حكومة مرسي ميزانية الشرطة وتملّقت كبار قادة الجيش والشرطة من حيث الترقيات والتعيينات في وزارة الداخلية (تم في الأغلب الإبقاء على الحرس القديم من دون أي مساس). وكمثال على ذلك، فقد كان خالد ثروت، الذي عينه مرسي كرئيس جديد لجهاز للأمن الوطني المصري ( وريث جهاز أمن الدولة سيئ السمعة)، يرأس قسم الأنشطة الدينية في جهاز مخابرات أمن الدولة في تسعينيات القرن الماضي.

منح مرسي المشير محمد حسين طنطاوي واللواء سامي حافظ عنان – أبرز قائدين عسكريين في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي حكم مصر بعد إطاحة مبارك مباشرة – أرفع الأوسمة الوطنية بعد أن تم عزلهما من منصبيهما في آب/أغسطس 2012. وقد أرسل هذا التقدير رسالة محبطة إلى الشعب المصري. لم يجرِ الحديث عن تقديمهم إلى العدالة على خلفية مقتل نحو 200 شخص حين كان المجلس العسكري في السلطة. لا بل إن التعديلات التي أجراها مرسي في قيادة المجلس العسكري، والتي أشادت بها في البداية وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان باعتبارها تعني "نهاية الحكم العسكري"، جرى تنفيذها بوضوح بالتنسيق مع المؤسّسة العسكرية وقادة من الصف الثاني في المجلس العسكري.10  امتنع الإخوان أيضاً عن اتّخاذ أي خطوات جادّة لإعادة هيكلة إجراءات التوظيف والاستخدام والترقية في مؤسّسات الدولة. والواقع أن هدفهم كان الحفاظ على النظام القائم بينما يقومون بتثبيت أشخاص من جماعتهم داخله بصورة تدريجية.

حاولت حكومة الإخوان المسلمين أيضاً استيعاب طبقة رجال الأعمال القديمة. فقد واصلت جماعة الإخوان انتهاج سياسات عهد مبارك الاقتصادية وأعلنت عن عدم رغبتها في إجراء تغيير كبير في سياسات الأجور والضرائب والإنفاق العام والسياسات المالية. وكانت أيضاً مستعدّة لتطبيع العلاقات مع رجال الأعمال المتّهمين بالفساد من عهد مبارك. ومهّدت إيديولوجية وأنشطة جماعة الإخوان المؤيدة لحرية السوق والنزعة الاستهلاكية الطريق لهذه السياسة الاقتصادية. والواقع أن أعضاء في جماعة الإخوان قالوا إنهم يعتقدون أن السياسات الاقتصادية التي كانت متّبعة في عهد مبارك يمكن أن تكون ناجحة إذا ما طبّقها قادة غير فاسدين مثل الإخوان أنفسهم.

على الرغم من خطابها الإسلامي الشعبوي، فقد استسلمت حكومة مرسي في مواجهة للماضي.

سقوط الإخوان المسلمين

لم يأت أي من هذه التكتيكات بنتيجة ولم يكن فعّالاً. وبحلول العام 2013، كان نظام الإخوان قد استحقَّ غضب الحركات الثورية المؤيدة للديمقراطية والكثير من عامة الناس. فشلت محاولات النظام لاستيعاب مؤسّسات وشبكات الدولة القديمة فشلاً ذريعاً، ولم تطلق جماعة الإخوان الحركة لإقامة تحالف سياسي واجتماعي يميني محافظ وواسع.

كان هذا الفشل الكبير جوهرياً بصورة خطيره لأن الدولة القديمة غيّرت ولاءاتها بعد فترة تجريبية أولية. فقد رفضت النخب القديمة مساعي وعروض الإخوان المسلمين لإقامة شراكة وتعاون معها، وبدلاً من ذلك ألقت بثقلها وراء المعارضة، واستفادت من الاحتجاجات الشعبية المناهضة لجماعة الإخوان المسلمين التي بلغت ذروتها في مظاهرات حزيران/يونيو 2013.

ثمّة عاملان رئيسان يقفان خلف هذا الفشل. أولاً، لم ينجح الإخوان المسلمون في تشكيل تحالفات سياسية، حتى بشأن القضايا المثيرة للخلافات. وقد تجلّى ذلك عندما لم يتمكّنوا من استمالة الحركات السياسية غير الإسلامية ومؤسّسات الدولة خلال عملية صياغة دستور العام 2012، وتشكيل حكومة مرسي، وتشكيل تحالفات انتخابية في انتخابات العام 2011 البرلمانية.

ثانياً، الخصائص الإيديولوجية والتنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين جعلتهم شركاء مزعجين لمؤسّسات الدولة القديمة. وباعتبارها ملّة اجتماعية ودينية، لم تكن حركة الإخوان المسلمين سهلة المنال أو جامعة للشركاء والعملاء. فمسألة التجنيد ونيل العضوية فيها عملية طويلة من التأهيل الإيديولوجي والالتزام الاجتماعي والتماهي مع الجماعة باعتبارها العائلة الكبيرة للإخوان المسلمين. وبالتالي فإن تماهي الإخوان مع عملاء شبكات المحسوبية التابعة للدولة القديمة محدود إلى حدّ ما. لذا لم تتمكن جماعة الإخوان من خلال حزب الحرية والعدالة أن تكون بديلاً عملياً للحزب الحاكم في نظام مبارك الذي وحّد مؤسسات الدولة، والعائلات البارزة والوجهاء، وشبكات المحسوبية.

كان من المفهوم أن تكون جماعة مركزية الذات ومغلقة مثل الإخوان المسلمين، وذات إيديولوجية شمولية تتعلّق بإقامة "الدولة الإسلامية الجديدة"، مشبوهة في نظر شركائها المفترضين في السلطة، ومؤسّسات الدولة القديمة من جيش وشرطة وقضاء وجهاز إداري. كان شبح تسلّل جماعة الإخوان إلى الدولة يؤرّق هذه المؤسّسات. كما كانت مؤسّسات الدولة والسياسيون القلقون من غير الإسلاميين وعامة الناس ينظرون إلى محاولة جماعة الإخوان تشكيل طبقة سياسية حاكمة جديدة، يقودها تحالف مع مؤسّسات الدولة القديمة، باعتباره غزواً وإخضاعاً إخوانياً للدولة. وأدّى إرث عقود طويلة من معاداة الإسلام السياسي في مؤسّسات الدولة القديمة، بالإضافة إلى وجهات النظر المتباينة والخلافات حول مفاهيم المصلحة الوطنية والأمن القومي والوحدة الوطنية، إلى جعل قيام شراكة بين الإخوان المسلمين والدولة القديمة أمراً غير قابل للتحقيق. ولذا قرّرت قوى الدولة القديمة التحرّك ضد نظام الإخوان المسلمين ليس بسبب كراهيتهم لمشروع الإخوان الإصلاحي للتغيير. بل رأت تلك القوى أن جشع الإخوان المفرط يثبت فشلهم المطلق في استمالة الشركاء واستيعاب الدولة القديمة بطريقة مرضية.

كان الإخوان جشعين جداً ومتهوّرين في إثبات وجودهم سياسياً. لم تكن هيمنتهم على البرلمان كافية، بل اعتبروا أنه  لاغنى عن الرئاسة لتأمين مشروعهم للحكم، وهو ما يعدّ أمراً مفهوماً نظراً إلى الدور التاريخي الهام للرئيس باعتباره صاحب الأمر والنهي في النظام السياسي المصري. بيد أن طرح مرشح للرئاسة كان قراراً تعوزه الحكمة. فقد أثار مخاوف مؤسّسات الدولة والمعارضة غير الإسلامية، وبالتالي أجهض أي مساعٍ لاسترضاء الدولة أو إقامة شراكة معها. لم تكن هذه الخطوة حكيمة ولاسيّما بالنظر إلى اختلال توازن القوى بين الإخوان وإقطاعيات الدولة، وبصورة رئيسة الجيش والشرطة والقضاء والجهاز الإداري. وبهذا فقد أعاق الإخوان في الواقع عملية صنع نسخة جديدة وفعّالة من السلطوية.

وبما أن الجيش والشرطة والقضاء يقفون إلى جانبها، فقد استطاعت الدولة القديمة أن ترهق الإخوان. ومع ذلك، كانت مثل هذه الخطوة بحاجة إلى الدعم الشعبي ودعم من الأطراف الفاعلة الرئيسة غير الحكومية، مثل طبقة رجال الأعمال ووسائل الإعلام الخاصة والنخب السياسية، والمؤسّسات الدينية الوطنية المرموقة (الأزهر والكنيسة القبطية)، والحركات الثورية. وفي نهاية المطاف، تمكّنت الدولة القديمة من تأمين هذا الدعم وذلك بفضل سياسة الإخوان في  تنفير جميع الأطراف الفاعلة الأخرى.

بطبيعة الحال، كان نظام الإخوان يحظى بدعم سياسي لدى قطاعات كبيرة من السكان. وشملت هذه القطاعات الناخبين الإسلاميين الذين تماهوا مع النظام فكرياً، إضافة إلى الذين تسامحوا مع أخطاء مرسي المؤكّدة وعدم كفاءته باسم حماية "الديمقراطية الانتخابية" الوليدة في مصر. فقد عبّرت شرائح واسعة من السكان عن غضبها تجاه فشل سياسات حكومة مرسي الاقتصادية وعدم تحقيق أي تقدم بشأن التضخم، فضلاً عن انخفاض مستويات المعيشة، وتدهور نوعية الخدمات العامة، والأزمات اليومية في قطاعات الطاقة والكهرباء والوقود.

على الرغم من أن الكثير من هذه المشاكل كانت هيكلية ونشأت نتيجة عقود من فشل الحكومة على صعيد التنمية، فقد أُنْحِيَ باللائمة على نظام الإخوان لأنه كان على رأس السلطة. ولم تسعف الإخوان حقيقة أن دعايتهم الانتخابية المبالغ فيها زعمت بأن "مشروع النهضة" سيحقّق تقدماً فورياً لمصر، مارفع من حجم التوقّعات.11

وهناك مصدر آخر لاستياء الرأي العام تمثّل في أن دخول الإخوان إلى السلطة كان إيذاناً باستيلاء جماعة سرّية ومغلقة تشبه المافيا على البلاد، ولها امتدادات إقليمية وداخلية ملتوية ومشبوهة. كان ذلك أمراً مشيناً ومعيباً في نظر جمهور مشبع بالموروثات الكلاسيكية عن الكبرياء والهوية الوطنية. أخيراً، بدا الكثيرون من أبناء الطبقتين المتوسطة والأرستقراطية الحضرية المصرية في مصر مشمئزّين مما اعتبروه تهديداً لأسلوب حياتهم ومحاولة لتقييد حرياتهم في إطار مشروع الأسلمة القسرية طويل الأمد.

وكنوع من ردّ الفعل على استياء الرأي العام منه وازدياد عزلته، لجأ نظام الإخوان المترنّح إلى زبائنه الإيديولوجيين الرئيسيين وقاعدته السياسية المتمثّلة بالكتلة الإسلامية، بما في ذلك الفصائل الإسلامية الأكثر رجعية، مثل السلفيين والجهاديين. بدأت جماعة الإخوان باستخدام الخطاب الإسلامي العدواني والهجومي والمتطرّف، وشنّت حرباً زائفة من منصّات مظاهرات الإسلاميين. أدّى هذا الخطاب المتطرّف، بالإضافة إلى حوادث العنف الجسدي ضد المعارضين السياسيين والأقليّات الدينية والطائفية، إلى زعزعة الاستقرار السياسي وإلى الاستقطاب الاجتماعي وعدم الاستقرار الاقتصادي.

لو تم تقديم التنازلات الهامة في الوقت المناسب (مثل تغيير حكومة هشام قنديل غير الفعّالة، أو استبدال النائب العام الذي عينه مرسي بآخر جديد ومستقل، أو إصلاح القوانين الانتخابية) لأمكنها اجتثاث حالة التطرّف في الوضع القائم. بيد أن جماعة الإخوان التي تخادع نفسها وغير المدركة للأثر الكامل للاستقطاب والتعبئة، والوفيّة لعقلية الفوز على حساب الآخرين التي صاغتها الإيديولوجيا، رفضت كل دعوات المحاورين المحليين والدوليين للتسوية والمصالحة. والواقع أن حشد الكتلة الإسلامية خلف مرسي على أسس إيديولوجية جعل هذه التسويات والتنازلات غير جذّابة، وبالتالي غير قابلة للتحقيق في أوساط القاعدة الشعبية الإسلامية.

صمد نظام الإخوان العنيد والمتصلّب إلى أن نزلت الجماهير إلى الشوارع بأعداد كبيرة جداً في 30 حزيران/يونيو 2013، في تحدّ للنظام مطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. كان هذا التحوّل مؤشراً على انتهاء حكم مرسي. قام الجيش بانقلاب في 3 تموز/يوليو، واستولى على السلطة لاحتواء موجة الاحتجاجات الشعبية المعادية لمرسي.

صوّر الإخوان، المسكونون بهاجس الشهادة الأبدية، إقصاءهم من السلطة على أنه نتيجة لمؤامرة دبّرها أصحاب المصالح في نظام مبارك وقادها انقلاب عسكري ضد الإرادة الشعبية. ومع ذلك، فقد كان السقوط المفاجئ لجماعة الإخوان المسلمين في الواقع نتيجة لبنيتها الإيديولوجية والتنظيمية والسياسية التي جعلتها غير قادرة على التعامل مع الدولة القديمة، ويتّصل بطريقة بنّاءة بالأزمات والمطالب الاجتماعية والسياسية الوطنية الأوسع نطاقاً التي تسبّبت في زلزال كانون الثاني/يناير 2011. وعندما حانت لحظة الحقيقة، أدّى الخواء الفكري للإخوان، وندرة الكوادر القادرة، وتقديم الولاء على الكفاءة، ونقص الخبرة أو المعرفة بواقع الدولة والمجتمع المصري إلى جعلهم غير قادرين على التصرّف كقوة تغيير في بيئة عنيدة ومتمردّة. ففي مصر ما بعد العام 2011، لن يكون التغيير ذا مغزى إلا إذا كان شاملاً وعميقاً.

وماذا بعد؟

لم يكن أمام القوات المسلحة من خيار لتجنّب نشوب صراع أهلي على نطاق أوسع أو النتيجة الأكثر احتمالاً للسياسة الثورية الراديكالية التي لايمكن السيطرة عليها والتي من شأنها أن تمزّق الدولة القديمة، سوى احتواء الحركة الجماهيرية، وبناء عملية سياسية جديدة للثورة المضادة. ويفترض أن تنجز العملية الجديدة ما فشلت العملية المنهارة في القيام به. إذ سيحدّد نجاح هذه العملية الثانية من الثورة المضادة، بالإضافة إلى مسار الإسلاميين، شكل تطور مصر.

مستقبل الإسلاميين

كانت المظاهرات الحاشدة التي انطلقت في 30 حزيران/يونيو والتي كانت أكبر الاحتجاجات الجماهيرية المناهضة للإسلاميين في تاريخ مصر، إيذاناً بنهاية مشروع هيمنة الإسلام السياسي. وبطبيعة الحال، فإن هذا لايعني نهاية الحركات الإسلامية في مصر. إذ ستبقى هذه الحركات، إذا تم إعادة دمجها، أطرافاً فاعلة سياسية واجتماعية رئيسة ولها دوائر انتخابية معترف بها وقدرات لايستهان بها في أي سباق انتخابي تنافسي وفي ميزان القوى السياسي في مصر. غير أن احتجاجات حزيران/يونيو شهدت نهاية محاولة السيطرة على الدولة والحياة العامة كجزء من الهدف الأوسع المتمثّل بوراثة الدولة القديمة وبناء دولة إسلامية يسيطر عليها الإسلاميون، سواء من خلال صناديق الاقتراع أو عبر استخدام القوة.

يمكن للحركات الإسلامية أن تحافظ على عنادها السياسي والإيديولوجي من خلال المشاركة في سياسة الاحتجاج التي تهدف إلى نزع الشرعية عن النظام الحالي في مصر وزعزعته. وقد اختارت جماعة الإخوان المسلمين وشركاؤها الإسلاميون هذا المسار، ويميل فكر الإسلاميين وأسلوبهم التنظيمي إلى تبنّي هذا الخيار المثير للجدل في مجال السياسات.

ومع ذلك مازال بوسع الإسلاميين، من الناحية النظرية، الوصول إلى اتفاق مع الحكومة المؤقّتة والمؤسّسات العسكرية ليتم ضمّهم إلى النظام الجديد، وبالتالي إنهاء الاحتجاجات الحالية وتحقيق الاستقرار السياسي. وللوصول إلى مثل هذا الاتفاق، سيكون لزاماً عليهم الموافقة على شروط النظام الجديد في هذا الشأن، حيث يجب أن تتوقف المظاهرات. ولن تكون أي محاولات للهيمنة من جانب الإسلاميين مقبولة. ويجب قطع العلاقات بين حزب الحرية والعدالة وجمعية الإخوان المسلمين المغلقة والمبهمة بصورة فعلية، لا في الخطاب وحسب. ولم يعد بمقدور الإخوان أن يكونوا الطرف الأكثر أهمية بين الأطراف السياسية المتساوية في المجالين السياسي والانتخابي. ويتعيّن عليهم الموافقة على تقديم قادتهم الرئيسيين إلى العدالة وطردهم من التنظيم. وعلى الإسلاميين احترام الخطوط الحمراء التي وضعها الجيش بشأن الأمن القومي والهوية المصرية. في المقابل، سيتم السماح بمشاركة جماعة الإخوان في السياسة والإفراج عن الكثير من أعضائها. من الناحية العملية، سيحوّل قبول هذه الشروط الإخوان إلى مجرّد شريك صغير للجيش في العملية السياسية الجديدة، وهو مايعتبر خفضاً كبيراً في منزلتهم إذا ما قورن بالعملية السياسية بين عامي 2011 و2013 عندما لم تكن الخطوط الحمراء محدّدة بصورة واضحة.

من الجائز أن توافق الدولة على مثل هذا الترتيب، لأن الإسلام قريب بالفعل من جهاز الدولة. فقد استخدمت مؤسّسات الدولة القديمة الإسلام في كثير من الأحيان لتبرير سياساتها، وتلاعبت بالإسلام والحركات السياسية الإسلامية لصالحها. وقد تربّى الفريق عبدالفتاح السيسي، قائد الجيش وأحد المرشّحين المحتملين للرئاسة، على هذا التقليد. علاوة على ذلك، تخوض الدولة حالياً حرباً على الإرهاب باسم الإسلام الوسطي الذي يمثّله الأزهر، المؤسسة الدينية الرائدة في البلاد، والدولة نفسها. ويعتبر الأزهر، بالإضافة إلى حزب النور السلفي، أحد الأطراف الفاعلة الرئيسة في خريطة الطريق الحالية التي يقودها الجيش. وتحرم مشاركة حزب النور في العملية السياسية الإخوان من جزء مهم من الدعاية المضادة للنظام، لأنه لايمكن وصف العملية السياسية الحالية بأنها معادية معادية للإسلاميين أو ذات هوية معادية للإسلام. وأعادت لجنة صياغة دستور ما بعد مرسي تأكيد المواد المتعلّقة بالهوية الإسلامية للدولة والمجتمع والقوانين والأسرة، كما حدّدت الوضع الرسمي للأزهر في الشؤون الإسلامية.

علاوة على ذلك، فإن براغماتية الدولة القديمة تعني أن القادة يدركون استحالة استبعاد الإسلاميين من الناحية العملية، نظراً إلى حجم قاعدة تأييدهم الاجتماعية، وبراعتهم الاقتصادية وقدراتهم التنظيمية، وعلاقاتهم الإقليمية والدولية. ويمكن للإسلاميين أن يفسدوا أي عملية سياسية في مصر إن لم تكن تشملهم. كما يساعد ضمّ الحركات الإسلامية في الدولة على تحريك الحوار السياسي الوطني بعيداً عن التساؤلات الخطيرة حول إعادة تخصيص الموارد، والسياسات الاقتصادية الجديدة، والإصلاح المؤسّسي للدولة، لأن مناقشات الهوية المتقلّبة بين الإسلاميين والعلمانيين ستحتلّ مركز الصدارة. فالضم قد يعني نهاية عدم الاستقرار السياسي وبدء الانتعاش الاقتصادي كذلك.

ومع ذلك، أصبح الإسلاميون وأفراد الدولة القديمة الذين كانت تجمعهم أرضية مشتركة في السابق أكثر ميلاً في الوقت الراهن للقتال منهم إلى التوصّل إلى حل وسط. وسوف يعتمد التعاون على مدى مرونة الدولة القديمة، فضلاً عن استعداد الإخوان للتخلّي عن لعبة الفوز على حساب الآخرين وعقلية الصراع الوجودي لقبول شروط الإدماج التي يفرضها النظام، والتي ترقى إلى كونها استسلاماً سياسياً فعلياً. والأهم من ذلك أن الأولوية القصوى الحالية للإخوان هي الحفاظ على وحدتهم التنظيمية. وأفضل طريقة لتحقيق هذا تكمن في افتعال مواجهة وجودية مستقطبة مع النظام على أساس ثنائية إسلامية - علمانية، والتماس إيديولوجية التعبئة لدى الإسلاميين، وعقيدة الاستشهاد والمعاناة، الأمر الذي سيؤدّي إلى توحّد أنصار القاعدة الشعبية للإخوان خلف قيادتهم الحالية. كما أن عقد صفقة مع النظام الآن سيؤدّي إلى خلق بلبلة في صفوف هذه الجماهير، ويشقّ صفوف الأنصار، وينفّر الإسلاميين من غير الإخوان، ويتسبّب في فقدان قيادة الإخوان صدقيّتها في نظر أعضائها. وثمّة قضية مثيرة للجدل تتمثّل في مصير قادة الإخوان والناشطين الذين يقبعون في السجون حالياً. فقد أصبحت المصالحة أكثر صعوبة نظراً إلى الحملة الوحشية التي يقوم بها النظام ضد التنظيم، والتي خلّفت مئات القتلى وأدت إلى آلاف الاعتقالات غير القانونية خلال الأشهر القليلة الماضية. ومن الصعوبة بمكان الآن تسويق المصالحة لدى أنصار الإخوان المنهكين الذين يطلبون العدالة باسم الضحايا. علاوة على ذلك، إذا ما تمّت المصالحة بين الطرفين، فقد تشلّ الانشقاقات جماعة الإخوان، وقد يحاسب الأعضاء في نهاية المطاف قادتهم على أخطائهم الهائلة التي أسقطت نظام الإخوان. من ناحية أخرى، يثبت العداء للإسلاميين والرغبة في الانتقام في صفوف المؤسّسات الأمنية التابعة للنظام، بالإضافة إلى الاعتقاد بأن الوضع الحالي يوفّر فرصة ذهبية لتوجيه ضربة قاسية للإخوان، أن التفكير المتطرّف موجود لدى الطرفين.

وبالتالي فإن خيار المصالحة بين الإخوان والنظام مستبعد جداً في المستقبل القريب، لكنه ليس خارج البحث تماماً. وسيعتمد هذا الخيار على تصميم ومثابرة كلا الطرفين. فقد جعل الإخوان، رسمياً، عودة مرسي رئيساً للبلاد أحد أهدافهم، ومع أنهم قد يدركون بأن تحقيق مثل هذا الهدف مستحيل عملياً، فربما يعتقدون أن في وسعهم نزع الشرعية عن العملية السياسية الجديدة التي يقودها الجيش من خلال الاستمرار في الاحتجاج. وبوصفها تنظيماً لامركزياً، وبمساعدة من امتداداتها الإقليمية والدولية، تتمتّع جماعة الإخوان المسلمين بالمرونة الكافية لتنظيم احتجاجات فعّالة حتى مع وجود معظم قادتها الرئيسيين في السجن أو خارج مصر.

من المرجّح أن يحاول الإخوان الصمود إلى أن تتغيّر المواقف الشعبية بسبب سوء الإدارة السياسية والفشل الاقتصادي لنظام تصريف الأعمال. وإذا ما تغيّرت المواقف، عندها يمكن تحقيق المصالحة مع الجيش والدولة بشروط أفضل بكثير بالنسبة إلى الإخوان.12 

باستثناء المصالحة، قد يحاول الإخوان المسلمون أن يصبحوا طرفاً سياسياً واجتماعياً فاعلاً غير مهيمن من يمين الوسط يمكنه الدفاع عن أجندة ثقافية محافظة والحصول على نصيب من السلطة السياسية يتناسب مع حظوظه الانتخابية النسبية ضمن نظام من القواعد التوافقية وقيم الديمقراطية الليبرالية (وليس الجوانب الإجرائية للديمقراطية وحسب). ولكي يتم ذلك، يتعيّن على التنظيم إجراء تغييرات إيديولوجية وتنظيمية شاملة ومنتظمة، وهو الأمر الذي يبدو أن جماعة الإخوان الحالية غير مستعدة للقيام به. فطالما استمرّ الاستقطاب السياسي والمواجهة بين الاخوان المسلمين والدولة، ستحافظ جماعة الإخوان على بنيتها الإيديولوجية والتنظيمية الحالية.

تعاني جماعة الإخوان الآن من وضعٍ مرير. إذ لا بدّ أن تتم أي عملية مصالحة وفقاً لشروط النظام، وهو ما يعني استسلام التنظيم سياسياً واحتمال تفكّكه. ويمثّل خيار الإخوان المتبقي، مواصلة الاحتجاجات والمراهنة على زعزعة الاستقرار بصورة تكتيكية والأمل بحدوث تحوّل خارق في الأحداث يمكنه أن يوفّر مجالاً للعودة، بديلاً لحفظ ماء الوجه، حتى لو قام النظام بسحق التنظيم في نهاية المطاف. إذ إن ثقافة الإخوان الإيديولوجية في الاستشهاد والصبر والأمل الأبدي بالعودة مستقبلاً هي التي تشكّل موقفهم الذي يفضّل لعبة الفوز على حساب الآخرين الانتحارية هذه. لاتزال المصالحة مع النظام والدمج السياسي لجماعة الإخوان المسلمين كشريك صغير ممكناً على المدى الطويل، لكنها ستتطلّب وقتاً إضافياً واستسلاماً سياسياً واضحاً بشروط معينة من جانب الإخوان أنفسهم، وتغييراً في القيادة لدى الطرفين.

ومع ذلك، فإن جماعة الإخوان قادرة على النجاة من الهجمة التي يشنّها عليها النظام الحالي. ولكن في حال تم سحق التنظيم تماماً، يبقى هناك احتمالان أمام الإخوان. فقد يلجأون إلى السبات  والتركيز على الأنشطة الاجتماعية والدينية السرّية غير السياسية حتى تتهيّأ الظروف لإعادة بناء التنظيم. وكبديل، قد تتبع فصائل مختلفة من القاعدة الشعبية للإخوان مسارات عمل متعدّدة ومتباينة، بعضها بنّاء، والبعض الآخر ليس كذلك.

سيتم إدراج إسلاميين آخرين في عملية التعديل السياسي التي ستتم الآن في مصر. ويمكن أن تلعب جماعة الدعوة السلفية وجناحها السياسي، حزب النور، دوراً رئيساً لأنها كانت بالفعل قوىً بارزة ومؤثّرة في العملية الانتقالية في مرحلة مابعد مرسي. فقد قبل حزب النور قواعد اللعبة الجديدة التي وضعها النظام، وعملت بجدّ كي تكون البديل الإسلامي لجماعة الإخوان. ويمكن القول إنه يسعى لمحاكاة الاستراتيجية السلفية في باكستان، حيث عقدت الجماعات السلفية تحالفات مع الأجهزة العسكرية والأمنية بهدف الحفاظ على موطئ قدم لها في النظام وتأمين الحدّ الأدنى من المكاسب الاجتماعية والثقافية. ومع ذلك، يعاني حزب النور الآن من انعدام الصدقيّة الإيديولوجية في أوساط القاعدة الشعبية الإسلامية، التي تتهم أعضاءه بأنهم خونة طعنوا  "الرئيس الإسلامي" في الظهر. وسيتم اختبار قاعدة دعمه السياسي الفعلية في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وترتبط حظوظ الجماعات الإسلامية الأخرى الأصغر حجماً بلعبة الاحتواء والاستبعاد بين جماعة الإخوان والدولة. بيد أن كثيراً من الشباب الإسلاميين، الذين سئموا تكتيكات النظام ضد الإسلاميين ويشعرون بخيبة الأمل إزاء إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية (الأسلمة) عبر الديمقراطية الانتخابية، أصبحوا متطرّفين أكثر فأكثر تجاه السياسة الأكثر تعنّتاً وإثارة للجدل. وربما ينضم إليهم بعض أعضاء جماعة الإخوان إذا ما انهار هذا التنظيم تماماً.

قد يتخلّى إسلاميون آخرون، السلفيون والمحافظون بصورة أساسية، عن السياسة تماماً أو يقلّلون من مكانتها في أجنداتهم. فالسلطة السياسية لن تكون الطريق الرئيس المفضي إلى التغيير الاجتماعي. بدلاً من ذلك، قد يعيد هؤلاء توجيه تركيزهم نحو النشاط الدعوي والاجتماعي، والانخراط في المجتمع الأوسع. وأخيراً، قد تشير المواجهة المستمرة بين النظام والجماعات الإسلامية المتطرّفة في سيناء ومدن قناة السويس إلى أن هذه المجموعات العنيفة على غرار تنظيم القاعدة حصلت على موطئ قدم قوي في تلك المنطقة، والتي ستبقى بؤرة عدم استقرار لسنوات عديدة مقبلة.13  ومع ذلك، فإن الإسلام السياسي في مصر، بكل المعايير، لن يكون كما كان عليه في السابق. إذ تلقي الاضطرابات الحالية في البلاد وآثارها السلبية، بما في ذلك الإرهاب  والصراع الاجتماعي والاستقطاب والكراهية والعنف، بظلالها على احتمالات الاندماج الاجتماعي وقدرة النظام على تحقيق الاستقرار السياسي والحياة الطبيعية.

الدولة القديمة مقابل الثوار – كلاكيت مرة ثانية

في أعقاب الفترة التي أمضاها الإخوان المسلمون في الحكم، عادت معركة الثوار الأصلية ضد السلطوية الدولتية – التي تمارسها الدولة - (وحلفاؤها في المؤسّسات العسكرية والأمنية والبيروقراطية ورجال الأعمال) إلى الواجهة. هذه المعركة معقّدة وصعبة وعصيّة على الحلّ مثلما كانت على الدوام. 

يعتقد الكثيرون أن غبار المعركة السياسية سينقشع عندما يتم إقرار الدستور الجديد ويبدأ البرلمان والرئيس المنتخبين حديثاً مهام عملهما، ربما بحلول ربيع أو صيف العام 2014. ومع ذلك، هذه ليست هي القضية. إذ تعاني عملية خلق نظام سياسي جديد برمّتها من المشاحنات والخلافات بين مؤسّسات الدولة وانقسامات النخبة، وعدم وجود طبقة سياسية، وعجز الدولة عن تقديم حلول للأزمات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية.

السياسة المعتادة لدولة الطوائف

سيتم الحفاظ على امتيازات إقطاعيات الدولة، بما فيها استقلالية الجيش وعدم مساءلته، والتي سيتم إقرارها دستورياً وسياسياً. إذ تتحدث السلطة القضائية ومؤسسة الجيش علناً بهذه الطريقة وهما تناقشان الأحكام الدستورية التي تحدّد مصالح كل منهما. وقد ضمن الدستور الجديد الذي تمت صياغته في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 هذه الامتيازات، ولاسيّما للجيش والقضاء، بطريقة أكثر شمولاً مما كان عليه الحال في دستور العام 2012. 14

يمكن للمرء أن يجادل بأنه تم تصميم الدستور الجديد لحماية مؤسّسات الدولة من بعضها ومن الشعب أكثر منها لحماية الناس من تجاوزات المؤسّسات. فقد ضمنت السلطة القضائية التي تعدّ من أكبر الرابحين في الدستور الذي تمت صياغته مؤخراً، على سبيل المثال، استقلالها المالي والإداري عن السلطة التنفيذية وعن السلطة التشريعية، غير أن مشروع الدستور لم يذكر شيئاً عن مسؤوليات السلطة القضائية تجاه الشعب أو عن آليات رقابة الدولة والرقابة الشعبية على السلطة القضائية. 15

على الرغم من الصلاحيات التي تم منحها لهذه المؤسسات، تبدو المشاحنات السياسية في دولة الطوائف أكثر خطورة مما قد يبدو للوهلة الأولى. إذ تنتشر المنافسة بين المؤسّسات على الموارد المالية والحصانة والمكانة والامتيازات. على سبيل المثال، احتلت المعارك المتكرّرة بين الشرطة والقضاء العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام. الأهم من ذلك، أن عدداً من إقطاعيات الدولة بدأت بالتعامل مع عملية صياغة الدستور باعتبارها فرصة لتأمين الأرباح وتوزيع حصص السلطة. ولاتشمل قائمة هذه الإقطاعيات الجيش والشرطة والقضاء وحسب، بل أيضاً الأزهر والكنائس والنقابات العمالية في القطاع العام، والجماعات النسائية. لا بل وصل الأمر إلى حدوث منافسة ومشاحنات داخلية في السلطة القضائية نفسها.16 هذا المستوى من المنافسة يُبرّر بـ"المصالح الوطنية"، والتي يحدّدها كل طرف فاعل لنفسه. صحيح أن هذا الجدل لايقوّض كفاءة الدولة، لكنه يجعل كل مفهوم الدولة المصرية المعاصرة، الذي يقوم على أي نوع من الإجماع بين الهيئات الحكومية المستقرة، موضع شكّ. وعلاوة على ذلك، أنشأت إقطاعيات الدولة المختلفة في عهد مبارك مصالحها الاقتصادية الخاصة، بصورة مباشرة أو بالشراكة مع جهات فاعلة في القطاع الخاص. ولذا فهي مستعدّة لأن تقاتل للحفاظ على هذه المصالح وربما توسيعها مهما كلّف الأمر، كما تشير الأدلة الأخيرة.17  ونتيجة لذلك، سيتم تقييد كل عمليات المراقبة المحتملة على دولة الطوائف، بما في ذلك وسائل الإعلام الحرة، والتدفق الشفاف للمعلومات، وعمليات التدقيق المستقلة، والنقابات العمالية الواثقة من نفسها، والإضرابات والمظاهرات. 

لايختلف الدستور الجديد كثيراً عن دستور العام 2012. ومع أنه تم إدخال تحسينات كبيرة في مجالات الحريات العامة والخاصة، والحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية، والعلاقات بين الدين والدولة،18  فسيكون للتشريع والتطبيق القانوني الملموس لهذه الحريات والحقوق المحددة بصورة فضفاضة في المستقبل تأثير كبير على ما إذا كانت هذه التغييرات الإيجابية ستكون محسوسة في الحياة السياسية الحقيقية. فالتغييرات السرّية التي أجريت، في اللحظات الأخيرة، على ديباجة مشروع الدستور وأسفرت عن حذف الإشارة إلى "الحكم المدني"، سلّطت الضوء على العجز عن وضع قواعد مقبولة للّعبة. من المرجّح أن التغيير جاء استجابة إلى ضغوط شركاء النظام المتدينين، وأبرزهم الأزهر وحزب النور السلفي، الذين يعتبرون أن مصطلح "مدني" مرادف لـ "علماني". أما المواد الخاصة بالعلاقات المدنية - العسكرية في مشروع الدستور الجديد، فهي غير متوازنة أكثر من تلك الواردة في دستور العام 2012.

ينصّ الدستور الجديد على نظام شبه رئاسي فيه العديد من الضوابط والتوازنات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وبين الرئيس ورئيس الوزراء داخل السلطة التنفيذية نفسها. وفي حين يمكن النظر إلى هذا الأمر بصورة إيجابية كخطوة نحو الديمقراطية التعدّدية، فقد يخلق في واقع الأمر نظاماً سياسياً ضعيفاً ومفتّتاً تكون فيه السلطة الحقيقية بيد مؤسّسات الدولة غير المنتخبة التي تتصرّف كسماسرة سلطة.

مع أن ملامح العملية السياسية في حالة تغيّر مستمر، فإن الترتيبات الحالية تنطوي على دور مركزي للجيش، فضلاً عن دور القضاء كحارس للنظام ووصّي عليه. وليس من الواضح إلى الآن ما إذا كان عبد الفتّاح السيسي سيترشّح لمنصب الرئيس، بيد أن من شبه المؤكد أن يتم وضع أي رئيس في المستقبل تحت وصاية الجيش، إن لم يكن هو نفسه من الجيش. وفقاً لما ورد في دستوري 2012 و2013، يمكن لمجلسي الدفاع الوطني والأمن القومي اللذان يهيمن عليهما الجيش تجاوز الرئيس بشأن "قضايا الأمن القومي"، وكل القضايا ذات الصّلة بأي قرار في السياسة الخارجية. ويفتقر الزعماء المحليون (رؤساء البلديات)، الذين لن يكونوا منتخبين إلى السلطة والاستقلالية. ولا يقلّ عن ذلك أهمية، أن الجيش سيكون قادراً، في ظل وجود نظام سياسي منقسم وسلطتين تنفيذية وتشريعية متعاركتين، على التدخّل للتحكيم وتحديد النتائج النهائية. في نهاية المطاف، ستبقى اليد العليا للجيش.
 
يبدو أن النظام الجديد سيؤسّس نظاماً سياسياً تنافسياً، ولكنه محدود، بسبب وجود تحالف سياسي يميني حاكم، كما كان عليه الحال في عهد الإخوان. وبصرف النظر عن قضايا الأمن القومي التي سيحدّدها الجيش بصورة مباشرة في جميع الحالات، فإن جنرالات الجيش سيسيطرون لكنهم لن يحكموا إذا ما وصلت شخصية مدنية إلى رئاسة الجمهورية. وبغضّ النظر عما تدّعيه الشعارات الإصلاحية، ستبقى نتائج العملية السياسية الانتخابية قليلة الأهمية كسياسات حكومية وفي صالح الوضع الراهن من حيث المصالح والامتيازات الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة.

انقسامات النخبة

تستغل القوى السلطوية الدولتية حالة اللايقين التي سادت السنوات الثلاث السابقة لإعادة تنظيم وجذب الدعم الشعبي الكبير لدى الكثير من المصريين والذي استنزفه فشل العملية السياسية في مرحلة ما بعد مبارك. وتأمل هذه القوى في الحفاظ على سياسة الدولة القديمة وإعادة إنتاجها. وهي تشمل شرائح واسعة من طبقة رجال الأعمال الذين دعموا في السابق محاولة جمال مبارك لخلافة والده، والشخصيات "المباركية" الفاعلة القديمة من الحزب الوطني الديمقراطي، وبعض الساسة الناصريين والأسر والجماعات التقليدية، ووسائل الإعلام وملحقات الدولة. فحلمهم هو إقامة بونابرتية مصرية بالمعنى الماركسي من شأنها استنساخ الدولة المباركية البوليسية القديمة لتلبية مصالحها وترميم النظام. وطالما حشدت تلك القوى الموارد الاقتصادية اللازمة وشبكات الأعمال لدعم مثل هذه الشخصية البونابرتية وربطها بمصالحها، فليس مهماً ما إذا كان هذا الزعيم الجديد جنرالاً عسكرياً مثل السيسي أو أي شخص آخر. ولتحقيق هذه الغاية، تضغط تلك القوى من أجل فرض دور مهيمن للشرطة وقوانين أكثر قمعاً لتقييد الحريات السياسية، ونظام انتخابي بدوائر من عضو واحد (أو الفائز يحصل على كل شيء) لتعظيم مكاسبها الانتخابية نظراً إلى عجزها عن بناء أحزاب قوية، ودستور يكرّس رئيساً قوياً ومسيطراً .

وفي هذه الأثناء، ثمّة ليبراليون ويساريون وإصلاحيون وأعضاء من برجوازية رجال الأعمال يعتقدون أن الإصلاحات السياسية والاقتصادية ضرورية. وتشمل هذه القوى بعض الأحزاب الليبرالية واليسارية في جبهة الإنقاذ الوطني وبضع شرائح من طبقة رجال الأعمال، بالإضافة إلى مثقفين ومهنيين، ووسائل إعلام خاصة وملحقات الدولة. ومع ذلك فهم مستسلمون لسلطة الجيش خوفاً من عودة الإخوان، لكنهم يطمحون إلى إنجاز نظام سياسي أكثر تعدّدية. وبناءً على ذلك، فهم يضغطون من أجل وضع دستور يحوي قدراً أكبر من الضوابط والتوازنات، وبرلماناً أقوى، ونظاماً انتخابياً يقوم على التمثيل النسبي لتعظيم المكاسب الانتخابية لأحزابهم.

خضعت عملية التعديل الدستوري الحالية إلى مناقشات حادّة حول هذه القضايا. وفي حين تنتقد المجموعة الأولى بشدة أفراد المجموعة الثانية باعتبارهم يمثّلون قوى تزعزع الاستقرار ومحرّضين يعملون وكلاء للإخوان وأعداء مصر الخارجيين، تصوّر المجموعة الأخيرة المجموعة السابقة على أنها استبدادية ومباركية وعفا عليها الزمن. كان تمثيل المجموعة الثانية أفضل في لجنة صياغة الدستور، وبالتالي تمكّنت من فرض وجهات نظرها حتى الآن. ومع ذلك، لم يتم بعد حسم النقاش حول النظام الانتخابي.

لا يزال التنازع نفسه بين المجموعتين جارياً في تقييم أداء حكومة في مجال تسيير الأعمال الحالية.  إذ يلقي المعسكر الأول المحافظ باللائمة على مايصفها بأنها الحكومة "التي يهيمن عليها الإصلاحيون" بسبب أوجه القصور الهائلة بشأن القضايا الاقتصادية والأمنية. ويضغط أفراد هذه المجموعة من أجل تشكيل حكومة أكثر سلطوية من الحرس القديم. ومن المفارقات أن القرارات الرئيسية لا زالت تتّخذ من جانب المؤسّستين الأمنية والعسكرية على الرغم من وجود العديد من الوزراء "الإصلاحيين" في مجلس الوزراء.

عدم وجود طبقة سياسية

كما كان عليه الحال في الماضي، يعاني تصميم العملية السياسية الجديدة لمرحلة ما بعد مرسي من قصور بنيوي في الطبقة السياسية. فقد كان جوهر الدولة التي أنشئت في العام 1952، ولاسيما تجلّيها في عهد مبارك، يكمن في نزع تسييس الحياة العامة وإدارة الدولة للسياسات العامة. لم تكن هناك حاجة للأحزاب، حتى الداعمة منها. وتم حرمان الفئات الاجتماعية من حقوق التمثيل والتنظيم والتعبير عن مصالحها لأن عملية صنع السياسات لم تكن قابلة لمثل هذه التأثيرات. فقد أدارت المنظمات البيروقراطية والأمنية شؤون الدولة والمجتمع بطريقة تكنوقراطية، وسعت إلى تحقيق المصالح الأوليغارشية لإقطاعيات الدولة المختلفة. لم يكن الحزب الحاكم أكثر من آلة محسوبيات وخدم كمنتدى لكسب زبائن النظام وتوزيع الأرباح. ويبدو أن النظام في المستقبل لن يكون مختلفاً. وبالتالي يمكن لهذه الدولة الراسخة الخالية من الإيديولوجيا أن تغيّر تحالفاتها بمرونة بين مختلف الأطراف السياسية الفاعلة لتعزيز مصالحها الخاصة، وتحرّضها ضدّ بعضها، كما أثبتت تجربة الفترة بين عامي 2011 و2013.

سيكون من الصعب تأسيس عملية سياسية جديدة تعتمد على المؤسّسات المنتخبة والمنافسة الانتخابية. فقد كانت جماعة الإخوان المسلمين هي الفئة السياسية الوحيدة الفعّالة في مصر، كجماعة منظّمة وقوية الإرادة وملتزمة بعقيدة ودائرة انتخابية اجتماعية محدّدة. وعلى الرغم من تبادل المصالح المحافظة المشتركة مع النخبة، فشلت جماعة الإخوان في بناء نظام مستقرّ.

في نظام مابعد مرسي، قد يحاول الجيش تعزيز طبقة سياسية جديدة كشريك صغير في الحكم. وقد يسعى العديد من الليبراليين والناصريين والمباركيين وحتى الإسلاميين (مثل حزب النور) للعب هذا الدور. بيد أن تحقيق الاستقرار في الشارع وكسب قلوب قطاعات واسعة من السكان، يوجب على الدولة القديمة والطبقة السياسية الجديدة تقديم تنازلات اجتماعية واقتصادية كبيرة. إذ يجب أن يكون المجال السياسي والانتخابي ذا صلة بالحياة اليومية لملايين المصريين من حيث الظروف الاقتصادية ونوعية الخدمات الأساسية ومستويات المعيشة وإلا فإنه يخاطر بشرعيته.

سيكون تقديم هذه التنازلات صعباً بسبب شحّ الموارد الاقتصادية وعدم استعداد جماعات التجار والمستويات العليا من البيروقراطية للتخلّي عن هوامش الربح الضخمة. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة المؤقتة، فإن هذه الجماعات التجارية والبيروقراطية عرقلت مؤخراً السياسات والقوانين الخاصة بالحدّين الأدنى والأقصى للأجور والتسعير والضرائب التصاعدية وتأسيس نقابات عمالية جديدة تقدمية ومستقلة.

ولعلّ مايضعف شرعية وصدقية أعضاء الطبقة السياسية الجديدة المحتملة أكثر هي سياسة القبضة الحديدية الناتجة عن المبارزة بين الإسلاميين والجيش. فليست المجموعات الهامشية هي وحدها التي يجري قمعها بقسوة وعنف، بل الإسلاميين الذين يمثّلون حركة سياسية كبرى تقع في المركز المحافظ للمجتمع. وسيفقد النظام السياسي الجديد، بمؤسساته وعملياته الانتخابية، جدواه  إذا ما استمرّ ذلك.

هل تعود الدولة الأمنية؟

يخشى كثير من المصريين أن تعود الدولة الأمنية، وهذه مخاوف مشروعة إلى حدّ ما. فمنذ عزل مرسي من السلطة في تموز/يوليو الماضي، سقط المئات من الضحايا وجرت آلاف عمليات الاعتقال والاحتجاز، جنباً إلى جنب مع السياسات الخرقاء التي اتبعت ضد المظاهرات والإضرابات العمالية والاعتصامات، ومورست المكارثية الإعلامية ضد أي صوت ناقد، وتم اضطهاد ومضايقة نشطاء انتفاضة العام 2011. وبذلك فإن بعض مؤسسات الدولة تعيد إنتاج القدرات القمعية للدولة الأمنية القديمة. وقد أثارت الأحكام القضائية القاسية بشكل استثنائي ضد الناشطين الشباب من جماعة الإخوان والعدد غير المسبوق من الاعتقالات بناء على أوامر النائب العام شكوكاً جدّية حول مدى استقلالية السلطة القضائية في مصر وكونها غير مسيّسة.19  ويستغل النظام الجديد المخاوف الشعبية من الفوضى في مواجهة عنف المتشدّدين الإسلاميين لإضفاء الشرعية على السياسة القمعية، كما أن حجم العنف الذي استخدمته شرطة النظام وقوات الجيش ضدّ المعارضين الإسلاميين كبير. كما تمّت مواجهة غير الإسلاميين والمتظاهرين الثوريين، الذين خرجوا إلى الشوارع للتظاهر ضد قانون التظاهر البغيض الذي أقرّته الحكومة في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر وضد سماح مسوّدة الدستور الجديد بعقد محاكمات عسكرية للمدنيين، بوحشية وعنف الشرطة. واستهدفت الشرطة أيضاً العديد من منظمات حقوق الإنسان وأودع عدد من الناشطين غير الإسلاميين في السجون.

بيد أنه لاينبغي المبالغة في هذه المخاوف. فالحقائق الجديدة تقلّص قدرة النظام على قمع السكان. والمرشح الأوفر حظاً للعب دور بونابرت في قيادة الدولة الأمنية هو السيسي أو قائد عسكري قوي آخر. لكن ليس من المؤكد  بعد ما إذا كان السيسي أو الجيش يرغبون حقاً في لعب هذا الدور وتحمّل مسؤولياته. ومن غير الواضح ما إذا كانوا على استعداد لتقبّل اللوم بسبب المصاعب الاقتصادية المتوقّعة وضعف الأداء الحكومي أو دفع الثمن الضروري لإجراء إصلاحات ذات مغزى.

تمثّل الأثر الرئيس لثورة العام 2011 في خلق السياسة، أو على الأقلّ تسييس قطاعات متزايدة من السكان. مع مرور الوقت، أصبح المزيد من الناس يرغبون في التعبير عن أنفسهم وتوضيح وجهات نظرهم، وتمثيل مصالحهم وحججهم، سواء من خلال الانتخابات أو من خلال الاحتجاجات أو الإضرابات  أو الاعتصامات. فالمصريون يدخلون الحياة العامة بطرق ووسائل غير مسبوقة. وقد تغيرت علاقة الناس بالدولة  والحياة العامة نوعياً وبصورة لا رجعة فيها. ومن الصعب على الدولة قمع مجتمع عنيد ومتمرّد بصورة متزايدة على نطاق واسع.

تقدّر بعض الفصائل داخل الدولة القديمة هذا التغيير وتستحسنه. إذ عمّدت انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011 دور الجيش باعتباره محكّماً ووسيطاً رسمياً للنظام. في ذلك الوقت، تدخّل الجيش لإطاحة مبارك تحت الضغط الشعبي، ومنذ ذلك الحين دخل اللعبة السياسية مباشرة كمؤسّسة، مايدلّ على قطيعة واضحة مع تقاليد عهد مبارك. وعندما أراد الجيش قمع جماعة الإخوان المسلمين في العام 2013، طلب السيسي الحصول على دعم شعبي لـ "الحرب ضد الإرهاب". وتحتاج الدولة الآن إلى الدعم الشعبي لتبرير تحركاتها، حيث يمثّل تفويض الشعب قوة لايستهان بها ويحتاج الجيش للتكيّف مع هذا الوضع. وقد أكّد السيسي هذه الرسالة في نقاش مع عدد من قادة الجيش حول وسائل الإعلام والواقع السياسي الجديد في مصر.20

يعيق افتقار النظام للقدرات أيضاً عودة الدولة الأمنية. إذ كان حكم عبدالناصر القمعي ممكناً فقط لأنه أطلق أيضاً تجربة تنموية بقيادة الدولة وفّرت للكثير من الناس المنافع والمكافآت الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك الوظائف والسكن المجاني، والرعاية الطبية المجانية، والتعليم المجاني والإعانات والأمن الوظيفي ومراقبة الأسعار وإصلاح الأراضي. لذا، كانت سلطوية عبدالناصر مبرّرة على أساس عقد اجتماعي بسيط: المكافآت الاجتماعية والاقتصادية في مقابل الطاعة والخضوع السياسي. بيد أن الدولة تفتقر اليوم إلى الموارد الاقتصادية والمالية لدعم مثل هذه الخطط الشعبوية (أهمها الاستثمارات المطلوبة بشدّة في برامج خلق فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والمرافق)، وهي تتجه نحو خفض النفقات الاقتصادية وليس التوسّع فيها. لاتزال طبقة رجال الأعمال تصرّ، على العموم، على اعتماد السياسات الليبرالية الجديدة، مايعكس الدرجة التي أدّى التغيير المحدود في النخب السياسية الذي حدث بعد انتفاضة العام 2011 إلى عدم تأثر أصحاب المصالح الاقتصادية الرئيسة وطبقة رجال الأعمال.21  كما أن من غير المرجّح أن يحاول كبار جنرالات الجيش الحاليين في مصر بناء ديكتاتورية مساواة مثل تلك التي بناها ناصر. إذ إن مصالحهم الاقتصادية وعلاقاتهم الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، فضلاً عن حصصهم في الدولة القديمة، كبيرة جداً بحيث تحول دون إقدامهم على مثل هذه الخطوة .

يرتبط بقاء النظام في مرحلة مابعد مرسي بقدرته على ضمان الاستقرار. ويتطلّب هذا من النظام معالجة أزمتي شرعية الدولة وأدائها بنجاح. ولكي يتم تمثيل مطالب الطبقات الشعبية وتحقيق تقدم اجتماعي واقتصادي حقيقي، فإن إجراء تغييرات ديمقراطية عميقة أمر ضروري، وهو ما لن يوافق عليه النظام طوعاً. علاوة على ذلك، يجب أن يكون أي إصلاح اقتصادي هادف ومعبّر هيكليأ. وبعبارة أخرى، يجب أن يقلّص هذا الإصلاح العجز في الموازنة العامة للدولة وميزان المدفوعات، ويعيد تخصيص الموارد الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص، ويعزّز برامج الإنتاج وخلق فرص العمل (بما في ذلك إعادة هيكلة السياسات المالية والنقدية ومعالجة الميزانية والضرائب ومسألة الدعم التي تعدّ في غاية الأهمية). 

ومع ذلك، تواجه مثل هذه الإصلاحات معوّقات لوجستية وإدارية وفنية خطيرة، وهي لن ترضي الكثير من المصريين، بمن فيهم أفراد الطبقة التجارية الذين يستفيدون من الدعم الحكومي للوقود الخاص بصناعاتهم ومن عدم وجود أي نظام لللضرائب التصاعدية. بالإضافة إلى ذلك، ستقاوم البيروقراطية الاقتصادية العليا في الدولة بحدّة أي حدّ أقصى للأجور. إذ تستهلك أجور وإعانات القطاع العام معظم الميزانية في مصر. وتستلزم الإصلاحات المطلوبة قاعدة دعم شعبية كبيرة تتخلّل مختلف الطبقات، وهو الأمر الذي يفتقر إليه النظام الحالي، بتوجهاته السلطوية الليبرالية الجديدة والمحافظة اجتماعياً. وبما أن أي طرف سياسي فاعل في مصر لايمتلك في الواقع قاعدة دعم شعبية من هذا القبيل، فسيتم تأجيل الإصلاح الاقتصادي الهيكلي إلى أجل غير مسمّى.

يتم تمويل العجز في الحساب الجاري واحتياجات الميزانية اليومية (أبرزها الأموال الخاصة بالوقود) أساساً عن طريق المساعدات الآتية من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت.22  بيد أن هذا لايمكن أن يستمرّ إلى الأبد. فلحظة الحقيقة ستأتي عاجلاً وليس آجلاً.23  ولكي يبقى النظام على قيد الحياة فإنه سيحتاج إلى تمويل أجنبي إضافي طويل الأجل لتمويل برنامج التكيّف الهيكلي. ويعتمد بقاء النظام أيضاً على إعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للدولة لمنع حدوث عجز وتبديد الموارد مستقبلاً. أخيراً، يكمن مفتاح الانتعاش الاقتصادي في تدفّق الاستثمارات الأجنبية الخاصة، والتي يمكن أن تعالج مشكلة الاقتصاد المصري الدائمة والمتمثّلة بعدم وجود استثمارات تتطلّب عمالة مكثّفة من القطاع الخاص في السلع والخدمات القابلة للتبادل. ومع ذلك، فإن مثل هذا الاستثمار يتطلّب وجود حالة من الاستقرار السياسي وإجراء إصلاحات. 

يواجه النظام الجديد أيضاً تحدًيات تتعلّق بالأمن وتطبيق القانون. ذلك أن انعدام الأمن في مصر وارتفاع معدّلات الجريمة هو الشغل الشاغل لمعظم السكان، حيث يعكس سلوكهم في عمليات التصويت هذا القلق. في نهاية المطاف، تتطلّب عودة الأمن إجراء تغييرات هيكلية في وزارة الداخلية. فقوات الشرطة، التي اعتادت على قانون الطوارئ و الإجراءات التعسفية، لاتعرف كيفية العمل في ظل قانون يحترم حقوق الإنسان الأساسية. ولأن تلك الأساليب القديمة أصبحت عديمة الجدوى في الوقت الراهن في مواجهة مجتمع مضطرب وميّال إلى التمرّد، فسوف تظلّ غير فعّالة إلى حدّ كبير. لذلك فإن إصلاح الشرطة أمر ضروري لاستعادة الأمن، غير أن تعنّت إقطاعية الشرطة سيمنع أي محاولات من هذا القبيل.

سيتم تأجيل الإصلاحات الهيكلية اللازمة لتحقيق إنجازات اجتماعية واقتصادية إلى أجل غير مسمّى خشية تحدّي رجال الأعمال والبيروقراطية والعواقب السياسية الخطيرة المترتبة على ذلك. وبالمثل، ستتجنّب الدولة القيام بإصلاحات هيكلية بعيدة المدى داخل المؤسّسات الأمنية لأنها ستضرّ بمصالح إقطاعيات الجيش والشرطة وتفتح صندوق شرور سببه تأخّر إصلاح مؤسّسات الدولة.
   
أعلن الفريق السيسي يوم 11 كانون الثاني/يناير 2014 أن من المحتمل أن يخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة "إذا طلب الشعب بذلك". غير أن من الصعب التكهّن بشأن المواقف السياسية المستقبلية للسيسي لأنه لايملك برنامجاً سياسياً مفصّلاً في الوقت الحاضر. ومع ذلك، سيشكّل انتخاب السيسي تحوّلا في السياسة المصرية في مرحلة مابعد مبارك. فهو يعني أن الجيش سيتولّى المسؤولية المباشرة للحكم ليس بصفة انتقالية أو رقابية وحسب، بل بصفة مباشرة وطويلة الأجل. من الممكن أن يبدأ السيسي، إذا ما تم انتخابه، سياسة إعادة الهيكلة الاقتصادية، التي تشتدّ الحاجة إليها، لمعالجة الوضع الكارثي للمالية العامة ويضمن استقرار الحكم السلطوي للجيش، معتمداً على الدعاية الإعلامية المكثّفة والشعبوية والمحسوبية الاقتصادية المدعومة من الجيش للقيام بذلك. ومع ذلك، يبدو هذا الاحتمال مستبعداً. وبغضّ النظر عن نوايا السيسي فإنه سيواجه العقبات الهيكلية نفسها المذكورة أعلاه والتي قد يواجهها رئيس مدني. علاوة على ذلك، وبما أن الجيش هو إحدى مؤسّسات الدولة التي تنافس بشهيّة قوية على الموارد الاقتصادية والأرباح، من الصعب تصوّر قيام السيسي بدفعه إلى قبول الإصلاحات اللازمة.

الدولة القديمة لاتملك الجزرة ولا العصا لمقاومة القوة الدافعة الثورية إلى أجل غير مسمّى. فالورقة الوحيدة التي يتعيّن عليها استخدامها هي استغلال الخوف العام من الإرهاب الإسلامي، وهي السياسة  التي نجحت نسبياً. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية لايمكن أن تسكت الشعب إلى الأبد. وستتم، مع مرور الوقت، تعرية القيود المفروضة على قدرة الحكومة على تقديم حلول حقيقية للمشاكل الحقيقية. وبطبيعة الحال، هذا لا يعني أن الثوار سينتصرون بالضرورة على الرغم من المعوّقات، لكنه مؤشّر على أن هناك توازن ضعف واضحاً لدى الطرفين.

فشل القوى الديمقراطية

يتمثّل النضال الديمقراطي في مصر، في الوقت الراهن، في المعركة الهادفة إلى تفكيك الصيغ والأشكال المختلفة للحكم السلطوي، بما فيها الدولة القديمة وعهد جماعة الإخوان المسلمين، وتسليط الضوء على فشل هذه الأنظمة في معالجة الأزمات الاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد. وعلى الرغم من عملية التفكيك، لايزال الفراغ السياسي والاجتماعي موجوداً في مصر، وليس ثمّة أي بدائل عملية وقابلة للتطبيق. ولن يتم ملء هذا الفراغ في وقت تظهر فيه حركة ديمقراطية شعبية كبيرة ويتم إضفاء الطابع الديمقراطي على قطاعات رئيسة من الحركة الإسلامية.

معوّقات بناء حركة ديمقراطية مدنية

تسبّبت التجربة غير السارّة للسياسة الانتخابية في عامي 2011 و 2012 في حدوث انقسام بين عالم السياسة الانتخابية نفسها - الذي أثبت إلى حدّ كبير أنه عاجز عن إنتاج تغييرات جوهريّة في حياة الناس العاديين – وبين القوى المحرّكة للاحتجاجات الشعبية. وقد فقد المشاركون في هذه الاحتجاجات الأمل في أن تسفر إمكانات المؤسّسات المنتخبة عن إحداث التغيير المطلوب، وبدلاً من ذلك لجأوا بمظالمهم إلى الشوارع في شكل إضرابات عمالية متكرّرة واضطرابات حضرية يقودها الفقراء في عهد المجلس العسكري وعهد مرسي، واحتجاجات كتلك التي حدثت في محافظات الدلتا في شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2013.

تحتاج مصر إلى حركة ديمقراطية مدنية تدافع عن قضايا الديمقراطية التشاركية والتنمية المستدامة والمساواة والكفاءة، وإعادة توزيع الموارد بصورة عادلة، والعلاقات الديمقراطية بين الدولة والمجتمع، والسياسات العامة التي تضع الأسس الصحيحة للعقود الاجتماعية والسياسية لنظام الحكم الجديد. ومن الممكن تأسيس مثل هذه الحركة عن طريق تسخير شبكة مترابطة من الأحزاب السياسية التمثيلية والمستقلة، والنقابات العمالية والاتحادات والحركات العمالية، والمنظمات الشعبية، والجمعيات الاجتماعية العاملة على المستوى الوطني وعلى مستوى المحافظات والمستوى المحلي. وينبغي أن يشمل نطاق عمل هذه الحركة السياسة البرلمانية والنقابية والبلدية والمجتمع المدني، بالإضافة إلى القيام بحملات توعية عامة في وسائل الإعلام. وثمّة حاجة إلى بناء كتلة أنصار اجتماعية داعمة تحدّد مصالحها الاجتماعية والاقتصادية ونظرتها إلى برامج المنظمات والحركات، سواء بالتصويت في الانتخابات أو عن طريق المشاركة في سياسة الضغط والإصلاح والاحتجاج. بيد أن هناك شوطاً طويلاً يتعيّن على القوى الديمقراطية الوليدة في مصر أن تقطعه والكثير لتنجزه.

تشمل القوى الديمقراطية أنواعاً مختلفة من الأطراف الفاعلة. أولاً ، هناك الفئات الشبابية التي تنتمي إلى العديد من الأحزاب الليبرالية واليسارية القديمة والجديدة التي شاركت بنشاط في الاحتجاجات السياسية منذ 25 كانون الثاني/يناير 2011. وقد سعى هؤلاء، بالتعاون مع القادة الإصلاحيين في أحزابهم (النخب الإصلاحية المذكورة أعلاه) إلى تأسيس هذه الحركة الديمقراطية المدنية من خلال الإصلاح من الداخل. فهم يعتقدون أنه لاغنى للنظام المؤقّت الحالي عنهم، لأن شرعية العملية السياسية الجديدة ستكون موضع شك لو لم يشاركوا في مظاهرات 30 حزيران/يونيو. وتأمل قوى 25 كانون الثاني/يناير الديمقراطية الإصلاحية، التي تتكوّن من الأحزاب الليبرالية واليسارية التي شاركت مؤسّسات الدولة والمباركيين في إطاحة حكومة الإخوان المسلمين، في أن يكون لها تأثير على سياسات الحكومة المؤقتة مع الحفاظ على روحهم وأهدافهم الثورية.24  ويقال إن الشخصيات الديمقراطية داخل الحكومة جادلت مؤخراً بأن القوانين السلطوية ضد الاحتجاجات والإرهاب التي تمت مناقشتها أخيراً لم تكن ديمقراطية، غير أن معارضتها ذهبت أدراج الرياح. إذ لم يحقّق الإصلاح من الداخل أي نجاح يذكر حتى الآن.

وتشمل الفئة الثانية الحركات الاحتجاجية الثورية غير المنظَّمة بالضرورة كأحزاب سياسية، مثل حركة 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وحركة تمرّد، وجبهة طريق الثورة، واليسار الديمقراطي، والجماعات والائتلافات الأخرى غير المتبلورة. وباستثناء حركة تمرّد، التي تضع قدماً في المعارضة وأخرى في نظام تصريف الأعمال، لاتعترف هذه الجماعات بأن خريطة الطريق الحالية ثورية أو ديمقراطية أو شرعية. فقد أكّدت الأحداث الأخيرة، مثل إقرار قانون التظاهر ووحشية الشرطة المستمرة ضد المعارضين السياسيين، معتقداتهم وجعلت إمكانية إجراء "إصلاح من الداخل" مسألة قابلة للنقاش. وكبديل، بدأت هذه الجماعات التحريض على أشكال مختلفة من الاحتجاج السياسي لزيادة التطرّف في السياسة والوصول إلى الفئات المحرومة في مختلف الأماكن.

كان من الصعب إحداث تغيير حقيقي شامل لأن القوى الثورية الديمقراطية (بما في ذلك الأحزاب والحركات الاحتجاجية) أثبتت براعتها في الاحتجاج وإسقاط الأنظمة، بيد أنها لاتستوعب إلى الآن آلية عمل الدولة القديمة أو أي من بدائلها. فقد استنتجت هذه القوى أن إطاحة مبارك تمثّل سقوط النظام والدولة القديمة، في حين اعتبر بعضها أن انتخاب مرسي يعني سقوط المجلس الأعلى للقوات المسلحة. ومع ذلك، لم يكن أي من الرأيين دقيقاً. فقد استمرت الدولة القديمة والمجلس العسكري. فالقوى الثورية المهووسة باستنساخ اللحظة الثورية التي أطاحت مبارك، لم تتجاوز تلك اللحظة ولم تفكّر في كيفية بناء نظام جديد. ولم تسفر استراتيجيتها بشنّ حرب ثورية بالوكالة - أي من خلال الضغط على أعضاء الكتلة الحاكمة لتطبيق سياسات ثورية - عن تغيير حقيقي. فقد تم استغلالهم وقمعهم مراراً وتكراراً من جانب قوىً أكثر قوة: الجيش والدولة والإخوان المسلمون.

ومما يزيد الأمور تعقيداً أن الجماعات السياسية الليبرالية واليسارية غير قادرة في الواقع على تنظيم نفسها أو تأمين التمويل والموارد اللازمة، ولاتملك قيادة فعّالة، أو امتداداً في الأرياف، أو نظاماً حقيقياً للتواصل يجد صداه لدى جمهور الأنصار في الأوساط الاجتماعية والثقافية المحلية. إذ لاتقدم الجماعات والبرامج الليبرالية سوى خطاب مناهض للإسلاميين وإشارات غامضة لقيم التنوير واتفاقيات حقوق الإنسان، والتي لاتكفي لإقناع السكان. ولاتملك جميع الأحزاب الليبرالية تقريباً برامج واضحة في مجال السياسات ولا حتى أفكاراً عامة حول الإصلاحات السياسية الضرورية، ناهيك عن كيفية تطبيقها عملياً. وليست لدى هؤلاء الليبراليين أجندة سياسية عملية تلائم المشاكل الهائلة التي تواجه البلاد.

تندرج الأحزاب الليبرالية القائمة منذ فترة طويلة مثل حزب الوفد والأحزاب الجديدة التي تأسّست بعد العام 2011، بما في ذلك الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وحزب المصريين الأحرار، ضمن هذه الفئة. كما أن حزباً ليبرالياً أكثر ثورية مثل الدستور، لم يتم تشكيله بصورة رسمية حتى الآن كحزب، ويواجه مشاكل تنظيمية لاتعدّ ولاتحصى.

تمثّل الانتخابات بالنسبة إلى هذه الأحزاب فرصاً لتأمين حصة من الكعكة في شكل مقاعد في البرلمان وربما حقائب وزارية. بيد أنه وبسبب أوجه القصور التي تعاني منها، لايمكن لتلك الأحزاب أن تشكل شبكات وطنية وهي تفتقر إلى روح التنافس في الانتخابات. أما الأحزاب التي تدافع عن "الإصلاح من الداخل" فلم تقترح أو تبتكر آليات عملية لتحقيق هذا الهدف من شأنها التعاطي مع واقع دولة الطوائف وعجزها السياسي والاقتصادي. على سبيل المثال، ليس من الواضح إن كان بوسع دعاة الإصلاح هؤلاء أن يعملوا مع الفئات الإصلاحية داخل إقطاعيات الدولة، أو إن كانت هذه الفئات موجودة أصلاً. ويبقى أن ننتظر أيضاً لنرى إن كان دعاة الإصلاح سيوافقون على دور تقوم به المبادرات الشعبية والأطراف الفاعلة غير الحكومية أو إن كانت ستقيد نفسها بأجهزة الحكومة. أخيراً، ليس من الواضح كيف يمكن لليبراليين، الذين يحلمون بالنمو الاقتصادي والتراكم الرأسمالي، تحقيق هذه الأهداف في مواجهة بيروقراطية الدولة المبالغ فيها والمعادية للاستثمار الخاص، والقوة العاملة الريفية والحضرية الكبيرة التي تعتمد على الدولة، والمشاكل المستمرة في القطاع الخاص كالفساد وانعدام الشفافية.

يمكن القول إن اليسار لعب دوراً رئيساً في الانتفاضات السياسية المصرية نظراً إلى إفلاس الإسلاميين وعدم فعّالية الليبراليين. لكن من المستبعد أن تتّخذ هذه القوى اليسارية خطوات لبناء حركة ديمقراطية مدنية متماسكة في المستقبل القريب. وتفتقر الأحزاب اليسارية التي تدافع عن قضية التغيير الاجتماعي والاقتصادي إلى الخبرة العملية بشؤون الدولة وسلطتها الفعلية ومكائدها الإدارية وجماعات المصالح فيها ووظائفها. كما تعاني تلك الأحزاب من حكم الشيوخ والنزعة الثورية. أما الأحزاب اليسارية القديمة الباقية من عهد مبارك، مثل حزب التجمع الوطني الوحدوي التقدمي، فليس لديها مشاكل مع سلطوية الدولة طالما كان بالإمكان استعادة ممارساتها العادلة. وهي تؤمن أيضاً بأن للدولة السلطوية دوراً قيّماً تلعبه باعتبارها الدرع الواقي من خطر الإسلاميين.

وتملك الجماعات القومية والناصرية ذات الميول اليسارية، مثل التيار الشعبي والحزب الناصري المتحد، رؤية مماثلة، حيث تمجّد دور الجيش في النظام السياسي بدرجة أكبر. كما أنها تحافظ على جانب إصلاحي في نهجها السياسي، وترى أنه لايمكن تحقيق مطلب إعادة توزيع الدخل والمساواة إلا من خلال الضغط على الدولة لاستعادة ممارساتها الشعبوية القديمة والاضطلاع مجدّداً بمسؤولياتها السابقة باعتبارها الوصية على الشعب والضامن للتحرّر الوطني.

لم تركّز الجهات الفاعلة اليسارية الأكثر ديمقراطية وثورية، مثل حزب التحالف الاشتراكي الشعبي، وجماعات اليسار الديمقراطي والاشتراكيون الثوريون، على سياسات الهوية. وبذلك فقد تركت المجال الثقافي والمعنوي للحركات الإسلامية. كما أنها تركّز كثيراً على سياسة الطبقة العاملة، وهو مايمنع هذه الجهات اليسارية من فهم الإمكانيات الثورية والديمقراطية للبروليتاريا المحرومة في المناطق الحضرية والجماهير الحضرية المهمّشة بصورة صحيحة، والتي كانت حاضرة في قلب كل الأنشطة الاحتجاجية. كما يزيد الاشتراكيون الثوريون الوضع إرباكاً في بعض الأحيان عندما يسعون إلى التحالف مع الإسلاميين ضد الدولة، حيث يخضعون عملياً لحركة غير ديمقراطية.

كما أن جميع هذه الأحزاب والجماعات اليسارية صغيرة جداً، وتفتقر إلى الموارد البشرية والمالية، وتعاني من مشاكل في تشكيل التحالفات، وهي ترى أن الصراعات الداخلية تلهيها وتزعجها في كثير من الأحيان. فقد شهد التحالف الشعبي الاشتراكي في الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، موجة انشقاقات هائلة من كوادره الشبابية الثورية الديمقراطية، تاركة وراءها حزباً أشبه بحزب التجمع الوطني الوحدوي التقدمي.

لا بدّ أن تتغير السياسة اليسارية بشكل ملحوظ إن كانت هذه الأحزاب ترغب في أن يكون لها تأثير حقيقي على النظام السياسي. في الوقت الحالي يمكن القول إن القضية اليسارية في مصر أصبحت وسيلة لتحقيق فكرة مبهمة وغير فعّالة من العدالة الاجتماعية أكثر من كونها ثورة بروليتارية أو ديمقراطية اجتماعية دولتية. لم يتم إثبات أو تجسيد هذه الفكرة بلغة سياسية عامية أو عملية، وهي لا تبني رأس مال اجتماعياً وثقافياً تشتد الحاجة إليه من خلال دعم جمهور أنصار واضح المعالم سعياً لتحقيق أجندة قابلة للتحقيق.

دمقرطة الإسلام السياسي

لايمكن إرساء ديمقراطية تشاركية ناجحة بصورة مستقرّة وآمنة عندما يضمر طرف قوي ومنظّم جداً على الأقل في الهيئة الانتخابية نزعات معادية للديمقراطية وسلطوية من الناحية الدينية. وهذا يعني أن دمقرطة الإسلام السياسي ضرورة ملحّة. وتتطلّب هذا العملية إصلاحات فكرية أوسع في الحقل المعرفي الإسلامي بشأن مسائل التعدّدية والمواطنة والحريات، والعلاقة بين الدولة والدين.

في العادة، عندما يناقش الإسلاميون الإصلاح فإنهم لا يتعرّضون كثيراً إلى مسألة الفصل بصورة عملية بين السياسة وبين النشاط الدعوي. وعادة ما يشير الإصلاحيون في جماعة الإخوان المسلمين إلى الحاجة لهذا الفصل العملي باعتباره بنداً رئيساً على قائمة الإصلاح الإسلامية. بيد أن هذا ليس كافياً. إذ يتعيّن على الإسلاميين أن يعترفوا بشرعية الكيان السياسي الوطني في مصر وتكوين فكرة عن السياسة باعتبارها فضاءً للمنافسة وعرض الاختلافات، لا ساحة للهيمنة والإقصاء. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تحقيق تقدم تاريخي مهم إذا استطاع الإسلاميون التخلّي عن السياسة اللاهوتية والمشاركة في سياسة الحكم بعد نبذ إيمانهم بشمولية النشاط الإسلامي. إذ لم تثبت جماعة الإخوان المسلمين قدرتها على قيادة هذا التغيير لأن مثل هذا التحوّل بعيد الأثر من شأنه أن يهدّد وجود التنظيم وهويته.

كما أن ما يسمّى الأحزاب الإسلامية الديمقراطية ليست على استعداد لقيادة عملية الانتقال. فهي ليست في وضع أفضل من الأحزاب الليبرالية واليسارية. إذ يتحكّم بعض أفراد طبقة رجال الأعمال من ذوي الميول الدينية، على سبيل المثال، بحزب الوسط، ومنذ انتفاضة العام 2011، يخضع الحزب إلى سيطرة جماعة الإخوان المسلمين. وبالتالي يخسر الحزب هويته الخاصة. وكان حزب مصر القوية في السابق حزباً إسلامياً ديمقراطياً واعداً، لكنه لايملك دائرة انتخابية اجتماعية واضحة، ولم يبن مجموعة أنصار كبيرة أو تنظيماً فعّالاً. ولم يستطع الحزب أيضاً تمييز نفسه تماماً عن الإخوان المسلمين، ولم يضع مبدأ إسلامياً ديمقراطياً متَّسقاً من يسار الوسط كما وعد. أما وسطية حزب مصر القوية المعلنة فقد أكسبته أعداء في المعسكرين الإسلامي والعلماني لأنه رفض الانحياز إلى أحد الطرفين.

مستقبل التغيير

يبدو مستقبل مصر القريب قاتماً. فقد عادت الدولة، في جوانب عديدة، إلى ما كان عليه حالها في العام 2011، عندما نزل الثوار إلى الشوارع لإسقاط نظام مبارك. ولاتزال القوى السلطوية اللاعب السياسي الرئيس في البلاد، وتتمثّل بالجيش والإخوان المسلمين، وبيروقراطية الدولة القديمة، وجماعات المصالح التجارية.

 بطبيعة الحال، ثمّة تصدّعات في النظام. إذ تتداعى قدرة هذه القوى على تقديم الحلول وكبح مشاعر السخط والمعارضة في مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية مستمرّة ومجتمع ساخط وعنيد. وتفتقر الدولة القديمة إلى أي رؤية استراتيجية، ولا تملك سوى إطار لموازنة المصالح المحلية لإقطاعياتها المتنافسة. فاستراتيجية "قتل الأخ" التي تمارسها ضد الإخوان تعزّز مكانتها، ولكن من النادر أن تكون لها قوة تحمّل وجَلَد طويلة الأجل، أو حتى متوسطة الأجل، كاستراتيجية سياسية.

بيد أن القوى الديمقراطية عاجزة تماماً عن الاستفادة من هذه الفرصة السانحة والمبادرة إلى تبديل الوضع القائم. إذ يجري قمعها من جانب القوى الاستبدادية، كما أنها تفتقر إلى مشروع سياسي يمكن أن يجتذب كتلة كافية من الأنصار قادرة على تغيير قواعد اللعبة. ولاتملك هذه القوى البرامج الفعّالة أو الدوائر الالانتخابية أو الأدوات التي تمكّنها من بناء نظام ديمقراطي جديد. كما أنها تفتقر إلى أي مشروع لبناء نظام حكم جديد يرتكز على فهم دقيق لواقع البيروقراطية المصرية والاقتصاد والعلاقة بين الدولة والمجتمع. وتبقى المعضلة الرئيسة التي لم تحلّ: كيف يمكن لمصر بناء مجال سياسي انتخابي ديمقراطي جديد - يتصل بالمظالم الشعبية ويستجيب للمخاوف التي يتم التعبير عنها من خلال سياسة الاحتجاج - في واقع تهيمن عليه الطوائف الاجتماعية، بما في ذلك طوائف الدولة والإسلاميين والجماعات الأخرى؟ لايمكن إنشاء مجال سياسي جديد بيسر في ظل عدم التوصل إلى تسوية مع هذه الطوائف، غير أن مثل هذه التسوية تعني ضمناً التخلّي عن بعض أهداف إنشاء نظام الحكم الجديد. ذلك أن الأشكال التقليدية من الديمقراطية الانتخابية التمثيلية أو الديمقراطية الانتخابية لاتسعف كثيراً في مواجهة هذه المعضلة.

يفاقم توازن الضعف بين الطرفين التكاليف والمضاعفات الناجمة عن الأزمة في مصر. ويبدو أن جميع الأطراف باتت تؤجّل إيجاد الحلول لمشاكلها والالتزام بمواعيدها. بيد أنه لايمكن تمديد هذا الوضع غير المستقرّ إلى أجل غير مسمّى. وطالما بقي صعود الحركة الديمقراطية المدنية ودمقرطة الإسلام السياسي احتمالاً بعيداً واستمرّ الاستقطاب السياسي الحالي المعقّد، فإن الأزمة السياسية في مصر سوف تتفاقم.

إذا كان إنشاء دولة جديدة في مصر تعمّق الديمقراطية التشاركية سياسياً واقتصادياً، لايتطلّب سوى قطع رأس الأطراف السلطوية الفاعلة وشلّها، فإن عملية الانتقال الديمقراطي المصري ستكون قد خطت بالفعل خطوات كبيرة. ومع ذلك، هناك المزيد الذي يتعيّن عمله لبناء نظام سياسي ديمقراطي جديد. فقد أطلقت انتفاضة العام 2011 العنان للتعبئة الجماهيرية التي ظلّت غير منظّمة. فالعقود العديد من نزع التسييس والديمقراطية عن المجتمع المصري تركته خلواً من هياكل العمل الجماعي التي كانت ستدعم هذه التعبئة وتوجّه طاقتها إلى بناء بدائل للنظام القائم. ويمثّل الإسلاميون الاستثناء الوحيد، لكنهم أثبتوا أنهم جزء من الأزمة وليسوا الحل. ستكون الطريق إلى الأمام طويلة ومعقدة. وطالما أن البدائل التي تتّسم بالصدقيّة لايمكنها ملء الفراغ السياسي والاجتماعي، فسوف تستمر الدولة القديمة والترتيبات التي تقودها الدولة، على الرغم من كونها منهارة ومعتلّة ومتعثّرة وتعصف بها الأزمات، مايلحق بالبلاد أضراراً وتكاليف إضافية. ثمّة أشياء كثيرة مهدّدة بالخطر باعتبار أن السلطة مقسمة ودولة الطوائف تتعثّر. ويبدو تفتّت السلطة احتمالاً جدّياً، وخاصة إذا اقترن باتّساع رقعة الخلافات والنزاعات في المجتمع وانتشار العنف والإرهاب.

هذا الوضع المتزعزع له آثار تتجاوز حدود مصر أيضاّ. إذ تضعف الأزمة الفكرة السائدة في الغرب والتي تقول إن الديمقراطيات المحافظة والمعتدلة والإجرائية بقيادة الإسلاميين المعتدلين ومؤسّسات الدولة القديمة في بلدان الربيع العربي يمكن أن تنتج أنظمة انتخابية مستقرّة (لديها ميل إلى عقد انتخابات ديمقراطية لا أكثر). لن يتحوّل الربيع العربي إلى شتاء إسلامي، بيد أنه لن يحقق أحلامه وقدراته الديمقراطية قريباً. ولن تكون النتيجة التي يتمخّض عنها الربيع أيضاً ثورة مضادة متماسكة وراسخة.

إن الحركات الجماهيرية في مصر التي أطلقتها انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011، ومازالت قائمة وموجودة منذ ذلك الحين، يمكنها أن تحدث تغييراً في البلاد. ويمكن لها أن تفتح آفاقاً جديدة للتعبئة والعمل وإنشاء نظام سياسي جديد. ولكن عليها أولا أن تتغلّب على العديد من المشاكل التي تواجهها.

هوامش

1 نظام حكم استبدادي يقوده شخص عسكري بتفويض شعبي. (المترجم)

2 Ashraf El Sherif, “The Taifas State,” EgyptIndependent, www.egyptindependent.com/opinion/taifas-state

3 يزيد صايغ، "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر"، أوراق كارنيغي، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، آب/أغسطس 2012. http://www.carnegie-mec.org/2012/08/01/فوق-الدولة-جمهورية-الضباط-في-مصر/db9b

تتكوّن جمهورية الضباط في مصر من عنصرين. يتمثل الأول في وجود الآلاف من ضباط الجيش المتقاعدين في الأجهزة الإدارية للدولة. والثاني هو المجمّع الصناعي - العسكري. وخلافاً لحالة الولايات المتحدة، التي يعتمد فيها المجمّع على الروابط بين القطاعين العسكري والخاص، يشكل المجمع المصرية تكتلاً من الصناعات العامة التي تملكها وتديرها المؤسّسة العسكرية.

4 تشير المطبوعات والنشرات الإيديولوجية لجماعة الإخوان المسلمين، والتي تعدّ أساسية في مناهج التلقين والتثاقف الداخلي لجماعة الإخوان ويكتبها المنظّرون الرئيسيون في الجماعة، بمن فيهم حسن البنا وسيد ومحمد قطب ومحمد أحمد الراشد وفتحي يكن وسعيد حوا ومصطفى مشهور وومنير الغضبان، دائماً إلى الحلم الطوباوي بإقامة دولة إسلامية متديّنة. هذه الدولة ستنتج مواطناً مسلماً فاضلاً وتلقّنه القيم الإسلامية بطريقة هرمية يتولّى قيادتها القيّمون الإسلاميون على الدولة.

5 من الملاحظ أن أجهزة الدعاية الإسلامية انتقدت، في أعقاب انتفاضة العام 2011، القوانين الليبرالية الخاصة بحقوق المرأة التي صدرت في عهد مبارك بوصفها بضاعة غير مرغوب فيها تنتمي إلى حقبة السلطوية. وبناء على ذلك، تم تنظيم حملة شعبية إسلامية تسعى إلى إلغاء هذه القوانين والتراجع عن جميع المكاسب التي حققتها المرأة في عهد مبارك.

6 أنظر: http://presidential2012.elections.eg/index.php/round1-results

7 لم يتم الاحتفاظ حتى بالجوانب الإجرائية للديمقراطية الانتخابية تماماً في ظل حكم الإخوان. فقد شهد استفتاء العام 2012 على الدستور الذي جرى في جولتين يومي 15 و22 كانون الأول/ديسمبر العديد من الاتهامات بوجود مخالفات وغش في عملية التصويت. وفي حين يبدو من الصعب إثبات هذه التهم، رفض معظم أعضاء السلطة القضائية الإشراف على عمليات التصويت، مايثير الشكوك حول نزاهتها. وكانت تلك أول وآخر عملية تصويت خلال فترة وجود الإخوان في السلطة.

8 الديمقراطية الانتخابية: نظام سياسي يمكن للمواطنين فيه أن يصوتوا لانتخاب حكومتهم لكنهم لا يستطيعون المشاركة في عملية اتخاذ القرار. (المترجم)

9 http://ikhwanonline.com/Article.aspx?ArtID=100920&SecID=460

10 http://ikhwanonline.com/Article.aspx?ArtID=116932&SecID=390 

11 http://www.ikhwanonline.com/new/president/Article.aspx?ArtID=107298&SecID=471

12 أشرف الشريف، "أي مسار ستختار جماعة الإخوان المسلمين في مصر؟"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 23 أيلول/سبتمبر 2013. http://www.carnegie-mec.org/2013/09/23/أي-مسار-ستختار-جماعة-الإخوان-في-مصر/gpcv

13 الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الجماعات نجحت في نقل عملياتها الإرهابية والعنيفة إلى القاهرة ومدن أخرى في الدلتا ومنطقة قناة السويس.

14 في مشروع دستور العام 2013 تم الإبقاء على امتيازات الجيش المنصوص عليها في دستور العام 2012. بالإضافة إلى ذلك ضمن الجيش الحصول على مكاسب جديدة، مثل حقه الحصري في تعيين وزير الدفاع لفترتين رئاسيتين. كما تم توفير الحماية للمحاكم العسكرية الخاصة بالمدنيين في الدستور الجديد بعبارات أكثر تحديداً وإلزاماً.

15 منحت السلطة القضائية في مشروع الدستور الجديد حقوقاً مطلقة لاتخضع إلى أي رقابة، ولكن لم يذكر أي شيء عن عمليات مراجعة خارجية لميزانية السلطة القضائية وأدائها، ولم يتم وضع معايير لتنظيم التعيينات والترقيات.

16 كانت هناك منافسة شديدة على السلطات وصلاحيات القضائية، في الدستور بين هيئتين قضائيتين، مجلس الدولة والنيابة الإدارية. في نهاية المطاف، كان الفوز من نصيب "مجلس الدولة"، لكن الملحمة كلها أشارت إلى مدى خطورة الانشقاقات داخل السلطة القضائية.

17 في الآونة الأخيرة، قام الجيش، وعلى حساب شركات القطاع العام الأخرى، بتأمين العديد من العقود الحكومية للمشاريع العامة مثل الطرق العامة والبنية التحتية ومشاريع البناء بشروط مربحة للغاية. ومن المتوقع أن يوسّع الجيش هذه العمليات المعفاة من الضرائب والتي لايتم التدقيق عليها باسم "المصلحة الوطنية" و"توفير حوافز الاستثمار". كما أن لدى قوة الشرطة ميزانية ضخمة تفوق ميزانية التعليم أو الرعاية الصحية. وبدأت إقطاعيات أخرى مثل وسائل النقل العام وهيئة السكك الحديدية بتطوير وتنويع استثماراتها في أنشطة جديدة. وليس هناك أي دليل على أن السلطة القضائية مهتمة بالإشراف على قانونية إدارة هذه الموارد العامة طالما أن استقلاليتها من الرقابة التشريعية مكفولة. وتأمل طبقة رجال الأعمال بأن تفوز بتمثيل مباشر في البرلمان المقبل ولذا فهي تعزّز منذ الآن خدماتها الطبية والتعليمية، وخدمات النقل لعملائها في الأحياء التي يقطنها أبناء الطبقة الأرستقراطية.

18 لايتضمن مشروع دستور العام 2013 المواد سيئة السمعة من دستور العام 2012 التي منحت الأزهر الحق الحصري في تفسير دور الشريعة الإسلامية في التشريع والتعريف المفصل للشريعة الإسلامية الملزمة.

19 على سبيل المثال، صدرت أحكام بالسجن أحد عشر وسبعة عشر عاماً، على التوالي، بحق 38 من طلاب جامعة الأزهر الذين كانوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين و21 فتاة من الإسكندرية ينتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين (بما في ذلك من القصر)، بتهمة التخريب. أنظر: “Egypt Court Sends 38 Al-Azhar Students to Jail,” November 21, 2013, http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/87151/Egypt/Politics-/Egypt-court-sends--AlAzhar-students-to-jail.aspx; “21 Alexandrian Girls ‘Prisoners of Conscience’: Amnesty,” Daily News Egypt, November 29, 2013

20 أنظر: www.youtube.com/watch?v=65RPT1QqPFw 

21 على سبيل المثال، تم سجن أحمد عز قطب الأعمال والأمين العام المساعد للحزب الوطني الديمقراطي بعد انتفاضة العام 2011. ومع ذلك، فقد أبقت شركة الحديد والصلب الخاصة به على احتكارها للسوق.

22 ذهبت معظم المعونة الخارجية، والتي تقدّر بـ 12 مليار دولار في أقل من ستة أشهر، لتمويل العجز في الميزانية وليس لتمويل استثمارات ذات عوائد مستدامة.

23 تآكل احتياطي العملات الأجنبية في مصر على مدى السنوات الثلاث الماضية والعجز المتزايد في ميزان المدفوعات جعلا مصر في حاجة إلى مساعدات خارجية ضخمة لمجرّد للحفاظ على أداء الاقتصاد. ويقدّر بعض المحلّلين المبلغ المطلوب بما لايقل عن 10 - 17 مليار دولار سنوياً.

24 شملت قائمة أعضاء الحكومة الذين يرتبطون بالأحزاب السياسية الليبرالية واليسارية التي رحبت بثورة 25 كانون الثاني/يناير (نائب الرئيس، محمد البرادعي، قبل استقالته احتجاجاً على فضّ اعتصامات الإخوان في 14 آب/أغسطس)؛ رئيس الوزراء حازم الببلاوي، ووزير التعاون الدولي زياد بهاء الدين، ووزير العمل كمال أبو عيطة، ووزير التضامن الاجتماعي أحمد البرعي، ووزير التعليم العالي حسام عيسى.