بعد مرور أكثر من عشرة أشهر على استقالة الحكومة اللبنانية في شهر آذار/مارس 2013، تمّ تشكيل حكومة جديدة يقودها رئيس الوزراء تمّام سلام يوم السبت 5 شباط/فبراير. وسُمّيت حكومة "المصلحة الوطنية" لأنّها وُلِدت في فترة تسودها توتّرات حادّة ناجمة عن الانقسامات السياسية حول موقف البلاد من الحرب الأهلية الدائرة في سورية، وعن نقاش وطني حول ما إذا كان يتعيّن على الدولة أن تشرّع ترسانة حزب الله العسكرية.

تحمل الحكومة الجديدة معها آمالاً بإعادة الاستقرار، واستئناف الحوار الوطني المتوقّف، ووضع قانون انتخابي جديد، والتحضير لإجراء الانتخابات الرئاسية ضمن مهلة الأشهر الثلاثة التي يجيزها الدستور. لكنّ هذه التوقعات العالية تقيّدها توتّرات سياسية متأججة قد تعطّل العملية. فالتوترات الناجمة عن الصراع السوري الدائر ومشاركة حزب الله المستمرّة فيه قد تؤدّي إلى فشل الحكومة.

تمثّل الحكومة الجديدة عودة 14 آذار– التحالف المؤلّف من أحزاب لبنانية معارضة لنظام بشار الأسد – إلى السلطة التي أُقصي عنها سابقاً، والأهم، عودة تيار المستقبل أيضاً بقيادة رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري، الممثل الأساسي للطائفة السنّيّة. إذ انضمت هذه الأحزاب إلى حزب الله الشيعي الموالي للأسد، وحلفائه في تحالف 8 آذار في تركيبة تقاسم السلطة. ووُزّع وزراء الحكومة الأربعة والعشرون ضمن كتل ثلاث على الشكل التالي: ثمانية وزراء من تحالف 14 آذار، وثمانية من تحالف 8 آذار، وثمانية آخرون محسوبون على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

وتعني هذه التركيبة أنّ الممثّلين السنّة والشيعة المتنافسين عليهم الآن مواجهة بعضهم بعضاً ضمن الحكومة الواحدة. فحتى الآن، شكّل الشارع حلبة صراعهم بشكل أساسي. ومن شأن اضطرارهم إلى العمل يداً بيد في الحكومة أن يساعد على تخفيف حدّة التوتّر.

يُحتمَل أن يكون التقدّم الإقليمي والدولي نحو وضع حدّ للصراع السوري - وتبعاته على المشهد المحلي - قد أقنع حزب الله في المشاركة في تركيبة تقاسم السلطة، بيد أنّ هذا القرار على الأرجح مرتبط برغبة الحزب في حماية مصالحه أكثر ممّا هو مرتبط بأي تغيير جوهري لمساره.

إنّ الخلاف المتأجّج حول البيان الوزاري الذي لم تتم صياغته بعد، وهو عبارة عن إعلان سياسي يحدّد المبادئ التوجيهية العامة للحكومة، يلقي بعض الضوء على دوافع حزب الله العميقة. طوال الأشهر العشرة الماضية، كان الفرقاء جميعاً يتنازعون على معاييرهم المسبقة لهذا البيان العام. وعلى الطاولة اقتراحان متنافسان أساسيان.

يتركّز الاقتراح الأول، الذي قدّمه معسكر 14 آذار، على إعلان بعبدا، هذه الوثيقة التي وافق عليها كلٌّ من ممثّلي 14 و8 آذار في العام 2012، وتنصّ على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية المحيطة به، وخصوصاً الصراع السوري، من أجل تثبيت دعائم الاستقرار في الداخل وتجنّب النزاعات المذهبية. وينظر تحالف 14 آذار إلى إعلان بعبدا على أنه اتفاق ضمني بأنّ حزب الله سيضع حدّاً لمشاركته العسكرية في سورية ويسحب قوّاته من البلاد.

في المقابل، يقترح معسكر 8 آذار الإبقاء على صيغة "الجيش، والشعب، والمقاومة" التي وضعها حزب الله لإضفاء الشرعية على ترسانته العسكرية والسماح له بالحفاظ على سلاحه وتطويره. ويرفض الحزب رفضاً قاطعاً التخلّي عن ذكر هذه الصيغة، محاججاً أنّ السلاح يتيح له الحفاظ على نفوذه في لبنان، ويمنحه شعوراً بالأمان تجاه إسرائيل، ويدعم استمرار تحالفه الاستراتيجي مع النظام السوري. وسيطعن تحالف 8 آذار بأي إجراء يَرِد في البيان الوزاري من شأنه أن يقوّض قوة الحزب العسكرية.

وهكذا، تمنح المشاركة في الحكومة حزب الله الفرصة للدفاع عن مصالحه الأشمل. فالمشاركة في عملية صنع القرار تتيح له استباق أي نقاش محتمل حول الاستراتيجية الدفاعية والسلاح في يد الأطراف من غير الدولة. كما تتيح له توجيه قوة الجيش اللبناني وإدارتها، هذه القوة الذي يُتوقَّع أن تزداد بعد قرار السعودية في كانون الأول/ديسمبر 2013 بتقديم منحة للجيش بقيمة 3 مليارات دولار.

فضلاً عن ذلك، من شأن تولّي حزب الله مناصب حكومية في وقتٍ تجري مداولات حول اتفاق محتمل في المستقبل بشأن سورية، أن يمنحه الفرصة للتفاوض مع أي نظام سيتولّى الحكم في دمشق. وسيكون الحزب مهتمّاً بشكل خاص بتأمين خطوط إمداداته العسكرية التي يحصل من خلالها على الأسلحة من مزوّديه في إيران مروراً بسورية. وقد دفعته هذه الإمكانية إلى المساومة حول بعض الحقائب الوزارية مقابل خصِّ حليفه في 8 آذار، التيار الوطني الحر، بوزارة الخارجية والمغتربين، التي تُعَدّ أساسيةً لرفع الصوت دفاعاً عن مصالح الحزب على الساحة الدولية. 

لكن طبعاً لاتعني المساومة عدم المواجهة مجدداً، فحزب الله سبق أن أثبت أنه قادر على عرقلة أنشطة الحكومة بشكل فعّال إذا لم يحقّق مراده. فمنذ ثلاث سنوات، عندما شُكِّلَت حكومة وحدة وطنية، حظي الحزب بدعم الغالبية الفعلي فيها. لكن في كانون الثاني/يناير 2011، برزت أزمة حول التوقّعات بأن توجِّه المحكمة الخاصة بلبنان، التي تحقّق في عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005، الاتهام بالقتل إلى عناصر رفيعي المستوى في جهاز حزب الله العسكري والأمني. ردّاً على ذلك، وقف الحزب وراء استقالة أكثر من ثلث الحكومة، الأمر الذي أدّى إلى سقوطها.

والواقع أن التركيبة المتزعزعة لتقاسم السلطة في الحكومة الجديدة تجعل هذه الأخيرة هشةً إزاء هذا التكتيك كما كانت حكومة العام 2011. فلن يكون التوصّل إلى قواسم مشتركة بين مختلف الكتل إشكالياً وحسب، بل من شأن أي خطوة تقوم بها الحكومة ويعتبرها الحزب تحدّياً لمكانته وعمله، أن تدفعه أيضاً إلى الاستنتاج بأن إسقاط الحكومة أفضل من حشره في الزاوية، ماسيحثّه على تكرار الانسحاب الذي قام به في العام 2011. فبالنسبة إلى الحزب، يتيح له الفراغ في السلطة في بيروت أو شلل المؤسسات الحكومية أن يحقّق أهدافه الاستراتيجية من دون أن يكون عرضةً إلى المساءلة.

وحتى المساومات الظاهرية لحزب الله يمكن أن تُستخدَم كأدوات استراتيجية. فصحيح أن الحزب قبِلَ بقرار منح تحالف 14 آذار حقائب العدل والداخلية والاتصالات، التي تؤدّي كلّها أدواراً أساسية في الأمن والمخابرات، إلا أنه ليس في صدد تقديم الهدايا لخصومه. الواقع أن تنازلات الحزب الظاهرية هي خطوة تكتيكية ستجبر القادة السنّة على مواجهة المجموعات السنّية المتطرّفة التي تنفّذ التفجيرات وتتسبّب بزعزعة كبيرة للاستقرار في معاقل حزب الله. وفي حال عجزت القيادة السنّية عن لجم هؤلاء المتطرّفين، يمكن للحزب أن يستخدم هذا الفشل حجّةً لاتهام تحالف 14 آذار بطعنه في الظهر، وتبريراً محتملاً لمزيد من المواجهات الداخلية.

إذا أجبرت الحكومة حزب الله على القيام بما لايرغب فيه، فقد تتغيّر كل المعادلات. إذا سلّطت الضوء على دوره في سورية، أو وضعته تحت ضغوط إضافية على الصعيدين الداخلي والدولي، أو الأهمّ، إذا شكّكت في شرعية سلاحه، وهي خطوة قد يعدّها الحزب تهديداً وجودياً، فسيحاول إطاحتها. وهكذا، في حين تُعتبَر الحكومة اللبنانية الجديدة خطوةً في الاتجاه الصحيح، لايزال نجاحها وعمرها غير مضمونَين البتّة.