يوشك المصريّون على تسليم مفاتيح بلادهم إلى المشير والمرشّح الرئاسي عبد الفتّاح السّيسي، من دون أن يدركوا إلى أين يقودهم. لا بل الواقع أنهم لايعرفون إلّا النزر اليسير نسبيّاً عن السيسي، مايطرح إشكاليّةً نظراً إلى الكمّ الهائل من التحديات التي تواجهها مصر. السيسي نفسه لم يعطِ سوى حفنة تلميحات قليلة حين أعلن ترشّحه للرئاسة وهو يرتدي الزي العسكري، خلال آخر ظهور له كجُندي في 26 آذار/مارس.

لم يبدأ السيسي ظهوره العام إلّا في الآونة الأخيرة. فبصفته مدير المخابرات الحربية والاستطلاع، لم يكن عمليّاً معروفاً للعامّة، إلى أن تعاون مع الرئيس السابق محمد مرسي كي يضمن حلوله محلّ محمد حسين الطنطاوي في منصب وزير الدفاع في آب/أغسطس 2012، ثمّ قام بإطاحة مرسي في تموز/يوليو 2013. وطوال الأشهر التي أعقبت ذلك، وتخلّلتها أسئلة عمّا إذا سينصّب السيسي نفسه خلفاً لمرسي، حافظ السيسي على هالة الغموض التي تلفّه. وهكذا، على رغم موجة التعاطف الشعبي المصري معه، إلا أنه بقي شخصية ابتعادية وغير واضحة المعالم.

يدلي المواطنون في بلدان كثيرة بأصواتهم استناداً إلى شخصيّة المرشّح أكثر منه إلى مشروعه السياسي، إلّا أنّهم يملكون على الأقل خيارا. لكنّ المصريين هذه المرة لايحوزون على ذلك.

ستكون الانتخابات الرئاسية، المرجّح إجراؤها في أيار/مايو 2014، مختلفة بشكل فاقع عن المعركة الانتخابية في حزيران/يونيو 2012 التي شهدت تنافساً شديداً. فقد بدأت الحملة آنذاك بأكثر من دزينة مرشحين (من بينهم أربعة أو خمسة متنافسين جدّيّين) فاز في ختامها مرسي بعد جولة محتدمة خاضها أمام ضابط برتبة فريقٍ أوّل متقاعد.

خلافاً لذلك، لن يواجه السيسي منافسة جديّة سواء من اليمين أو من اليسار. ومن غير المرجّح أن يترشّح للرئاسة منافس إسلامي: فمع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين رسمياً منظمة إرهابية، سيكون صعباً التسامح معها. كما أنّ الجماعات السلفية منقسمة بين داعمين للسيسي ومقاطعين للعملية الانتخابية. وقد أعلن عبد المنعم أبو الفتوح، أحد المرشحين الإسلاميين الجديّين في انتخابات العام 2012 ورئيس حزب مصر القوية، أنه سيقاطع هذه الانتخابات. وهذا ما أعلنه أيضاً المرشح اليساري في انتخابات العام 2012 خالد علي. ومن المستبعد أن تترشّح شخصيّات قومية ضدّ السيسي، لأنها لاتريد الدخول في مواجهة مع الجيش الذي أعلن قادته تأييدهم لترشّحه في بيان غير مسبوق اعتبره الكثير من المصريين الذين يتمتعون بوعي سياسي مفاجئاً للغاية. قد يجتذب المرشّح الوحيد الآخر حتى الساعة للرئاسة، الناصري حمدين صباحي، بعض الأصوات الاحتجاجية والعمالية، لكن الشباب الثوريين الذين جذبهم صباحي في العام 2012 أمسوا اليوم مشتّتين ومحبطين.

وهكذا، سيحقّق السيسي فوزاً سهلاً على الصعيد الانتخابي، وغير ذلك المستقبل ليس واضحاً. إذ يجهل المصريون موقف السيسي تجاه عددٍ من القضايا الأساسية، كما يجهلون ماينوي القيام به عند تسلّمه سدة الرئاسة. لكنّ الكثيرين منهم يعلمون أنّ بلادهم تعاني من عقد متشابكة من المشاكل في مجالات الأمن وحقوق الإنسان والسياسة والاقتصاد.

منذ إطاحة مرسي في تموز/يوليو الفائت، تدهور الوضع الأمني سريعاً ليصبح الأسوأ منذ عقود. فالجماعات الإرهابية الجهادية التي نفّذت في السابق هجمات صغيرة في سيناء أساسا، وسّعت نطاق عمليّاتها إلى الداخل المصري أيضاً. والآن، لايكاد يمرّ يوم لايتخلّله على الأقل إطلاق النار على عنصر شرطة أو اكتشاف قنبلة. وتشي هجمات عدّة في الآونة الأخيرة عن توجّه مقلق نحو التصعيد من حيث التكتيكات والأهداف، ولاسيما تفجير سيارة مفخخة أمام مقر الشرطة في القاهرة وإسقاط مروحية عسكرية بصاروخ أُطلق من على الكتف في أواخر كانون الثاني/يناير. إضافةً إلى ذلك، تواصلت بشكلٍ مفاجئ الاحتجاجات الطلابية والمسيرات السياسية المندّدة بإطاحة مرسي، وهي لاتزال تُتوّج باشتباكات وسقوط قتلى أسبوعيّاً في مختلف أنحاء البلاد.

كانت انتهاكات حقوق الإنسان منذ انقلاب تموز/يوليو 2013 الأقسى تاريخ مصر الحديث، وهي وصلت إلى مدى يعادل على الأقل حملة القمع التي مارسها الرئيس السابق جمال عبد الناصر ضد الإخوان المسلمين في خمسينيات القرن المنصرم. يصعب الحصول على المعطيات في ظل بيئة سياسية مشحونة ومُستقطبة، لكن يبدو من المعلومات التي أمكن جمعها أنّ 2500 مصري على الأقل قُتلوا في التظاهرات، وأنّ 19 ألفاً اعتُقلوا إمّا لمشاركتهم في مسيرات مؤيّدة لمرسي أو لارتباطهم بالإخوان المسلمين، وذلك منذ شهر تموز/يوليو 2013.

تحمّل الحكومة المصرية اليوم الإخوان المسلمين صراحةً مسؤولية ارتكاب الهجمات الإرهابية، على رغم أنّها لم تقدّم أي دليل على وجود ارتباط للجماعة مع المجموعات التي تنفّذ هذه الهجمات. والحصيلة أنّ أي شخص يدعم الإخوان المسلمين علناً أو حتى يلتقي أعضاء في الجماعة، أصبح عرضة إلى أن يحاكم بتهم متعلقة بالإرهاب. في غضون ذلك، يخضع الصحافيون والنشطاء الشباب وشخصيات المجتمع المدني الذين تجرأوا على التحقيق في الإجراءات التي يتخذها الجيش أو الشرطة أو الاستفسار عنها، إلى ضغوط ومضايقات شديدة.

هذا القمع يمتدّ إلى المجال السياسي أيضا. فالانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها، تبرز أكثر المناخ شديد الاضطراب الذي يسود مصر. إذ سيتم إقصاء أو تهميش حزب الحرية والعدالة الذي ينتمي إليه مرسي والذي فاز بغالبية المقاعد تقريباً في الانتخابات الأخيرة، بسبب ارتباطه بالإخوان. وحتى الأحزاب العلمانية التي أيّدت بشكل فعّال أو غير فعّال إطاحة مرسي، مثل الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وحزب المصريين الأحرار، وحزب الوفد، وغيرها، قد تتضاءل فرصها على الأرجح بسبب العودة إلى نظام انتخابي كان سارياً في عهد مبارك وتهيمن عليه المقاعد الفردية لا القوائم الحزبية.

ولذا، فإنّ الأحزاب السياسية الوليدة التي بدأت تقف على رجليها خلال الانفتاح السياسي الوجيز في البلاد بعد انتفاضة العام 2011، معرّضة إلى التهميش في الانتخابات البرلمانية التي يطغى عليها المال والعائلات القديمة والعلاقات مع الأجهزة العسكرية والأمنية. والهدف، وربما الحصيلة أيضا، من وراء القيام بذلك، هي تشكيل برلمان عاجز عن أداء المهامّ واسعة النطاق التي يمنحه إياها الدستور المصري الجديد، ووضع السلطة الفعلية مجدّداً بين يدَي الرئيس.

القضايا الاقتصادية تبدو أيضاً مقلقةً جداً بدورها، وقد تذكي على الأرجح نار الاضطرابات الشعبية إن هي أُهمِلَت. فمصر تواجه نقصاً ملحّاً في الطاقة، إذ أن سنوات من الدعم الحكومي للطاقة تركت نصف حاجات الصناعة الثقيلة غير مُلبّاة، وجعلت المستهلكين يواجهون انقطاعاً متكرراً بشكل متفاقم للتيار الكهربائي. هذا إضافة إلى أن معدلات البطالة لاتزال مرتفعةً بشكل خطير، ولاسيما في صفوف الشباب، فيما بات العمّال متململين كما كانوا مراراً طيلة السنوات الأخيرة. أما الإنفاق الحكومي على الدعم وعلى البيروقراطية التي تضم 7 ملايين موظف، فلا يمكن أن يستمر من دون المساعدات النقدية الكبيرة والمتكرّرة من دول الخليج، وهي خطة قصيرة الأمد في أفضل الحالات. وإعادة الإنفاق الحكومي إلى مستوى مستدام، تتطلّب تدابير تقشّفية مؤلمة يمكن أن تولّد مزيداً من الاضطرابات. كما أن إحياء النشاط الاقتصادي، يستلزم استعادة الاستثمار والسياحة على نطاق واسع، الأمر الذي سيحصل فقط في حال طرأ تحسّنٌ على الوضع الأمني.

على أي حال، الحكومة المدعومة من الجيش التي شُكِّلَت منذ الانقلاب على مرسي، تعمل في ظلّ أزمات متلاحقة. ويبقى السؤال الكبير المطروح ما إذا كان السيسي، بعد أن يُنتَخَب وتكاد تكتمل خريطة الطريق السياسية مابعد الانقلاب، سيبدأ باتّخاذ التدابير اللازمة لحلّ هذه العقدة من المشاكل.

لم يظهر حتى الآن أي مؤشر على أن السيسي وضع استراتيجيةً سياسيةً أو أمنيةً لتخطّي أسلوب القمع التام المُتَّبَع منذ تموز/يوليو 2013. إلا أن السيسي أعرب فعلاً عن قلقه إزاء التحديات الاقتصادية "الهائلة" التي تواجهها مصر في الخطاب الذي ألقاء في 26 آذار/مارس، ووصف بطالة الشباب واعتماد الحكومة على المساعدة الخارجية بأنهما أمر "غير مقبول"، لافتاً إلى أن المصريين سينبغي عليهم القيام بتضحيات.

وحالما تبدأ حملته الرئاسية، يُفترَض أن يطرح السيسي مشروعَين اقتصاديَّين كبيرَين كجزء من حملته، يتعلّق أوّلهما بالإسكان، وثانيهما بتنمية منطقة قناة السويس. سيتضمّن المشروعان الانخراط الكثيف للجيش وأموال الخليج، ولاسيما الإمارات العربية المتحدة. وتوحي هذه المبادرات بأن ميول السيسي في السياسات الاقتصادية ستكون شعبوية ودولتية (كما يمكن أن نتوقّع من شخص أمضى حياته في الجيش) بدل التركيز على الإصلاح أو التوجه نحو إحياء قطاع الأعمال والاستثمار. كما أنها ستعزّز المخاوف التي يعرب عنها رجال الأعمال في السرّ، ولاسيما المخاوف من أن يقصي الجيش بشكل متزايد القطاع الخاص عن مجالات واسعة في الاقتصاد.

نظرياً، ستسنَح للمرشح الرئاسي الفرصةُ ليوضح مواقفه إزاء هذه القضايا في الحملة المقبلة. وفي حين يُستبعَد أن يشهد العام 2014 مناظرة رئاسية جدّية (على عكس العام 2012 حينما أنهى المرشحان الرئاسيان الأوفر حظاً سباقهما فعلياً بإطلالتهما في أول مناظرة متلفزة تشهدها مصر)، سيُتاح للسيسي بلا شك الكثير من الفرص للتحدّث علناً. إذا اغتنم هذه الفرص وبدأ بتحديد ملامح شخصيته السياسية، فيفترض أن تسلّط إجاباته على خمسة أسئلة الضوءَ على كيفية معالجته التحديات الضخمة التي تواجهها مصر:

  1. هل يقرّ السيسي بأن البلاد تخوض غمار مرحلة من الصراع الداخلي والاستقطاب غير المسبوقَين، وبأن ثمة حاجة إلى التعافي الوطني الآن؟ لقد ألمح إلى هذا الأمر في خطابه في 26 آذار/مارس، إلا أنه سرعان ما أشار إلى أن اللوم يقع على أعداء "داخليين وإقليميين وخارجيين" مجهولين.
     
  2. هل يعرض السيسي أغصان الزيتون على الذين يشعرون بأنهم مهمّشون ومعرّضون إلى المضايقة منذ تموز/يوليو 2013 – أي للشباب والصحافيين والمجتمع المدني ومنتقدي الحكم العسكري – ناهيك عن مناصري الإخوان المسلمين؟ يتمتّع الرؤساء المصريون الجدد عادةً بالشهامة، ويحاولون أن يُظهِروا أنهم قادة الأمّة بأسرها. لقد أشار السيسي في خطابه إلى أن أي مصري لم تتم إدانته يجب أن يُعَدّ "شريكاً فاعلاً"، لكن هذا الكلام بالكاد مطمئن في ظلّ وجود عشرات الآلاف في السجون والمحاكمات الجماعية للمئات.
     
  3. هل يعبّر السيسي عن التزامه تطبيق حماية حقوق الإنسان المنصوص عليها في الدستور؟ سيكون من الأساسي الإقرار بانتهاكات أجهزة الأمن والتعهّد بانتهاج مسار عدالة انتقالية جدّي (سبق أن شهدت مصر مسارات عدة غير جدّية). ولم يلمح السيسي إلى ذلك في خطابه الأول، بل أطلق وعداً بـ"إعادة بناء الدولة".
     
  4. هل يعبّر السيسي عن التزامه التعدّدية السياسية ويتّخذ خطوات لإعادة فتح المجال السياسي للعلمانيين والإسلاميين على السواء؟ لقد ألمح تلميحاً مقتضباً فقط إلى الديمقراطية في خطابه في 26 آذار/مارس.
     
  5. كيف يناقش السيسي دور القطاع العام، ولاسيما الجيش، في الاقتصاد مقابل دور القطاع الخاص، وهل يقرّ بأن قطاعاً خاصاً حيوياً وحراً هو الوحيد القادر على توفير الوظائف التي تحتاج إليها اليد العاملة المصرية الضخمة والمتنامية؟ لقد قال السيسي في خطابه فعلاً إن القدرات الانتاجية في "القطاعات كافة" يجب أن يُعاد إحياؤها، وألمح إلى أن مصر لاتستطيع الاعتماد على المانحين الخليجيين إلى ما لانهاية. لكنه لم يقل شيئاً محدّداً عن دورَي القطاعَين العام والخاص في توفير الوظائف.

طبعاً، حتى لو قال السيسي العديد من الأمور الصائبة أثناء حملته، لايمكن معرفة ما إذا كان سيتّخذ فعلياً الخطوات التي تحتاجها مصر أشدّ الحاجة، مثل إصلاح دعم الطاقة أو البدء بعملية إصلاح الشرطة التي طال انتظارها. لكن المشكلة الآن هي أن أحداً لايعرف ما إذا كان السيسي يعتقد أن هذه الخطوات مهمة. وحتى لو بدأ المصريون بالحصول على إجابات أثناء الحملة، سيكون الأوان قد فات لعكس المسار بسبب غياب مرشّحين رئاسيين آخرين.

بعد أن سلّم المصريّون مفاتيح الحكم للسيسي، سيسيرون خلفه وهم غير قادرين إلا على الصياح، على أمل أن يسترعوا انتباه الرجل الغامض الذي يقودهم.