موارد النفط والغاز في سورية ضئيلة جداً بحيث لايمكن اعتبارها جائزة في الصراع على مصير البلاد. غير أن قضايا الطاقة لاتزال تلعب دوراً هاماً في الصراع. ولذا يتعيّن على نظام الرئيس السوري بشار الأسد أن يتعاطى مع حقيقة خسارة عائدات التصدير بعد انهيار إنتاجه من النفط، وأنه أصبح يعتمد أكثر فأكثر على الواردات، وبالتالي يزداد اعتماده على إيران.

سيطر المتمرّدون الذين يقاتلون نظام الأسد على حقول نفطية ومنشآت عدة لمعالجة المنتجات النفطية. وفي حين يوفّر لهم هذا الوضع عائدات ثمينة، فقد أثار أيضاً صراعاً بين الفصائل المختلفة.

على عكس قطاع النفط، لم يتأثّر إنتاج الغاز الطبيعي في سورية بالحرب بصورة خطيرة، ويعود ذلك جزئياً إلى وجود مصلحة مشتركة بين النظام والمعارضة في استمرار توفير الكهرباء، وعلى الرغم من الاضطرابات الناجمة عن الحرب، فقد نجحت كل الأطراف حتى الآن في التعامل مع التحدّيات المتعلقة بالطاقة بصورة معقولة.

قطاع يخضع إلى هيمنة الدولة

توجد في سورية منطقتان رئيستان منتجتان للنفط. الحقول الأولى التي جرى تطويرها هي تلك التي اكتشفت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حول منطقة السويدية في محافظة الحسكة شمال شرق البلاد، والتي تشغّلها الشركة السورية للنفط المملوكة للدولة.

بدأت الموجة الثانية من إنتاج النفط في ثمانينيات القرن الماضي في وادي الفرات، الذي يمتد من دير الزور وصولاً إلى الحدود العراقية، بعد الاكتشافات التي حققتها شركة بكتون، وهي ذراع أميركية لشركة شل. بلغ الإنتاج من هذه المنطقة حوالي 400 ألف برميل يومياً في منتصف التسعينيات، لكنه بدأ في الانخفاض في منتصف العقد التالي. بحلول العام 2011 كان الإنتاج قد انخفض إلى حوالي 100 ألف برميل يومياً فقط. وفي هذه الأثناء، بقي إنتاج الشركة السورية للنفط ثابتاً عند حوالي 200 ألف برميل يومياً، وكان يتزايد في بعض المناطق بفضل الاستثمار في عمليات الاستخلاص المعزَّز للنفط.

في آذار/مارس 2011 كانت سورية تنتج حوالي  ألف385 برميل من النفط يومياً، كان نحو 55 في المائة منها يأتي من الحقول التي تشغّلها الشركة السورية للنفط والباقي من المشاريع المشتركة مع الشركات الأجنبية. ومن إجمالي الإنتاج كان يتم تكرير حوالي 230 برميل يومياً في مصفاتي حمص وبانياس لإنتاج البنزين والديزل وزيت الوقود للسوق المحلية، في حين كان يتم تصدير 150 ألف برميل يومياً. ولتعويض الفجوة بين العرض والطلب، كان يتم استيراد حوالي 70 ألف برميل يوميا من المنتجات النفطية تتكون أساساً من السولار/ الديزل (المازوت)، والذي يستخدم على نطاق واسع في سورية لأغراض التدفئة المنزلية والزراعة والنقل. وكان يتم دعم المازوت بسخاء، ما أدى إلى تهريبه بصورة واسعة إلى البلدان المجاورة.

العقوبات وأضرار الحرب

شكّلت الإيرادات الحكومية من النفط نحو 20 في المئة من إجمالي الإيرادات في الميزانية في السنوات التي سبقت العام 2011، ولكن بحلول النصف الثاني من ذلك العام كان الصراع قد تسبب في خسائر فادحة في صناعة النفط. بحلول خريف العام 2011، حظرت عقوبات الاتحاد الأوروبي استيراد النفط من سورية، حيث كانت معظم الصادرات تذهب في السابق إلى أوروبا. وبحلول الوقت الذي أمكن فيه للحكومة أن تجد مشترين جدداً، كانت الحرب قد بدأت في تعطيل إنتاج النفط وكانت معظم الشركات الأجنبية قد انسحبت من سورية.

وفقاً لبيانات دورية صادرة عن وزارة النفط، انخفض إنتاج النفط الخام إلى متوسط 164 ألف برميل يومياً في العام 2012 وإلى 28 ألف برميل يومياً فقط في العام 2013. وتشير بيانات الوزارة الأخيرة إلى أن الإنتاج يبلغ الآن 14 ألف برميل يومياً فقط، على الرغم من أن هذا الرقم لايشمل الإنتاج من المناطق التي يسيطر عليها المتمردون.

الاعتماد على مصفاة بانياس

الانهيار في إنتاج النفط من المنبع كان يعني أن الحكومة في حاجة لاستيراد النفط الخام من أجل الحفاظ على تشغيل مصافيها. كما كانت بحاجة إلى المنتجات المستوردة لتلبية الطلب على البنزين وغاز البترول المسال والمازوت.

نادراً ما عملت مصفاة حمص على مدى العام الماضي بسبب القتال في المنطقة المحيطة بها وصعوبة تأمين إمدادات النفط الخام من الخارج، وذلك بسبب موقعها الداخلي. غير أن مصفاة بانياس تقع في منطقة أكثر أمناً ويمكن للناقلات أن ترسو على الساحل. وتضم مصفاة بانياس أربع وحدات تبلغ طاقتها التكريرية الإجمالية حوالي 120 ألف برميل يومياً. وقد تم تصميم اثنتين من هذه الوحدات لمعالجة خام حقول السويدية الثقيل، في حين صممت الوحدتان الأخريان في الأصل لمعالجة الخام الخفيف من العراق ولكنها استخدمت بدلاً من ذلك بشكل رئيسي لمعالجة الخام السوري الخفيف من حقول النفط في وادي الفرات.

شريان حياة إيراني

في بداية العام 2013، توصل مصرف سورية المركزي إلى اتفاق مع ايران بقيمة 3 مليارات دولار أميركي من أوراق الاعتماد المستندية لتغطية إمدادات النفط، كجزء من خط ائتمان الكلي يصل إلى 7 مليارات دولار.

وفقا لتقرير صادر عن وكالة رويترز في أواخر العام 2013، فقد تم شحن ما مجموعه 17 مليون برميل من النفط الخام إلى بانياس ما بين شباط/فبراير وتشرين الأول/أكتوبر 2013، بتمويل من أوراق الاعتماد المستندية الإيرانية وتم نقلها بواسطة صهاريج من إيران والعراق عبر خط أنابيب "سوميد – Sumed" الذي يمرّ عبر مصر.

المفاجأة التي وردت في التقرير تمثّلت في إدراج شحنات من خام البصرة الخفيف العراقي، ولكن هذا الخام يناسب مواصفات مصفاة بانياس. وبما أن من المرجح أن يكون الخام الإيراني من النوع الثقيلة المشابه لنفط حقول السويدية، فإن ثمّة حاجة إلى إضافة خامات أخفّ إليه لتمكين المصفاة من العمل بأكثر من 50 في المئة من طاقتها.

هذه الشحنات تعادل 90 ألف برميل يومياً، وتصل قيمتها الإجمالية إلى 1.7 مليار دولار تقريباً وتساوي تشغيل مصفاة بانياس بنسبة 75 في المئة من طاقتها.

المتمرّدون يدخلون تجارة البترول

في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، استولت الجماعات المتمرّدة على مرافق إنتاج النفط. وقد وصف الصحافي السوري المقيم في المملكة المتحدة مالك العبده، كيفية استيلاء الجماعات المتمردة المتنافسة على حقول النفط في الحسكة ووادي الفرات. إذ يتم نقل النفط الخام والمنتجات المكررة محلياً بواسطة الصهاريج إلى منبج شرقي حلب، والتي أصبحت مركزاً لتجارة النفط التي يديرها المتمردون. ووفقاً للعبده فإن في بلدة تل أبيض الحدودية الآن ما لا يقل عن ست مصافٍ تنتج الديزل والبنزين، حيث يتم تهريب الكثير منه إلى داخل تركيا.

من الصعب معرفة حجم إنتاج النفط في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. ونظراً لتضرّر البنية التحتية وعدم وجود خطوط أنابيب لخدمة الطرق التجارية الجديدة، فإن من غير المرجّح أن يزيد إنتاج الخام عن 20 ألف برميل يومياً. ومع ذلك، وحتى مع افتراض تقديم خصم كبير مقارنة بأسعار السوق العالمية، فإن الإيرادات الشهرية تصل إلى 50 مليون دولار أميركي.
وقد وردت أيضاً تقارير عن صفقات يقوم المتمردون بموجبها ببيع النفط للنظام. ومن الصعب التحقق من صحّة هذه التقارير لكن ثمّة أدلة على وجود تعاون بين المتمردين والنظام في حالة واحدة ويتعلق بمحطة الغاز المصاحب في وادي الفرات المعروفة باسم "كونوكو" (على اسم الشركة الأميركية التي بنتها وشغلتها بين عامي 2001 و2005). وفقا لتقرير نشر في كانون الثاني/يناير 2014 على موقع "كلنا شركاء"، وهو موقع إخباري معارض، فقد أعدمت محكمة شرعية مدعومة من جبهة النصرة المتحالفة مع تنظيم القاعدة رجلاً متهماً بمهاجمة محطة كونوكو وتعطيل إمدادات الكهرباء لمنطقة دير الزور. وهذا يعني ضمناً أنه يتم نقل الغاز من المصنع عبر خطوط الأنابيب الحالية إلى محطات توليد الطاقة في المناطق التي يسيطر عليها النظام في وسط سورية.

أضرار محدودة لإنتاج الغاز

يعكس الترتيب الحاصل في محطة كونوكو حقيقة أن بيع وتهريب الغاز الطبيعي والكهرباء أصعب بكثير من بيع وتهريب النفط والمنتجات النفطية. وفقاً لأرقام الحكومة، فقد كان الانخفاض في إنتاج الغاز الطبيعي في سورية أقلّ بكثير من إنتاج النفط الذي انخفض بصورة حادّة في مسار الصراع، حيث تراجع إلى 5.9 مليار متر مكعب في العام 2013، مقارنة مع الذروة التي بلغت 8.7 مليار متر مكعب في العام 2011. وقد كان إنتاج العام الماضي في الواقع أعلى مما كان عليه في العام 2009، وذلك بفضل بدء مشروعين كبيرين (حيان وإيبلا) في 2009 و2010.

بفضل استمرار هذه الإمدادات من الغاز الطبيعي وحقيقة أن معظم محطات الطاقة الحرارية تقع في وسط البلاد الذي يسيطر عليه النظام - تمتد من حلب وحمص عبر مجموعة من المحطات حول دمشق – فإن توليد الكهرباء صمد إلى حدّ معقول خلال الحرب.

وتظهر بيانات صادرة عن المؤسسة العامة الكهرباء أن إنتاج الطاقة بلغ 38.5 مليار كيلوواط/ساعة في العام 2012، مقارنة مع ذروة بلغت 43.8 مليار كيلوواط/ساعة في العام 2011. تم تسجيل الطاقة الفعلية المركبة عند 6700 ميغاواط في العام 2012، انخفاضاً من 8،500 ميغاواط في العام 2011. وفي شباط/فبراير عام 2014، أعلنت المؤسسة العامة للكهرباء أن أحمال الذروة بلغت حوالي 5800 ميغاواط، ما يشير إلى أن البنية التحتية للطاقة في سورية لا تزال قوية نسبياً.

استراتيجية مستدامة بصورة مستغربة

بعد سنوات من الحرب، ربما يكون من المستغرب أن جزءاً كبيراً من قطاع الطاقة في سورية لا يزال يعمل. فقد تمكّن نظام الأسد بقليل من المساعدة من أصدقائه وبفضل التفاعل العملي مع الجماعات المتمردة، من تدبّر أمره بصعوبة في الأزمة. هناك بالتأكيد خطر من حدوث مزيد من الأضرار في البنية التحتية للغاز الطبيعي والكهرباء مع استمرار الحرب، ولكن في الوقت الراهن يبدو أن استراتيجية النظام في مجال الطاقة قابلة للاستمرار شريطة أن تستمر إيران في تمويل إمدادات النفط الخام إلى مصفاة بانياس.

ديفيد باتر كاتب في مجال الطاقة والاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وزميل مشارك في شاتام هاوس.