يشبه النظام السوري والثورة المسلحة التي يواجهها ملاكمَين تقاتلا على الحلبة لجولات كثيرة جداً. كلاهما غطّتهما الدماء والكدمات، إلا أن النظام يفوز بالنقاط، وهذا على الرغم من شوائب وعيوب حادة، بعضها تسبّب بها لنفسه.

يعاني النظام نقصاً في المقاتلين قد يؤدي إلى وهنه، وقد صعّب على نفسه المهمّة أكثر بسبب عجزه عن تطبيق إصلاحات سياسية مقنعة من شأنها تنفيس المعارضة أو المساهمة في إعادة السلم والأمن إلى المناطق التي انتزعها من الثوار. هذا ويُعَدّ معظم المؤسسات الرسمية والخدمة المدنية غير فعّال أو مشلولاً، مايعيق قدرة الحكومة على تعزيز سلطة الدولة من خلال إعادة الخدمات والتأهيل أو إعادة بناء قطاع الإسكان والصناعة والبنية التحتية. في المقابل، زاد الصراع المسلح من حدّة مشاكل الفساد والمحسوبية الراسخة في البلاد، الأمر الذي أدّى إلى رفعِ تكاليف الواردات الاستراتيجية مثل القمح، وخفضِ قيمة الائتمان الذي يتيحه للحكومة داعمو النظام الخارجيون.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

هذه التحديات كبيرة، ومع ذلك يبدو النظام قادراً على الحفاظ على الأفضلية التي يتمتّع بها. الواقع أن قواته حقّقت تقدّماً بطيئاً للغاية ولكن راسخاً على مايبدو حول حلب ودمشق منذ تشرين الأول/أكتوبر 2013. في مقابل ذلك، يعمل الجيش على إعادة السلم إلى عدد صغير ولكن متزايد من الأحياء المدنية و الضواحي شبه الريفية من خلال إجبارها على قبول الهدنات المحلية، ولاسيما في منطقة دمشق، محرّراً بذلك قواته لتتمكّن من القتال في أماكن أخرى. ومع أن النظام يفتقر إلى أي خطة أو آفاق واقعية لإعادة بناء الاقتصاد الوطني عند انتهاء الصراع، إلا أنه ثبّت العملة الوطنية والإمدادات الغذائية. 

لاشك في أن نظام الأسد يشقّ طريقه للعودة إلى موقع الهيمنة، لكنه يستطيع الحفاظ على هذا النهج فقط مادام الصراع المسلح قائماً.

أفضلية معبِّرة

بعد مضيّ حوالى ثلاث سنوات على استدعاء الجيش السوري لقمع الانتفاضة الشعبية في البلاد، بدأ مايتمتّع به من تفوّق في التدريب و التنظيم و القوة النارية يصبّ في مصلحته بشكل حاسم. فقد حصّن النظام مواقعه في الشمال، وهو في موقع جيد لصدّ الثوار عن التقدّم من الجنوب.

كما قال جون برينان، رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية، في حديث عام في آذار/مارس 2014، "تمتلك سورية جيشاً حقيقياً" هو "قوة عسكرية تقليدية كبيرة تتمتّع بقوة نارية هائلة". ويفيد الجيش إلى حدّ كبير من المشورة والتدريب الحديث في مجال حرب المدن المقدّمَين من إيران وروسيا، ومن إضافة المقاتلين غير السوريين إليه، ولاسيما من حزب الله اللبناني، والميليشيات الشيعية العراقية، والحرس الثوري الإيراني أو غيرهم من المتطوّعين. لكنه يقوم بأكثر من مجرد الاحتفاظ بمواقعه.

ومع أن النظام يعاني نقصاً في المقاتلين المدرَّبين المحترفين – وهي نقطة ضعفه الأكبر عسكرياً – غير أن هذا النقص قد يكون مبالغاً فيه. فخسائر الجيش تكاد تكون بالتأكيد أقلّ إلى حدّ كبير من الرقم الذي تدّعيه المعارضة والذي يصل إلى نحو 60 ألف قتيل، علماً أن عديده الإجمالي هو أيضاً على الأرجح أعلى من الأرقام المقدّرة بـ40 إلى 80 ألفاً في وحداته التي يمكن الاعتماد عليها. على سبيل المثال، تعتقد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن خسائر القتال، والانشقاقات، والفرار من الجيش (الجنود الذين لايلتحقون بالخدمة)، قلّصت الجيش السوري إلى نصف مستويات قوّته ماقبل العام 2011، ومع ذلك يبقى عديدُه 200 ألف عنصر.

بيد أن قوات النظام تبذل أقصى قدراتها، الأمر الذي يحدّ من قدرتها على التقدّم على جبهات عدة في الوقت نفسه. كما أن تردّد الجيش في تكبّد معدلات إصابات عالية وافتقاره إلى قوات متابعةٍ، يحولان دون تحقيقه خروقات حاسمة على أي جبهة.

فضلاً عن ذلك، تشير الروايات الميدانية إلى أن الطائفة العلوية تزداد مرارةً لأن أسرة الأسد تجبرها على تكبّد حصة غير متكافئة من ضحايا الجيش. مايزداد أيضاً هو استياؤها من العدد الكبير من الميليشيات المحلية التي يرعاها النظام، والتي تنخرط أكثر فأكثر في أشكال جرمية من التمويل الذاتي، وهي غير منظّمة وغير منضبطة، أثبتت أنها عاجزة عن القتال بفعالية في المعركة التي اندلعت في نهاية آذار/مارس، في بلدة كسب الواقعة على الحدود مع تركيا.

مع ذلك يتمسّك النظام بقاعدته الاجتماعية والجغرافية الأساسية، وهو يلجأ إلى تدابير جديدة لحشد الدعم، مثل تعبئة طلاب الجامعات والمعاهد المهنية في "كتائب البعث". ويُقال إن هذه الأخيرة تضمّ 10 آلاف مقاتل مكلّفاً بالاضطلاع بواجبات الحرس وراء جبهات القتال بغية إفساح المجال لوحدات الجيش العادية لإتمام مهام أخرى.

ومن الجليّ أن عمليات الانشقاق عن الجيش والانضمام إلى المعارضة توقّفت بالكامل تقريباً، مع أن عدداً ملحوظاً من السنّة، الذين يشكّلون غالبية المنشقّين الكبرى، لايزال يخدم في الجيش والأجهزة الأمنية والشرطة. ويُعتقَد أن هؤلاء يتركّزون في وحداتٍ تجنّبَ النظام حتى الآن اختبارها في المعارك لتقليص خطر الانشقاق. بيد أن هذه الوحدات ستشكّل على الأرجح قوة الجيش الاحتياطية التي تُستخدَم في صدّ أي تقدّم للثوار من الجنوب في اتجاه دمشق.

ومع أن الأفضلية التي يتمتّع بها الجيش تبقى هشّة وهامشية، إلا أنه في موقع أفضل بفضل المكاسب التي حقّقها منذ تشرين الأول/أكتوبر 2013. فبعد معركة متأرجحة دامت حوالى شهرين، استعاد الجيش سيطرةً مؤكّدةً على الممرّ الاستراتيجي بين بلدتي خناصر والسفيرة شرق حلب، وتمكّن بالتالي من استئناف تزويد معسكراته في المنطقة بالإمدادات عبر البرّ، ومن تأمين المطار الدولي المحلي. كما أن الحرب الداخلية التي اندلعت في بداية كانون الثاني/يناير 2014 بين ائتلافٍ ثوريٍّ واسعٍ وبين الدولة الإسلامية في العراق والشام (التنظيم الجهادي المعروف بداعش)، ساعدت الجيش الذي يحارب الآن من أجل السيطرة على المنطقة الصناعية في حلب. إن المعركة من أجل السيطرة على حلب لم تنتهِ بعد. لكن إذا نجح الجيش في تطويق معاقل الثوار هناك كما يريد، قاطعاً خطوط إمداداتهم إلى تركيا، فمكاسبه ستدقّ إسفيناً بين المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في غرب سورية وشرقها، وتقلب الطاولة بشكل قاطع للمرة الأولى منذ دخول الثوار حلب في تموز/يوليو 2012.

فضلاً عن ذلك، حسّن الجيش قدرته على الدفاع عن دمشق عقب الحملة الناجحة التي شنّها في منطقة القلمون الجبَلية الواقعة في شمال غرب العاصمة. وكان متحدثون باسم الثوار وصفوا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، موقعهم في القلمون بأنه "ممتاز... الغلبة هناك لنا"، زاعمين أن لهم عشرات آلاف المقاتلين في المنطقة. بيد أن التقدّم الذي أحرزه الجيش مكّن النظام من استئناف حركة المرور الطبيعية على الطريق السريع الذي يربط دمشق بحمص مروراً في القلمون، في النصف الثاني من شهر كانون الثاني/يناير، ومن قطع خطوط الإمداد التابعة للثوار من لبنان في منطقة الزبداني قرب العاصمة وشمالاً في اتجاه حمص. وصحيح أن سقوط يبرود، المعقل الرئيس الأخير للثوار في القلمون، في 16 آذار/مارس، و ثم رنكوس إلى الشمال من دمشق في 7 نيسان/أبريل، لم يُنهِ نشاط الثوار في المنطقة، إلا أنه وضع الجيش في موقع مكّنه من إعادة توجيه اهتمامه إلى التهديد المحدق بدمشق من جنوب سورية.

إعادة السلم على طريقة الأسد

إن نقطة ضعف النظام الحقيقية هي سياسية لا عسكرية. فهو لايزال غير مستعدّ للاستفادة من مكاسبه العسكرية سياسياً، وهو بالجوهر غير قادر على ذلك، مثلاً من خلال إبداء جدّية إزاء التفاوض لإنهاء الصراع والشروع في عملية انتقال صادقة. وبالتالي كان النظام عاجزاً عن استعادة دعم غالبية السوريين الذين انقلبوا ضدّه، بما في ذلك قسم كبير من قاعدته الاجتماعية السابقة في المناطق الريفية. هذا وتُعَدّ مكانته السياسية منخفضةً للغاية حتى في مناطق الطبقة الوسطى الحضرية التي يُفترَض أنها خاضعة إلى سيطرته، كما يشهد عليه استفتاء للرأي أُجري في حلب مؤخراً.

لقد ردّ النظام على ضعفه السياسي بانتهاج استراتيجية قسرية لإعادة السلم تقوم على فرض هدنات محلية على أحياء المدن وضواحيها بعد إخضاعها إلى حصارٍ حال دون نقل الأغذية والأدوية، وإلى قصفٍ متواصلٍ دام أشهراً. هذه المقاربة، على قسوتها، كانت لها نجاحات مؤقّتة منذ بداية العام 2014، ولاسيما في منطقة دمشق حيث سبق أن سيطر الجيش على مجموعة من الضواحي الجنوبية في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2013. هذا الأمر حسّن موقعه الدفاعي حول دمشق، وأعاد دفع الحرب باطّراد من وسط العاصمة منذ أواخر العام 2013. 

في المقابل، إن تركيز الدبلوماسية الدولية حالياً على تأمين اتفاقات محلية لوقف إطلاق النار كوسيلة لتحسين وصول المساعدات الإنسانية في سورية، يكمّل عن غير قصد استراتيجية النظام لإعادة السلم. فاتفاقات وقف إطلاق النار تُعقَد بالكامل استناداً إلى شروط النظام، ولايتمّ التوسّط فيها من جانب أي هيئة خارجية. وفي ظلّ شروط يتوصّل إليها ضباط جيش على دراية بالمجتمعات المحلية، تُستأنَف عملية تأمين الغذاء، بالكامل أو جزئياً، ويُتاح المرور الآمن للمدنيين. هذا وتعمل فرق الحكومة في بضعة مناطق على إعادة تشييد الطرق والأبنية. وتصوَّر الهدنات المحلية أحياناً على أنها "مصالحة وطنية"، وتترافق مع رفع العلم السوري الرسمي فوق مناطق كانت محاصرةً.

في مقابل ذلك، يُطلَب من الثوار تسليم أسلحتهم الثقيلة، ولكن يُسمَح لهم بالإبقاء على أسلحتهم الفردية. ويواصل هؤلاء تسيير دوريات في أحيائهم، وذلك أحياناً بموازاة قوة الشرطة الحكومية التي عادت إلى بعض هذه الأحياء أيضاً. وفي أماكن مثل بيت سحم وببيلا ويلدا، خضع بعض الثوار إلى الكشف الأمني وجرى إخلاء سبيلهم من قبل أجهزة الأمن التابعة للنظام، وسُمِح لهم بالمغادرة؛ تزعم مصادر النظام أن هذه الإجراءات شملت 1500  في ثلاثة أحياء فقط بحلول أواخر شباط/فبراير 2014. فضلاً عن ذلك، زُعِم أن مئات الثوار الآخرين وُضِعوا تحت لواء قوات الدفاع الوطني التابعة للنظام، والتي تتألّف من ميليشيات محلية، ولكنهم يعامَلون على أنهم مستقلون لاينتمون لا إلى النظام ولا إلى المعارضة.

يتوافق ذلك مع السياسة التي ينتهجها النظام منذ سنة على الأقل، وهي تخفيف النقص في القوة البشرية المقاتلة من خلال نقل أدوار الإسناد العسكري إلى المجتمعات المحلية. وقد شجع ذلك هذه الأخيرة على إقامة نوبات حراسة في الأحياء تُسمّى "اللجان الشعبية"، على الرغم من أنها تتألّف من سكان محليين من مختلف الانتماءات الطائفية، بدلاً من العلويين أو الشبيحة (بلطجية النظام). و يعني ذلك تحييد المجتمعات المحليّة فعلياً. فتبقى قوات النظام بعيدة عنها طالما أنّ هذه المجموعات الشبيهة بالميليشيات تمنع دخول سائر المسلّحين الخارجيين، مايريح الجيش من الحاجة إلى الانتشار و أعمال الدورية، ويتيح له تنفيذ مهام أخرى. في حلب وبعض ريفها المحيط، استطاع النظام حتى تجنيد ميليشيات موالية له ذات غالبية سنيّة، مثل كتائب البعث التي تتحمل راهناً العبء الأكبر من القتال داخل المدينة.

كان تطبيق الهدنات المحليّة متفاوتاً، واتهمت المعارضةُ النظامَ مراراً بالتراجع عن التزاماته. إلا أنّ البعض ينظر إلى مشاركة ضباط الحرس الجمهوري في ترتيب الاتفاقيات على أنها دليل على الموافقة الرئاسية.

في مطلق الأحوال، تشكّل الهدنات انتصاراً جزئيّاً للنظام، وتخدم تفضيله المعلن للحوار مع خصومه داخل البلد، الذين يعتبرهم صادقين ووطنيين، على المفاوضات التي تُعقد بوساطة دولية في الخارج مع "إرهابيين أجانب" ومعارضة في المنفى. تفتقر هذه السرديّة إلى المصداقية، إلا أنها أصبحت أكثر تصديقاً بعد فشل محادثات السلام في جنيف 2، التي أطلقتها مجموعة من الوسطاء الدوليين والممثلين في المنفى. في نتائج ذلك، أشار الموقع الإلكتروني المعارض all4syria إلى أنّ ست شخصيات معارضة قد عادت من المنفى، وأعلن أنّ 140 معارضاً يقدّمون طلب العودة إلى سورية. يُذكر أنّ شخصيات موالية للنظام تروّج مبادرات "المسار الثاني" في أماكن مثل حلب، حيث تقترح التوفيق مابين السكّان في شرق المدينة الخاضع إلى سيطرة الثوّار وغربها الخاضع إلى سيطرة الحكومة.

إنّ توطيد استراتيجية إعادة السلم التي وضعها النظام يعتمد إلى حدّ بعيد على التطورات الميدانية المقبلة في ساحات القتال الرئيسة. في حال حقّق الثوار مكاسب كبيرة، وخصوصاً في الجنوب، قد يظهر أنّ قبضة النظام على المناطق التي أعيد إليها السلم مؤخّراً هي فعلاً ضعيفة. فالهدنات هشة وبعضها قد فشل، أكثر من مرة في بعض الأحيان، و لكن الاتجاه العام هو نحو التوطيد. وفي حال حافظ النظام على زخمه العسكري في الأشهر المقبلة، قد تبدأ استراتيجية إعادة السلم التي يعتمدها بإحداث فرق كبير في الديناميكيات السياسية للصراع السوري.

للقمة العيش أهمية أيضاً

إن المكمّل الأساسي لاستراتيجية إعادة السلم التي يعتمدها النظام هو نجاحَه في تحقيق استقرار العملة الوطنية والإمدادات الغذائية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. ليس هذا انعكاساً لثبات المالية العامة أو إعادة إحياء مايشبه النشاط الاقتصادي الطبيعي. الواقع أن الظروف الاقتصادية الوطنية كارثية، ويُقدّر أنّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي قد انخفض إلى حوالى نصف مستواه ماقبل العام 2011، وتجاوز معدّل البطالة نسبة 50 في المئة، وأمسى أكثر من نصف السكان عند خط الفقر أو مادونه. إذن يُعزى التحسّن إلى حدّ كبير إلى الدعم الخارجي الهائل. فكلما أصبح اقتصاد الحرب روتينيّاً، برزت شبكات وتدفقات تجارية بدائية، في الداخل وعبر الحدود على حدّ سواء، الأمر الذي حسّن الإمدادات الغذائية، وخفّف التضخم، ومكّن النظام من تلقّي الإيرادات من الشركات المحسوبة عليه وماتبقى من القطاع الخاص.

يقدّم تعزيز الليرة السورية المؤشّر الأكثر تعبيراً عن الاتجاهات الأساسية في الاقتصاد والمالية العامة. فقد تحسّن سعر صرفها من مستواه المنخفض: 320 ليرة سورية مقابل 1 دولار في تموز/يوليو 2013، إلى حوالى 140 ليرة سورية مقابل 1 دولار بحلول نهاية السنة. وبقي سعر صرفها مستقرّاً بشكل ملحوظ على هذا المستوى حتى النصف الثاني من شهر آذار/مارس 2014 حين تراجع إلى: 165 ليرة سورية مقابل 1 دولار. و رغم تحرّك سعر الصرف هبوطا و صعودا بين الحين و الآخر، إلا أنه يبقى في مستوى أقل بثلاث مرّات ممّا كان عليه في فترة ماقبل الأزمة، وهو: 47 ليرة سورية مقابل 1 دولار، و ليس أضعف بكثير. وهذا أمر جدير بالملاحظة بالنسبة إلى اقتصاد دمّرته الحرب ويخضع إلى عقوبات شديدة.

تنجم إعادة إحياء الليرة عن خطة من مراحل ثلاث لتحقيق الاستقرار أطلقها المصرف المركزي في تموز/يوليو 2013، إضافةً إلى عوامل أخرى: خط ائتمان بقيمة 3.6 مليارات دولار من إيران؛ وشحنات إيرانية وفنزويلية من النفط الخام الذي يجري تكريره في بانياس شمال غرب حمص؛ وأدّى الانخفاض الكبير في الواردات والاستهلاك والاستثمارات العامة إلى خفض الطلب على العملة الصعبة. كما ساعد الحدّ من دعم أسعار السلع والمصاريف الأخرى في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في دعم الليرة. ربما كان بالأهمية نفسها أيضاً التدفّق الهائل للتمويل الخليجي من المصادر الخاصة والعامة على حدّ سواء، إلى الثوار والإغاثة الإنسانية، والذي عزّز إلى حدّ كبير إجمالي السيولة النقدية في الاقتصاد الذي مزقته الحرب، كما يعترف بعض المحلّلين الخليجيين راهناً.

وقد خفّف التوازن التقريبي بين العرض والطلب على العملات الأجنبية عبء الحكومة المالي، الأمر الذي مكّنها من إنفاق مبلغ يتراوح بين 300 و400 مليون دولار شهريّاً على تكرير الوقود المستورد وتحسين الإمدادات الغذائية. في العام 2013، استوردت الحكومة مليوني ونصف طن من القمح للتعويض عن النقص الهائل في المحاصيل المحليّة مثلاً، وحافظت في الوقت نفسه على تجارة المواد الغذائية مع الأردن، على الرغم من سيطرة الثوار على جزء من الطريق الدولي قرب درعا في المنطقة الحدودية. واقترن ذلك بتحرّكات استراتيجية مثل بناء صوامع جديدة للحبوب في السويداء في جنوب سورية، وفي المنطقة الساحلية، وبانخفاض الطلب الكلي على الغذاء بسبب خروج نحو ثلاثة ملايين لاجئ إلى دول الجوار، ودخول المساعدات الإنسانية الدولية، فكانت النتيجة تحسّناً في الإمدادات الغذائية وتوزيعها مقارنةً مع العام الفائت.

وكانت النتيجة الطبيعية إبطاء معدّلات التضخّم للسلع الأساسية في معظم المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. يُقدّر أنّ التضخّم قد بلغ متوسّطاً يتراوح بين 80 و100 في المئة سنويّاً في الفترة مابين 2011 و2013. لكن، بحسب المكتب المركزي للإحصاء، شهد معدّل الزيادة في الأسعار تباطؤاً كبيراً في أواخر العام 2013، وصولاً إلى 1 في المئة في شهر تشرين الأول/أكتوبر. وبدا أنّ هذا التوجّه سيستمرّ في الربع الأول من العام 2014. وعلى الرغم من معدّلات التضخّم السنويّة المرتفعة في فترة 2012-2013، حافظت الحكومة على رواتب القطاع العام. وهذا أمر بالغ الأهمية لأنّ القطاع الحكومي لايزال أحد الركيزتين الأساسيتين للاقتصاد (إلى جانب الزراعة)، ويدعم السيطرة الاجتماعية التي يمارسها النظام.

كان كلّ ذلك ممكناً على الرغم من التسرّب المالي الهائل الناجم عن الفساد المستشري والمحسوبية في تخصيص الائتمانات ومنح العقود العامّة. وهذا مؤشّر بارز إلى مرونة اقتصاد الحرب الافتراسي الذي يعتمده النظام.

تراهن الحكومة على ذلك، وقد خصّصت مؤخّراً ميزانية متواضعة للاستثمار العام للمرة الأولى منذ العام 2011، وهي تسعى إلى حثّ رجال الأعمال على الاستثمار مجدّداً في المنطقة الساحلية الآمنة نسبيّاً. كما وافقت في كانون الأول/ديسمبر 2013 على إطلاق شركة طيران خاصّ جديدة هي خطوط كِنده الجويّة. إلى جانب الثقة التي يبديها هذا المشروع، فهو يعكس أيضاً نجاح الجيش في إحلال الأمن في المنطقة المحيطة بالمطارات الدولية الأساسية في سورية.

مرونة قاسية، ولكن هشة في مرحلة مابعد الحرب

من قبيل المفارقة أنّ نظام الأسد سوف يواجه تحدّيه الأكبر ما إن يبدأ بالتصدّي إلى المهام الدقيقة في مرحلة مابعد الصراع ضمن عملية التوطيد السياسي وإعادة تأهيل المؤسسات وإعادة بناء الاقتصاد. ففي تلك المرحلة، لن تكون السبل التي اتبعها لضمان بقائه كافية. بالفعل، ستشكّل هذه المسائل أكثر الحواجز التي لن يسعه تخطيها. 

يكمن المثال الأكثر وضوحاً عن المأزق الذي سيوقع النظام نفسه فيه حتماً في الاقتصاد، حيث يمكن مقارنة حجم الدمار المادّي وتراجع النشاط الصناعي بمستوى الحرب العالمية الثانية، بحسب المحرّر الاقتصادي السوري جهاد يازجي. يقدّر تقرير صادر عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في شهر آذار/مارس الخسائر الاقتصادية التراكمية بقيمة 84.4 مليارات دولار في فترة 2011-2013، من ضمنها 41.2 مليار دولار في المخزون الرأسمالي الضائع مع هبوط الاستثمار الخاص بنسبة 81 في المئة. وأضاف التقرير: "حتى لو توقف الصراع الآن وارتفع الناتج المحلي الإجمالي بمعدّل خمسة في المئة سنويّاً، قد يتطلّب الاقتصاد السوري ثلاثين عاماً ليبلغ مجدّداً المستوى الاقتصادي الذي كان عليه في العام 2010".

لكنّ الواقع المرير هو أن من غير المحتمل أن يوفّر أي مزيج من المصادر، بما في ذلك دولٌ أكثر ثراءً تتمثّل في مجموعة أصدقاء سورية، وإيران وروسيا، ورجال الأعمال السوريون في الداخل والخارج، ضخّ رؤوس الأموال اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد بشكل فعلي.

إضافةً إلى ذلك، سيتعيّن على النظام في هذا السياق إعادة تأهيل الجهاز الإداري المدني في الدولة لإعادة توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية، وإعادة بناء المساكن والبنية التحتية، وإنفاذ القانون و حفظ الأمن العام، وتوليد الدخل. إنّ الخدمة المدنية في سورية التي تضم بين 1.2 و1.5 ملايين موظف صمدت حتى الآن إلى حدّ بعيد بفضل الروتين البيروقراطي ومواصلة دفع الرواتب، إلا أنّ ذلك لايمكنه إخفاء الشلل فيها. يحتفظ نظام الأسد بشكليّات و مراسيم الدولة العاملة و الفاعلة، بيد أنّها  بالحقيقة معطّلة ومؤسساتها مفرغة ومفككة.

قد يستجيب النظام لذلك من خلال توجيه الموارد الضئيلة المتاحة له إلى القطاعات المفصلية وتشجيع السلوك الريعي لدى المسؤولين في القطاع العام ورجال الأعمال المحسوبين عليه، كما فعل دائماً في السابق، إلا أنّ الموارد الكفيلة بالإبقاء على هذا النظام قد تقلّصت بشكلٍ يفوق الحصر ولن تكون كافية. وسوف يضطر النظام لا إلى التعامل مع توقّعات مكوّنات أساسية في المجتمع لن يسعه تلبيتها فحسب، بل أيضاً إلى السعي من أجل تفكيك أو احتواء اللاعبين العسكريين بالوكالة الذين أدخلهم في الصراع، أي المليشيات و الشبكات المسلحة المحلية، التي سوف تعمل على فرض أجنداتها الاقتصادية الخاصة و استقلاليتها السياسية.

لقد صمد نظام الأسد من خلال المرونة القاسية في زمن الحرب، بيد أنّه سيثبت هشاشته على نحو مهلك في مرحلة مابعد الحرب.

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات عن حالة الصراع السوري تتناول المعارضة السياسية والثورة المسلحة وآفاق كل طرف.