تؤثّر الحرب الأهلية في سورية على جيرانها بصورة هائلة، ولاسيّما لبنان. وتتجلّى امتدادات تلك الحرب بصورة واضحة في مدينة طرابلس الشمالية، حيث يتصاعد العنف في الشوارع، وتصل الطائفية إلى مستويات غير مسبوقة، ويزدهر التطرف السنّي. ويهدّد هذا الوضع الذي يتّسم بعدم الاستقرار بالامتداد إلى مناطق أخرى من البلاد. ومع ذلك فإن مشاكل لبنان تتعلق بالديناميات المحلية بقدر ماتتعلق بالاضطرابات في سورية. ولذا يتعيّن على صناع القرار اللبنانيين معالجة عدد من القضايا التي طالما تم تجاهلها.

الاستقطاب والتهميش المحلي 

  • يوفر حزب الله الشيعي اللبناني دعماً عسكرياً فعّالاً للنظام السوري، ويتمتّع بنفوذ فريد في لبنان يؤجّج الانقسام بين السنة والشيعة في البلاد.
     
  • معدلات الفقر مرتفعة في شمال لبنان، وتنقسم طرابلس عموماً بين الأحياء الفقيرة والضواحي الغنية.
     
  • أدّى وجود اللاجئين السوريين في شمال لبنان إلى تفاقم التوتّرات الاجتماعية والاقتصادية. إذ يتنامى شعور عام بالسخط ولاسيما في أوساط السنَّة.
     
  • فشلت الأحزاب السياسية والمؤسّسات الدينية الرسمية، مثل دار الفتوى السنّية، في توجيه مشاعر الاستياء المتنامية. إذ يتحوَّل بعض السنّة إلى التطرّف ويلجأون إلى الجماعات السلفية والسلفية الجهادية.
     
  • غالبية سكان مدينة طرابلس هم من السنّة. كما أن منطقة باب التبانة السنّية منخرطة في صراع طويل الأمد مع حي جبل محسن العلوي.
     
  • يعتبر معظم العلويين مؤيدين للنظام السوري، الذي يعارضه الكثير من السنّة بشدّة. وقد أوصل هذا التوتّر مدينة طرابلس إلى حافّة الحرب.
     
  • يفترض بالجيش اللبناني أن يضمن الأمن والاستقرار في البلاد. لكن الجيش لم يتمكّن بعد من إخماد القتال.

التحدّيات المقبلة في لبنان

تمكين دار الفتوى. تمتلك هذه الهيئة الدينية القدرة المؤسّسية للمساعدة في مكافحة التطرّف من خلال توفير التعليم الديني المعتمد من الدولة للسنّة المحرومين. ولكن يجب إصلاح التعليم الديني لكي يكون فعّالاً. 

تخفيف حدّة التوتر بين جبل محسن وباب التبانة. ينبغي على الدولة دعم جهود المجتمع المدني لتهدئة التوتّر بين الأحياء المتنافسة وتوفير منبر للحوار.

تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية. يجب على الدولة زيادة الاستثمار في التعليم والبنية التحتية المحلية، مع تسريع وتيرة اللامركزية الإدارية لتعزيز قدرة البلديات على معالجة القضايا المحلية.

تعزيز الأمن. يجب أن تبذل قيادة الجيش اللبناني جهداً أكبر لمعالجة مظالم الطائفة السنّية لأن أي خطة أمنية تهدف إلى تهدئة التوتّر في الشمال لن تنجح إلا إذا كانت مصحوبة بخطة لكسب القلوب والعقول. كما يجب على الحكومة أن تقرّر ما إذا كان ينبغي أن يحتفظ حزب الله بأسلحته أم لا.

مقدمة

فيما يدخل الصراع في سورية عامه الرابع، فإنه يواصل الامتداد إلى حدود الدول المجاورة ويغيّر الديناميات المحلية مفضياً إلى عواقب كبيرة في بعض الأحيان.

تأثّر لبنان، على وجه الخصوص، كثيراً بسبب الحرب الأهلية السورية. فقد أثّر تدفّق اللاجئين السوريين، الذين تجاوز عددهم الآن مليون نسمة، في بلد يبلغ عدد سكانه 4.4 مليون نسمة، على النسيج الاجتماعي والاقتصادي والديني المحلّي في البلاد. كما أدّى جمود الوضع المستمر في سورية إلى حدوث مزيد من الاستقطاب في الوضع السياسي المحلّي المتوتّر بالفعل في لبنان، والذي يجسّده الانقسام بين تحالف قوى 8 آذار، المتعاطفة بصورة أو بأخرى مع النظام السوري، وتحالف قوى 14 آذار، الذي يعارض حكومة دمشق. وقد أطلق صعود التطرّف السني في الصراع السوري مؤخّراً العنان لديناميكيات دينية وأمنية مقلقة في لبنان، حيث أنشأت الجماعات الفرعية المرتبطة بتنظيم القاعدة التي تقاتل في سورية، مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، فروعاً لبنانية.

يتجلّى امتداد الصراع السوري بصورة أوضح من أي مكان آخر في مدينة طرابلس الساحلية في الشمال، والتي تعدّ ثاني أكبر مدينة في لبنان، حيث تفاقمت التوتّرات الطائفية والسياسية المحلية بشدّة. وهذا ليس بالأمر المستغرب. فللمدينة المعروفة باسم طرابلس الشام، أو طرابلس سورية، بسبب قربها الجغرافي والاجتماعي من العمق السوري، صلات عميقة بالمجتمع السوري. لا بل إن التركيبة الدينية في طرابلس تذكّر بتركيبة البلدات السورية القريبة، حيث تعيش أغلبية ساحقة من أهل السنّة جنباً إلى جنب مع أقلّية من العلويين الذين يقطنون تلّة جبل محسن التي تطلّ على باقي المدينة. الخلافات السياسية بين الطائفتين قديمة ومتجذّرة في مظالم مختلفة، بيد أن حقيقة أن معظم العلويين يعتبرون داعمين للنظام السوري، والذي يعبّر الكثير من السنة عن معارضتهم القوية له، أوصلت المدينة إلى حافّة الحرب.

يمكن القول إن طرابلس أصبحت جزءاً لايتجزأ من الصراع السوري. فقد حصل كل من النظام في دمشق والمتمرّدين على موطئ قدم في المدينة من خلال وكلاء محليين. يضاف إلى ذلك أن أكثر من عُشر سكان طرابلس الآن هم من اللاجئين السوريين. كما أن وتيرة العنف في الشارع آخذة في الارتفاع، ووصلت الطائفية إلى مستويات غير مسبوقة، وازدهر التطرف الديني السنّي، وهي كلها عوامل تهدّد الآن بالامتداد إلى مناطق أخرى من لبنان.

هذه التطورات جعلت طرابلس تستحق لقب "قندهار لبنان"،1 وهي إشارة إلى مركز تمرّد طالبان في أفغانستان. ومع ذلك فإن هذه السخرية غير مستحَقَّة. ففي قندهار كانت النزعة الاجتماعية المحافظة والأيديولوجية الدينية المتطرفة هي الدوافع الأساسية للتطرّف. ومن هنا فإن عملية التطرّف التي تجري حالياً في المدينة الساحلية في شمال لبنان تبدو أكثر تعقيداً، وبالتالي ينبغي ألّا توصف بأنها مجرّد نتاج للتعصّب الديني. جذور هذه الظاهرة عميقة، وهي في بعض الأحيان محلية أو وطنية أو إقليمية في أحيان أخرى، حيث يمتدّ نطاق التطرّف إلى ما هو أبعد من أسوار طرابلس ليشمل قطاعات كاملة من المجتمع اللبناني.

كما يُفسَّر صعود التطرف السني في لبنان، وخاصة في طرابلس، في كثير من الأحيان، باعتباره نتاج الأزمة السورية. مع ذلك، وعلى الرغم من أن لتطرّف عناصر المعارضة السورية تأثيراً لايمكن إنكاره، فإن لهذا الاتجاه على الأقلّ علاقة بالديناميكيات الوطنية اللبنانية، وحتى المحلّية أحياناً.

شهد العقد الماضي تنامي الشعور بالتهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لدى جزء من الطائفة السنّية في لبنان. وقد حدا هذا الشعور بالكثير من السنّة إلى الابتعاد عن الدولة والبحث عن مصادر بديلة للدعم والحماية، بما في ذلك الانضمام إلى بعض الجماعات الإسلامية التي تقدم الخدمات أو العمل مع الشبكات الإجرامية في مقابل المال. يأتي هذا في الوقت الذي يبدو فيه حزب الله الإسلامي الشيعي في ذروة قوته العسكرية والسياسية.

هذا الاتجاه يبعث على القلق، خصوصاً عندما يقترن بعدم قدرة الهيئات الدينية السنّية الرسمية على توفير قيادة سليمة للمسلمين المتديّنين. كما أن الشعور بالتهميش يفتح الباب أمام مزيد من التفسيرات الراديكالية للإسلام، وحتى المعادية للدولتية أحياناً، مثل السلفية، التي تدعو إلى العودة إلى نموذج السلف، أو صحابة النبي محمد. ويكمن الخطر الحقيقي في أن هناك تيارات متطرّفة تترعرع على هامش هذا التحوّل المحافظ، وتعمل على تجنيد الشبان المحرومين للجهاد في سورية، والذين ربما يعود الكثير منهم إلى لبنان وقد أصبحوا أكثر تطرّفاً.

في نهاية المطاف، يفترض بالجيش اللبناني أن يكون الضامن المحايد للأمن والاستقرار في البلاد. بيد أن اللبنانيين السنّة ينظرون إلى الجيش باعتباره مؤسَّسة مسيَّسة نظراً إلى علاقاته التاريخية مع سورية. فهو لم يتمكن حتى الآن من وقف المواجهة. والواقع أن بعض الجماعات السنّية المتطرفة بدأت باستهداف الجيش، حيث عزَّز ضعف الجيش انتشار الميليشيات المحلية.

يبدو تأثير الأزمة السورية على لبنان حقيقياً جداً. غير أن معرفة ما إذا كان البلد قادراً على الصمود في وجه العاصفة وتجنّب الوقوع في حرب أهلية أخرى، سيعتمد في نهاية المطاف على قدرة واضعي السياسات اللبنانية على معالجة القضايا الهامة التي طالما تم تجاهلها.

تزايد مشاعر السخط تجاه الدولة

كان شمال لبنان منذ فترة طويلة من أكثر المناطق حرماناً في البلاد. إذ يصل الفقر هناك إلى مستويات تنذر بالخطر. فقد أظهرت الإحصاءات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الشمال كان في العام 2008، مأوى لنسبة 20.7 في المئة من سكان لبنان و38 في المئة من الفقراء و46 في المئة ممن يعيشون في فقر مدقع في البلاد.2

تنقسم طرابلس نفسها عموماً بين أحياء فقيرة ساخطة وضواحي غنية تتوفّر على إمكانية الوصول إلى بنية تحتيّة راقية. ويُظهِر التباين في مستويات الفقر بين هذه المناطق عمق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية. على سبيل المثال، وفقاً لمسح غير منشور أجرته الأمم المتحدة نهاية العام 2011، فإنه في الوقت الذي أصاب الفقر نسبة 19 في المئة من سكان ضاحية بساتين طرابلس، فقد أثّر في 75 في المئة و87 في المئة من الأشخاص الذين يعيشون في حيي أبو سمرة وباب التبانة الحضريين، على التوالي.3 

يبدو أن السنّة هم الضحايا الأساسيون لهذا التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. فقد أشارت بحوث أجراها المركز الدولي للفقر في العام 2008 إلى وجود تفاوت كبير في شمال لبنان بين المناطق التي يسكنها المسيحيون في الغالب، حيث أصاب الفقر 25 في المئة من السكان، والمدن التي يغلب السنّة على سكانها، مثل طرابلس، حيث اعتبر 57 في المئة من السكان فقراء.4 

هذه الفجوة المستمرة تقود بصورة متزايد إلى عودة خطاب يستند، أولاً وقبل كل شيء، إلى الهوية الطائفية التي تؤكّد على التمييز الذي تعاني منه الطائفة السنّية من جانب الدولة اللبنانية. إذ شكا شيخ مسلم شهير في طرابلس من أن اتفاق الطائف الذي تم التوصل إليه في العام 1989، والذي ساعد على إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت عقوداً في البلاد، وينظّم توزيع السلطة بين المجموعات الطائفية، منح السنّة حقوقهم السياسية ولكنه "لم يعالج أوجه عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية التي يُعتبر أهل السنَّة ضحاياها".5  هذا الخطاب شائع على نحو متزايد في شوارع طرابلس، ولاسيّما في ضوء الصراع الدائر في سورية. فقد أصبحت المدينة ملاذاً آمنا للاجئين السنّة، الفقراء في الغالب، القادمين من سورية، والذين بلغ عددهم حتى آذار/مارس 2014 لاجئاً مسجلاً 71310 من أصل 500 ألف نسمة، أو أكثر من عُشر السكان المحليين الذين يعيشون بالفعل في ضائقة. في شمال لبنان بصورة أعم، كان هناك 258013 لاجئ سوري مسجل حتى ذلك التاريخ6

بطبيعة الحال، السكان السنّة ليسوا متجانسين. فالفوارق الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع السنّي نفسه تتزايد أيضاً، وهو أمر مقلق للغاية لأنه يؤدّي إلى درجة عالية من العزل الحضري ويترك الكثيرين على هامش المجتمع، الأمر الذي يمكن أن يغذّي التطرّف. ففي كثير من الأحيان يكون أولئك الذين يجدون أنفسهم على هامش المجتمع أكثر عرضة من إخوانهم في الدين الأكثر ثراءً إلى اللجوء إلى نوع من الشعبوية السنّية التي تدعو إما إلى التطرّف ضد السنّة الآخرين أو ضد الشيعة والعلويين.

تسهم السلبية والشعور بالانفصال والتقوقع الذي تظهره الشرائح الأكثر ثراءً في طرابلس عند اندلاع القتال في المدينة في تعميق الانقسام. فقد أوضح أحد القادة المسلحين الذي ينشط في باب التبانة عن شعوره بالإحباط قائلا إن "الأغنياء هنا يصفوننا بأننا ’عصابات‘ لكنهم لايدركون أننا ندافع عنهم من خلال الدفاع عن شرف أهل السنّة"!

تترجم هذه المرارة أحياناً إلى عنف رمزي ضد المناطق الأكثر ثراء والأكثر قرباً من نمط الحياة الغربي في طرابلس. ويذكر نشطاء المجتمع المدني في المدينة أن بعض المسلحين يجولون، عندما يندلع القتال، في المناطق الأكثر ثراء ويطلقون النار في الهواء ويخرجون الناس من المطاعم لـ "إجبارهم" على التضامن مع قضيتهم. ومع ذلك، فإن مثل هذه التصرفات لاتسهم سوى في تعزيز إلصاق سمة العنف والتطرّف بالمناطق الأكثر فقراً ، وبالتالي تهمّشها أكثر عن المجتمع وعن متناول الدولة.

برز حي باب التبانة كرمز لهذه الاتجاهات. فالحي الذي كان في السابق منطقة تجارية حيوية تلقَّب (باب الذهب) بسبب نوعية الحرف اليدوية التي كان يبيعها سوقها إلى بقية المنطقة، أصبح يجسّد اليوم تراجع الطبقة الوسطى السنّية. وقد تحوّل إلى جيب للفقر المدقع، ويستضيف حالياً في مساحة صغيرة نسبياً أكثر من 50 ألف نسمة جاءوا من كل المناطق الريفية المجاورة ومن سورية.

في باب التبانة، أصبح الوصول إلى البنية التحتية أو الخدمات الأساسية التي توفّرها الدولة غير موجود تقريباً. على سبيل المثال، قال 77 في المئة ممن شاركوا في مسح أجري في الحي العام 2009 بأنهم غير مشمولين بالضمان الاجتماعي سواء الخاص أو العام.7  وبالتالي، عندما يتعلق الأمر بدفع الفواتير، مثل الإيجار أو النفقات الطبية أو الرسوم المدرسية، فليس أمام العديد من السكان سوى خيارين اثنين: طلب ذلك من أحد الزعماء السياسيين أو الانضمام إلى إحدى الجمعيات الخيرية الدينية. وأوضح زعيم الجناح العسكري لإحدى الجماعات الإسلامية القوية في طرابلس أن التنظيمات، مثل تلك التي هو عضو فيها، "تملأ الفراغ الذي كانت تشغله الدولة: توفير الأمن وتشغيل المستشفيات وحتى تعليم الأطفال".

في ظروف مثالية، ينبغي أن يتم احتواء مشاعر الإحباط لدى هؤلاء السنّة الساخطين وتوجيهها من خلال مؤسّسات مثل مجالس المدن، والتي تهدف من الناحية النظرية إلى التوسّط في النزاعات وتكون بمثابة نقاط اتصال محلية للدولة. ومع ذلك، تواجه بلدية طرابلس تحدّيات تمنعها من التصدّي بجدية للقضايا الاجتماعية والاقتصادية المحلية الصعبة، كما يفعل العديد من المدن اللبنانية الأخرى. كما أن مجلس بلدية مدينة طرابلس غارق في الصراعات السياسية منذ سنوات وهو ما أصاب أنشطته بالشلل، إلى حدّ كبير، ويعكس مسار لبنان نفسه.8  فقد ذكر أحد السياسيين المحليين بصراحة أن "المسألة هي أن لدى طرابلس العديد من القادة لكنها تفتقر إلى الزعامة".

بالإضافة إلى ذلك، يبدو القانون اللبناني غامضاً فيما يتعلق بحجم صلاحيات مجلس المدينة وميزانيته. هذه التحديات تعني أن طرابلس تفتقر إلى الاستثمار المحلي في البنية التحتية العامة الأساسية. فقد اشتكى عضو في بلدية طرابلس من أن "الوزارات في بيروت تعامل المدينة باعتبارها مجرَّد قرية، وهي تتدخّل في شؤوننا المحلية بصورة يومية ولا تمنحنا أي ميزانية على الإطلاق حتى بالنسبةإلى لمجالات الأكثر أهمية مثل الشؤون الاجتماعية".

هذا الانسحاب من جانب القطاع العام، بما في ذلك مؤسّساته المحلية، يغذّي ديناميكية خطيرة. إذ يتخلّى سكان الأحياء الفقيرة عن الدولة تماماً بصورة متزايدة، ويلجأون إلى بدائل تتمثّل في التنظيمات الإسلامية أو الميليشيات أو العصابات الإجرامية. قد يكون هذا التحوّل خطيراً. فقد وفّرت حالات مماثلة في الماضي أرضاً خصبة لنشوء إيديولوجيات مناهضة للدولتية، كالشيوعية أو القومية العربية.

زعامة سياسية ممزّقة

للوهلة الأولى، قد يكون من المستغرب أن البعض داخل المجتمع السنّي اللبناني منجذبون إلى بدائل سياسية مناهضة للدولتية. فقد كان رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في النتيجة، وهو أحد الزعماء السنة ممن يحظون بالشعبية، ركناً أساسياً في إعادة بناء وتعزيز المؤسّسات التي دمرتها الحرب الأهلية في البلاد بين عامي 1975 و1990. غير أن اغتياله في العام 2005 غيّر هذه المعادلة بصورة كبيرة. مع اغتيال الحريري، ظلّ السنة من دون زعيم كاريزمي ذي نفوذ في هرم الدولة. ولم يؤدِّ صعود حزب الله الشيعي فيما بعد إلا إلى تعزيز اتجاه مناهضة الدولتية في أوساط السنّة. وعلى عكس الميليشيات الأخرى المشاركة في الحرب الأهلية اللبنانية، والتي تم دمجها في الجيش اللبناني وطُلب إليها نزع سلاحها في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تم استثناء حزب الله من التخلّي عن سلاحه بسبب دوره "كحركة مقاومة" ضد إسرائيل. منذ ذلك الحين، ارتقى حزب الله إلى وضع أصبح يتمتّع فيه بهيمنة سياسية وعسكرية ساحقة.

اليوم، يشعر عدد متزايد من سنّة لبنان أن العملية السياسية تهمّشهم. لا بل إن البعض بدأ ينبذ تيّار المستقبل، وهو حزب معتدل يحظى تقليدياً بالشعبية في أوساط السنة اللبنانيين أسّسه رفيق الحريري ويتزعمه الآن ابنه سعد، الغائب عن لبنان منذ العام 2011 بسبب تهديدات بقتله. ويتعرّض تيار المستقبل إلى الانتقاد بسبب عدم قيامه بما يكفي بالنسبة إلى المجتمع السنّي. ويتردّد صدى هذه الحجة بقوة في لبنان لأن البلد يعتبر ديمقراطية توافقية تقوم على أساس المشاركة بين الجماعات المختلفة حيث يتم عموماً انتخاب راعي كل طائفة، الزعيم، في مقابل قدرته على توفير الخدمات لجماعته. وقد بشَّر تيار المستقبل دائماً بهذا النوع من المثل العليا، بدءاً من تعزيز جهاز أمن الدولة وانتهاءً ببناء الدولة. بيد أنه لم يتمكّن في الآونة الأخيرة من القيام بهذا الدور بفعالية. إذ اعترف أحد قادة تيار المستقبل بأنه "كانت لدينا قضايا مالية منذ العام 2009 أعاقت قدرتنا على توفير المنح الدراسية والرعاية الطبية المجانية للكثير من ناخبينا". لا بل إن موظفي الحزب نفسه يحصلون الآن على رواتبهم بشكل متقطع.

هذه الصعوبات المالية ناجمة عن تردّد المملكة العربية السعودية، والتي تعتبر الجهة المموّلة للجماعة السنّية اللبنانية وعائلة الحريري على وجه الخصوص، في الاستمرار بتمويل الحزب. إذ تعترض الرياض على فشل تيار المستقبل في مقاومة حزب الله بقوة، المدعوم من إيران المنافس الإقليمي للمملكة العربية السعودية، عندما أرسل الحزب الشيعي مقاتليه للسيطرة على شوارع بيروت الغربية في أيار/مايو 2008.

بعد اغتيال رفيق الحريري، بذل المسؤولون في تيار المستقبل جهوداً لتشكيل فريق أمني، "أفواج المستقبل"، يمكن أن يتحوّل إلى جماعة مسلحة كاملة إذا ما أصبحت الأنشطة المحلّية لحزب الله عدوانية جداً ضد الجماعة السنّية. ولكن سرعان ما انهار المشروع بعد أن اتّضح أن غالبية المسؤولين في تيار المستقبل لم يكونوا مستعدين لتأييد مثل هذه الخطوة خوفاً من التحريض على مزيد من المواجهات مع حزب الله. وقد لخّص أحد المستشارين السياسيين لسعد الحريري هذا التردّد بالقول بطريقة مازحة إن "السنة في لبنان يفوزون في الانتخابات لكنهم يخسرون الحروب الأهلية". وأشار أعضاء آخرون في تيار المستقبل إلى تناقضات كانت ستظهر لو شكّل الحزب، المدفوع بإرث رفيق الحريري لبناء الدولة، ميليشيا خاصة به.

على الرغم من أن التخلّي عن خطط تشكيل جناح عسكري أكسب تيار المستقبل ثناء الجهات اللبنانية الفاعلة الأخرى، وكذلك المجتمع الدولي، فإن عدداً متزايداً من السنّة يشعرون بخيبة أمل بسبب ما يعتبره البعض تخلّي الحزب عن نضاله ضد النفوذ السوري والإيراني في لبنان، والذي يشكّل أحد البرامج التي قام على أساسها. وقد ازدادت خيبة الأمل إزاء تيار المستقبل بعد قرار سعد الحريري الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية إلى جانب حزب الله في أوائل العام 2014. فقد أظهر شريط فيديو تم بثّه في كانون الثاني/يناير 2014 مسلحين مزعومين في باب التبانة يتهمون زعيم تيار المستقبل بأنه "باع دماء الشهداء" وخان رفيق الحريري. وهدّد المسلحون بحرق مكاتب الحزب في طرابلس.9 

على الرغم من ازدياد مشاعر خيبة الأمل، لم يدعم السنّة الإسلاميين بصورة مطلقة في المجال السياسي. في البلدان العربية الأخرى، يبدو أن خيبة أمل مماثلة إزاء الأحزاب العلمانية تحوّلت إلى زيادة في شعبية منافسيها الإسلاميين. وقد أثَّر هذا الاتجاه على الشيعة في لبنان في أوائل التسعينيات، عندما تولّى حزب الله تدريجياً الدور القيادي للمجتمع، غير أنه لم يؤثّر على السياسة السنّية تماماً حتى الآن. فعلى مدى سنوات، تعثّرت الطموحات الانتخابية للإسلاميين السنّة بسبب الانقسامات الداخلية بين المتعاطفين مع حكام سورية، المندمجين في أحزاب مثل حزب جبهة العمل الإسلامي وحركة الأحباش (حركة صوفية مقرّبة من المخابرات السورية)، ومن يعارضون دمشق بشدّة، بمن فيهم الكثير من السلفيين والجماعة الإسلامية، الفرع اللبناني لجماعة الإخوان المسلين.

تأسّست الجماعة الإسلامية في طرابلس، حيث تعتبر المدينة المعقل الرئيسي للجماعة. ومنذ بداية الثورة السورية، أصبحت الجماعة الإسلامية الجهة الفاعلة الإسلامية الأكثر تأثيراً في السياسة السنّية اللبنانية. والسؤال الآن هو ما إذا كان بوسع الجماعة أن تصبح سريعاً بديلاً لتيار المستقبل.

من المؤكّد أن الجماعة الإسلامية تتمتع بالنفوذ في أوساط السنّة المحافظين في لبنان. فقد طوّرت بنجاح، على مرّ السنين، شبكة وطنية متطوّرة من المدارس والعيادات والجمعيات الخيرية التي تقدّم خدمات ضرورية للمجتمعات السنّية الريفية والحضرية الفقيرة، وهي نشطة جداً في تنسيق الاستجابة المحلية لأزمة اللاجئين السوريين. وفي شمال لبنان، تدير جمعية التربية الإسلامية والجمعية الطبية الإسلامية، وكلاهما تابعتان للجماعة الإسلامية، ثماني مدارس ثانوية كبيرة واثني عشر مركزاً طبياً إضافة إلى مستشفى كامل. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض قادة الجماعة الإسلامية هم من علماء الدين المشهورين، مثل الشيخ أحمد العمري، وهو عضو يحظى بالاحترام في الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين. وتبثّ إذاعة الجماعة الإسلامية، الفجر، على المستوى الوطني، وتفخر المنظمة أيضاً بأنها قدمت العديد من "الشهداء" في مواجهات متتالية مع إسرائيل في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي.

مع ذلك، وعلى الرغم من شرعيتها والإنجازات التي حققتها، لم تتمكّن الجماعة الإسلامية إلى الآن من ترجمة نفوذها على الشارع السنّي المحافظ في لبنان إلى نجاح في صناديق الاقتراع حتى في طرابلس. إذ لم يتم انتخاب أي من مرشحيها من طرابلس خلال الانتخابات البرلمانية في العام 2009.

كثيراً ما يشيرالنقاد إلى الفجوات بين التطلّعات المثالية للإسلاميين السنّة في لبنان وخطاب الجماعة الإسلامية الواقعي في ما يتعلق بالقضايا السياسية الداخلية كسبب لفشلها في كسب القوة السياسية الدافعة. فحتى موقفها بشأن الصراع في سورية - تدعم الجماعة الثورة خطابياً ولكنها ترفض السماح لأعضائها بالذهاب إلى القتال - يتعرض إلى الانتقاد ممن يرغبون في أن تتبنّى الجماعة الإسلامية مقاربة أكثر فعالية تعكس تورّط حزب الله في الأزمة. وهؤلاء النقاد بالضبط هم الذين قد يجدون أن التفسيرات الراديكالية للإسلام السياسي أكثر جاذبية.

خطر التطرّف الإسلامي

إن عدم وجود تنظيمات سياسية عملية وواضحة خاصة باللبنانيين السنّة أمر خطير، لأنه يترافق مع غياب زعامة قوية على المستوى الديني المؤسّسي. في هذا الفراغ، تكون العقيدة الإسلامية بكل تنوّعاتها، بما في ذلك السلفية والجهادية السلفية، هي الأقدر على الاحتفاء بتنامي مشاعر الاستياء السنّي من المجتمع والدولة.

تعتبر دار الفتوى الهيئة الرسمية التي تهدف إلى تمثيل الطائفة السنّية في لبنان وتقديم الرأي الإسلامي بشأن طائفة من القضايا. لكن دار الفتوى غارقة في فضائح متكرّرة شوَّهت صورتها بشدّة. إذ قال مسؤول في الهيئة إن الأزمات التي شهدتها دار الفتوى في السنوات الأخيرة أعاقت قدرتها على تقديم التدريب الديني القوي المعتمد من الدولة للشباب المتديّنين من السنّة. ويخضع أحد المسؤولين في الهيئة، إبراهيم بشير، حالياً إلى المحاكمة بتهمة الفساد، كما تتّهم مصادر في قيادة تيار المستقبل رئيس الهيئة نفسه، المفتي محمد رشيد قباني، بسرقة 6 ملايين دولار من المؤسّسة منذ العام 2009. كما تعرّض المفتي إلى انتقادات بسبب تحالفه ضمنياً مع حزب الله. ونتيجة لذلك انخفضت شعبيته بشكل كبير في المجتمع السنّي لدرجة أنه تعرّض إلى اعتداء جسدي من جانب المشيّعين خلال جنازة ضحايا أحد التفجيرات في كانون الأول/ديسمبر 2013 في بيروت.10 

السخط السنّي إزاء دار الفتوى أعمق من عدم شعبية المفتي ويتغلغل إلى الفروع المحلية للمؤسّسة. ففي طرابلس، اتّخذ هذا العداء شكل معارضة لرئيس الفرع الإقليمي لدار الفتوى، المفتي مالك الشعّار، الذي قضى عاماً في المنفى في باريس قبل أن يعود إلى لبنان في تشرين الأول/أكتوبر 2013، ويدلي بتصريحات بشأن الدور الإيجابي للجيش أثارت جدلاً في المجتمع السنّي المحلي. وقد علّق أحد الساسة السنَّة البارزين من الشمال قائلاً إنه كان ينبغي على الشعّار "أن يبقى في طرابلس بغضّ النظر عن التهديدات بقتله. فأثناء غيابه وصل التطرّف إلى أبعاد مأساوية". واعترف مسؤول في دار الفتوى بأن الهيئة "ينبغي أن تستثمر المزيد في مجال التعليم لمكافحة التطرّف".

في الواقع، حلّت هيئات دينية غير رسمية وأكثر راديكالية تدريجياً محلّ دار الفتوى في توفير الزعامة للطائفة السنّية، مثل هيئة العلماء المسلمين. وتمثّل الهيئة التي أنشئت عقب اندلاع الانتفاضة السورية، تجمّعاً من الشخصيات الدينية السنّية التي تدعم الثورة جهاراً والتي تنتقل قيادتها إلى زعيم إسلامي مختلف كل عام. كان أحمد العمري أول رئيس للهيئة وهو من الجماعة الإسلامية. أما خليفتاه، سالم الرافعي، من طرابلس، وفي الوقت الحالي عدنان أمامة من قرية مجدل عنجر في وادي البقاع، فهما أكثر راديكالية. وقد أوضح عضو بارز في الهيئة قائلاً: "قد تكون وجهات نظرنا متباينة حول العديد من القضايا، لكننا متّحدون جميعاً في عدائنا للنظام السوري". كان الشيخ واضحاً جداً في ما يتعلق بالأهداف التي وضعتها الهيئة الجديدة نصب عينها، وادّعى أن "الهيئة تحاول ملء الفراغ الذي تركته دار الفتوى على المستوى الوطني والمحلي أيضاً. كما أن آراءها ووجهات نظرها تتجاوب مع الشارع السنّي".

يبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كانت هيئة العلماء المسلمين تمتلك القدرة المؤسّسية لتثبيت نفسها كلاعب مهم ومناسب على الساحة الوطنية. ومع ذلك فإن الأمر المؤكّد هو أن أعضاءها يحققون المزيد من الشعبية يوماً بعد يوم، وأن سلطتهم الفعلية تلغي، في كثير من الحالات، سلطة الشخصيات الدينية المعتمدة من الدولة.

في طرابلس، معظم هؤلاء الشيوخ الذين يتمتّعون بالشعبية هم من السلفيين، الذين يبدو أن إيديولوجيتهم تجد لها صدىً متزايداً لدى المحافظين المحلّيين من السنّة. فالسلفية لها تاريخ طويل وحافل في المدينة. تم استيراد السلفية لأول مرة باعتبارها عقيدة دينية على يد الشيخ سالم الشهال في خمسينيات القرن الماضي، ومن ثم انتشرت كنمط حياة متزمِّت خلال الحكم العسكري القصير لحركة التوحيد الإسلامي، وهي حزب سياسي سنّي محافظ للغاية سيطر على طرابلس بين عامي 1983 و1985 وفرض معايير وأعرافاً اجتماعية صارمة على السكان المحليين، وحظر الكحول وطلب من النساء المسلمات ارتداء الحجاب.

ومع ذلك، بحلول العام 1985، كانت القوات السورية قد سحقت الإسلاميين في طرابلس في إطار حرب كانت دمشق تشنّها على الإخوان المسلمين في سورية ولبنان. لا بل إن بعض رجال الدين البارزين، مثل داعي الإسلام الشهال، أُجبروا على الفرار من المدينة بعد اندلاع القتال مرة أخرى بين السلفيين المسلحين والأجهزة الأمنية السورية في جبال الضنّية شرقي طرابلس في العام 2000.

دفعت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في العراق، والتي بدأت في العام 2003، النظام السوري إلى إعادة النظر في سياسته تجاه الإسلاميين. سمحت سورية لبعض الجماعات السلفية بالعمل مرة أخرى، لا بل إنها شجّعت بعضها على الجهاد ضد القوات الأميركية في بغداد. وقد تعزّز إحياء السلفية أكثر بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في العام 2005، والذي أتاح للجماعات الإسلامية توسيع أنشطتها بحرية أكبر.11

منذ ذلك الحين، عزّزت الانتقادات السلفية القاسية للإسلام الشيعي جاذبية الحركة بين عدد متزايد من السنّة الذين يرغبون في القيام بالمزيد لمواجهة الثقل غير المتناظر الذي اكتسبه حزب الله في النظام السياسي في لبنان. وقد عبّر أحد السلفيين البارزين في طرابلس عن وجهات نظره بشأن نمو الحركة قائلاً: "في لبنان، بدأ السنة يشعرون بأنهم مهدّدون في وجودهم بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005، وسيطرة حزب الله على بيروت الغربية في العام 2008، واستئناف القتال مع علويي جبل محسن في طرابلس. فقد كان الوكلاء المحليون للنظام السوري يهاجمونا، وكان علينا أن نعود إلى جذور ديننا لنجد القوة للدفاع عنه".

وفي ما عدا الإيديولوجيا، ثمّة أيضاً أسس اجتماعية واقتصادية لصعود السلفية في لبنان. إذ تجنّد الحركة في المقام الأول أتباعاً بين السنّة من ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدنّي الذين غالباً مايعيشون في الأحياء المحرومة. فوضع هؤلاء يجعلهم متعاطفين مع نقد السلفية لنظام الدولة الحديثة، والذي يقول إن الدولة اللبنانية الحالية مدينة بالفضل لمصالح الطوائف الأخرى، مثل المسيحيين أو الشيعة، وبالتالي فهي لاتخدم مصالح السنّة. في كثير من الحالات، توجّه السلفية نزعة شعبوية سنّية ظهرت في أحياء باب التبانة والمنكوبين والقبة المحرومة في طرابلس، نتيجة لصراع مستمر منذ ثلاثين عاماً ضد تلّة جبل محسن العلوية وغياب الدولة الفعلي عن هذه المناطق. في تلك الأحياء، أنشأت الجماعات السلفية جمعيات خيرية محلية قوية توفر المؤن للكثير من السكان المحتاجين من خلال تبرّعات سخية آتية من شبكات غامضة منشؤها الكويت وقطر وتركيا والمملكة العربية السعودية.

في الوقت الراهن، وعلى الرغم من شعبيتها المتزايدة، لاتزال السلفية تمثّل تياراً صغيراً. إذ تشير مصادر في الفرع المحلي لدار الفتوى إلى أن هناك ما لايزيد عن 3 آلاف من السلفيين من بين سكان طرابلس الذين يصل عددهم إلى نصف مليون نسمة. ومع ذلك، ينبغي أن يُنظَر إلى هذه الأرقام بحذر لأنه لايزال من الصعب قياس درجة تأثير الحركة بالضبط.

عموماً، الطيف السلفي ليس متجانساً، فهو يحوي مجموعة واسعة من الآراء والجماعات والشخصيات التي لاتملك سلطة سياسية أو دينية في نهاية المطاف. وكما أوضح رجل دين سلفي في طرابلس: "نحن متّحدون حول أهداف سياسية متشابهة ولكن قراءتنا لمعاني القرآن تختلف في كثير من الأحيان، كما أن النقاشات في ما بيننا تكون ساخنة في بعض الأحيان". حتى في الموضوعات التي ينبغي أن تكون توافقية بالنسبة إلى السلفيين، من الناحية النظرية، مثل الأزمة السورية، يبدو من الصعب تحديد صوت سلفي واحد. فبعض الشيوخ يشجّعون شبان طرابلس على الذهاب والقتال إلى جانب المتمرّدين، في حين يحاول آخرون ثنيهم عن ذلك.

على هامش هذا الطيف السلفي، أصبحت بعض الجماعات والأفراد متطرّفة من خلال عسكرة الانتفاضة السورية. فقد شهدت طرابلس نمو التيارات الجهادية السلفية في منتصف العقد المنصرم مع ظهور فتح الإسلام، وهي تنظيم متطرّف كان ينشط آنذاك في المخيمات الفلسطينية بالقرب من المدينة والتي سحقها الجيش اللبناني في نهاية المطاف بعد معارك شرسة في أيلول/سبتمبر 2007. 12 أحيت الانتفاضة السورية، وخاصة تورّط حزب الله المتزايد فيها، جاذبية السلفية الجهادية. فعندما دعا سالم الرافعي ، وهو رجل دين سلفي بارز في طرابلس، أتباعه إلى الانضمام إلى المعركة ضد النظام السوري في نيسان/أبريل 2013، جاء كثير من الشباب للاشتراك في الجهاد. ويشير مصدر سلفي مطَّلع إلى أنه بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2013، قاتل نحو 200 من سلفيي طرابلس إلى جانب المتمردين بالفعل، ويقدَّر أن هناك 40 مقاتلاً لايزالون نشطين في سورية. وأضاف المصدر أن "الأزمة العالقة في سورية تعزّز بالتأكيد التيار السلفي الجهادي المحلي".

يلتحق هؤلاء الشبان الطرابلسيون عموماً بالجماعات السورية الراديكالية التي ترحّب بالمقاتلين الأجانب، مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام. وثمّة خطر كبير يكمن في أنهم سيعودون إلى بلادهم وقد أصبحوا أكثر تطرّفاً بسبب العنف المطلق والطائفية الفجّة التي ربما شهدوها في هذه الجماعات والكتائب. وقد علّق أحد السلفيين الذي اعتاد على التفاعل مع المقاتلين اللبنانيين بالقول: "بالتأكيد هم يعودون إلينا أكثر قسوة وقوة".

غير أن رجل دين سلفياً آخر بارزاً في طرابلس ميّز بين فئتين من هؤلاء المسلحين وخلص إلى القول: " كلهم يعودون وقد قست قلوبهم، ولكن هناك من يذهبون إلى شيخهم الذي يسعى إلى تهدئتهم، في حين يرى آخرون أن شيخهم أصبح معتدلاً جداً وأن الكفار وحدهم هم من يدعمون وجود الدولة اللبنانية، وهؤلاء الأخيرون تكفيريون يشكّلون خطراً حقيقياً" (التكفيري مصطلح يصف المسلمين الذين يتّهمون إخوانهم في الدين بالردّة). وأضاف: "شخصياً، أشعر أنني مهدّد من هؤلاء الرجال أكثر من حزب الله"! 

قد يكون بعض هذه التكفيريين وراء الإعلان في كانون الثاني/يناير الماضي بأن الدولة الإسلامية في العراق الشام افتتحت فرعاً لبنانياً لها في طرابلس.

الاستقطاب السياسي يتحوَّل إلى العنف

في إطار السياسة اللبنانية التي تعاني من استقطاب كبير، استهدف الجهاديون السلفيون في كثير من الأحيان السنّة الآخرين الذين ربما يكونون متحالفين مع تحالف قوى 8 آذار الموالي للأسد. وخلافاً للافتراض الشائع، فقد دعمت مجموعة من الجماعات السنّية في لبنان على مرّ السنين أجندة "المقاومة" الشيعية بقيادة حزب الله، وكان دافع بعضها التبرعات السخيّة التي يقدمها لها حزب الله، فيما كانت البراغماتية السياسية دافع البعض الآخر.

على الرغم من سجلّ طرابلس في العداء مع النظام السوري فإن جماعات قوى 8 آذار موجودة في المدينة الساحلية الشمالية، حيث إنها، وفقاً لمصدر مطّلع، " لا تحظى بالشعبية ولكنها تملك القوة العسكرية". كان لمعظم هذه المنظمات الصغيرة نسبياً والشخصيات المحلية حضور في بعض أحياء طرابلس منذ فترة طويلة، غير أن حزب الله عزّز قدراتها المالية والعسكرية من خلال إدماجها في خريطة استراتيجية أوسع نطاقاً في منتصف العقد المنصرم.

في الشمال اللبناني، وفي الوقت الذي بدأت فيه الثورة السورية في العام 2011، كان حزب الله يحظى بدعم من مقاتلين سنّة مدفوعي الأجر ينشطون في معظم المواقع الاستراتيجية في طرابلس ويقدَّر أن عددهم يزيد عن 1000 مقاتل. شمل هؤلاء المسلحون الموالين لرجل الدين السنّي هاشم منقارة الذي كان يسيطر على منطقة الميناء والموالين لنظيره بلال شعبان الذي كان يشرف على المدينة من تلّة أبو سمرة. وكان رجل دين آخر هو مصطفى ملص يبسط سيطرته على حي المنيّة شمال طرابلس. وكانت ثلاث عشائر كبيرة، هي عائلات موري والنشّار والأسود، تمارس نفوذها في منطقة الزهرية الشعبية وأسواق المدينة القديمة، ومعقل السنّة في باب التبانة.

يستمر الكثير من هؤلاء المسلحين في دعم حزب الله، والذي يمكنه أيضاً الاعتماد على الدعم السياسي من ساسة محليين بارزين مثل فيصل كرامي، وريث إحدى العائلات المرموقة، ونجيب ميقاتي، وهو رجل أعمال مقرّب من عائلة الأسد والذي شغل منصب رئيس وزراء لبنان بين كانون الثاني/يناير 2011 وآذار/مارس 2013. ويمكن لحزب الله أن يعتمد أيضاً على الجماعات غير السنّية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي في حي الجميزة والحزب العربي الديمقراطي في تلة جبل محسن العلوية.

تزايدت مشاعر الاستياء الشعبي تجاه هذه الجماعات والشخصيات. كما شهدت التوتّرات بين قوى 8 آذار الموالية لسورية وقوى 14 آذار المناهضة للأسد ارتفاعاً في طرابلس.

شعر أنصار تحالف قوى 14 آذار بأنهم مهدّدون ومعرّضون إلى الهجوم منذ اغتيال رفيق الحريري في العام 2005. وصبّ اغتيال وسام الحسن في العام 2012، وهو شخصية استخباراتية سنّية مقرّبة من تحالف قوى 14 آذار، ودعم حزب الله العسكري لنظام الأسد المحاصر، المزيد من الزيت على النار المشتعلة أصلاً. وكما أوضحت شخصية أمنية بارزة في شمال لبنان، فإن "سلاح حزب الله وسلاح حلفائه في تحالف قوى 8 آذار في طرابلس يوفر بالفعل مبرّراً للمتشدّدين السنّة في باب التبانة كي يمتلكوا أسلحة أيضاً، إنها حلقة قاتلة".

ومما أثار المزيد من التوتّر أن طرابلس أصبحت قاعدة خلفية لأنشطة تهريب الأسلحة وجمع التبرعات من جانب العديد من المتمرّدين السوريين، مادفع بعض أنصار قوى 14 آذار وأعضاء في المعارضة السورية إلى اتهام شخصيات محلية في قوى 8 آذار بالتجسّس على هؤلاء المتمردين، وتوفير معلومات لحزب الله ودمشق، وحتى تنفيذ هجمات ضد المعارضة السورية ومؤيّديها. واتُّهم بعض السنَّة في تحالف قوى 8 آذار بالتعاون مع المخابرات السورية والحزب العربي الديمقراطي لتفجير مسجدين سلفيين في طرابلس في آب/أغسطس 2013، ما أسفر عن مقتل 47 من المصلين وإصابة 800 آخرين، والتسبّب في حدوث أضرار مادية كبيرة.13  وحذر القائد العسكري لإحدى الجماعات الإسلامية المحلية القوية من أن "حزب الشيطان"، في إشارة إلى حزب الله، "يحاول السيطرة على طرابلس من خلال وكلاء، ولكن لن نسمح بأن يستمر ذلك فترة أطول".

يبدو أن بعض سكان طرابلس يثأرون لأنفسهم ويأخذون حقهم بالقوة. فقد شهد العامان الماضيان موجة اغتيالات غامضة لعدد من الأعضاء السنّة البارزين في تحالف قوى 8 آذار في طرابلس، في حين تعرّض آخرون كثر إلى إطلاق النار. من بين الذين تم اغتيالهم الشيخ عبدالرزاق الأسمر في تشرين الأول/أكتوبر 2012، والزعيم العشائري حسام موري في آب/أغسطس 2013، والشيخ سعد الدين غيه في تشرين الثاني/نوفمبر 2013. وتم إطلاق نار وقنابل يدوية على مقرّ الحزب السوري القومي الاجتماعي في طرابلس، وأفراد من عائلة الأسود، ومكاتب الشيخ بلال شعبان، وأفراد جماعة هاشم منقارة الذين أُجبروا على الفرار من المدينة قبل أكثر من عام.

انتقد رجل دين سنّي عضو في قوى 8 آذار "غياب التعدّدية السياسية" في طرابلس واعترف بأنه يشعر بأنه مهدّد شخصياً، قائلاً: "نعم، نحن مع النظام السوري، وذلك لأسباب تتعلّق برغبتنا في الاستقرار السياسي. وللأسف فإن هذا يجعلنا هدفاً في طرابلس، حيث يتم إطلاق القنابل والقنابل اليدوية بانتظام على مناطقنا". يوفر هذا الاستقطاب السياسي العنيف على نحو متزايد لمحة عن جزء من الفوضى التي حدثت خلال العامين الماضيين في طرابلس والتي أكسبت المدينة سمعة انعدام الأمن.

في حين نفّذت الجماعات الجهادية بعض هذه الهجمات، قد لاتكون هذه التنظيمات هي الوحيدة المسؤولة عن العنف السياسي المتكرّر في طرابلس. والواقع أنه ينبغي أحياناً أن يشار بأصابع الاتهام إلى المزيد من الجهات الفاعلة الرئيسة. فقد طرح عضو بارز في قوى 8 آذار تفسيره للأحداث، معتبراً أن "السنّة في تيار المستقبل راهنوا بكل شيء على طرابلس، حيث يحلمون بإقامة مملكتهم الصغيرة لمواجهة "خطر الشيعة غير أنهم لم ينجحوا تماماً، وبالتالي فإن المعركة تتحوّل إلى أعمال عنف".

تشير مصادر أمنية إلى الدور المثير للجدل لضباط سابقين في الجيش اللبناني مقرّبين من تيار المستقبل، يقال إنهم يموّلون ويسلحون مجموعات من الشبان للقيام بعمليات عسكرية متفرقة في طرابلس. وبالمناسبة، فإن أهداف هذه الجماعات غالباً ما تقع في المجتمعات المحلية المكتظة بالسكان والفقيرة جداً، مثل مناطق السوق والأحياء الفقيرة في المينا أو منطقة باب التبانة، والتي تمثّل تجمعات كبيرة للناخبين المحتملين. وعلّق قيادي في تيار المستقبل على الأنشطة الحساسة لهؤلاء الضباط السابقين في الجيش، موضحاً أنهم "يحاولون فقط تنظيم المسلحين وثنيهم عن الذهاب إلى وكلاء حزب الله أو إلى الجماعات السنّية المتطرفة للحصول على الأسلحة والمال".

يؤسّس العنف اللفظي والجسدي الذي يميّز الصراعات السياسية في لبنان بصورة متزايدة لديناميكية تخاطر بالخروج عن السيطرة. والواقع أن الأشخاص المرتبطين بقوى 8 آذار في طرابلس ردّوا حتى الآن على التهديدات التي استهدفت حياتهم ليس عن طريق تبديل ولاءاتهم السياسية ولكن عن طريق تسليح أنفسهم. فعندما تمت تسمية ابن طرابلس نجيب ميقاتي رئيساً للوزراء في الحكومة التي يهيمن عليها حزب الله والتي خلفت حكومة سعد الحريري، على سبيل المثال، واجه احتجاجات عنيفة في مسقط رأسه دفعته إلى تبنّي نهج أكثر فعالية بشأن سلامته مما كان عليه الحال في الماضي. وقدّم أحد الأشخاص المقرّبين منه مزيداً من التفاصيل، قائلاً: "بدأ نجيب ميقاتي يشعر بأنه مهدّد جسدياً، ولذلك فقد كلّف أحد مستشاريه بتشكيل وتسليح مجموعة لحمايته، كنوع من الدفاع الوقائي عن النفس".

الآن، تحصل كل ميليشيات طرابلس تقريباً، بما في ذلك بعض الجماعات السلفية، على تمويل جزئي من ميقاتي. وأوضح زعيم إحدى الميليشيات متوسطة الحجم النشطة في باب التبانة قائلاً: "هناك سببان وراء قيام ميقاتي بتزويد مجموعتي بالمال والسلاح، وها يتمثّلان بالمساعدة في إعادة انتخابه وحماية نفسه". غير أن لمثل هذه الطريقة في توفير الحماية عواقب أمنية لأنها تساعد في تأجيج صراع آخر خطير يتمثّل بالصراع القديم بين منطقتي باب التبانة السنّية وجبل محسن العلوية.

هل يتحوَّل الصراع السياسي إلى صراع طائفي؟

على مدى السنوات القليلة الماضية، غالباً ما تم تصوير الصراع بين باب التبانة وجبل محسن في وسائل الإعلام على أنه "امتداد طائفي" للأزمة السورية يؤلّب الأغلبية السنّية في المدينة ضد الأقلّية العلوية.14  ولكن، على الرغم من أن الصراع بين جبل محسن وباب التبانة يعبّر عن نفسه بطريقة طائفية على نحو متزايد، فإن جوهره سياسي في المقام الأول.

غالباً ما وصف المتشددون من كلا الجانبين خط الجبهة الفاصل بين المنطقتين بأنه" علبة بريد" للقوى السياسية المتخاصمة لإرسال رسائل سياسية إلى بعضها بعضاً، في معظم الأحيان ضمن الإطار الأوسع للصراع القديم بين المملكة العربية السعودية من جهة، وإيران وسورية من جهة أخرى. ولاشك أنه من النادر أن نشهد هذا النوع من الاستقطاب السياسي واسع النطاق في مثل هذه المساحة الصغيرة، ولاسيما أنه استقطاب تتطابق فيه خطوط الصدع بدقّة مع الانقسامات الوطنية والإقليمية.

هذا الصراع له جذور عميقة. ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت الأجندات السياسية لباب التبانة وجبل محسن متناقضة ومختلفة. في ذلك الوقت، دعم السنّة في المنطقة بأغلبية ساحقة منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات في صراعها ضد قوات الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد، والتي كانت موضع ترحيب في شوارع طرابلس من جانب العلويين في جبل محسن. وأدّى ظهور حركة التوحيد الإسلامي في العام 1982 إلى تراجع النفوذ السوري لفترة وجيزة، غير أن سيطرة الحركة على المدينة لفترة قصيرة أدّت إلى تفاقم التوتّرات السياسية والدينية بين الطائفتين.

بعد أن سحقت القوات السورية حركة التوحيد الإسلامي في العام 1985، أصبح حي باب التبانة مسرحاً لمذبحة واسعة في كانون الأول/ديسمبر 1986. فقد تم قتل مئات من أفراد العائلات من دون محاكمة على يد رجال ميليشيا الحزب العربي الديمقراطي، الجماعة شبه العسكرية العلوية الرئيسية التي تسيطر على جبل محسن.15  وبسبب الوجود العسكري المطوّل للنظام السوري في لبنان، لم يتم إجراء أي تحقيق جدّي في تلك الأحداث، ماجعل الكثير من العائلات تبحث عن إجابات، وعن الانتقام، في بعض الحالات، بعد عقود عدة. إذ قال رجل دين سلفي على صلة بالجماعات التي تقاتل في باب التبانة إن "ذكرى هذه الفظائع لازالت تغذّي، لا بل تزيد، حدّة الصراع الحالي".

واليوم، فإن الصراع الذي كان يدور بين أنصار وخصوم عرفات أصبح يدور الآن بين مؤيدي ومنتقدي الأسد. وقد عادت نيران المواجهة إلى الاشتعال في العام 2005، عقب اغتيال رفيق الحريري، وفي العام 2008، بعد توغّل حزب الله في بيروت الغربية، بيد أن النيران انتشرت بسرعة أكبر بعد اندلاع الانتفاضة السورية.16  إذ يؤيّد من يعيشون في الأحياء السنّية المحرومة مثل باب التبانة والقبة والمنكوبين الانتفاضة السورية بأغلبية ساحقة، في حين ينتمي الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن إلى قوى 8 آذار الموالية لسورية. وقد صرّح زعيم الحزب العربي الديمقراطي، رفعت عيد، مراراً بأنه "يتشرّف" بأن يكون "جنديا صغيراً في خدمة بشار الأسد"،17  ويمكن مشاهدة صور الرئيس السوري وأعلام الجمهورية العربية السورية في كل أنحاء جبل محسن. وأوضح أحد القادة المسلحين في منطقة القبة والذي يرتبط بعلاقة مع أحد الساسة في قوى 14 آذار أن الصراع الحالي هو "صراع بين خطين سياسيين، هما خيار الحزب العربي الديمقراطي بالتحالف مع النظام السوري في مواجهة دعمنا الشعبي للثوار".

وصل العداء بين منطقة جبل محسن والمناطق المحيطة بها إلى آفاق جديدة بعد أن اتّهم القضاء اللبناني مسؤولين كباراً في الحزب العربي الديمقراطي بالتعاون مع المخابرات السورية للتحريض على شنّ هجمات بالقنابل في آب/أغسطس 2013 على المساجد السلفية في طرابلس.18  في نظر كثيرين في المدينة، أظهر الحزب العربي الديمقراطي وجهه الحقيقي من خلال تلك الممارسات. ووفقاً لما يقوله زعيم إحدى الميليشيات السنّية القوية، فإن "الحزب العربي الديمقراطي لم يعد مجرّد حليف سياسي للأسد، بل أصبح جزءاً كاملاً من النظام السوري، وهو ينفّذ بشكل أعمى الأجندة الأمنية للنظام في طرابلس". هذا التغيير في التفكير يغذّي ديناميكية خطيرة تتمثّل في أن الصراع في سورية بات يجري تدريجياً على الأراضي اللبنانية. وخلص رئيس الميليشيا إلى القول مفاخراً، "من خلال محاربتنا الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن، فإننا نحارب من أجل الثورة السورية، ولكن من الداخل".

وقد تعزّز هذا الاتجاه عبر وصول عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى طرابلس على مدى السنوات القليلة الماضية، حيث يعيش معظمهم الآن في الأحياء السنّية الفقيرة في المدينة.

لايدعم اللاجئون بالضرورة هذا الرقم من خلال حمل السلاح بأنفسهم. وخلافاً للافتراض الشائع، هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى أن هؤلاء السوريين ينشطون في المعركة الحالية ضد جبل محسن. ووفقاً لما يقوله مدير إحدى الشبكات المؤثّرة من المنظمات غير الحكومية السورية في طرابلس، فإن معظم اللاجئين "فرّوا من سورية على وجه التحديد بسبب الحرب والدمار"، وهم "يتطلعون الآن إلى إعادة بناء حياتهم وإيجاد فرص عمل بدلاً من استئناف القتال".

ولكن، حتى لو لم يكن مجتمع اللاجئين متورّطاً في الاشتباكات ضدَّ جبل محسن، فإن الغالبية الساحقة من اللاجئين السوريين متعاطفون بالتأكيد مع الصراع المحلي ضد الحزب العربي الديمقراطي. وهذا يعزّز رواية المقاتلين اللبنانيين السنّة بأن استهداف جبل محسن هو جزء من الصراع ضدَّ دمشق. إذ قال لاجئ كان نشطاً في الجيش السوري الحر المعارض إن "الناس في التبانة يقاتلون من أجلنا نحن السوريين، وهم يضعون معاناتنا في الاعتبار عندما يضربون جبل محسن".

يكمن الخطر الحقيقي لهذا الاستيراد التدريجي للأزمة السورية إلى لبنان في أنه يحمل في طيّاته المخاطر التي تواجهها الثورة السورية نفسها، بما في ذلك تطييف الصراع السياسي. ربما يكون انعدام الثقة بين السنّة والعلويين في طرابلس قديماً، لكنه اتَّخذ أبعاداً مقلقة مؤخراً. في بعض الحالات، أصبحت الطبيعة الطائفية المجرّدة للعنف مسألة لايرقى إليها الشكّ. فقد تم حرق المحلات التجارية لبعض التجار العلويين، وإطلاق النار على عدد متزايد من العمال العلويين أثناء تنقلهم بين جبل محسن وأجزاء أخرى من طرابلس، وجرى استهداف بضع حافلات مدرسية تحمل سكاناً علويين.19 

ربما تقف بعض الجماعات السلفية الجهادية وراء بعض هذه الهجمات التي لاتزال محدودة، بيد أن ثمّة خطراً حقيقياً من احتمال أن يمتدّ العنف ويتحول إلى حملة مجتمعية أوسع. ومع استمرار الصراع السوري، سيصبح افتراض أن كل العلويين اللبنانيين يشجّعون أعمال الحزب العربي الديمقراطي، وأنهم يشاركونه خطه السياسي تماماً، أمراً شائعاً، وهو ما قد يعني ازدياد وتيرة وشدّة الهجمات.

لكن هذا الافتراض سيكون خطأً. فالحزب العربي الديمقراطي هو حزب سياسي وجماعة شبه عسكرية، ويخضع إلى سيطرة عائلة عيد منذ سبعينيات القرن الماضي. وللحزب تأثير كبير في جبل محسن وذلك لأن الميليشيا التابعة له، الفرسان الحمر، مموّلة تمويلاً جيداً وتوزع الأسلحة والذخائر على السكان العلويين الذين يخشون على سلامتهم. ومع ذلك ينتقد العلويون اللبنانيون بشدّة سجل الحزب العربي الديمقراطي الاقتصادي والاجتماعي في جبل محسن، ويتساءلون بشكل متزايد عن مدى صوابية موقف الحزب الموالي للأسد.20  وقال شخص بارز في جبل محسن "إننا في حاجة إلى إعداد جبل محسن لمرحلة ما بعد الأسد: حتى لو بقي بشار الأسد، فإن الأمور لن تبقى على حالها بعد الآن في لبنان وطرابلس، يجب أن نكون على استعداد لهذا الترتيب الجديد".

مع ذلك، ونظراً للحالة الأمنية غير المستقرة يشعر العلويون أنهم في حاجة إلى ميليشيا الحزب العربي الديمقراطي لحمايتهم. ونتيجة لذلك، لايمكن أن يكون هناك أي بديل سياسي للحزب العربي الديمقراطي حتى يصبح المجتمع أكثر أمناً. وبالتالي فإن ظهور أي قوة سياسية علوية لبنانية جديدة يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع تحسّن الوضع الأمني بين جبل محسن وباب التبانة.

حتى الآن، كان التقدم الذي تقوده الحكومة بهدف تخفيف التوتّر ضئيلاً. إذ لم تكن هناك أي مبادرات ترعاها الدولة لإنشاء فضاء عام يمكن من خلاله لسكان جبل محسن وباب التبانة إطلاق حوار رسمي أو غير رسمي لتحسين التفاهم المتبادل ومعالجة مظالم بعضهم بعضاً. فحتى بلدية طرابلس كانت عاجزة تماماً في هذا الجانب، واقتصرت مبادراتها على دفع الأموال لبعض الشباب في كلا الحيين لرسم لوحات على خط الجبهة في شارع سورية، الذي يفصل جبل محسن عن باب التبانة، وإعادة بناء أجزاء من الأدراج التي تربط بين المنطقتين. وقد ادّعى عضو في مجلس المدينة أن "البلدية لايمكنها حلّ الصراع لأن القضية سياسية".

حاول المجتمع المدني ملء هذه الفجوة وردم الهوّة بين الحيين. فقد أطلقت إحدى المنظمات غير الحكومية المحلية، "عطاؤنا"، دورة تدريبية على الوساطة الاجتماعية من شأنها أن تزود قادة الشوارع بالمهارات اللازمة للتفاوض على إيجاد سبيل للخروج من الصراعات داخل مناطقهم، ربما قبل استخدام هذا التدريب للتوسّط بين الأحياء المتحفّظة.

ونظمت إحدى منظمات المجتمع المدني، "نحن نحب طرابلس"، معسكراً صيفياً في العام 2012 جمع 38 شاباً وشابة مناصفة بين باب التبانة وجبل محسن لقضاء ثلاثة أيام في ورشة عمل لتعلم مهارات حل النزاعات. حضر المشاركون في المخيم الصيفي مجاناً وشاركوا في مجموعة متنوعة من الأنشطة، بما في ذلك دورات مكثّفة حول وسائل الإعلام الاجتماعي وبناء السلام والعلاج عن طريق الفن. وأوضح أحد المنظّمين أهداف هذه المبادرة قائلاً: "الحقيقة هي أن معظم الشباب في باب التبانة وجبل محسن تعبوا من الصراع. وقد أفسحنا لهم المجال لتقبّل بعضهم بعضاً بصورة أفضل، وقدمنا لهم الأدوات اللازمة لرفع صوتهم ضد العنف كلما انبثق". ويبدو أن التجربة كانت إيجابية. أضاف المنظّم: "في البداية كانت المجموعة منقسمة، غير أن طوق الصمت انكسر بعد أن أدرك الشباب من كلا الجانبين أن هناك الكثير من الأمور المشتركة بينهم، خصوصاً الأمور الواقعية مثل الأذواق الموسيقية المشتركة أو المعاناة المتشابهة جرّاء الصراع".

بسبب نقص الأموال، لم يكن بالإمكان إقامة المخيم في العام 2013، غير أن نجاحه، حتى على هذا النطاق الضيق، يظهر الحاجة إلى إتاحة أي نوع من الفضاء العام من أجل جمع أكبر عدد من الأصوات التي لاتشعر بأنها ممثّلة من خلال ميليشيات باب التبانة أو من خلال الحزب العربي الديمقراطي في جبل محسن. إذ إن من شأن مثل هذا التطور أن يشجّع على ظهور بدائل سياسية.

جدل حول دور الجيش

من الناحية النظرية، يمكن أيضاً احتواء العنف الناجم عن الصراع بين باب التبانة وجبل محسن من خلال تدخّل الجيش اللبناني. مع ذلك، وعلى الرغم من وجوده في المدينة، لم يتمكّن الجيش اللبناني حتى الآن من تهدئة القتال. ويرجع هذا إلى حدّ كبير إلى حالة الشّلل الكبيرة التي أثّرت تقريباً على كل المؤسّسات اللبنانية منذ أن أصبحت السياسة في البلاد مستقطبة بصورة كبيرة في العام 2005، وهو الاتجاه الذي استفحل أكثر عندما استقالت حكومة نجيب ميقاتي في آذار/مارس 2013، ماجعل لبنان من دون حكومة عاملة لمدة عام تقريباً.

ولكن عدم قدرة الجيش اللبناني على حسم القتال في طرابلس تنبع أيضاً من عدم رغبة قيادته في اتّخاذ موقف حازم قد يشكّل خطراً على تماسكه. إذ يجنّد الجيش اللبناني، على غرار المؤسّسات اللبنانية الأخرى، منتسبيه وفقاً للمهارات والدين، حيث يتم تخصيص حصة متساوية نسبياً من الوظائف العليا لأبناء الطوائف الثماني عشرة المعترف بها رسمياً في البلاد. ومع ذلك، فإن القاعدة الأساسية للجيش اللبناني تتكوّن بصورة ساحقة من الجنود المسلمين السنّة، الذين تعود أصول الكثير منهم إلى منطقة عكار المتاخمة لطرابلس. في العام 1975، أدّى خلاف بين ضباط مسلمين ومسيحيين في الجيش اللبناني بشأن السياسة تجاه منظمة التحرير الفلسطينية إلى انقسام كبير ساهم إلى حدّ كبير في إغراق البلاد في حرب أهلية.

وبالتالي ليس من المستغرب أن تكون قيادة الجيش اللبناني اليوم حذرة من إقحام جنودها في هذا النوع من العمليات العسكرية التي يمكن أن تنكأ جراح الماضي. كما أن اتّخاذ موقف قوي إما لصالح باب التبانة أو جبل محسن يمكن أن يؤدّي إلى ذلك من خلال إشعال الفتنة بين السنّة والشيعة داخل الجيش نفسه.

تتصاعد الدعوات للضباط السنة كي ينشقّوا عن الجيش اللبناني وإنشاء "جيش لبناني حر" منحاز ضد العلويين في جبل محسن ونفوذ حزب الله على كل لبنان.21  لم تحظ هذه الدعوات حتى الآن إلا بقدر ضئيل من الجاذبية الشعبية، لكنها لاتزال تمثل تطوراً كبيراً بالنسبة إلى لبنان، خصوصاً وأن أعداداً متزايدة من السنّة ينظرون إلى قيادة الجيش اللبناني على أنه يعاني من مشكلة تحيّز خطيرة لحزب الله والشيعة، وهو رأي نابع إلى حدّ كبير من النفوذ التاريخي للنظام السوري في لبنان.

منذ العام 1976،عندما تمركزت القوات السورية في بيروت، وحتى العام 2005، سيطرت دمشق على الديناميات السياسية والأمنية اللبنانية المحلية. يومها، خضع عدد من ضباط الجيش اللبناني للتدريب في سورية، ما سمح لنظرائهم في دمشق ببناء شبكة نفوذ قوية في لبنان. ويقول بعض النقاد إنه عندما انسحب الجيش وأجهزة المخابرات السورية رسمياً في العام 2005، بقيت شبكاتهم الأساسية قائمة وتولّى حزب الله مهمة ملء الفراغ. وذهب ضابط سابق رفيع المستوى في الجيش اللبناني إلى ما هو أبعد من ذلك قائلاً إن مسؤول الأمن في حزب الله، وفيق صفا، حلّ الآن محلّ قائد الجيش السوري السابق في لبنان غازي كنعان.

يتنامى هذا التصوّر بالتأكيد، سواء كان دقيقاً أم لم يكن، في أوساط السنّة اللبنانيين. فقد كان نقد السنّة للجيش اللبناني يقتصر على زوايا متطرّفة في هذا المجتمع، ولكنه أصبح رويداً رويداً أكثر شيوعاً.

يشعر بعض السنّة أنهم قد عوملوا بطريقة غير عادلة بالمقارنة مع الشيعة بشكل عام وحزب الله بشكل خاص. فقد تضاعفت اتهامات الكيل بمكيالين في أعقاب الأزمة السورية، ولاسيما بعد تورّط حزب الله في الصراع والهجمات المتكرّرة التي تشنها طائرات الجيش السوري على القرى السنية اللبنانية في منطقتي عكار وعرسال الحدوديتين. وفشل هذان التطوران حتى الآن في استخلاص أي استجابة قوية أو إدانة من الجيش اللبناني. إذ لخّص زعيم إحدى الميليشيات الإسلامية في طرابلس مشاعر الإحباط لدى السنّة وصرخ قائلاً: "السنة مكبلون"، وأوضح "الجيش اللبناني يسمح لمقاتلي حزب الله بالذهاب والقتال في سورية إلى جانب النظام في حين تقصف الطائرات السورية مناطقنا، ومع ذلك فهو يعتقلنا إذا ما التحقنا بالمتمردين للدفاع عن أنفسنا وحماية أقاربنا على الجانب الآخر من الحدود".

لا يزال السنّة المعتدلون الذين ينتمون إلى تيار المستقبل والجماعة الإسلامية يؤكّدون إلى الآن على أن انتقاداتهم تستهدف قيادة الجيش وليس الجيش كله. غير أن هناك خطراً يتمثّل في أن عدداً متزايداً من الشبان المتطرّفين ليسوا على استعداد لممارسة هذا التمييز بعد الآن. وحذّر مصدر جهادي من أن "لبنان بشكل عام وطرابلس على وجه الخصوص هي مجرد محافظات وقرى تابعة لدمشق. وقد أصبح واضحاً الآن أن الدولة اللبنانية جزء من النظام السوري". هذا التفكير يمكن أن يُترجَم إلى زيادة في الأنشطة السلفية الجهادية التي تستهدف الجيش اللبناني، وهو المؤسّسة التي تعتبرها الشبكات المقرّبة من تنظيم القاعدة "جيشاً صليبياً يدعمه حزب الله."

في طرابلس، استجاب الجيش اللبناني لتدهور حالة العلاقات المدنية - العسكرية وأعمال العنف المستمرة بالإعلان عن "خطة أمنية" لاستعادة النظام. في تشرين الثاني/نوفمبر، أرسلت الحكومة المزيد من القوات، وأعلنت المدينة بأكملها "منطقة عسكرية"، وبالتالي وضعت جميع الأجهزة الأمنية تحت القيادة العامة للجيش اللبناني وسمحت بانتشار القوات اللبنانية فيها. وقد مكّن تشكيل الحكومة اللبنانية في شباط/فبراير الماضي الجيش اللبناني من اتّخاذ خطوة إضافية بالتدخّل بقوة أكبر عندما اندلعت جولة جديدة من القتال في آذار/مارس. وعلى الرغم من أن الجيش لم يصل إلى حدّ إلقاء القبض على زعماء الميليشيات الأساسية، فقد صادر مخازن أسلحة واعتقل عدداً من المسلحين السنّة والعلويين.  

ولكن على الرغم من الاستراحة القصيرة في القتال، لم تتغيّر الديناميكيات الأمنية على الأرض بصورة جذرية. فقد قال مسؤول أمني كبير، معترفاً بمحدودية التحرّك الأخير للجيش: "يمكنك مقارنة الخطة الأمنية بالتخدير. فهو يهدّئ الألم مؤقّتاً لكنه لايعالج المرض".

من الممكن أن نتصور حصول المزيد من الخطوات الملموسة لتحسين صورة الجيش اللبناني على الأرض بهدف منحه الدعم الشعبي الذي يحتاجه لاتّخاذ إجراءات قوية. يمكن أن تتمثّل إحدى هذه الخطوات في نقل قواعد الجيش بعيداً عن مواقعها الحالية، في ملعب كرة القدم والقلعة التاريخية، حيث تؤثّر سلباً على الإمكانات الاقتصادية والسياحية في المدينة. وثمّة خطوة أخرى يمكن أن يترتب عليها متابعة النقاش الذي بدأه ميقاتي في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 حول إمكانية دمج الميليشيات في طرابلس في الأجهزة الأمنية، وهذا يعكس ما تم القيام به لحل الميليشيات الناشطة في الحرب الأهلية في لبنان. انتقد الكثيرون اقتراح ميقاتي على الفور، بمن فيهم بعض رؤساء الميليشيات الذين ادّعوا أن مثل هذه الخطوة "لن تجعلهم ينسون كل الدم الذي أريق إلى الآن"، ولكن على الرغم من ذلك، قد يكون من المفيد مناقشة الأمر بمزيد من التعمق.

إنقاذ لبنان من حافة الهاوية

قرب لبنان الجغرافي وعلاقاته الاجتماعية والدينية مع المناطق الداخلية السورية يجعله عرضة بشكل خاص للديناميكيات التي تتكشّف على الجانب الآخر من الحدود. وهذا صحيح لأن الانقسام بين القوى المعارضة والمؤيدة للنظام في دمشق كان إحدى السمات البارزة للسياسة اللبنانية قبل فترة طويلة من اندلاع الانتفاضة السورية. وتلخّص الأحداث التي تجري في طرابلس على الوجه الأفضل هذا التداخل بين العوامل المحلية والإقليمية، ومع ذلك فإن الاتجاهات هناك تحمل أهمية أكبر بالنسبة إلى بقية البلاد، وينبغي أن ينظر إليها باعتبارها إشارة تحذير.

تعبيراً عن إدراكهم ووعيهم للمخاطر التي تحيق بلبنان، أصدر القادة السياسيون في حزيران/يونيو 2012 إعلان بعبدا، الذي سمي على اسم القصر الرئاسي الذي تم توقيعه فيه، والذي يلزم بتوافق الآراء جميع الأحزاب اللبنانية بالنأي بنفسها عن الصراع في سورية. ومع ذلك، فقد تم حتى الآن تجاهل بنود الإعلان إلى حدّ كبير من جانب الموقّعين عليه أنفسهم، والذين أصبحوا أكثر استقطاباً نتيجة للأزمة المستمرة في دمشق.

ثمّة خطر في أن يتّخذ هذا الانقسام السياسي شيئاً فشيئاً صبغة دينية، ويؤلّب السنة ضد الشيعة، وهو ما قد يؤجّج الطائفية والعنف في نهاية المطاف على نطاق وطني. وثمّة خطر من احتمال ألا تعكس عسكرة الصراع في طرابلس سوى غيض من فيض. ويتزايد الزخم لدى كل أطياف المجتمع السنّي في لبنان للتسلّح والوصول إلى توازن قوى مع الشيعة في حزب الله. فقد حاول رجل الدين السلفي أحمد الأسير، على سبيل المثال، تسليح أتباعه في مدينة صيدا الساحلية الجنوبية قبل أن يتم القضاء على جماعته في القتال مع الجيش اللبناني قبل نحو عام. ويمكن أن تؤثّر هذه الديناميكية أيضاً على الأحزاب السنّية الأكثر اعتدالاً، مثل تيار المستقبل، الذي دعا بعض أعضائه إلى إنشاء "قوات دفاع ذاتي".22  وأصبح هذا التهديد حقيقياً منذ نيسان/أبريل 2013، عندما طوّر حزب الله رسمياً دعمه للنظام السوري ليتحوّل إلى تدّخل عسكري واسع النطاق.

يجب إطلاق نقاش سليم وعميق حول ما إذا كان حزب الله "حركة مقاومة" أو "ميليشيا" وما هي العواقب التي ينطوي عليها الاختلاف بين التوصيفين لجهة امتلاك الحزب مخزوناً كبيراً من الأسلحة المتطورة.

ينبغي على الأحزاب المعارضة أن تدرك بأنه لايمكن حلّ حالة الاستقطاب الحالية على نحو فعّال إلا من خلال البدء في حوار وطني جديد يشمل أهم القضايا، مثل سلاح حزب الله. وسيتعيّن على كل جانب تقديم تنازلات، مع الأخذ في الاعتبار حقيقة أن أي بديل عن الحوار سيؤدي إلى صراع محلي طويل الأمد وأكثر تكلفة، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤثّر، في المدى الطويل، على الآفاق الاقتصادية الواعدة في البلاد في قطاع النفط والغاز.

في المدى القصير، ستتفاقم كل هذه التوتّرات بسبب الموجة المتزايدة من اللاجئين السوريين في لبنان. وبما أن تركيا ستذهب إلى صناديق الاقتراع في آب/أغسطس 2014 لإجراء انتخابات رئاسية، في حين يواجه العراق تمرداً سنّياً متطرّفاً في الأنبار، ويواجه الأردن تحدّيات اجتماعية واقتصادية متزايدة خاصة به، فإن من المرجّح أن تشدّد كل هذه البلدان القيود على حدودها، ما يجعل الحدود اللبنانية التي يسهل اختراقها السبيل الوحيد الآمن للخروج من سورية بالنسبة إلى اللاجئين الفارّين من تصاعد حدّة القتال بين المتمرّدين والحكومة. وإلى الآن، هناك القليل من الأدلّة التي تشير إلى أن اللاجئين السوريين متورّطون في الصراعات السياسية اللبنانية المحلية. ومع ذلك، وبما أن إقامة هؤلاء اللاجئين قد تمتدّ إلى أجل غير مسمّى نظراً لعدم وجود أي احتمال للتوصل إلى تسوية في سورية، فسوف يستمر الشعور بالعواقب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المترتّبة على وجودهم، ماسيفاقم حدّة الاستقطاب بين الأحزاب اللبنانية.

يبدو أن المجتمع الدولي يدرك هذه المخاطر. وفقاً لتقديرات البنك الدولي، يصل حجم المساعدة المالية التي يحتاجها لبنان لمعالجة أزمة اللاجئين إلى نحو 2.6 مليار دولار. ومع ذلك، فقد فشل اجتماع مجموعة أصدقاء لبنان، وهو تجمّع غير رسمي للحكومات التي تدعم استقرار لبنان، الذي عقد في آذار/مارس الماضي في باريس، في ترجمة التعهدات بتقديم الدعم إلى مساعدة ملموسة، وهو مايرجع في معظمه إلى مخاوف بشأن عدم فعّالية المؤسسات اللبنانية.

من المقلق في الواقع أن عدم وجود توافق سياسي منع، إلى حدّ كبير، بعض أهم مؤسّسات الدولة اللبنانية من القيام بواجباتها بشكل صحيح. في بعض الحالات يتم التشكيك في شرعية هذه المؤسّسات ذاتها. ولم يتمكّن البرلمان اللبناني، على سبيل المثال، والذي أجّل الانتخابات العامة التي كان من المقرر عقدها في حزيران/يونيو 2013 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2014، من عقد جلساته بصورة منتظمة وكافية لتمرير التشريعات الأكثر أهمية أو التعيينات في الوظائف العامة.

لا بدّ من إيجاد حلول أكثر واقعيّة وعمليّة للتغلّب على الشّلل الدستوري والمؤسّسي المستمر الذي يمسّ بصدقيّة الدولة. ونظراً إلى حجم مركزية السلطة والقرارات والموارد في لبنان، يمكن أن يتم، على سبيل المثال، إحياء عملية التحوّل إلى اللامركزية التي ظلت خامدة منذ فترة طويلة. وهذا لن يوفّر للجهات الفاعلة المحلية الوسائل اللازمة للتوسّط في النزاعات ومعالجة هموم مواطنيها بصورة مباشرة وحسب، بل من شأنه أيضاً تعزيز ثقة الجمهور في لبنان ككيان، ولو في رموزه الأكثر محلّية.

منذ أوائل العام 2014، بدأ العنف السياسي والطائفي الذي يهزّ طرابلس بالانتشار في أجزاء من وادي البقاع وبات يهدّد بالاتّساع ليشمل أجزاء أخرى من البلاد. ولمنع كل لبنان من الوقوع في هاوية الحرب الأهلية مرة أخرى، يجب على صنّاع القرار اللبناني المسارعة إلى التواؤم مع سلسلة من التحدّيات التي لم تحظ بمعالجة كافية في العقود الماضية. فقد أنهكت هذه التحدّيات لبنان قبل فترة طويلة من بداية الانتفاضة السورية. ولعلّ أوضح هذه القضايا هي ضرورة عكس اتجاه الإهمال والتخلّف في طرابلس والمناطق الأخرى. فهذه الأوضاع توفّر بيئة خلفية للتطرّف. ويتعيّن على الساسة السنّة أيضاً تنشيط دار الفتوى للتأكّد من أن تترافق خطط التنمية الاقتصادية متوسطة وطويلة الأجل بجهود احتواء التطرّف الديني.

ولكي يتم كسر الدورة الحالية من التدهور في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يجب أن تبتعد الجهات الفاعلة اللبنانية عن الاعتراف، بشيء من السلبيّة، بالحاجة إلى النأي بالنفس عن الأزمة السورية واتباع نهج أكثر فعّالية. فهي ستحتاج إلى معالجة أهم التحدّيات في البلاد مباشرة بوسائل مبتكرة وغير تقليدية.

يودّ الكاتب أن يشكر علي اليسير وماري قرطام على مساعدتهما الطيبة ودعمهما في البحث. كما يودّ أن يوجّه الشكر إلى منحة غايتس من جامعة كامبريدج ومشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط (POMEPS).

ملاحظات

“Security Official: Tripoli Fast Becoming Like Kandahar,” Daily Star, June 4, 2013, http://www.dailystar.com.lb/News/Politics/2013/Jun-04/219354-security-official-tripoli-fast-becoming-like-kandahar.ashx.

2 .United Nations Development Program, Millennium Development Goals: Lebanon Report 2008, 13, www.undp.org/content/dam/rbas/report/2008 en.pdf.

3 دراسة غير منشورة حصل عليها المؤلف من اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا) تتعلق ببناء مؤشّر جديد للفقر لقياس معدلات الفقر في طرابلس في كانون الأول/ديسمبر 2011.

4 International Poverty Center, Poverty, Growth and Income Distribution in Lebanon, Country Study no. 3, January 2008, 9, www.ipc-.undp.org/pub/IPCCountryStudy13.pdf.

5 تستند هذه الورقة، ما لم تتم الإشارة إلى خلاف ذلك، إلى مقابلات أجراها المؤلف في طرابلس بين أيلول/سبتمبر 2013 وكانون الثاني/يناير 2014.

6 Figures gathered from a study of the impact of the Syrian refugee crisis in northern Lebanon carried out by the Office of the United Nations High Commissioner for Refugees in March 2014. See United Nations High Commissioner for Refugees, “Syrian refugees in Lebanon – 22 March 2014” and “Syria Refugee Response—Lebanon North Governorate,” March 2014.

7 Bruno Dewailly and Catherine Le Thomas, Pauvrete et conditions socio-economiques a al-Fayha’a: diagnostics et elements de strategie (Paris: Agence Française de Developpement, December 2009), 142.

  For an excellent overview of the elections to the Tripoli municipality and the political conflicts which emerged from them see Bruno Dewailly, “La municipalité de Tripoli: entre pouvoirs locaux et services de l’Etat,” Les Cahiers du CERMOC no. 24, 2001.

8 For an excellent overview of the elections to the Tripoli municipality and the political conflicts which emerged from them see Bruno Dewailly, “La municipalité de Tripoli: entre pouvoirs locaux et services de l’Etat,” Les Cahiers du CERMOC no. 24, 2001.

9 "لبنان: مسلحو طرابلس يهدّدون الحريري"، صحيفة الأخبار، 23 كانون الثاني/يناير 2014.

10 “Angry Mourners Accost Mufti Qabbani at Funeral,” Daily Star, December 30, 2013.

11 For an excellent history of Salafism in Tripoli see Tine Gade, “Return to Tripoli—Battle Over Minds and Meaning Amongst Religious Leaders Within the Islamist Field in Tripoli (Lebanon),” Norwegian Defence Establishment (FFI), March 2009.

12 For an excellent study of Fatah al-Islam and the rise of jihadism in Northern Lebanon, see Bernard Rougier, L’Oumma en Fragments – Controller le Sunnisme au Levant (Paris: Presses Universitaires de France, 2011).

13 “Pro-Assad Sheikh Detained Over Tripoli Blast,” Daily Star, August 30, 2013.

14 “In Lebanon, a Worrying Sectarian Spillover From Syria,” Christian Science Monitor, June 3, 2012.

15 Amnesty International, “Amnesty International Calls for Inquiry Into Reported Massacres by Syrian Military and Syrian-Backed Forces in Lebanon,” March 12, 1987.

16 For an excellent overview of the evolution of the conflict from 1976 to 2010 see International Crisis Group, “New Crisis, Old Demons: The Forgotten Lessons of Bab al-Tebbaneh /Jabal Mohsen,” Middle East Briefing no. 2914, October 2010, www.crisisgroup.org/en/regions/middle-east-north-africa/egypt-syria-lebanon/lebanon/B29-new-crisis-old-demons-in-lebanon-the-forgotten-lessons-of-bab-tebbaneh-jabal-mohsen.aspx.

17 “Avec l’appui du Mufti alaouite, Ali Eid refuse la convocation des enquêteurs,” L’Orient Le Jour, November 1, 2013.

18 “Report: Seven Members of Arab Democratic Party Behind Tripoli Bombings,” Naharnet, October 13, 2013.

19 Human Rights Watch, “Lebanon: sectarian attacks in Tripoli,” 20 December 2013.

20 For more details on the Arab Democratic Party and its influence in the Lebanese Alawite community see Raphaël Lefèvre, “Power Struggles Among the Alawites of Lebanon – Parts 1 and 2,” Carnegie Endowment for International peace, Syria in Crisis blog, January 2, 2014, http://carnegieendowment.org/syriaincrisis/?fa=54058.

21 “Assir Faces Death Penalty, Aimed to Establish Free Lebanese Army,” Al Akhbar, March 1, 2014.

22 “Lebanon MP Suggests Self-Defence Force Against Syria Shelling,” Daily Star, August 11, 2012.