لايكاد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية (الائتلاف الوطني)، الممثل الرئيس للمعارضة، يثبت أقدامه. فانهيار آخر جولة من محادثات السلام في مؤتمر جنيف 2 في شباط/فبراير 2014، غطّى على حقيقة أن الائتلاف لايزال يفتقر إلى استراتيجية سياسية لإلحاق الهزيمة بنظام الأسد. و كما أقرّ أحد قياديي المعارضة خلال المحادثات: "لو أمكننا التغلّب عليهم على الأرض لما وصلنا إلى هذه النقطة".

أصبح مصير المعارضة السياسية برمّته رهينة لخلل السياسة الداخلية غير الفعّالة والمدفوعة بالتنافس بين أكبر طرفين عربيين داعمين لها، المملكة العربية السعودية وقطر، اللتان ترعى كل منهما محاور متنافسة داخل الائتلاف الوطني. ولعلّ التدهور الحادّ الذي شهدته العلاقات السعودية-القطرية منذ مطلع العام 2014، هو الذي سلّط الأضواء على هذا المأزق وأبرزه إلى الواجهة؛ وهو التحوّل الذي عمّق الانقسامات الداخلية في الائتلاف وعقَّد علاقاته مع قيادة الجيش السوري الحر. والآن تهدّد هذه المتاعب السياسية، إضافة إلى الشَّلل المؤسّسي المستمر الذي يعاني منه الائتلاف وفشله في إثبات قدراته القيادية على الأرض داخل سورية، بانفجار الحكومة المؤقتة التي عيّنها الائتلاف رسمياً في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، من داخلها.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

لم يستطع الائتلاف الوطني إعداد قيادة سياسية وتوجّه استراتيجي ذي صدقية، ولم يفلح في بناء هياكل إدارية فعّالة وتكريس حضور مستمرّ في المناطق المحرّرة من سورية. كما لايتوفّر الائتلاف على فرصة للتغلّب على هذه العيوب في المستقبل، نظراً إلى ديناميكياته الداخلية المختلّة واعتماده الكلّي على اعتراف أصدقاء سورية المستمرّ به للحصول على مكانة سياسية والبقاء على قيد الحياة. وبالتالي فإن الائتلاف يعيش في وقت مستعار.

استراحة قصيرة

ارتاح الائتلاف الوطني من متاعبه السياسية بصورة مؤقّتة خلال محادثات جنيف 2، غير أنه تبيّن أن هذه الاستراحة كانت وجيزة جداً. تتفق كافة التقييمات أن الانقسامات الداخلية لم تمنع الائتلاف من تقديم أداء جيد خلال المفاوضات. كانت المؤشّرات سيّئة في البداية. فعجزه عن تشكيل وفد موحّد حتى عشيّة الجولة الأولى من محادثات جنيف 2 في كانون الثاني/يناير 2014 لم يوحِ بقدر كبير من الثقة بقدرته على توفير قيادة قوية في عملية انتقالية في نهاية المطاف، أو في التصدّي للتحدّيات السياسية المستمرة من الشركاء والمنافسين حتى ذلك الحين. لكن بدا أن الائتلاف ارتقى إلى مستوى الحدث، حيث قدّم خلال الجولة الثانية من المحادثات في شباط/فبراير، رؤية متينة ومفصّلة لنظام حكم وإطار دستوري في المرحلة الانتقالية. كما قدّم بيان المبادئ الأساسية الذي يتألف من 24 نقطة للتوصل إلى توافق وطني وحماية الحقوق الأساسية في الفترة الانتقالية.

مع ذلك، لايزال الائتلاف الوطني بعيداً عن الخلاص من المأزق. إذ لم يحظَ قراره المبدئي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بالتفاوض مع النظام بأي شعبية لدى الكثير من الناشطين المدنيين والثوار المسلحين داخل سورية. فقد غرّد القائد العسكري للجبهة الإسلامية القوية، زهران علوش، على حسابه في (تويتر) يوم 7 كانون الثاني/يناير قائلاً إن أي شخص يحضر محادثات جنيف 2 سيكون هدفاً للانتقام. وانقسم الائتلاف نفسه عندما وضع اللمسات الأخيرة على مشاركته في المؤتمر، وانسحبت كتلة المجلس الوطني السوري التي تتألف من 22 عضواً احتجاجاً على ذلك يوم 20 كانون الثاني/يناير.

مكّن انهيار محادثات السلام الائتلاف الوطني من جعل خطابه متّسقاً مع قواعده الشعبية، ومع جزء كبير من التمرّد المسلح، بما في ذلك من عارضوا مشاركته في جنيف. و استجاب المجلس الوطني السوري أيضاً  لهذا التطوّر بإعادة تأكيد عضويته في الائتلاف في 22 شباط/فبراير الماضي.

غير أن هذه الوقفة الدبلوماسية لم تسهم سوى في تأجيل اللحظة التي صار فيها لزاماً على الائتلاف إما الانخراط في مفاوضات جوهرية مع النظام، أو مواجهة الحاجة إلى وضع استراتيجية سياسية جديدة موثوقة قادرة على مخاطبة القاعدة المساندة للنظام وتفكيكها.

احمنا من أصدقائنا

أخفت هذه الاستراحة القصيرة التي حظي بها الائتلاف الوطني خلال محادثات جنيف أيضاً، و بصورة مؤقّتة، المدى الشاسع للسبل الذي أصيب به من جراء تجدّد التنافس السعودي-القطري للتأثير على المعارضة السورية.

يعكس تواصل التنافس بين الدولتين الخليجيتين انهيار تفاهم تم التوصّل إليه في صيف العام 2013 بين العاهل السعودي الملك عبدالله وأمير قطر الجديد، تميم بن حمد آل ثاني، حول نقل الملف السوري من قطر إلى السعودية. ومنذ ذلك الحين، سعت المملكة العربية السعودية إلى تعزيز موقف أحمد الجربا، الذي دعمته ليصبح الرئيس الجديد للائتلاف الوطني في تموز/يوليو 2013. وأدّى تجدّد الصراع بين الفصائل المدعومة من السعودية وقطر داخل الائتلاف إلى مزيد من الاستقطاب في السياسة الداخلية للائتلاف.

في الخامس من كانون الثاني/يناير الماضي، أعيد انتخاب الجربا، الذي تدعمه السعودية، رئيساً للائتلاف، مايشير إلى بداية أزمة مفتوحة هدّدت بتمزيق الائتلاف الوطني حتى قبل أن يحضر محادثات جنيف 2. فقد أعلن رياض حجاب، الذي ترشح كمنافس عما يعتبر الجناح المدعوم من قطر، انسحابه من الائتلاف بعد ستة أيام، ردًا على ماوصفه "التفرد بالقرار" واستقطاب الائتلاف بين أجنحته الداخلية وداعميه العرب والإقليميين.

انسحب مع حجاب 43 من أعضاء الائتلاف الـ 120، مستشهدين بسلسلة مألوفة من الشكاوى حول "استمرار غياب العمل المؤسّساتي النزيه والإصرار على عقلية الإقصاء والاحتكار واختطاف القرار". قاد المنشقين مصطفى الصباغ الذي يعتبر رجل قطر في الائتلاف الوطني. ووفقاً لمصادر موثوقة في المعارضة، فقد كان الصباغ، الذي فشلت محاولته للعودة كأمين عام للائتلاف في التصويت الذي جرى يوم 5 كانون الثاني/يناير، يناقش إمكانية تشكيل هيئة معارضة جديدة لتحلّ محلّ الائتلاف الوطني مع زهران علوش القائد العسكري للجبهة الإسلامية، الذي يتّخذ من تركيا مقرّاً له منذ أواخر العام 2013.

لم يفضِ العرض الذي قدّمه الصباغ إلى أي نتيجة. لكن الصباغ أعلن، بعد القرار المفاجئ الذي اتّخذته المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بسحب سفرائها من الدوحة يوم 5 آذار/مارس 2014، أنه والمنشقين الثلاثة وأربعين الآخرين الذين انسحبوا من الائتلاف الوطني في كانون الثاني/يناير سيعودون الآن إلى صفوفه، "في ضوء المتغيرات الخطيرة التي تمرّ بها الثورة".

غير أن الأزمة أبعد ماتكون عن الانتهاء. فقد صنّفت المملكة العربية السعودية جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تنظيماً إرهابياً يوم 8 آذار/مارس، وهي الخطوة التي استهدفت وجود الجماعة في منطقة الخليج، وبصورة ثانوية، في مصر، وشكّلت أيضاً معضلة خطيرة للفرع السوري من جماعة الإخوان، التي تعدّ أحد المكوّنات الهامة في الائتلاف الوطني (و في المجلس الوطني السوري). وقد حافظت جماعة الإخوان المسلمين السورية، التي دعمت انتخاب الجربا وإعادة انتخابه رئيساً للتحالف في مسعىً منها لكسب ودّ السعودية، على صمت مدروس في العلن، غير أن قادتها يعترفون سرّاً بأنهم مرتبكون للغاية.

علاوة على ذلك، تشكّل الحملة السعودية ضد الإخوان المسلمين جزءاً لايتجزأ من الخلاف مع قطر، مايجعل مهمّة المعارضة السورية في التوفيق بين أولويات السعودية وبين حاجتها للوحدة أصعب بكثير. لاتستطيع المعارضة أن تدير ظهرها تماماً لجماعة الإخوان المسلمين، التي لديها شبكات في المنفى تساعد الائتلاف الوطني في القدر الضئيل من التماسك التنظيمي الذي يتوفّر عليه.

تعقيد العلاقات المدنية-العسكرية في صفوف المعارضة 

يُضرّ التنافس السعودي-القطري بعلاقة الائتلاف الوطني مع المجلس العسكري الأعلى الذي يمثّل قيادة الجيش السوري الحر. منذ تأسيسه في كانون الأول/ديسمبر 2012 لم يمارس المجلس العسكري الأعلى سوى قدر ضئيل من التأثير على الثورة المسلحة. وقد شجّع هذا الواقع الاندفاعة السعودية منذ آب/أغسطس 2013 لإدخال معظم الجماعات المسلحة داخل سورية وضباط الجيش المنشقين الذين تم تجميعهم في الأردن وتركيا في "الجيش الوطني" الجديد الذي سيكون تابعاً للائتلاف. ومنذ شباط/فبراير 2014، أثار التناحر العلني بين المملكة العربية السعودية وقطر مواجهة شديدة في الائتلاف بين الجربا و اللواء سليم إدريس، الذي كان حتى وقت قريب رئيس المجلس العسكري الأعلى، وكشف عن وجود انقسامات علنية داخل قيادة المتمردين.

كان التوتّر يعتمل تحت السطح منذ أواخر العام 2013. وعلى الرغم من أن قطر تأتي ظاهرياً في المرتبة الخلفية من حيث الأهمية في علاقاتها مع الائتلاف الوطني والثورة المسلحة احتراماً للمملكة العربية السعودية، فقد ردّت على تأييد السعودية لظهور تحالفات جديدة للثوار، من خلال رعاية اندماج المجموعات المتنافسة في تشكيلات أكبر. كما حافظت قطر برويّة على علاقاتها مع رئيس المجلس العسكري الأعلى آنذاك سليم إدريس، الذي قيل إنه فاتح الدوحة في أواخر العام 2013 أو أوائل العام 2014 حول تأمين المساعدة العسكرية المباشرة والتمويل للجماعات المسلحة التي تخضع شكلياً لقيادته.

علاوة على ذلك، كان إدريس مطّلعاً على المناقشات الخاصة بين الصباغ وعلوش بشأن إنشاء كيان منافس للائتلاف الوطني. كانت العلاقات بين إدريس والجربا متوتّرة بالفعل، وساءت أكثر عندما انضم العديد من ممثلي المجلس العسكري الأعلى الخمسة عشر في الائتلاف الوطني الذين كانوا موالين لإدريس إلى كتلة أعضاء الائتلاف المعارضين التي انسحبت منه في 11 كانون الثاني/يناير 2014. وبعد ذلك بأسبوعين، سعى إدريس أيضا لأن يقابل إدراج جماعات مدعومة من السعودية في المجلس العسكري الأعلى من خلال تأييد إقامة تحالف جديد للثوار هو حركة حزم.

ربما كانت هذه المناورات خلف الكواليس السبب في استبدال إدريس، يوم 16 شباط/فبراير، كرئيس للمجلس العسكري الأعلى بعبدالإله البشير، أحد أفراد قبيلة النعيم وحليف الجربا، الذي ينتمي هو نفسه إلى إحدى القبائل في شرق سورية. كما انحاز ضد إدريس أسعد مصطفى، وزير الدفاع في حكومة الائتلاف الوطني المؤقتة و ابن قبيلة النعيم أيضاً، مثله مثل البشير. كان مصطفى أكّد في وقت سابق نيته تشكيل "جيش وطني حر" واحد يضم كل الجماعات المتمرّدة، مثل الجبهة الإسلامية، والعمل على وجه الخصوص مع ضباط وجنود الجيش السوري المنشقين الذين يقيمون في الأردن وتركيا، الذين تشير التقديرات إلى أن عددهم يتراوح بين 5 و7 آلاف. وكان كلا العاملين جزءاً لايتجزّأ من خطط السعودية الخاصة بتطوير الثورة المسلحة.

رفض إدريس على الفور قرار إقالته، متّهماً الجربا بأنه يعمل "بعقلية الاستزلام وشراء النفوذ والولاءات". اشتكى إدريس أيضاً أن "الحابل والنابل  يوزع الرواتب على ضباطه وقطعاته ويشتري ولاءاتهم". وعبّر مايقرب من نصف أعضاء الثلاثين في المجلس العسكري الأعلى، بمن فيهم القادة الميدانيون لـ"جبهاته" الخمس ورؤساء عدد من المجالس العسكرية الأخرى في سورية، عن دعمهم القوي لإدريس، ووصفوا فصله في بيان جماعي بأنه "باطل شرعاً وقانوناً". وفي يوم 6 آذار/مارس أعلن إدريس وأنصاره في هيئة الأركان العامة للقوى العسكرية والثورية رسمياً عن "فك ارتباطهم" بـ "مجلس الثلاثين" (المجلس العسكري الأعلى) ووزارة دفاع أسعد مصطفى. كما قرّروا تجميد كل العلاقات مع الجربا .

عزّز أسعد مصطفى ورئيس المجلس العسكري الأعلى، عبدالإله البشير، مايرجّح أن يكون شرخاً طويل الأمد من خلال تعيين هيئة أركان جديدة يوم 30 آذار/مارس. وبالإضافة إلى ذلك، تعهّد الاثنان بتشكيل مجالس عسكرية جديدة داخل سورية ووعدا بأن تكون "أكثر التصاقاً بالأرض وساحة المعركة". لكن يبقى أن ننتظر لنختبر المزاعم بضخّ دماء جديدة والتواجد في الميدان. ومع أن قلّة من المعيَّنين الجدد ينتسبون إلى الجماعات المسلحة الأكبر حجماً، فإنهم جميعاً ضباط مكلّفون انشقوا عن الجيش السوري. ولا يزال الكثير منهم في مخيمات في تركيا والأردن منذ انشقاقهم. علاوة على ذلك، ظهر العديد منهم في تكتلات قيادية سابقة لم تدم فترة طويلة في أوقات مختلفة منذ العام 2012 .

إضافة إلى ذلك، ومع أن جيش المجاهدين، الفرقة السادسة عشرة وفرقة الفتح الأولى، انضموا إلى غرفة العمليات العسكرية الجديدة في حلب التي أعلن عنها البشير في 28 آذار/مارس، فإن ادعاءه بأن هذه الهيئة "موحّدة" يتجاهل وجود لاعبين أساسيين آخرين في المدينة لايخضعون إلى سلطته.

اختطاف الحكومة المؤقّتة

الحكومة المؤقتة هي رهينة أخرى لسياسة الائتلاف الوطني المختلة و ما تتضمنه من تنافس سعودي-قطري في الغالب. فلاتزال هذه الحكومة التي تتبع الائتلاف، إلى حدّ كبير، مجرّد هيئة على الورق، لكنها تبرز كجبهة جديدة في الصراعات بين المحاور داخل الائتلاف. ونتيجة لذلك، لم تتمكّن الحكومة المؤقتة من تطوير قدرات إدارية في المناطق المحرّرة أو دعم المجالس المحلية على نحو فعّال، ولم ينتقل وزراؤها وموظفوها بعد من المنفى في تركيا إلى سورية.

يشكّل عجز الحكومة المؤقتة عن تكريس وجودها على الأرض تهديداً لمزاعم الائتلاف السياسية بأنه يمثّل جميع السوريين وطموحه في تنحية نظام الأسد. والواقع أن الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي قال، في 9 آذار/مارس، إن الائتلاف الوطني لايستطيع أن يشغل مقعد سورية في المنظمة لأنه "لم ينشئ مؤسّساته بعد". 

جاء تصريح العربي بعد عام واحد بالضبط من الدعوة التي وجهها معظم وزراء الخارجية العرب إلى الائتلاف الوطني لتشكيل هيئة تنفيذية يمكن أن يُعهَد إليها القيام بمهام سيادية. إلا أن الحكومة المؤقتة عوملت وكأنها طفل غير شرعي منذ أن تم تعيين غسان هيتو رئيساً لها في 18 آذار/مارس 2013،  غير محبوبة وغير مرغوب فيها من جانب الكثيرين في المعارضة السورية ومجموعة أصدقاء سورية. إذ إن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، على وجه الخصوص، عارضت تشكيل حكومة بديلة داخل سورية. والواقع أن معظم المحاور في الائتلاف الوطني نفسه كانت تعارض بشدّة تشكيل هيئة – أي الحكومة - يمكن أن تصبح منافساً سياسياً لها، وسعت إلى التأكد من أن الحكومة المؤقتّة لن تكون أكثر من مجرّد "إدارة تنفيذية"، كما وصفها الجربا. وبسبب عدم قدرته على إحراز أي تقدم، فقد استقال هيتو يوم 8 تموز/يوليو.

مرّت أربعة أشهر أخرى قبل أن ترى الحكومة المؤقتة النور أخيرا بقيادة رئيس وزراء جديد هو أحمد طعمة. غير أن شيئاً لم يتغير في ديناميكاتها المختلّة، على الرغم من التصريحات المتفائلة على عكس ذلك. في الأول من كانون الثاني/يناير 2014، على سبيل المثال، ذكر أحد مستشاري طعمة بأنه يجري تعيين موظفين للتنسيق بين وزراء الحكومة في تركيا وبين الإدارة في سورية. وادّعى أيضاً أن الحكومة المؤقتة تستعدّ لإطلاق خطة عمل لمدة مائة يوم. 

غير أن هذه المبادرات تعطلت على الفور بسبب استئناف التنافس السعودي-القطري، والذي جدّد الصراع بين المحاور داخل الائتلاف الوطني بهدف السيطرة على الحكومة المؤقتة. و على سبيل المثال، فسّر الرئيس السابق للمجلس العسكري الأعلى سليم إدريس إقالته باعتبارها نتيجة لخصومة بين حليف الجربا، وزير الدفاع أسعد مصطفى، وطعمة، فيما اتّهم النشطاء المدنيون الجربا بالسعي إلى استبدال طعمة بمصطفى. وتشجّع التوتّرات الواضحة بين الرجال الثلاثة استمرار التكهّنات في وسائل الإعلام المعارضة عن تعديل وزاري، مايقوّض مصداقية الحكومة المؤقّتة أكثر.

بعد ذلك، امتدّ التنافس ليتحوّل إلى صراع مفتوح للسيطرة على المجالس المحلية التي تقدم خدمات وأنشطة إغاثية في المناطق المحرّرة من سورية. كانت هذه المجالس في السابق في عهدة الصباغ بوصفه عضو المكتب التنفيذي في الائتلاف الوطني، ولكن بعد انسحابه سعى الجربا، على مايبدو، إلى تولّي دور الصباغ. وفي الوقت نفسه، سعت الحكومة المؤقّتة إلى تأكيد سلطتها، فعقدت مؤتمراً في مدينة غازي عنتاب بجنوب تركيا يوم 4 آذار/مارس لتشكيل هيئة تنسيق لمجالس المحافظات التابعة للمعارضة. وقد تم تأجيل هذا الاجتماع وسط اتهامات متبادلة بين أنصار المعسكرين المتنافسين.

ومع أن زيادة حدّة التوتّر بين المملكة العربية السعودية و قطر بعد سحب السفراء الخليجيين من الدوحة، في 5 آذار/مارس، دفعت المنشقّين عن الائتلاف الوطني بقيادة الصباغ إلى رأب الصدع مع الجربا، إلا أن الهدنة لم تدم طويلاً. فقد اشتعلت جذوة التناحر الداخلي من جديد بسبب إعلان الائتلاف في 9 آذار/مارس أنه أنشأ مجلساً أعلى للإدارة المحلية. غير أن وزارة الإدارة المحلية في الحكومة المؤقتة نفت بشدّة أي علاقة لها بالهيئة الجديدة واتّهمت الصباغ بممارسة لعبة السلطة. ويدور الصراع الآن حول الحق في تمثيل وإدارة المجالس المحلية داخل سورية بين ثلاث جهات، وذلك على حساب المجالس المدنية نفسها.

بناء القصور في الهواء

لاتزال المجالس المحلية في المناطق المحرّرة في سورية تكافح لتأكيد سلطتها على الجماعات المسلحة والهيئات الإدارية والقضائية المنافسة التي تشكلها، بينما تقاوم النقص الحادّ في التمويل والموارد المادية الأخرى، والقصف الذي يمارسه النظام بلا هوادة. وأعاق استمرار عجز الحكومة المؤقتة سعي هذه المجالس إلى تحسين أدائها. ويعود هذا في جزء كبير منه إلى صعوبة التعلّم وتبادل الخبرات بين المناطق المحرّرة المتفرقة وإلى التهديد الدائم بالتعرّض إلى هجمات النظام، كما أوضح الناشط المخضرم في مجال حقوق الإنسان ووزير العدالة الانتقالية المؤقّت رضوان زيادة في 24 شباط/فبراير. وفي الوقت الحالي تؤثّر السياسة الفئوية للائتلاف الوطني سلباً على المجالس المحلية.

وقد تجلى هذا التأثير في 6 آذار/مارس عندما قالت إدارة المجالس المحلية في الغوطة الشرقية قرب دمشق إنها ستقاطع الانتخابات التي قرّر الائتلاف الوطني إجراءها لأن مكتب التنسيق التابع له في الأردن فرض بعض المرشحين "بسبب الولاءات الشخصية والفساد". في الوقت نفسه أعلن مجلس المحافظة في السويداء المجاورة رفضه الانضمام إلى المجلس الأعلى للإدارة المحلية الذي تم الإعلان عنه أخيراً، قائلا إن الهيئة الجديدة  فاقدة تفتقر إلى الأساس القانوني السليم المتمثّل في الارتباط بالحكومة المؤقّتة ووزارة الإدارة المحلية".

كما تكشف الغوطة الشرقية، والتي تشتهر بمرونة هياكلها الأساسية وتعدّديّتها، تحدّيات القيام بعملها في ظل جماعات مسلحة محلّية مثل جيش الإسلام والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، والتي تخوض صراعاً مريراً بصورة متزايدة لتأكيد سلطة الهيئات القضائية التابعة لها.

حاول العديد من الناشطين تجنّب هذه الصراعات الفؤية، وعملوا مع وزارة الإدارة المحلية في الحكومة المؤقتة والمجلس الأعلى للإدارة المحلية في آن. غير أن إطلاق حملة على موقع فيسبوك في أواخر آذار/مارس الماضي من جانب آخرين تدعو إلى عزل الجربا رئيس الائتلاف الوطني على أساس "التخاذل والفساد والمحسوبية" يبيّن كيف أن فئويّة معارضة المنفى تنعكس على الهياكل والبنى داخل سورية وتعقّد مهمة الحكومة المؤقّتة أكثر.

نتيجة لذلك، وكما أكد نشطاء محليون في تقرير صحفي غلب عليه الطابع الإيجابي عن تجربة الغدفة، وهي بلدة في محافظة إدلب، فإن المجلس المحلي "لايزال يفتقر إلى الهياكل التنظيمية وآليات التنسيق الواضحة والإحصاءات والمعلومات وبيانات السجل المدني". والأهم من ذلك اعتبر هؤلاء النشطاء مساهمة الائتلاف الوطني "ضئيلة جداً لاتستحق الذكر".

عانت أيضاً وحدة تنسيق الدعم، الهيئة الوحيدة الفعّالة في الائتلاف، والتي تعمل داخل سورية وخارجها، من مشاكلها الداخلية الخاصة. ففي أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2013، أضرب موظفو الوحدة احتجاجاً على ماوصفوه بالسلوك الاستبدادي من جانب رئيستهم، نائب رئيس الائتلاف سهير الأتاسي، والفساد. شكّكت الأتاسي في صحّة مزاعمهم، لكن تم في وقت لاحق وضع وحدة تنسيق الدعم في عهدة قائم بأعمال المدير يقال إنه من الموالين للجربا .

مع حلول الذكرى السنوية الثالثة لانطلاق الانتفاضة السورية في 15 آذار/مارس، لم تكن الحكومة المؤقتة قد أسّست وجوداً فعلياً لها على الأرض، كما أنها لم تبرهن على أن لها تأثيراً ملموساً على إدارة وتقديم الخدمات في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سورية. وبسبب شحّ الموارد، لم تفعل شيئا يذكر حتى الآن باستثناء تخصيص مبالغ متواضعة للمدن المحاصرة في سورية. على سبيل المثال، أعلن نائب رئيس الوزراء إياد القدسي، يوم 13 آذار/مارس صرف مبلغ 250 ألف دولار ليبرود و500 ألف دولار لعدد من المناطق النائية في دمشق. ولأنها مشلولة بسبب المنافسة بين المحاور، لم تتمكن الحكومة المؤقتة حتى من الاتفاق على ترشيحات لوزيري الصحة والتربية حتى 6 نيسان/أبريل، أي بعد خمسة أشهر من تنصيبها.

الحقيقة المؤلمة هي أن الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة أصبحا مجرّد متفرجين على تطوّر الأحداث داخل سورية. ولعل فراغ القيادة الذي تركه هذا الوضع في المناطق المحرّرة هو مايدفع إلى البحث عن بدائل. أحد الأمثلة العديدة على ذلك هو ائتلاف المعارضة الداخلية الذي انعقد في الغوطة في أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2013 كبديل عن الائتلاف الوطني، لكن هذا الائتلاف انفضَّ بسرعة. وقد تبعته المبادرة الوطنية السورية، والتي أعلنت عن وجودها في 22 كانون الأول/ديسمبر ونشرت في منتصف كانون الثاني/يناير 2014 خطة مفصّلة لهيئة انتقالية سورية تضم مجالس محافظات وجيشاً وشرطة وهيئات إغاثة وإعادة إعمار وجمعية دستورية وهيئات أخرى. للأسف فإن هذا، أيضاً، أشبه ببناء قصور في الهواء مثلما هو حال الحكومة المؤقتة.

العدّ التنازلي للمعارضة

منذ فترة طويلة كان للسياسة المختلة للمعارضة على مستوى القيادة تأثير ضار على مستوى قاعدتها الشعبية. وكما قال الناشط المخضرم حازم نهار في تعليق له بمناسبة الذكرى الثالثة للانتفاضة، فقد ظلت هيئات مثل المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني حكراً على زمرة محدودة من "أحزاب قديمة، و ذات بنىً تنظيمية تقليدية، ومحصورة الانتشار،  اذ لا يتجاوز عدد أعضاء معظمها العشرات في أحسن الأحوال"، حيث عادت كلها إلى الظهور في منابر المعارضة واحداً تلو الآخر منذ العام 1979. غير أن غالبية الناشطين المستقلين التابعين لهذه الهيئات، كما قال نهار، "هم من الشباب . . . [الذين] يعيشون على هامش قرارات وفاعليات التحالفات والأحزاب". والواقع، وفقاً لمسح ميداني أجري في أواخر العام 2013، أنه تم تهميش الناشطين المدنيين غير المنتسبين إلى حدّ كبير حتى في المناطق المحرّرة، حيث تحول جزء كبير من جهدهم لأعمال الإغاثة بدلا من العمل السياسي العلني.

وتعليقاً على حالة الفوضى التي تعيشها المعارضة، كتب وائل ميرزا، الأمين العام السابق للمجلس الوطني السوري وأحد المستشارين البارزين في المعارضة، يوم 9 شباط/فبراير، يقول: "لا يمكن التهرب من حقيقة وصول الثورة إلى حال من الفوضى العارمة على كل المستويات، بحيث افتقدت  المبادرة إلى درجة كبيرة، وأصبح مسارها العام سلسلة من ردود الأفعال السياسية والعسكرية والإعلامية والإغاثية".

يقرّ كبار المسؤولين في الائتلاف الوطني في السرّ بعجز الائتلاف. أما في العلن فهم يدعون بصورة متكرّرة إلى إجراء إصلاحات داخلية ويعلنون انفتاحهم على الحوار مع هيئات المعارضة الأخرى. ففي أوائل نيسان/أبريل الجاري، على سبيل المثال، أعلن الأمين العام للائتلاف الوطني بدر جاموس أن الائتلاف سيركّز في المرحلة المقبلة على "توحيد القوى الثورية"، وطمأن الحضور بأن الائتلاف يقوم بالفعل "بخطوات جادّة وهامة نحو المأسسة وإعادة الهيكلة".

لكن الانتفاضة السورية لم تعد في أوجها، ولا يمكنها توليد قوة دفع جديدة، ناهيك عن إقامة بنى معارضة جديدة توافقية. وهذا مايجعلها تعتمد بشكل خطير على الثورة المسلّحة التي تتّجه هي الآخرى أيضاً نحو الانخفاض.

قد يطوّر مايتبقى من الحاضنة الشعبية الثورية داخل البلاد خلال العام المقبل أشكالاً وإستراتيجيات وقيادات بديلة، مايضعه في موقع يؤهّله للتعامل مع فرص سياسية محتملة وحلفاء جدد إذا ماتصدّعت قاعدة دعم النظام أخيراً. ولعلّ هذا هو الأمل الحقيقي الوحيد للمعارضة. ومع ذلك، ما لم يكن بوسع الائتلاف الوطني إعداد قيادة سياسية موثوقة وإدارة فعّالة داخل سورية، فلن يتمكّن من عكس اتجاه الأحداث. و تبدو التوقعات بالنسبة لمن يحاولون إنجاحه قاتمة.

هذا المقال جزء من سلسلة حول حالة الصراع السوري تتضمن مقالات حول نظام الأسد والتمرّد المسلّح، واحتمالات المستقبل لكل طرف.