بعد مرور سنوات ثلاث على انهيار حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي السلطوي، اعتمدت تونس دستوراً ديمقراطيّاً وشكّلت بشكل توافقي حكومة كفاءات وطنية. بعثت هذه التطوّرات الأمل في دولة الربيع العربي الأولى، التي شهدت اضطرابات عميقة في منعطف حاسم من مرحلة انتقالها الديمقراطي المحفوف بالتوتّرات والعنف السياسي. ثمة تناقض حادّ بين التجربة التونسية وبين تجربة مصر في مرحلة مابعد الثورة، حيث استُخدمت القوة العسكرية لإطاحة الرئيس الإسلامي الذي انتُخب ديمقراطيّاً، محمد مرسي، في شهر تموز/يوليو 2013. أمّا تونس، فقد اختارت التوصّل إلى تسوية تُعتبر نقطة تحوّل تاريخية بين الحكومة والمعارضة من جهة، وبين الإسلاموية والعلمانية من جهة أخرى.

لكن، ما الذي جعل تونس استثناء مقارنةً بسائر البلدان العربية التي خاضت اختباراً قاسياً؟ بعبارة أخرى، ما الذي سمح لتونس أن تتفادى تكرار السيناريو المصري، وأن ترسي عوضاً عن ذلك أسس الشرعية التوافقية؟

محمد كرّو

باحث غير مقيم
مركز كارنيغي للشرق الأوسط

المزيد من إصدارات الباحث

لم يكن التوافق في تونس ممكناً إلّا بفضل الحوار الوطني الشامل الذي انطلق بوساطة مبادرة "الرباعية"، وهو تحالف ضمّ الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد أرباب الأعمال، ونقابة المحامين، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان. اجتمعت عوامل كثيرة لإنجاح هذا الحوار، على الرغم من الانتقال الديمقراطي الغاص بالعقبات في تونس، والذي لايزال بعيداً عن الاكتمال وينبغي توطيده. بشكلٍ خاص، تشرح عوامل أربعة أساسية التسوية التاريخية التي تمّ التوصل إليها في تونس: موقف الجيش المحترف وغير السياسي، والدروس المستفادة من عملية الانتقال في مصر، وتأييد المجتمع المدني لمبادرة الرباعية بقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل، والدور التصالحي والحاسم الذي أدّاه القادة السياسيون.

جيش محترف وغير سياسي

يختلف الجيش الوطني في تونس بشكل ملحوظ عن الجيوش في الكثير من الدول المجاورة، كما أنه ساعد في تشكّل الثورة في البلاد وأيضاً في التوصّل إلى التسوية في نهاية المطاف. ومع أنّ تونس ومصر تضمّان نخباً سياسية وفكرية مؤثِّرة وأنظمة هجينة مابعد الاستعمار تجمع مابين تحرير الاقتصاد وبين السلطوية السياسية، تختلف مصر عن تونس من حيث دور جيشها الوطني ومكانته. في حين يشكّل الجيش المصري العمود الفقري لاقتصاد البلاد وأمنها والحياة السياسية فيها، يُعدّ الجيش التونسي أصغر حجماً وغير مسيّس.

الجيش التونسي قوّة محترفة وتقنية منخرطة في حماية الحدود والمؤسسات العامة في الحالات الطارئة. في حالات نادرة وحسب، كما في ثورة الخبز بين 1983-1984، تدخّل الجيش التونسي لإعادة النظام العام وكبح جماح السخط الشعبي. وحتى أثناء الانتفاضات الشعبية ضد نظام زين العابدين بن علي بين كانون الأول/ديسمبر 2010 وكانون الثاني/يناير 2011، حافظ الجيش على مسافة متساوية من الشعب ومن أجهزة الأمن التابعة للحكومة. وأسهم هذا التجرّد في تزايد شعبيّته وفي تنامي الاعتقاد الراسخ لدى التونسيين بأنّ الجيش هو أفضل حصن منيع ضدّ قوات الشرطة التي تُعدّ قمعيّة.

وضعُ الجيش التونسي باعتباره مؤسسة وقائية ومحايدة، لامؤسسة ذات نزعة إلى التدخّل في اللعبة السياسية، راسخٌ في تاريخ تونس الاجتماعي، مايختلف اختلافاً جذريّاً عن حالة مصر. فبحسب عالم الاجتماع المصري أنور عبد الملك، مصر "مجتمع عسكري". وعلى النقيض من ذلك، تونس دولة مدنية موجّهة نحو التجارة، تتّسم بتجانس ثقافي وإثني وديني وببنية مركزية. وبما أنها متمدينة منذ زمن طويل، فإنّ جهاز الرقابة الإدارية فيها مترسّخ في صلب المجتمع، بسبب تحالف قوي مع وجهاء المناطق الحضرية وحضور فعّال في المناطق الريفية والطرفية.

تصرّف الجيش التونسي على مدى تاريخه على أنه دعامة النظام الحاكم، بينما أحكمت الحكومة قبضتها على المؤسسة العسكرية لإبقائها محايدة وفي خدمة الحكّام المدنيين. لذلك، برز الجيش باعتباره هيئة جمهورية تحترم مؤسسات الدولة. يؤكّد على ذلك التقاعد الطوعي في العام 2013 للضابط برتبة فريق أول، رشيد عمّار. أصبح عمّار، الذي تولّى قيادة الجيش في عهد بن علي، بطلاً قوميّاً أثناء الثورة لرفضه إطلاق النار على المحتجّين. وفي أعقاب سقوط بن علي، طالب المتظاهرون خلال اعتصام في القصبة في شباط/فبراير 2011 أن يتسلّم عمّار سدة الحكم في تونس. لكنّ عمّار أعرب عن دعمه القادة المدنيّين وبقي قائداً للجيش حتى العام 2013.

الدروس المستفادة من مصر

لم تحذُ تونس حذوَ مصر نحو مسار الحكم العسكري المغري، لابسبب جيشها المحترف وغير السياسي وحسب، بل أيضاً لأنّ التونسيين استفادوا من سلسلة الأحداث التي وقعت في القاهرة والمتعلّقة بإطاحة مرسي. دفعت التطوّرات في مصر تونسَ إلى الإقرار بمخاطر التدخل العسكري في السياسة.

قبل التحرّك العام المدعوم من الجيش ضدّ مرسي، شكّلت مجموعة من الناشطين العلمانيين في مصر حركة "تمرّد" لتعبئة المشاعر الشعبية ضد الرئيس. حظيت "تمرّد" بإعجاب التونسيين، وتشكّلت نسخة محليّة عن الحركة في صفوف الذين يسعون إلى إطاحة الحكومة التونسية المؤلّفة من ائتلاف أحزاب ثلاثة بقيادة حركة النهضة الإسلامية (غالباً مايُشار إليه بالترويكا).

فتح التونسيون، المستاؤون بشكل متزايد من حكم الترويكا، نقاشاً سياسيّاً حول "السيناريو المصري". حاجج بعضهم، مثل حركة تمرّد، أنّ تنحية الحكومة حلٌّ مناسب لفشل الإسلاميين في الحكم، فيما اعتبر بعضهم الآخر أنّ البلاد تمرّ ببساطة في مأزق الديمقراطية الوليدة.

أيّدت مجموعات المعارضة التونسية العلمانية في البداية الانقلاب في مصر، واعتبرته ردّاً طبيعيّاً على التهديد الذي يطرحه الحكم الإسلامي، والذي رأت أنّه يشكّل خطراً على أصول الدولة الحديثة والمجتمع، كما اعتبرته وسيلة تنتقم من خلالها المعارضة من صعود الإسلاميين واحتكارهم السلطة في مصر. ورأت أنّ الانقلاب من شأنه أن يخدم الغايات نفسها في تونس.

لكنّ الجيش المصري بدأ يمارس قمعاً عنيفاً بعد تولّيه السلطة، بما في ذلك انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ضدّ المتظاهرين المؤيدين لمرسي في ميدان رابعة العدوية. أعاد هذا الاضطراب المعارضة التونسية إلى موقفها الذي اعتمدته لفترة طويلة، وهو أنّه يجب على الجيش ألّا يتدخّل في السياسة.

أمّا إسلاميّو تونس من جهتهم، فقد أيّدوا الإخوان المسلمين في مصر الذين دعموا مرسي وأدانوا الانقلاب العسكري ضدّ الرئيس المنتخب ديمقراطيّاً. في نهاية المطاف، ساعد النقاش العام حول السيناريو المصري في التوفيق مابين وجهات النظر المتفاوتة أساساً، وأنقذ بالتالي مستقبل تونس السياسي.

نشاط المجتمع المدني: الاتحاد العام التونسي للشغل

إذا كانت لحركة تمرّد في تونس نتيجة مختلفة عن مصر، فهذا يُعزى إلى القوى السياسية المتنافسة والأفضل تنظيماً ضمن المجتمع المدني التونسي. في السنوات الأخيرة، جدّد المجتمع المدني، المترسّخ بعمق في تونس، حيويّته في البداية من خلال مقاومة نظام بن علي، ثمّ بعد ثورة العام 2011 عبر مقاومة حكومة الترويكا الحاكمة التي اتجهت نحو استنساخ الجهاز الحكومي نفسه الذي كان في عهد بن علي، من دون إعادة إرساء سلطة أخلاقية وسياسية. يشكّل الاتحاد العام التونسي للشغل عموداً أساسيّاً من أعمدة المجتمع المدني التونسي.

يعادل دور الاتحاد العام التونسي للشغل دور الجيش في مصر، ويستمدّ قوّته من تاريخه وهيكله التنظيمي. بعد إنشائه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، انضم الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الحركة الوطنية وبرز بصفته لاعباً سياسيّاً.

بعد فترة وجيزة على استقلال تونس في العام 1956، وضع الحزب الحاكم والمهيمن على البلاد قاعدة الحزب الواحد، زاعماً أنها الضامنة الوحيدة للوحدة الوطنية. وعلى مدى العقود التالية من الحكم الحزبي والاستبدادي، شكّل الاتحاد العام التونسي للشغل ملاذاً لأعضاء المعارضة، ومنبراً يتيح لهم أن يُسمعوا أصواتهم ويطالبوا بحقوقهم ويتعلّموا الديمقراطية.

ليس الاتحاد العام التونسي للشغل مجرّد منظمة عمّالية، بل هيئة تضم الجميع، ومنفتحة على المهنيين كافة، أسواء كانوا معلّمين أو أطباء أو عمّال أو غير ذلك. وهو يوحّد الشرائح الفقيرة في المجتمع والطبقات الوسطى، التي تشكّل معاً جزءاً كبيراً من سكّان تونس (يضمّ الاتحاد العام التونسي للشغل مليون منتسب من مجموع السكان البالغ عشرة ملايين نسمة). وباعتباره المنادي بالمطالب الاقتصادية والنقابية، يعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل صلة الوصل بين الدولة والمجتمع. وهو في الوقت نفسه مجموعة ضغط ومنظمة شعبية أكثر ميلاً إلى الحوار منه إلى المواجهة.

منذ قيام الثورة، وبصفته منظمة المجتمع المدني الأقوى في تونس، عارض الاتحاد العام التونسي للشغل حكومة الترويكا من دون أن يسعى إلى تقديم نفسه بديلاً عنها أو إلى مصارعة السلطة الحاكمة. وتواصلت هذه المعارضة على الرغم من الهجمات على مقرّات الاتحاد العام التونسي للشغل وعلى مناصريه، التي نفّذتها رابطة حماية الثورة الموالية للنهضة، والمؤلّفة من مجموعات من السلفيين الذين شاركوا في أحداث عنف متنوعة في تونس منذ العام 2011.

لاتزال قيادة الاتحاد غير حزبية، إلّا أنّ قاعدته تجمع أشخاصاً من المشارب السياسية كافة، من ضمنهم الدستوريون والقوميون العرب واليساريون والإسلاميون. يشكّل الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة موحِّدة تتحدّث نيابةً عن العامّة، وتسعى إلى أن تبقى مستقلّة عن الأنظمة السياسية، وأن تناضل في سبيل العدالة الاجتماعية والحرية – وهذه مطالب الثورة أساسية التي قادها الاتحاد ضد الترويكا، على الرغم من الاصطفاف السياسي لقيادته الوطنية إلى جانب النظام القديم.

في أوائل العام 2013، اقترح الاتحاد العام التونسي للشغل الحوار الوطني على أنه وسيلة لحلّ أزمتَي تونس الاقتصادية والسياسية المحليّتين. على الصعيد الاقتصادي، كانت البلاد تعاني من ارتفاع أسعار وتضخّم وعجز في الموازنة وتراجع في الاستثمارات، وكلّها مؤشّرات عن أزمة. وانعكست التحدّيات السياسية بتصاعد العنف وعدم الاستقرار، وفقدان ثقة الشعب بحكّامهم عديمي الخبرة، الذين قام العديد منهم بفرض تعيينات في الخدمة العامة على أساس حزبي.

قوّضت هذه التعيينات، التي أجريت بدافع المحسوبية السياسية والتضامن الاجتماعي، مصداقية هذه السلطات وأثقلت عاتق الميزانية العامة للدولة بمزيدٍ من المصاريف المرتبطة بالأجور. إضافةً إلى ذلك، استمرّ عدم الاستقرار بلا هوادة في ظل الترويكا. وتفاقم الإرهاب أكثر فأكثر في جبل الشعانبي وفي المناطق الحضرية الهامشية في أعقاب اغتيال ثلاثة من قادة المعارضة السياسية - هم محمد لطفي نقض في تشرين الأول/أكتوبر 2012، وشكري بلعيد في شباط/فبراير 2013، ومحمد ابراهيمي في تموز/يوليو 2013 - على أيدي سلفيين جهاديين كما يُزعم.

على خلفية الأزمات والتوترات، أدّى الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً حاسماً في التوسّط للتسوية التاريخية في تونس. أعاد إحياء الحوار وضمّ جهوده، ببراعة وللمرة الأولى في تاريخه، إلى جهود اتحاد أرباب الأعمال، فشكّلا قوة موازنة مؤثّرة بوجه محاولات حكومة الترويكا احتكار السلطة. وقد فرضت هذا التحالف الأزمة الاقتصادية التي أضرّت بالعمّال وبأرباب العمل على حدّ سواء، كما فرضته إرادة الاتحاد العام التونسي للشغل، إنقاذَ البلاد من كارثة مُحدقة.

من خلال تحالفهما مع جمعيّتين أُخريَين معروفتين بإنجازاتهما ومكانتهما الرمزية، وهما نقابة المحامين (التي أيّدت الانتفاضة علناً)، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان التي أصبحت الهيئة الأولى من نوعها في العالم العربي عند تأسيسها في العام 1977، تمكّن الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد أرباب الأعمال من إنشاء التوازن السياسي، ما أرغم حكومة التروكا على التفاوض. تمكّن التحالف الرباعي من تضييق هوة الخلافات وإزالة الاستقطاب السياسي المحلّي بين الترويكا من جهة، وبين المعارضة العلمانية من جهة أخرى – التي أيّدت حزب نداء تونس والجبهة الشعبية ومجموعات أخرى ضمن المعارضة العلمانية عُرفت بجبهة الإنقاذ الوطني.

الدور التصالحي لقادة الأحزاب السياسية

حقّقت جهود التحالف الرباعي النجاح إلى حدّ كبير، لأنّ الأشخاص الذين يتسلّمون زمام السلطة في تونس أبدوا استعدادهم للاستماع وانفتاحهم على التسوية. نُظر إلى انتفاضة الشعب ضدّ نظام بن علي عن حق على أنها ثورة من دون قادة. وفي تونس، كما في مصر وسائر بلدان الربيع العربي، كانت الانتفاضات ضد الدكتاتوريات البوليسية عبارة عن تحرّكات عفويّة تفتقر إلى التوجّه السياسي. لكن، بعد مرور فترة وجيزة – خلال مرحلة الانتقال، حين نتج عن التغيير وفقدان المرجعية السياسية شعورٌ بالقلق – برزت الحاجة إلى قائد سياسي يستطيع التونسيون أن يروا أنفسهم من خلاله. وفرض الاستقطاب السياسي، الذي ازدادت حدّته عقب الانتخابات التشريعية في العام 2011، زعيمَين سياسيَّين أساسيَّين هما راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة الإسلامي الذي خرج منتصراً بعد أول انتخابات ديمقراطية، والباجي قائد السبسي، رئيس الوزراء السابق ومؤسِّس حزب نداء تونس الذي أصبح سريعاً أهمّ حزب علماني معارِض. وإضافةً إلى هذين الزعيمَين الجذّابَين، برز عدد من الزعماء النافذين الآخرين على الجانب الإسلامي والسلفي، والجانب العلماني للطيف السياسي.

يعود الفضل إلى الغنوشي والسبسي في أنهما استثمرا ثقلهما السياسي وسمعتهما الشخصية في خلال هذه المرحلة الانتقالية، لإقناع مؤيّديهما وأوساطهما الداخلية بقبول تسوية للأزمة يجري التفاوض والتوافق عليها. وبعد كثير من التسويف والمقاومة، بثّ هذان الزعيمان الشعبيان، اللذان يسعيان إلى استراتيجيات تحالف سياسي جديدة، حياةً جديدة في الحوار الوطني. وشكّلت اجتماعات القمّة التي عُقِدَت بين الغنوشي والسبسي في باريس والجزائر العاصمة، في أوج الأزمة السياسية، نقطة التحوّل الحقيقية. كذلك حدّدت الاجتماعات التي جمعتهما وجهاً لوجه شكل الأحداث التي سبقت التسوية الأخيرة.

فضلاً عن ذلك، اضطّلع هذان الزعيمان بدورٍ فعّالٍ في الدفع في اتجاه مزيدٍ من الليونة ضمن حزبيهما السياسيَّين، وساهما بالتالي في نشوء تقاربٍ بين مناصريهما. على سبيل المثال، تحدّى الغنوشي حزبه بقبول حذف إشارة مثيرة للجدل إلى الشريعة، في الدستور الجديد، وبالتخلّي عن مادة كانت أشارت إلى وضع المرأة على أنها "مكمّلة للرجل". ومع أنه زعيم للنهضة، وقّع الغنوشي على خريطة الطريق من أجل حوار وطني، نصّت على استقالة حكومة رئيس الوزراء علي العريض بقيادة النهضة، باعتبارها مقدّمةً للتفاوض على تشكيل حكومة كفاءات وطنية، وإنهاء صياغة الدستور، والاتفاق على الانتخابات العامة المقرّر إجراؤها بحلول نهاية العام 2014. وهكذا جرى التوصّل إلى تسوية تستند إلى إقامة رابط عضوي بين المسارات الحكومية والدستورية والانتخابية.

واستخدم السبسي بدوره ثقله وخبرته لإغراء حزبه، نداء تونس، من أجل الدخول في حوار مع الإسلاميين، متحدّياً بذلك اعتقاداً راسخاً لدى العلمانيين ربطَ الإسلاميين بالإرهاب منذ حقبة بن علي.

إضافةً إلى هذا التقارب بين الزعيمَين النافذَين، ساهم زعماء آخرون في نجاح الحوار الوطني. فالزعميان النقابيان الرئيسان في مبادرة "الرباعية" – حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، ووداد بوشماوي، رئيسة منظمة أرباب العمل – اضطّلعا بدور حاسم في الترويج للحوار على أنه الحلّ الممكن الوحيد للأزمتين الاقتصادية والسياسية. وقد ساهم صبرهما وكفاءتهما في نجاح الحوار الماراثوني، وذلك على حساب تضحيات مؤلمة وتوافق غير تامّ ولكن مفيد.

تلك كانت الصيغة الرامية إلى تشكيل حكومةٍ جديدةٍ من شأنها أن تجدّ حلاً وسطاً بين متطلّبات المعارضة – التي طالبت بشخصيات جديدة ومستقلّة – وبين الترويكا الحاكمة التي سعت إلى إبقاء بعض وزرائها ومستشاريها في السلطة. واعتُبِر مهدي جمعة، وزير الصناعة السابق في حكومة العريض، المعروف بكفاءته واستقلاليته، شخصيةَ تسويةٍ، وسُمّي رئيساً للوزراء.

وفي سبيل منع الجمعية التأسيسية من أن تصبح عُصي في دولاب الحكومة الجديدة، أنشأ الحوار الوطني لجنة وساطة بين المؤسستَين. وأدّى رئيس الجمعية التأسيسية، مصطفى بن جعفر، بنجاح دوراً حساساً وهو دور الوسيط الناشط. وتمكّن بن جعفر من القيام بذلك نظراً إلى أنه حليف سياسي علماني للنهضة يتسلّح بثقة كلٍّ من الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، وهما أساس الحوار الوطني.

فضلاً عن ذلك، كان لمسؤولَين آخرَين، هما الرئيس التونسي منصف المرزوقي، ورئيس الوزراء السابق العريض، مساهمةٌ أيضاً في التسوية الأخيرة. وفي نهاية المطاف، نُظِر إلى الحوار على أنه تعبير عن إرادة الزعماء من مختلف جوانب الطيف السياسي في التوصّل إلى حلّ توافقي للأزمة التونسية، من شأنه مساعدة المواطنين على تفادي ماعاشه نظراؤهم المصريون من ريبة وهيمنة عسكرية وعنف حقيقي ومحتمل في المجال العام.

خلاصات وتحديات مستقبلية

لقد تقاطع عدد من العوامل واللاعبين لإنجاح الحوار الوطني في تونسي، الذي اعتُبِر على نطاق واسع أنه العمود الفقري للتسوية التاريخية. وما أفسح في المجال أمام التوافق كان جيش البلاد المحترف وغير السياسي، والدروس المستقاة من المشاكل التي طبعت العملية الانتقالية في مصر، والمجتمع المدني المُتّحِد حول نقابة العمال، والمواقف التوفيقية للزعماء السياسيين.

بيد أن التسوية التاريخية في تونس تبقى هشةً على الرغم من أنها أرست بنجاح عملية مصالحة وثقافة حوارٍ حقيقية. والواقع أن السنوات المقبلة ستشهد تحديات كبيرةً ترتبط بأمن البلاد واقتصادها وثقافتها. وعلى تونس أن تعزل ظاهرة الإرهاب، وتقلّص عدم المساواة الاجتماعية والمناطقية من خلال تنشيط سياسات الاستثمار والتوظيف الوطني، وأن تصلح التعليم من أجل إنشاء مجتمع قائم على المعرفة.

تعتمد فرص نجاح التسوية التاريخية الفورية، بالنسبة إلى تونس، على مكافحة الإرهاب واستكمال خريطة الطريق، التي يجب أن تقود إلى انتخابات حرة، وعلى مراجعةٍ للتعيينات القائمة على أساس حزبي، وحلّ الرابطة الوطنية لحماية الثورة ذات الميول العنفية. وهدف الحكومة المطلق هو استعادة ثقة الشعب بحكّامه، وإرساء مناخ من الحياد والشفافية والأمن للحرص على إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة في ظلّ ظروف ملائمة إلى أقصى حدّ.

الواقع أن رئيس الوزراء جمعة سبق أن اتّخذ بعض الخطوات في هذا الاتجاه. فهو بالتزامه المبادئ المنصوص عليها في خريطة الطريق التي وافق عليها كل الشركاء السياسيين تقريباً في الحوار الوطني، يروّج للمعافاة الاقتصادية من خلال التوظيف والاستثمار والاقتراض الوطني والدولي. وهو يتعهّد أيضاً بإعادة النظر في التعيينات على أساس حزبي، ووقف التوظيف في الخدمة العامة، وحلّ الرابطة الوطنية لحماية الثورة التي تعيق القانون وتعرقل مساعي الحكومة لتحييد واستعادة الجوامع التي تنشر خطاباً متطرّفاً يتعدّى سلطة الدولة.

فضلاً عن ذلك، تعهّد رئيس الوزراء بتسريع عملية مكافة الإرهاب. فاللحظة تُذكِّر بالتسوية التاريخية التي جرى التوصّل إليها في سبعينيات القرن المنصرم في إيطاليا بين الحزب الشيوعي الإيطالي والمسيحيين الديمقراطيين. فبأمرٍ من أنريكو برلينغر، زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي، توصّل الخصمان إلى اتفاق لمنح إيطاليا فترةً من الاستقرار. لكن خطر الاغتيال السياسي خيّم على التسوية الإيطالية مع اغتيال زعيم المسيحيين الديمقراطيين ألدو مورو في العام 1978، كما هو يخيّم اليوم على لاعبين أساسيين في تونس.

لابد أن يكون ثمة مشاركة توافقية لجميع اللاعبين السياسيين، بمَن فيهم المجتمع المدني، والدولة، والزعماء السياسيون، والقوات المسلحة، والشركاء الدوليون، كي تؤتِ هذه المهام الأساسية أكلها. وتشهد الجهود المتّفق عليها من أجل إنهاء صياغة دستور البلاد وتشكيل حكومة كفاءات وطنية، على ضرورة المشاركة الواسعة. ويتعيّن توطيد هذين الإنجازين الحاسمين أكثر، وردء المخاطر المحلية أو الإقليمية عنهما.

لهذه الغاية، ينبغي أن يقيم الزعماء السياسيون القدامى حواراً وطنياً، ويجهدوا في الوقت نفسه من أجل ضخّ دم سياسي جديد، عن طريق زيادة مشاركة الشباب، وتشجيع السياسيين من الشباب للارتقاء إلى مناصب قيادية ضمن الأحزاب والمجموعات السياسية.

أما المجتمع المدني، فيجب أن يقوم بالتعبئة الشعبية، ويقيم بالتالي توازناً سياسياً بين المحكومين وحكّامهم، ويقلّص حالات سوء استخدام السلطة التي أصبحت جزءاً من الثقافة السياسية المحلية بعد عقود من الدكتاتورية. لهذا السبب، تُعَدّ مبادرةٌ أطلقتها جبهة الإنقاذ الوطني لتشكيل لجنة متابعة لخريطة الطريق، جديرةً بالثناء. ويُنتظَر من هذه اللجنة أن ترفع إلى الجمعية التأسيسية في تونس العرائض ذات الصلة بالانتخابات والاقتصاد والإدارة والعنف السياسي. تعتقد المعارضة أيضاً أن القانون الانتخابي، الذي تجري مناقشته حالياً، ينبغي أن يتطرّق إلى الشقّ المتعلّق بالمراقبة التقنية والمالية تفادياً لأي تزوير لنتائج الانتخابات.

على ضوء الوضع الاقتصادي الخطير، وفي غياب ميزانية عامة حقيقية للعام الحالي، لابد من حماية القوة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة. لقد أقرّ رئيس الوزراء بأن هشاشة الاقتصاد الوطني ترتبط بدين عام هائل يبلغ حوالى 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وبتراجعٍ في الاستثمارات، وباختلال التوازن في الميزانية والتجارة والمالية.

تُجادِل المعارضة إذاً بأنه من مصلحة الحكومة أن تعيد التوازن الاقتصادي والمالي، وتكشف حقيقة الاغتيالات السياسية، وتعالج مسألة مراجعة عملية التعيينات السياسية التي طال انتظارها. الواقع أن وزارة الداخلية عيّنت بالفعل حكّاماً جدداً استناداً إلى الجدارة والخبرة، إلا أن هذه الخطوة ليست مقنِعةً لجبهة الإنقاذ الوطني التي دعت إلى مراجعة معمّقة لكل المناصب التي طالتها التعيينات (بما في ذلك الحكّام، والمندوبون، والمدراء العامون، والموظفون القنصليون والدبلوماسيون).

وإلى جانب المعارضة، يؤدّي الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً أساسياً في محاولة معالجة قضايا البلاد. وينظر الاتحاد العمالي إلى إقامة الحوار الوطني على أنها وسيلة لإعادة النظر في التعيينات على أساس حزبي، حتى ولو بدت المهمة شاقةً، ولو كانت الأولوية ستُعطى في نهاية المطاف للمناصب السياسية والاقتصادية والدبلوماسية الرئيسة.

يُذكَر أن الاتحاد العام التونسي للشغل دخل في مفاوضات مع الحكومة بغية تحسين الحدّ الأدنى للأجور وتطبيق الاتفاقات الجماعية التي جرى عقدها بين السلطات ونقابات العمال. ويرى الاتحاد أن إعادة إحياء الحوار الوطني سترسّخ روح التوافق بين الحكومة والمعارضة، من جهة، وبين اتحادات أرباب العمل والعمال، من جهة أخرى. هذا وتهدّد الإضرابات والاعتصامات التي يقوم بها الموظفون الرسميون للمطالبة بظروف عمل أفضل، والعاطلون عن العمل الذين يبحثون عن فرص التوظيف، والناشطون في القطاع غير الرسمي الذين يتأرجحون بين البقاء وبين القيام بأنشطة غير شرعية، بزعزعة استقرار البلاد وإبعاد المستثمرين المحليين والدوليين.

كذلك، يتعيّن على الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة أن يجريا مشاورات حول الشؤون الأمنية ويوسّعا نطاقها محلياً، ولاسيما في المناطق المضطربة والتي لاتزال هشّةً عند الحدود التونسية. فثمة قطاع غير رسمي مزدهر على الحدود مع ليبيا والجزائر، يمكن إيجاد تسوية له إذا ما أقامت البلدان الثلاثة مناطق للتجارة الحرة وعقت اتفاقات في مابينها. ويُذكَر أن إقفال السلطات الليبية مؤخراً لمعبر راس الجدير الحدودي، على الجانب التونسي، أسفر عن اندلاع احتجاجات تطوّرت إلى اشتباكات بين أجهزة الأمن وبين مهرّبين أقفلوا الطرق وأشعلوا الآليات وهجموا على مراكز الشرطة.

ينبغي على تونس، في مايتعلّق بمكافحة الإرهاب، أن تتصدّى للأسباب الجذرية لهذه الظاهرة، أي الإقصاء الاجتماعي والكراهية اللذين تثيرهما الإيديولوجيا الجهادية. وعلى الحكومة أن تطبّق سياسة تنموية مُدُنية ومناطقية، وتستأصل في الوقت نفسه الخلايا الإرهابية على الأرض، خصوصاً في جبل شعانبي وفي أحياء المدن. كما أن عودة مئات الجهاديين التونسيين من سورية تهدّد استقرار تونس أيضاً ولابد من معالجتها.

لكن تونس لاتستطيع، ولايجوز، أن تحقّق هذه الأهداف وحدها. فمستقبل التسوية التاريخية في البلاد يعتمد على تحسين الوضع الاقتصادي وحماية الشعب التونسي والممتلكات التونسية، من خلال تعزيز الأمن عن طريق التعاون الدولي، ولاسيما مع الدول التي لها خبرة في مكافحة الإرهاب. كما أن دعم المؤسسات الدولية والبلدان الأجنبية للحوار الوطني التونسي، يجب أن يدخل ضمن استراتيجية شراكةٍ تطال المجالات كافة ومختلف بلدان الربيع العربي التي تتخبّط في عمليات انتقالية غير مكتملة. صحيح أن ثمة عوامل خاصة بتونس تجعل خبرتها فريدة من نوعها، إلا أن تونس يمكن أن تشكّل نموذجاً عن بلد خاض ربيعاً عربياً وهو في طريقه ليصبح ديمقراطية.