"الدستور الجديد هو قبلة الموت على جبين الثورة". هذا ما أفصح به ناشط شاب خلال اجتماع عُقِد مؤخراً لمناقشة التحديات التي تواجه تونس بعد سنوات ثلاث من الانتفاضة التي أطاحت الرئيس آنذاك زين الدين بن علي. وأضاف إلى ذلك زميل له: "هذا الدستور شكّل خيانة لمباديء الثورة، لأن المطالب الرئيسة لأولئك الذين نزلوا إلى الشوارع لم ترد فيه. فنحن نواصل الاعتماد اقتصادياً على أوروبا، ولم نتلمّس مسألة العدالة الاجتماعية في أي مكان".

قد تكون هذه تهمة قاسية أُلصقت بعملية كالت الثناء عليها الأسرة الدولية بوصفها اتفاقاَ شكّل معلماً بارزاً وعلامة فارقة بين القادة السياسيين، الذين تمكنوا من إبرام تسوية لمصلحة مستقبل تونس. لكن على الأرض، يشعر العديد في تونس، يافعون ومسنّون، بالقنوط واليأس. فسائقو سيارات الأجرة، وأصحاب المتاجر، وأساتذة الجامعات، وآخرون، يُطلّون على الدستور، الذي أقرته الجمعية الوطنية التأسيسية، على أنه حصيلة عملية سياسية نخبوية لايثقون بها. فبالنسبة إلى العديد من المواطنين التونسيين، لم تقم الصفقة السياسية التي وُلِد من رحمها الدستور، سوى بتملُّق ومداهنة المطالب الرئيسة التي تم التعبير عنها في انتفاضة 2011، وليس لها سوى تأثير ضئيل على تظلمات الشعب المعيشية. هذا في حين أن الاستقطاب المجتمعي، والسخط من العملية السياسية، والتدهور المتواصل في مستويات المعيشة، وبروز ظاهرة العنف السياسي، لاتزال من الهموم المركزية.

بيد أن المسألة مغايرة نسبيا. إذ أن إقرار الدستور الذي جرى التوصل إليه من خلال عملية مفاوضات بين مختلف الأحزاب السياسية في البلاد، يمثّل نقطة تحوُّل دقيقة ليس فقط لعملية الانتقال التونسية نحو الديمقراطية، بل أيضاً للمنطقة ككل. ومع ذلك، ومثلما حدث في  العديد من البلدان الأخرى، ثمة عقبات وعوائق كأداء أمام هذه العملية، ولايزال يتعيَّن بذل المزيد من الجهود لوضع تونس حقاً على مسار مستقر وديمقراطي. فالشيطان يكمن في التفاصيل.

نصر بشق النفس

كانت عملية صك الدستور، التي تعرِّف وتُحدِّد العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة وبين المواطنين، عملية طويلة ومديدة في تونس. فهي بدأت العام 2011 بعد انتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية في 23 تشرين الأول/أوكتوبر. وبحلول حزيران/يونيو أصدرت الجمعية المسودة الدستورية الثالثة وعرضتها على مشاورات عامة.

بيد أن الأزمة التي أفرزتها سلسلة من أعمال العنف السياسي والتظلمات الاجتماعية- الاقتصادية، سرعان ما هددت المسيرة السلمية نسبياً لعملية الانتقال التونسية. فالبلاد أُخذت على حين غرة حين تم اغتيال قائدين سياسيين من حزبين يساريين علمانيين- شكري بلعيد في شباط/فبراير 2013 و محمد ابراهيمي في آب/ اغسطس 2013. وقد أشعل اغتيال ابراهيمي مسيرات احتجاج حاشدة ضد الحكومة التي كانت بقيادة حزب النهضة الإسلامي، وكاد أن يؤدي إلى تحلل الجمعية الوطنية بعد أن أعلن 60 عضواً فيها استقالاتهم. ثم مالبثت البلاد أن واجهت صدمة أخرى حين تمت جندلة ثمانية جنود في 29 تموز/يوليو كانوا يلاحقون أعضاء تنظيم القاعدة على طول الحدود مع الجزائر. وهذه كانت أكبر خسارة تلحق بالجيش التونسي في تاريخه الحديث.

تحقق الخروج من الطريق المسدود بفضل الوساطة التي قامت بها أربع منظمات مجتمع مدني رئيسة- عُرِفت بشكل جماعي باسم "الرباعية"- وهي: الاتحاد العام التونسي للشغل، ورابطة حقوق الإنسان، ونقابة المحامين، واتحاد أرباب الأعمال. وقد أُعلن عن خريطة طريق تضمنت الدعوة إلى إقرار المسودة الأخيرة من الدستور في نهاية كانون الثاني/يناير. استقالت حكومة النهضة كجزء من بنود خريطة الطريق وحلّت مكانها حكومة تكنوقراط، ما أفسح في المجال أمام انتخابات برلمانية ستجري في وقت لاحق من العام 2014.

 ويعتبر العديد من المراقبين في تونس، ان هذه تسوية هشّة اضطرت الاحزاب السياسية الرئيسة، خاصة النهضة، إلى إبرامها بضغط من لاعبين إقليميين ومن سياقات الأحداث. وعلى وجه الخصوص، كان لـ"أثر مصر" الذي نجم عن إطاحة الرئيس المصري محمد مرسي في تموز/يوليو 2013 وماتبعه من حملة قمع صارمة ضد جماعة الإخوان، تأثير على موقف حزب النهضة من قضايا رئيسة ومنها كيفية الاستجابة للمطالبة باستقالة الحكومة. هذا علاوة على أن الحرب الأهلية في الجزائر، غير البعيدة جغرافيّاً عن تونس، في حقبة التسعينيات، تركت بصماتها هي الأخرى على راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، وعلى الموقف السياسي البراغماتي عموماً لحزبه. ففي قراءته الخاصة لهذه الحرب، رأى الغنوشي أن الأغلبية التي حصدها الإسلاميون في الجزائر في كانون الأول/ديسمبر 1991، تبخّرت بسرعة وبعنف بسبب الخطوات المتسارعة التي اتخذها هؤلاء لفرض عقائدهم على المجتمع، في وقت كان فيه الإعلام، والاقتصاد، والجيش، لا يزالون تحت سيطرة المعارضة اليسارية والليبرالية. ولذا، لم يُرد تكرار الأخطاء نفسها.

خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء

أعرب العديد من الشبان الذين تحدثت إليهم عن اعتقادهم أن عملية وضع الدستور نفسها اتسمت بالاقصاء لشرائح مجتمعية واسعة وباللامساواة في العملية التشاركية، خصوصاً على مستوى القواعد. اذ أنه لم تعقد سوى بعض المشاورات الوطنية خلال هذه العملية على مستوى المناطق. كما ان الخبراء الأساسين بالقانون الدستوري في تونس لم يكن لهم سوى دور استشاري، والجمعية الوطنية لم تكن ملزمة بأخذ ملاحظاتهم حول مسودة الدستور بعين الاعتبار، ولا أيضاً ملاحظات منظمات المجتمع المدني. وقد عززت هذه الممارسات الانطباع الشائع بأن قلة احتكرت هذه العملية. وهذا الرأي قوَّض حس الامتلاك الوطني لما يعتبره العديدون قصة النجاح الرئيسة في الانتفاضات العربية.

علاوة على ذلك، يعتبر العديد من الشباب أن مجموعات المجتمع المدني التي أثّرت على عملية وضع الدستور وفتحت الطريق السياسي المسدود، هي حركات "ملتحقة أو تابعة" لنظام بن علي. وهي تعتقد بأنه تم استبعاد المنظمات الأكثر حداثة زمنياً وتلك التي كانت تعمل على المستوى المجتمعي من العملية.

هذا الشعور بالحرمان تجسّد في استطلاع أجراه برنامج الأمم المتحدة الانمائي (UNDP) في العام 2012 لمن هم في فئة عمرية تتراوح بين 15 و22 سنة. وقد أشارت نسبة مرتفعة منهم (56 في المئة) إلى أنهم لايعرفون كلياً أي شيء عن محتويات الدستور، فيما  قال 30 في المئة أنهم مُطلعون قليلاً عليه. ولاغرابة بعد ذلك أن يقول 45 في المئة أنهم لايشعرون أنهم "منخرطون في عملية انتاج الدستور".

مثل هذا الشعور بالحرمان يتساوق مع الظروف الاقتصادية- الاجتماعية الأكبر في البلاد. فالمواطنون التونسيون العاديون يعتبرون أن السياسين لم يفعلوا سوى القليل لتحسين أوضاعهم في هذا المجال. وقد شهدت البلاد انكماشاً في النمو وفي المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الأخرى، بما في ذلك تفاقم التضخم، وخفض قيمة العملة التونسية، الدينار، وزيادة العجز المالي من 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 إلى 6،3 في المئة في 2012. وترافق هذا التدهور مع تفاقم معدلات البطالة والفقر. وفي العام 2012، قُدِّرت معدلات البطالة على المستوى الوطني بنحو 19 في المئة. ووصلت معدلات البطالة بين الشبان (من 15 إلى 22 سنة) إلى أكثر من 44 في المئة العام 2010، وهو رقم يُحتمل أن يكون قد ارتفع في السنوات الثلاث الأخيرة. ولاعجب بعد ذلك أن يُحدد 82 في المئة من الشبان، الذين تم استطلاع رأيهم في دراسة برنامج الأمم المتحدة، تقليص البطالة كبند أساسي وعلى رأس أولويات الحكومة المقبلة.

هذا الوضع يزداد تعقيداً بسبب الاجحاف الاقتصادي - الاجتماعي الذي لحق بالولايات (المحافظات) لعقود عدة من جراء الإهمال ونقص التنمية. وهذه العوامل كانت محفزات رئيسة للانتفاضة الشعبية في كانون الاول/ ديسمبر ٢٠١٠. وتشي المؤشرات التنموية على صعيد الولايات بأن النقاط البؤرية للثورة، مثل القصرين وقفصة، تعاني من أعلى تمركز للبطالة في البلاد، وأيضاً من أعلى معدلات الفقر (وصلت إلى 29 في المئة).

هذا التفاوت يتطلب علاجاً. لكن الواقع أن الحكومات المتعاقبة في حقبة مابعد الانتفاضة الشعبية في تونس، واصلت نهج السياسات الاجتماعية- الاقتصادية نفسه؛ تلك السياسات التي ولّدت الاجحاف واللامساواة في ظل نظام بن علي. وهي (الحكومات) لم تعرض رؤى بديلة للتنمية، ولاحاولت التصدي للمظلّمات الاجتماعية- الاقتصادية على نحو مستدام. بدلاً من ذلك، تبنّت الحكومات سياسات شعبوية قصيرة الأمد، مثل توظيف وإعادة توظيف عشرات آلاف الاشخاص (تتراوح الأرقام بين 16 ألفاً إلى 30 ألفا) في القطاع العام، وإقرار زيادات أجور سخية في هذا القطاع. وهي بذلك كانت تواجه المتطلبات الضاغطة بنزعة نفعية سياسية.

نتيجة لذلك، تواصل تونس التعرُّض إلى مروحة من الإضرابات العمالية في مدن وقطاعات ووزارات عدة. وثمة أيضاً تدهور واضح للخدمات العامة في طول البلاد وعرضها. ووفقاً لعضو في المجلس الوطني للحوار الاجتماعي، يعود هذا جزئياً إلى الاستقطاب السياسي في البلاد، الذي ترك بصماته على المؤسسات العامة على كل المستويات.

شعب يصنع  تاريخه 

من الواضح أن ثمة الكثير مما يجب عمله لمعالجة المظلّمات التي دفعت التونسيين إلى الانتفاض. بيد أن ذلك لايجب أن يحجب واقع أن الدستور الجديد فتح آفاقاً مهمة لتحقيق مطالب الانتفاضة التونسية في "الحرية، والكرامة، والعدالة". ووفق تعبير عياض بن عاشور، رئيس اللجنة العليا للإصلاح السياسي، فإن الدستور التونسي يبجّل "حماية حقوق وحريات المواطنين.. وفي مقدمها حرية الضمير".

تحدد مقدمة الدستور التونسي عدداً من المباديء التي تعتبر أساسية للديمقراطية. فهي تحتضن فكرة الدولة المدنية، والشعب كأساس للشرعية، ومفهوم التعددية. وتعتبر حياد الدولة والحوكمة الرشيدة أساس للتنافس السياسي. ومن خلال الدستور، تضمن الدولة بأن الحريات الأساسية، وحقوق الإنسان، واستقلالية القضاء والمساوة بين المواطنين، نساء ورجالا، في الحقوق والواجبات، سيتم احترامها.

فضلاً عن ذلك، أسفرت المفاوضات السياسية، والمساومات، والتسويات الكامنة في عملية الصياغة ، عن دستور هو الاول من نوعه (في العالمين العربي والإسلامي) بما يتضمن من مواد تتمتع بميزة قد تعتبر معلماً فارقاً. وهذا أكثر وضوحاً في الفصل الأول الذي يحدد المباديء الأساسية للدستور التونسي. فالمادة الثانية، على سبيل المثال، تعرّف تونس بأنها "دولة مدنية تستند إلى مبدأ المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون"، وهي (المادة) غير قابلة للتعديل في أي مراجعة مستقبلية للدستور. وبالمثل، المادة السادسة بالغة الأهمية لأنها تمنع اتهامات الردة، وهي أول مادة من نوعها في أي دستور في العالمين العربي والإسلامي. 

الفصول التالية تتضمن عدداً من المواد المبتكرة والرائدة. فعلى سبيل المثال، المادة 46 تعترف بالحقوق المكتسبة للمرأة، وبالتالي فهي تغلق الباب أمام أي تراجع عن قانون الأحوال الشخصية، وتجعل المساواة أساس مشاركة النساء في المعتركين السياسي والاقتصادي. وهذه أول مادة من نوعها في بلد عربي. كما أن هذه المادة تلزم الدولة بوضع حد لكل أشكال العنف ضد المرأة. كما حقق الدستور إنجازاً نوعياً في المنطقة العربية عبر المادة 73 والتي تنص على حق كل ناخب تونسي، سواء كان ذكراً أو أنثى، في خوض الانتخابات لمنصب الرئيس.

علاوة على ذلك، يعترف الدستور بأن المعارضة السياسية عنصر رئيس في أي نظام سياسي(المادة 60)، وأن الهيئة القضائية المستقلة ضرورة لتعزيز الحكم الديمقراطي. والحال أن مختلف الأحزاب السياسية ناضلت طويلاً وبقوة للحصول على هذا الاعتراف. كما أن الوثيقة تُلزم الدولة بتأسيس عدد من الهيئات المستقلة، بما في ذلك اللجنة الدستورية لحقوق الإنسان، واللجنة الدستورية للتنمية المستدامة وحقوق الأجيال المستقبلية، واللجنة الدستورية للاتصالات المرئية والمسموعة التي ستُشرف على الإعلام.

محاور الصراعات المقبلة

في حين يبدو أنّ الطبيعة المدنية للدولة ودور الدين في الحياة العامة قد حُسما، أفرزت المفاوضات بين الأحزاب السياسية إشكالات وتناقضات بين بعض مواد الدستور. ويوضّح بن عاشور، إنّ هذه التناقضات "هي مرآة لتناقضات المجتمع التونسي". كما أنها ترسم ملامح ثلاث معارك سياسية رئيسة مقبلة.

لعلّ أكثر هذه المعارك إلحاحاً، هو النقاش المتواصل حول شكل قوانين الانتخاب الجديدة. سوف يشهد هذا العام انتخابات أساسية أربعة هي: الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس الولايات (المحافظات) والانتخابات البلديّة. ومايجعل هذه الانتخابات على قدرٍ أكبر من الأهمية، صيغة تقاسم السلطة بين مناصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان، إضافةً إلى دور البرلمان الجديد في الحفاظ على مبادئ الدستور الأساسية وفي ترجمة المواد والهئيات الدستورية بأطر تشريعية واضحة.

برزت أهمية عملية إنشاء هذه الأطر التشريعية لتطبيق مبادئ الدستور في حوار مسرّب بين راشد الغنوشي وبين أئمّة سلفيّين دار حول غياب ذكر الشريعة كمصدر أساسي للشرعية، عن  المادة الأولى من الدستور. وقد برّر الغنوشي موافقة "النهضة" على حذف ذكر الشريعة باعتبارها خطوة تكتيكية، في ضوء التوازن الحالي للسلطة بين مختلف المكونات السياسية التونسية، وأيضاً في ضوء سيطرة المعارضة على قطاعات أساسية، مثل الإعلام والاقتصاد. تنصّ المادة الأولى على هوية تونس الإسلامية التي حاجج الغنوشي أنها كافية في الوقت الراهن، لأنه لا يريد أن ينقسم التونسيون إلى معسكر مؤيّد للشريعة ومعسكر معارض لها. كما أكّد أنّ التغيير التدريجي لقوانين الأحوال الشخصية في تونس، من ضمن قضايا أخرى مدرجة في الدستور، قد يصبح ممكناً في المستقبل، لأنّ "الذي يضع القانون ليس الدستور؛ فالقانون يفسّره القوي".

تكمن المسألة الأساسية الثانية في النضال من أجل الحرية. ذلك أنّ بنوداً أخرى قابلة للتأويل أيضاً. تكفل المادة 6 حرية الضمير وتحمي المقدّسات الدينية في آن، وهو مبدأ استُخدم أحياناً كثيرة لفرض رقابة على المفكّرين والإنتاجات الفنيّة ومنتقدي المعتقدات والممارسات الدينية حول العالم. بعبارة أخرى، البند نفسه الذي يكفل حرية الضمير، يفرض أيضاً رقابة على حرية التعبير في المسائل الدينية. ويشعر البعض بالقلق من أن يسعى أعضاء البرلمان الذي سينتخب قريباً إلى تمرير قوانين تتعلق بدور الدين في الحياة العامة لأنهم لم يتمكّنوا من إدراج تلك البنود في الدستور.

تندرج المادة 39 في الروحية نفسها، وتدعو الدولة إلى ترسيخ الشعور بالانتماء العربي-الإسلامي في نفوس الشباب، وتجعل المعركة من أجل السيطرة على النظام التعليمي في تونس أكثر شراسة مما كانت عليه في الماضي. ويقف مناصرو التوجّه المدني للدولة ضد التيارات الأكثر محافظة في اجتهاداتها الدينية. إضافةً إلى ذلك، يقوّض التلقين العقائدي للأطفال والشباب في سن مبكرة مبدأ حرية الضمير، وسيحدّ مع الوقت من الطابع المدني للدولة وحقوق المواطنة العادلة.

تكمن الخطوة الأخرى الحاسمة في عملية الانتقال السياسي السليم في تونس في توسيع نطاق السياسات التشاركية بما يتجاوز الانتخابات، لتشمل الحقول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وفي حين أنّ الحق في المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية مكرّس في الدستور التونسي، إلا أنّ الآليات التي يمكن من خلالها التأكّد من أنّ هذه الحقوق مكفولة من ناحية الممارسة، ليست واضحة.

تتيح إناطة السلطة السياسية والإشراف التنموي بالمستوى الإقليمي، بموجب المادة 47، انخراط المواطنين والمجتمعات المحلية ومشاركتهم المباشرة في القرارات التي تؤثّر على حياتهم. كما يجعل دور مجالس الولايات (المحافظات) والبلديات المحلية مهمّاً جدّاً. يمكن للهيئتين أن تؤدّيا دوراً أساسيّاً في الترويج للأنشطة التنموية التي تستجيب إلى الحاجات المحليّة وتخضع المسؤولين المنتخبين إلى مزيد من المساءلة. وخير مثال على ذلك بلديّة بورتو أليغري في البرازيل، حيث يشارك المواطنون بشكل مباشر في تحديد حاجاتهم واتخاذ القرار بشأن ميزانية بلديّتهم. في تونس، قد تتضمّن هذه المقاربة توفير الوصول المتساوي إلى المجموعة كاملة من الخدمات عالية الجودة، فضلاً عن صياغة حلول محلية للتحديات الوطنية. كما قد يتيح هذا الأمر فرصة كبيرة للشباب، ولمنظمات المجتمع المدني والناشطين المدنيين على نطاق أوسع، للانخراط بطريقة أعمق في النضال الاجتماعي والسياسي، وللدفع قدماً في الإصلاحات ذات الأولوية على المستويين المحلي والإقليمي.

على نحو مماثل، إذا تمّ إشراك منظمات المجتمع المدني والناشطين في تصميم وحوكمة اللجان المستقلة المحددة في الدستور، مثل هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال المقبلة، سيمكنهم من أن يؤدّوا دوراً حاسماً في دفع قضية العدالة الاجتماعية إلى الأمام. وتظهر تجارب فنلندا وتشيلي وبيرو في قضايا مماثلة مدى فعالية هذه المقاربة.

الخطوات المقبلة

ليست الدساتير وثائق منعزلة وقائمة بحدّ ذاتها. إذ يُعتبر اعتمادها خطوة رئيسة في عملية  سياسية كبيرة ومعقدة، تتطلب انخراط المواطنين بشكل فعال. ويعتمد نجاحها إلى حد كبير على استعداد النخب السياسية وقدرتهم على العمل معاً على الرغم من الانقسامات القائمة في ما بينهم، لبناء توافق مجتمعي حول الأطر التنفيذبة لمبادئ الدستور الاساسية ولمعالجة المسائل الخلافية والمشاكل المزمنة. بالنسبة إلى التونسيين، يعني هذا الأمر أيضاً معالجة الإرث الثقيل الذي خلّفه نظام بن علي، بما في ذلك الحاجة إلى آليات للعدالة الانتقالية والإصلاحات القضائية والإصلاحات الأمنية.
أرجأ الدستور التونسي أموراً كثيرة للبتّ في مرحلة التطبيق، الأمر الذي يفسح مجالاً كبيرا امام المناورات والألاعيب السياسية. هذا الأمر هو بمثابة سيفٍ ذي حدّين. ففي حين أنه يفتح إمكانية تقويض القواعد الجوهرية للعقد الاجتماعي الجديد، إلا أنه يسمح أيضاً لشرائح واسعة في المجتمع أن يتصرّفوا بموجب التزاماتهم كمواطنين، بالعمل سويا والحفاظ على المبادئ الأساسية لانتفاضتهم والحرص على عدم تقويض روحية الدستور واعترافه بالحقوق الجوهرية.

في مايخصّ الحكومة والنخب المجتمعية الأساسية، ينبغي مواصلة اعتبار السعي إلى التوافق خياراً سياسيّاً. من شأن ضمان المشاركة المجتمعية على نطاق واسع من خلال آليات تشاركية فعالة والتوصّل إلى التوافق حول تفسير المواد الرئيسة، ولاسيما تلك المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية في ظروف اجتماعية-اقتصادية صعبة، أن يوطّدا السلام السياسي الهش. قد تشكّل الأمثلة الدولية عن إلزام الدستور الدولةَ بتوفير دعم مؤسساتي للحق في المشاركة على المستويات كافة، على غرار دستور الإكوادور، نماذج تستطيع الحكومة التونسية أن تحذو حذوها. ويمكن تحقيق هذا الدعم من خلال آليات متنوعة،  مثل جلسات استماع عامة وهيئات الرقابة والمجالس الاستشارية.

إضافةً إلى ذلك، يستطيع شباب تونس أن يؤدّوا دوراً أكثر محورياً في المرحلة الانتقالية، من خلال التركيز على استراتيجية للنضال السياسي تشمل ائتلافات واسعة النطاق. فعلى حدّ قول أحدى الناشطات الشابات : "ثمة تحدٍّ بالغ الأهمية نواجهه اليوم، يكمن في كيف يمكن لنا نحن المنتمون الى حركات شبابية أن نتغلغل في المجتمع التونسي، وأن نبني تحالفات واسعة، وأن نجد بديلاً ثوريّاً فعليّاً لايتعلّق بهوية أو إيديولوجية ما، بل بتحويل المجتمع".

الواقع أنّ الدستور الجديد، على الرغم من التناقضات المتجذرة فيه، قد مهّد الطريق أمام إصلاح أكثر فعالية. وسيكون ضمان تأثيره الإيجابي على حياة المواطنين اليومية امتحاناً حقيقيّاً للديمقراطية.

إنّ النضال من أجل مستقبل تونس قد بدأ للتو.