بعد مرور سنوات ثلاث على الثورة التونسية، استقالت الحكومة المنتخبة، المؤلفة من تحالف بقيادة الإسلاميين سُمّي الترويكا، تحت الضغط الذي مارسته قوى المعارضة العلمانية في جبهة الإنقاذ الوطني. وتسعى أحزاب تونس العلمانية، التي استُبعدت إلى حدّ كبير في أعقاب الثورة، إلى تمثيل أكبر في السياسة، في ضوء الانتخابات العامة. لكي تحقّق هذا الهدف، ينبغي عليها التصدي إلى التحديات العميقة وإيجاد وسيلة للتعاون بشكل أوثق .

المشهد السياسي في تونس

  • السياسة التونسية هي أكثر تعقيداً من المنافسة الثنائية بين العلمانيين والإسلاميين. تقوّض الخصومة الإيديولوجية، والاختلافات الاستراتيجية، والانقسامات القيادية في صفوف الأحزاب العلمانية، قوتها في السياسة.
     
  • بعد ثورة العام 2011 التي أطاحت الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي، فشلت الأحزاب العلمانية في تشكيل تحالفات قوية، أو تطوير شبكات الإقليمية، أو إنشاء برامج حزبية قابلة للبقاء، وغالباً ما استخدمت الخطاب المعادي للإسلاميين لجذب الناخبين، بدلاً من تقديم حلول للتحديات التي تواجهها تونس. لابل اعتبر البعض قبل ذلك أن نظام بن علي كان قد استلحق هذه الأحزاب.
     
  • في ظل  الترويكا، بدت الأحزاب العلمانية التي تمتلك برنامجاً وموقفاً إيديولوجيّاً محدّداً، وخصوصاً في مايتعلق بحزب النهضة الحاكم، على أنها أكثر مرونة من الأحزاب المتنوعة إيديولوجيّاً أو تلك التي تعتمد على قائد شعبي لتوحيد قاعدة متشرذمة.
     
  • يفتقر الكثير من الأحزاب العلمانية إلى ديمقراطية داخلية، ويتخذ القادة قرارات أحادية الجانب أو بالتنسيق مع أتباعهم الذين يتصرفون وفق مصالحهم الخاصة.
     
  • عموماً، تشهد الأحزاب العلمانية التي كانت شرعية قبل الثورة صداماً بين الأجيال، إذ تتمسك الكوادر القديمة بالسلطة وتقاوم الإصلاح الهيكلي، فيما تفتقر الأحزاب التي شُرّعت بعد الثورة إلى رؤية واستراتيجية واضحة وموحّدة.
     
  • اكتسبت الأصوات العلمانية مثل حزب نداء تونس وائتلاف الجبهة الشعبية، التي حظيت بدعم وسائل إعلام بارزة ومنظمات المجتمع المدني، تأييداً شعبيّاً منذ أن أرغمت جبهة الإنقاذ الوطني الترويكا على الاستقالة.

توصيات إلى الأحزاب العلمانية في تونس

تجاوز الخطاب المعادي للاسلاميين ومعالجة المشاكل الهيكلية. تحتاج الأحزاب العلمانية إلى معالجة مسائل الاعتماد على شخصية القائد الواحد في السياسة، وأيضاً معالجة الافتقار إلى البرامج الحزبية، والتشرذم الإيديولوجي، ومقاومة الأجيال الجديدة من القادة.  قد يؤدّي عدم القيام بذلك إلى انخفاض تدريجي في زخمها الحالي.

وضع التنافسات القديمة جانباً لتشكيل ائتلافات دائمة وقوية. ستستمر الانقسامات والخلافات، طالما أن القادة العلمانيين يواصلون إعطاء الأولوية إلى الطموحات أو التنافسات الشخصية على حساب الوحدة والتنسيق. لترقية نفوذها، ينبغي على الأحزاب العلمانية تشكيل العديد من الائتلافات على أساس المبادئ الإيديولوجية المشتركة والتنسيق في مابينها من خلال جبهة الإنقاذ الوطني من أجل تحقيق مصالحها المشتركة.

الدمقرطة من الداخل. لتعزيز وحدة الحزب، يتعيّن على قادة الأحزاب العلمانية عند اتخاذ القرارات الاهتمام بوجهات نظر جميع الأعضاء، وليس تلك الخاصة بمجموعة صغيرة من النخب فقط.

مقدّمة

أدّت المصادقة على الدستور التونسي الجديد في 26 كانون الثاني/يناير 2014، والانتقال إلى حكومة من التكنوقراط، في نواحٍ كثيرة، إلى إعادة السياسة التونسية إلى المربع الأول وخسارة اللاعبين مكتسباتهم التي حققوها في السابق. فقد شهدت تونس على مدى السنوات الثلاث التي مضت منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس آنذاك زين العابدين بن علي في كانون الثاني/يناير 2011، نقاشاً استقطابيّاً بصورة متزايدة بشأن الدستور والتوجه السياسي للبلاد مستقبلاً.

كان حزب النهضة الإسلامي محظوراً وتم قمعه بقسوة في عهد بن علي، غير أنه هيمن على الساحة السياسية التونسية منذ الإطاحة به. واليوم تسعى الأحزاب العلمانية إلى الحصول على قدر أكبر من الأهمية في المشهد السياسي الناشئ في تونس.1

منذ العام 2012، استفادت الأحزاب العلمانية من تدهور الوضع الاقتصادي وظهور العنف الديني، ما أدّى إلى شعور قطاعات واسعة من السكان بالخوف من الإسلام السياسي المنفلت الذي لايخضع إلى أي رقابة. وقد اتّهم أعضاء جبهة الإنقاذ الوطني، وهو تحالف يضمّ قوى علمانية معارضة، حركة النهضة باغتيال شخصيتين معارضتين في العام 2013، ما أدّى إلى تأجيج نيران معاداة الإسلام السياسي في البلاد.

ومع ذلك، أضعفت التطورات الأخيرة خطاب العلمانيين المعادي للإسلاميين. وفي كانون الثاني/يناير 2014 تخلّى النهضة، الحزب الحاكم آنذاك، عن السلطة سلمياً في إطار تسوية مع المعارضة السياسية. وقد كشفت هذه الخطوة، بالإضافة إلى الانتهاء من وضع الدستور، خلافاً لتصريحات العلمانيين، بأن الحكومة التي يقودها الإسلاميون لا تتمسّك بالسلطة بكل الوسائل الممكنة.

لكن، حتى في ظل هذا المناخ السياسي الجديد، لاتزال استراتيجية العديد من الأحزاب العلمانية تقتصر على التصريح بأنها "أنقذت" البلاد من الإسلاميين، بدلاً من التركيز على وضع برامج حزبية مقنعة تلبّي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية في تونس. ويستمرّ هذا الأسلوب، على الرغم من أن تجارب أحزاب المعارضة العلمانية في ظل حكم بن علي وبعد الثورة، تشير إلى أن تركيزها على معاداة الإسلام السياسي يمثّل أحد أكبر نقاط ضعفها. إذ لايعكس الاعتماد على الخطاب المعادي للإسلاميين انفصال هذه الأحزاب عن احتياجات وتطلّعات السكان وحسب، بل أيضاً افتقارها إلى رؤية واستراتيجية توحيدية قويّة.

والواقع أن أحزاب المعارضة العلمانية في تونس كانت متشرذمة منذ فترة طويلة بسبب كلّ من السياسات القمعية لنظام زين العابدين بن علي وانقساماتها الداخلية. ونتيجة لهذه الفوضى، لم تكن أحزاب المعارضة مستعدّة تماماً لملء الفراغ عندما تم إجبار بن علي على التخلي عن السلطة. بدلاً من ذلك، ملأ العديد من تلك الأحزاب الفراغ بعد الثورة عبر العودة إلى الانقسام العميق والمستحكم بين العلمانيين والإسلاميين الذي هيمن على الساحة السياسية في عهد بن علي. وقد ساهم عجز الأحزاب العلمانية عن تشكيل ائتلافات قوية واعتمادها على الخطاب المعادي للإسلاميين في ضعف أدائها في أول انتخابات ديمقراطية بعد الثورة.

تتعامل الأحزاب العلمانية مع الانتخابات المقبلة، والتي تقرّر حالياً عقدها في كانون الأول/ديسمبر 2014، بطريقة أكثر اتحاداً. فقد أسّست عدداً من الائتلافات، مثل الاتحاد من أجل تونس، والجبهة الشعبية، وجبهة الإنقاذ الوطني، التي ساعدت على إخراج حكومة النهضة من الحكم. ولكي تضمن تقديم أداء أفضل في الانتخابات المقبلة، تحتاج الأحزاب العلمانية إلى الحفاظ على قدر كبير من الوحدة من خلال معالجة التحدّيات الهيكلية والقيادية العميقة.

يتعيّن على الأحزاب العلمانية أن تتجاوز اللجوء إلى الخطاب العنيف المعادي للإسلاميين واقتراح حلول ملموسة للتحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في تونس.

ولكي تحافظ على الزخم الذي حقّقته عبر نجاح جبهة الإنقاذ الوطني وتصبح قوة متَّسقة من أجل التغيير الديمقراطي، يتعيّن على الأحزاب العلمانية أن تتجاوز اللجوء إلى الخطاب العنيف المعادي للإسلاميين واقتراح حلول ملموسة للتحدّيات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في تونس. ينبغي أن تشمل هذه المقاربة أيضاً إعادة تقييم تجربة الحكومة التي استقالت في كانون الثاني/يناير، والتي كانت تتألف من ائتلاف بين أحزاب النهضة والتكتل العلماني والمؤتمر من أجل الجمهورية، المعروف باسم الترويكا. فقد انتقدت المعارضة السياسية هذا النظام بشدّة، غير أن الأحزاب العلمانية تتحمّل قسطاً من المسؤولية عن العديد من عيوب هذه التجربة العابرة للإيديولوجية.

تاريخ من الشِّقاق

كانت سياسة المعارضة في ظل حكم بن علي ضعيفة ومتشرذمة. ويعود ذلك جزئياً إلى أن بن علي كان سيء السمعة، بسبب الترويج للخوف من الإسلام السياسي كوسيلة لاستمالة المعارضة. وبذلك، ضمن أن تخشى معظم الأحزاب العلمانية إمكانية قيام حكم إسلامي أكثر من معارضتها لنظامه. غير أن هناك عاملاً آخر أضعف سياسة المعارضة بشكل ملحوظ يتمثّل في أن العديد من أحزاب المعارضة العلمانية نشأت نتيجة منافسات شخصية واستراتيجية وليس لأنها سعت إلى استحداث دوائر انتخابية جديدة.2 كانت هناك جهود تهدف إلى التغلّب على الانقسامات بين الإسلاميين والعلمانيين، وكذلك بين العلمانيين أنفسهم، من أجل تحدّي نظام بن علي لكنها لم تكتسب زخماً.

أثمرت إحدى هذه المحاولات الرامية إلى تشكيل ائتلاف موحّد، عن إنشاء حركة 18 أكتوبر في العام 2005. تضمّنت تشكيلة الحركة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل والحزب الديمقراطي التقدمي العلماني وحزب العمال الشيوعي التونسي (يعرف الآن باسم حزب العمال)، وكذلك حزب النهضة الإسلامي. ومع أن أعضاء الحركة وافقوا على مبادئ ديمقراطية أساسية عدّة، يشير قيادي بارز فيها إلى أن "الصراعات الداخلية على السلطة أضعفت الحركة بشدّة منذ البداية"،3 مستشهداً على وجه التحديد بالتوتّر بين زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي وزعيم حزب التكتل مصطفى بن جعفر، حيث كان كل منهما يرغب في الترشّح لمنصب الرئاسة.

عانت الحركة أيضاً من انقسامات حول الاستراتيجية والإيديولوجية. فقد انتقد منصف المرزوقي، أحد قادة حركة 18 أكتوبر في بعض الأحيان – كان أحد نشطاء المعارضة في المنفى آنذاك، وهو الآن رئيس تونس - نهج الائتلاف. ووفقاً لما يقوله شخص آخر من قادة الحركة فإن المرزوقي "نشر بيانات عدّة من المنفى تبيّن أنه لا يؤمن حقاً بـ ...[الحركة] ولكنه دعا بدلاً من ذلك إلى مواجهة مباشرة مع النظام، ما أدّى إلى إضعاف وحدة المبادرة أكثر". كما انضمّ بعض أعضاء الائتلاف في نهاية المطاف إلى حزب التجديد، الذي كان أكثر تسامحاً إزاء نظام بن علي ولم يؤمن بوعود حركة 18 أكتوبر العابرة للإيديولوجيات. وقد رفض حزب التجديد على وجه الخصوص التعاون بين العلمانيين والإسلاميين.

لم تشارك معظم الأحزاب التي أضعفتها عقود من الحكم الاستبدادي في الاحتجاجات خلال ثورة العام 2011. لا بل إن شخصيات المعارضة الرئيسة أيّدت تعهّد النظام بإطلاق إصلاحات، مفضلةً إياها على مطالبة السكان بثورة كاملة. على سبيل المثال، عندما أكّد بن علي قبل يوم واحد من الإطاحة به أنه سيدخل إصلاحات اجتماعية واقتصادية وأنه لم يكن ينوي الترشّح لولاية أخرى كرئيس، أكّد زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي أن هذه الخطوة "جيدة جداً"، ورحّبت  معظم أحزاب المعارضة الأخرى أيضاً بخطوة بن علي. وأكّد رئيس حزب التجديد أن خطاب الرئيس كان "إيجابياً" وأنه "[أجاب] عن الأسئلة التي أثارها حزبنا". كان بن جعفر أكثر حذراً، وقال إن إعلان بن علي "يفتح آفاقاً" ولكن "مع ذلك لابدّ أن يتم تنفيذ المقاصد". على النقيض من ذلك، رفض محمد عبّو العضو البارز في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الخطاب، زاعماً أن بن علي "يخدع التونسيين بوعود لن تتحقّق".4

ادّعى أحد الأعضاء المؤسّسين لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو أحد أهم حزبين علمانيين معارضين كانا محظورين في عهد بن علي (الآخر هو حزب العمال الشيوعي التونسي)، أن "جميع الأحزاب السياسية تقريباً منفصلة تماماً عن الواقع". وأضاف "لم تدرك تلك الأحزاب أن الثورة آتية، وعندما حدثت لم تلعب الأحزاب أي دور هام فيها"، وتابع، موضحاً أن "تصرّفات الأحزاب كانت تقوم دائماً على افتراض أنه لايمكن أبداً التغلّب على بن علي، وعندما أطيح به ... لم تعرف كيف تتصرّف".

في أعقاب الثورة، عادت الانقسامات القديمة بين الإسلاميين والعلمانيين وكذلك داخل المعسكر العلماني  نفسه إلى الظهور.

رفضت معظم الأحزاب العلمانية تشكيل ائتلافات، معتبرة أنها تملك ما يكفي من التأييد الشعبي للوصول إلى السلطة بوسائلها الخاصة. كانت هذه الثقة مستغربة، خصوصاً في ضوء الحقيقة بأن صورة شخصيات مثل الشابي وزعيم حركة التجديد أحمد إبراهيم كانت في ذلك الوقت قد تشوّهت جزئياً لأنهما شاركا في أول حكومة مؤقّتة بعد الثورة، والتي ترأسها رئيس وزراء بن علي، محمد الغنوشي. ضمّت تلك الحكومة الكثير من الأشخاص من النظام السابق ودعت إلى إجراء إصلاحات مؤسّسية لا إلى ثورة كاملة.

مع اقتراب الانتخابات التشريعية في البلاد في تشرين الأول/أكتوبر 2011، حرص الحزب الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد على نشر الفكرة بأن حزب النهضة سيعود بتونس إلى العصور الوسطى. لذلك لم يكن مفاجئاً أن ترفض معظم الأحزاب العلمانية مبادرة أطلقها التكتّل قبيل وقت قصير من الانتخابات لتشكيل حكومة وحدة وطنية تتكوّن من كل الأحزاب العلمانية والإسلامية. لا بل إن البعض ادّعى أن "الخونة" هم وحدهم من يمكن أن يقترح مثل هذه المبادرة.

ومع ذلك، حققت الأحزاب العلمانية التي تبنّت موقفاً أكثر مساومة تجاه الإسلاميين، في النهاية، نجاحاً في الانتخابات يفوق ما حققته الأحزاب التي اعتمدت على الخطاب المعادي للإسلاميين. فقد حصل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية على نسبة 8.7 في المئة من الأصوات، وحصل التكتّل على نسبة7  في المئة، في حين حصل الحزب الشعبوي المعروف باسم العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية على نسبة 6.7 في المئة من الأصوات. على النقيض من ذلك، لم يتمكّن الحزب الديمقراطي التقدمي سوى من جذب ما يقرب من 4 في المئة من المؤيّدين.

أثبتت قضايا الهوية والدين والنضال ضدّ النظام أنها مواضيع أساسية بالنسبة إلى الناخبين.5 وقد تمكّن الإسلاميون الذين حصلوا على 37 في المئة من الأصوات من الاستفادة من كل هذه التوجّهات. بنى الإسلاميون صرحهم على وحدتهم وقربهم من الشعب التونسي، وعلى إرث عنيد من النضال ضدّ النظام والقمع العنيف، فضلاً عن شبكة وطنية تم إحياؤها بسرعة بعد الثورة. وعلى سبيل المقارنة، لم تحصل الأحزاب الثمانية التي نالت أكبر قدر من الدعم بعد النهضة سوى على نحو 35 في المئة من الأصوات.6

فترة الترويكا: ضعف العلمانيين وهيمنة النهضة 

بعد الانتخابات، أضعف التشرذم والاستراتيجيات المبهمة تجاه الإسلاميين الذين تولّوا الحكم الأحزاب العلمانية في تونس. ولذلك قرّر معظمها الانضمام إلى المعارضة، حيث كانت تتحرك بصعوبة حتى وفقاً لمعايير سياسة المعارضة في تونس، والتي كانت ضعيفة تقليدياً بسبب عقود من الحكم الاستبدادي. ولم يوافق على تشكيل ائتلاف مع حزب النهضة سوى الحزبان الأكثر مساومة، المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل، وهما حزبان علمانيان لم يقوما بحملة معادية للإسلام السياسي.

دعا حزب النهضة الأحزاب الأخرى إلى الانضمام إلى الحكومة، لا بل إنه عرض مناصب وزارية على متشدّدين بارزين مثل حمة الهمامي، رئيس حزب العمال، وهي العروض التي تم رفضها. وأعلن العديد من العلمانيين أن الإسلاميين سيحاولون السيطرة على الساحة السياسية ليس إلا، وهو ما اعتبروه أمراً مؤكداً عندما احتكر حزب النهضة جميع الوزارات الرئيسة لنفسه.

كما اعتُبِر بن جعفر الذي عُيّن رئيساً للجمعية التأسيسية، وهي الهيئة المسؤولة عن صياغة دستور جديد، ومنصف المرزوقي، الذي أصبح رئيساً، ضعيفين بالمقارنة مع قادة حزب النهضة. وفُسِّر القرار الذي صدر في حزيران/يونيو 2012 عن رئيس الوزراء عن حزب النهضة آنذاك حمادي الجبالي بتسليم رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي، على رغم أنف المرزوقي - مع أن حق القيام بذلك في الواقع هو من اختصاص الرئيس – على أنه دليل على أن المرزوقي عاجز عن التأثير على السياسة بصورة مجدية. ومع ذلك، تمكّن المرزوقي من إظهار زعامته، في بعض الحالات، كما حدث عندما أمر الحرس الرئاسي بتأمين السفارة الأميركية في العام 2012، بعد أن أثبتت الشرطة والجيش عجزهما عن التعامل مع الهجوم الذي شنّه السلفيون عليها.

يقرّ بعض المتشدّدين في حزب النهضة بأن بضعة قرارات اتّخذها الحزب في وقت مبكّر كانت مخطئة. فقد أكّد عضو رفيع في الحركة ذلك بالقول: "كنا مهيمنين تماماً في البداية، وكنا نعتقد في ذلك الوقت أن الثورة ليست نهائية وأنه قد تحدث ثورة مضادّة ضدنا".

ومع ذلك، تعزّزت هيمنة حزب النهضة في الترويكا بصورة ملحوظة بسبب هشاشة الأحزاب العلمانية في الحكومة والمعارضة على حدّ سواء. وأوضح نائب عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية قائلاً: "كانت قوة النهضة تكمن في الثقة، في أشخاص لهم تاريخ من النضال يمتدّ طيلة عقد كامل، لكننا لم نكن نعرف بعضنا بعضاً تقريباً، كان المرزوقي هو الشخص الوحيد الذي نعرفه جميعاً. والواقع أننا لانزال في طور صياغة إيديولوجية وهيكل الحزب وتكريس الثقة بين بعضنا".

تبدو مسارات حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل في الحكومة مثيرة للاهتمام بوجه خاص لأنها توضح العديد من التحدّيات التي تمرّ بها الأحزاب العلمانية الأخرى، ولاسيّما عندما تتعاون مع الإسلاميين بصورة وثيقة. وهي هامة أيضاً لأن المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل يمثّلان نوعين مختلفين من الأحزاب – تم ترخيص أحدهما قبل الثورة والآخر بعدها - التي تميل إلى إلى الاختلاف من الناحية الهيكلية. وتعاني معظم الأحزاب الجديدة من التشرذم الإيديولوجي، في حين تكافح الأحزاب القديمة للانفتاح على الأصوات الجديدة. وبالتالي فقد واجه حزبا المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل تحدّيات مختلفة بعض الشيء أثناء وجودهما في الحكومة، وهي التجربة التي ينبغي على الأحزاب العلمانية أن تتعلّم منها لتجنّب تكرار أخطاء الماضي.

القاعدة المفككة لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية 

معظم الأشخاص الذين انضموا أو دعموا حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بعد الثورة، فعلوا ذلك انطلاقاً من احترامهم لنضال زعيمه المرزوقي، لا من أجل أي خطّ ملموس للحزب. إذ لم يشتهر المرزوقي بسبب نشاطه في مجال حقوق الإنسان وحسب، بل أيضاً بسبب آرائه العروبية، والتي استقطبت مجموعة واسعة من المؤيّدين ذوي الخلفيات اليسارية والقومية في الغالب، ولكن من ذوي الميول الإسلامية أيضاً. لكن سرعان ما ظهرت التوتّرات بين هذه التيارات الإيديولوجية المختلفة، عندما ترك المرزوقي منصب الأمين العام لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ليصبح رئيساً في كانون الأول/ديسمبر 2011.

تسبّب انتقال المرزوقي في حدوث فراغ في القيادة، سعى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية جاهداً لملئه. تناوب على منصب الأمين العام في الحزب أربعة أشخاص مختلفين منذ رحيل المرزوقي. وقد ترك الجميع الحزب في نهاية المطاف، باستثناء الأمين العام الحالي عماد الدايمي، لإنشاء أحزابهم الخاصة.7

عزّز عجز القيادة عن تقديم رؤية للحركة الانقسامات على مستوى قاعدة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وكذلك بين نوابه المتنوّعين إيديولوجياً. فقد رفض اليساريون في حزب المؤتمر التحالف مع حزب النهضة. وأوضح عضو سابق في البرلمان عن حزب المؤتمر ذلك بالقول: “لقد أصابنا الإحباط خاصة وأننا كنا نشعر بأن الجناح الإسلامي من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية أصبح يتمتع بصلاحيات بعد الانتخابات مباشرة. كان حزب النهضة يتعامل في كثير من الأحيان مع نواب حزب المؤتمر المقرّبين من الإسلاميين، حيث كانوا يعرفون بعضهم ويثق كل منهم بالآخر، وهذا هو السبب في أن الكثير منا تركوا الحزب. شعرنا بأنه تم استبعادنا". ومع ذلك لم تؤدّ الاستقالات الجماعية من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية – ترك الحزب إلى الآن 18 من نوابه الـ 29 في الجمعية التأسيسية – إلا إلى انحسار وتراجع صوت الحزب في الحكومة وتعزيز نفوذ جناحه ذي الميول الإسلامية.

ومن ثمَّ فقد اتّهم العديد من الأحزاب العلمانية حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بأنه "دمية" بيد الإسلاميين. واعتبرت تلك الأحزاب هذه الاتهامات مؤكدة بسبب ردّ فعل الحزب على إطاحة محمد مرسي، الرئيس المصري الذي تدعمه جماعة الإخوان المسلمين في تموز/يوليو 2013. وأدان حزب المؤتمر من أجل الجمهورية من غير تحفظ إسقاط مرسي، معتبراً أنه انقلاب، في حين أكّدت جميع الأحزاب العلمانية الأخرى تقريباً على مسؤولية الإخوان المسلمين عما حدث.

مع ذلك، لا ينبغي مساواة رفض المرزوقي القاطع لنبذ حزب النهضة والحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة بتأييد الإسلام السياسي و"التواطؤ" معه. فقد اتّخذ حزب المؤتمر من أجل الجمهورية أيضاً مواقف تتعارض مع موقف النهضة بشأن قضايا رئيسة، على الرغم من أنه لم يتمكّن من إنجاز معظمها.

التكتل: مشاكل الزعامة ودعوات الإصلاح

على النقيض من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، يمتلك حزب التكتّل قاعدة أعضاء أكثر تجانساً من الناحية الإيديولوجية بسبب خط الحزب ذي المعالم الواضحة، والذي مكّنه من تقديم برنامج سياسي أكثر تطوراً. ومنذ انخراطه في النضال في ظل حكم بن علي، أيّد بن جعفر قيم الديمقراطية الاجتماعية. ويفخر حزب التكتل بأنه كان عضواً مراقباً في "الاشتراكية الدولية"، وهي منظمة عالمية للأحزاب الاشتراكية والأحزاب العمالية والأحزاب الديمقراطية الاجتماعية منذ العام 2004. وفي العام 2013، أصبح عضواً دائماً في المنظمة.

علاوة على ذلك، دافع بن جعفر خلال الحملة الانتخابية عن الطبيعة العلمانية لحزبه على نحو أكثر وضوحاً من المرزوقي القومي، الذي كان ينظر إليه باعتباره أكثر ودّاً تجاه الإسلاميين. هذا الموقف هو الذي عزّز التماسك الإيديولوجي لقاعدة حزب التكتل.

ومع ذلك ظهرت انقسامات داخلية في الحزب. فقبيل الانتخابات برز "جناح إصلاحي" اتّهم بن جعفر باتّخاذ قرارات من جانب واحد وتطوير بنية حزبية موازية تتكون منه هو نفسه ومن دائرة مقرّبة من حلفائه، كانوا في الغالب من التونسيين الأثرياء الذين عادوا للتوّ من أوروبا. وقد أطلق عليهم "مجموعة لاك"، في إشارة إلى إحدى الضواحي الغنية في تونس، حيث يُزعَم أنهم كانوا يجتمعون بانتظام لمناقشة أولويات الحزب الاستراتيجية. ولعلّ ما زاد في إحباط الإصلاحيين أن بن جعفر لم يعتمد برنامج الحزب الذي كان قد أعدّه المتشدّدون في حزبه في مجمله ولكنه قرّر في آخر لحظة، بدلاً من ذلك، تبنّي العديد من مبادئ برنامج الحزب الديمقراطي الاجتماعي الفرنسي.

مع أن معظم نواب حزب التكتل في الجمعية التأسيسية لم يدعموا الجناح الثوري بفعّالية، فإنهم عبّروا عن شعورهم بالإحباط أيضاً تجاه ميل بن جعفر إلى اتّخاذ قرارات من خلال دائرة موثوقة من المقرّبين في المقام الأول. فقد أنحوا باللائمة على بن جعفر، على وجه الخصوص، لعدم التشاور معهم عند اتّخاذ قرار تشكيل ائتلاف مع حزب النهضة. لم يعارض معظم النواب الائتلاف من حيث المبدأ، غير أنهم أبدوا استياءهم العميق من الظروف التي تشكّل فيها.

تمكّن بن جعفر في البداية من السيطرة على الانقسامات الداخلية عبر طمأنة أعضاء الحزب بأن محنتهم ستعالج بعد الانتخابات. لكن بعدما تم تعيينه رئيساً للجمعية التأسيسية، لم يكن لديه ما يكفي من الوقت والإرادة لمناقشة الخلافات الداخلية للحزب. في نهاية المطاف، اختار ستة من النواب الاستقالة من الحزب. ووفقاً لأحد الذين استقالوا فقد "كان حزب النهضة بحاجة إلى التكتّل لتقديم حكومة متعدّدة الأحزاب ذات صدقية، وكان بن جعفر بحاجة إلى النهضة ليصبح رئيساً للجمعية التأسيسية. كان كل شيء آخر ثانوياً من حيث الأهمية".

مع ذلك، وبالمقارنة مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، تمكّن حزب التكتل من أن يظل أكثر اتحاداً وقدرة على انتقاد حزب النهضة من خلال برنامج إيديولوجي أكثر وضوحاً وتحديداً لم يتوقف أبداً عن الدفاع عن مفهوم العلمانية. وبالتالي فقد كان التكتل هو الحزب الوحيد في الترويكا الذي حظي ببعض الدعم في المعارضة السياسية العلمانية التي عارضت بشدّة الحكومة التي يقودها الإسلاميون.

استمرار تشرذم المعارضة 

بالإضافة إلى الهشاشة المؤسّسية التي نجمت عن عقود من الاستبداد السياسي، أسهمت الانقسامات الداخلية في إضعاف المعارضة التونسية من البداية. وتعكس هذه الصراعات، في نواح كثيرة، التحدّيات التي يمر بها حزبا المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل في الحكم، على الرغم من أن الاستقطاب الداخلي كان أكثر تقلّباً بين الأحزاب العلمانية في المعارضة.

 أسهمت الانقسامات الداخلية في إضعاف المعارضة التونسية من البداية. 

خلال فترة الترويكا، كانت المعارضة في تونس تتكوّن من 21 حزباً، كان لخمسة عشر حزباً منها ثلاثة ممثلين أو أقل في الجمعية التأسيسية. وقد أدّى حدوث انقسام داخل الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي كان أكبر حزب معارض في الجمعية التأسيسية، إلى تأسيس التحالف الديمقراطي بقيادة محمد حمدي. استنكر الحزب الجديد، والذي ضمّ أيضاً أعضاء في حزب التنمية ومستقلين، اعتماد الحزب الديمقراطي التقدمي على معاداة الإسلام السياسي وليس على برنامج حزبي فعّال لجذب الناخبين. كما رفض ما يسمّى عبادة الشخصية المحيطة بزعيم الحزب الديمقراطي التقدمي، الشابي، واستخدام الحزب استراتيجيات تتمحور حول الطموحات الرئاسية للشابي. ويعدّ هذا الاعتماد على زعيم كاريزمي واحد اتجاهاً تتميز به الأحزاب العلمانية الراسخة في تونس، وهو يساعد على توضيح السبب الذي يجعل الكثير منها تتقدم بصعوبة في سياق سعيها للانفتاح على وجوه سياسية جديدة.

بالإضافة إلى هذا التشرذم، كانت معدّلات غياب نواب الجمعية التأسيسية من المعارضة أعلى بكثير من معدّلات نواب الائتلاف الحاكم. على سبيل المثال، في نهاية العام 2013، بلغت نسبة مشاركة الكتلة الديمقراطية المعارضة في التصويت في الجمعية التأسيسية 40 في المئة، بالمقارنة مع مشاركة حزب النهضة (82 في المئة)، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية (59 في المئة)، والتكتل (47 في المئة). كما صوت النواب الذين لاينتمون إلى أي كتلة في المتوسط بنسبة ​​44 في المئة من الوقت.8 تمت الإشارة إلى تفسيرات مختلفة لمعدّل الغياب المرتفع للمعارضة السياسية، بما في ذلك أن الأحزاب العلمانية في تونس تشتهر بكونها أقلّ انضباطاً وتنظيماً من الإسلاميين.

ازداد ضعف المعارضة بسبب فهم محدود أحياناً لما يفترض أن تقوم به المعارضة والأدوات التي تملكها للتأثير على السياسة. فقد أوضح قيادي في التحالف الديمقراطي قائلاً: "خلال عهد بن علي كان فهمنا لسياسات المعارضة يتركّز على فكرة هزيمة النظام". وأضاف: "تتوفر المعارضة على القليل من الخبرة والمعرفة بشأن كيفية التأثير على السياسة من خلال الحوار أو المبادرات الهادفة للتوصل إلى حلول وسط والضغط على الحكومة. كان علينا أن نكون أكثر نشاطاً من البداية بحيث لايتمكّن حزب النهضة من الاستحواذ على جميع الوزارات".

مع ذلك، عادت معظم الأحزاب في النهاية إلى الخطاب القديم لإلحاق الهزيمة بالحكومة عبر تشكيل جبهة موحدة، معتبرة أن هذا هو السبيل الوحيد لإسقاط نظام اعتبرته مهيمناً جداً وعاجزاً عن توفير حلّ للتحديات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة. قامت الأحزاب العلمانية بمحاولات مختلفة للعمل سوية بهدف التأثير على الترويكا، وقد نجح هذا النهج الصِّدامي في نهاية المطاف في إجبار الحكومة على الاستقالة. بيد أن ذلك لم يكن كافياً لإعداد أحزاب المعارضة العلمانية لقيادة تونس، لأسباب ليس أقلّها أن حزب النهضة لايزال لاعباً رئيساً في الساحة السياسية.

وحدة علمانية مؤقتة في مواجهة الإسلاميين

خلق اغتيال الزعيم المعارض محمد البراهمي في تموز/يوليو 2013، وهو الاغتيال السياسي الثاني في أعقاب الثورة، زخماً قادراً على التغلّب على الخلافات القائمة بين الأحزاب العلمانية الكبرى، والتي أدركت أن الوحدة ضرورية لتحقيق هدفها المشترك المتمثّل بإجبار الإسلاميين على الخروج من السلطة.

ومع أنه من المستبعد أن تستمرّ هذه الوحدة الفضفاضة بسبب المنافسة بين الأحزاب العلمانية، فقد نجحت في المدى القصير. كانت استقالة الترويكا في كانون الثاني/يناير 2014 مثالاً حياً على النفوذ الفعلي الذي تملكه الأحزاب العلمانية عندما تتصرّف كوحدة واحدة. وأوضح ناشط يساري قائلاً: "عندما أنشأنا حركة 18 أكتوبر كان الأمر أشبه بما حدث في العقد الماضي". وأضاف: "لقد أدركنا أن علينا أن نتّحد تحت مظلة جبهة الإنقاذ الوطني وتنحية خلافاتنا الإيديولوجية جانباً لمواجهة النظام. والفرق الوحيد هو أننا الآن أقوى مما كنا في عهد زين العابدين بن علي".

محاولات مبكّرة للوحدة

جرت محاولات حثيثة لتعزيز الوحدة بين العلمانيين، حتى قبل اغتيال براهمي، بهدف موازنة حكومة النهضة. ومن بين أهم هذه المحاولات الحركة التي أسّسها رئيس الوزراء المؤقّت السابق الباجي قائد السبسي باسم "نداء تونس"، والتي تم ترخيصها رسمياً كحزب سياسي في 6 تموز/يوليو 2012.

سرعان ما صعد نجم حزب نداء تونس ليصبح أكبر حزب علماني في تونس. وعلى الرغم من أن التقديرات تختلف، إلا أن استطلاعات رأي موثوقة أجريت في شباط/فبراير 2014، أظهرت أن قاعدة تأييد الحزب تصل إلى نحو 20 في المئة من السكان،9 بالمقارنة مع 14 في المئة لحزب النهضة.10 ولعل ماجذب التونسيين إلى حزب نداء تونس هو وعده بتوحيد كل الأحزاب العلمانية تحت راية السبسي، الذي يعتبر شخصية قيادية تحظى باحترام بالنسبة إلى كثير من العلمانيين. إذ ينظر مؤيدو حزب نداء تونس إليه باعتباره الأمل الوحيد لجمع العلمانيين بهدف موازنة صوت الإسلاميين، بالنظر إلى أن جميع الأحزاب المنتخبة في البرلمان فشلت في القيام بذلك.

مع ذلك، تبدو هذه الوحدة العريضة أمراً مستبعداً. إذ لم تؤيّد كل الأحزاب العلمانية دعوة السبسي، ولاسيّما أن حزب نداء تونس دمج أيضاً أشخاصاً عملوا لصالح حزب بن علي (التجمع الدستوري الديمقراطي). غير أن اليسار التونسي المتشدّد، الذي عانى من القمع الشرس في ظل النظام السابق، سرعان ما أطلق مبادرة مضادة عبر تأسيس "الجبهة الشعبية" في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2012. تضم الجبهة اثني عشر حزباً سياسياً، تعتنق في الغالب الإيديولوجيتين الشيوعية والقومية العربية، بقيادة حمة الهمامي. وتصنّف استطلاعات الرأي الأخيرة قاعدة دعم الجبهة الشعبية عند حوالي 4 في المئة، وهي ثاني أعلى نسبة لأي حزب علماني.11

سعت مبادرات أخرى إلى توحيد وإعادة تجميع المعارضة السياسية، غير أنها بقيت محدودة. أما سبب فشلها فيرجع جزئياً إلى تنوّع المشهد الإيديولوجي للسياسة العلمانية والذي يضم رؤىً واستراتيجيات سياسية متناقضة، ولاسيّما تجاه الإسلاميين. كما يرجع جزئياً إلى الخلافات المستمرة على الزعامة بين الأحزاب ذات الإيديولوجيات المتشابهة. في نيسان/أبريل 2012، اندمجت ثلاثة أحزاب علمانية هي الحزب الديمقراطي التقدمي، وحزب يمين الوسط آفاق تونس، والحزب الجمهوري اليساري، في كيان جديد سمي باسم أصغر عناصره، الحزب الجمهوري. غير أن حزب آفاق تونس والحزب الجمهوري انفصلا عن الحزب الجديد في نهاية المطاف، وسط اتّهامات بأن الحزب الديمقراطي التقدمي بزعامة الشابي هيمن على سياسته، والتي ركزت على طموحاته الرئاسية، وهي الأسباب نفسها التي جعلت التحالف الديمقراطي ينشقّ عن الحزب الديمقراطي التقدمي.

بالإضافة إلى ذلك، اندمجت حركة التجديد وأحزاب أخرى عدة من القطب الديمقراطي الحداثي، وهو تحالف انتخابي صغير فاز بخمسة مقاعد في الجمعية التأسيسية، في المسار الديمقراطي الاجتماعي، أو المسار. في شباط/فبراير 2013 قرّر الحزب الجمهوري الجديد وحزب المسار، إضافة إلى حزبين صغيرين غير ممثَّلَين في الجمعية التأسيسية، الانضمام إلى حزب نداء تونس في ائتلاف يسمى الاتحاد من أجل تونس، على أمل تعزيز صورتهم من خلال تحالف مع أكبر قوة معارضة في تونس. ومنذ ذلك الحين خرج الحزب الجمهوري من الائتلاف.

جبهة الإنقاذ الوطني

في حين بدا واضحاً أن محاولات التوحيد الأولى كانت محدودة، اتفقت الأحزاب العلمانية المختلفة في 26 تموز/يوليو 2013، بعد يوم واحد من اغتيال براهمي، على تأسيس جبهة الإنقاذ الوطني. سيطر حزبا الجبهة الشعبية ونداء تونس على الائتلاف، غير أنه ضمّ أيضاً أصواتاً أخرى، مثل التيار الإصلاحي في حزب التكتل، والمنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، والاتحاد التونسي للخريجين العاطلين عن العمل. وفي بيان رسمي نشر عند تأسيسها، نسبت جبهة الإنقاذ الوطني "المسؤولية عن زيادة معدلات العنف والجريمة السياسية المنظمة إلى الترويكا وخاصة حركة النهضة".12 كما طالبت بإسقاط الحكومة وحلّ الجمعية التأسيسية المنتخبة في تونس.

بعد أن تابعت بحماس عزل الرئيس المصري محمد مرسي في وقت سابق من تموز/يوليو 2013، رأى العديد من أحزاب المعارضة في البداية أن سقوط حزب النهضة أصبح وشيكاً. فقد قال أحد الأعضاء المؤسّسين لحزب نداء تونس، في أيلول/سبتمبر2013، إن "فشل الإخوان المسلمين في مصر أظهر أن الإسلام السياسي قد عفا عليه الزمن". وزعم أن "جميع الفروع الإقليمية لجماعة الإخوان المسلمين، بما فيها حزب النهضة، ستغلق الآن تلقائياً".

دعت جبهة الإنقاذ الوطني إلى تشكيل ما أسمتها "حكومة إنقاذ وطني جديدة" توكل إليها مهمة الانتهاء من صياغة الدستور، وإطلاق تدابير اقتصادية وأمنية عاجلة لقيادة تونس نحو الخروج من الأزمة، والتحضير للانتخابات المقبلة. كما تبنّت بقوة خطاباً معادياً للإسلاميين، مطالبة "بتحييد" الإدارة في تونس، والتي قالت إنها "مخترقة" من جانب الإسلاميين.

على الرغم من أن جبهة الإنقاذ الوطني دعت إلى حلّ الحكومة والجمعية التأسيسية، فقد أيّد الكثير من التونسيين العلمانيين استقالة الترويكا فقط، وليس الجمعية التأسيسية. وقد أدّت الاحتجاجات المنتظمة أمام الجمعية التأسيسية التي تدعو إلى إسقاط الحكومة إلى زيادة الضغط على الترويكا للاستقالة، على رغم أن المظاهرات في تونس كانت سلمية أكثر بكثير ومحدودة مما كانت عليه في مصر. والواقع أن حماس العلمانيين التونسيين الأولي تجاه فشل الإخوان المسلمين في مصر تلاشى ببطء بعد بضعة أسابيع من سقوط مرسي حيث بدأت حملة عنيفة ضد الإخوان في القاهرة. وكان سفك الدماء في مصر بمثابة تحذير للتونسيين من مغبّة مالايريدون تكراره في بلدهم.

في البداية، عارضت حكومة الترويكا بشدّة مطالب جبهة الإنقاذ الوطني، متّهمة إياها بمحاولة تدبير انقلاب. غير أن الضغط على النظام ازداد بصورة ملحوظة عندما استقال حوالي ربع نواب الجمعية التأسيسية في نهاية المطاف. لا بل إن حزب التكتل أيّد مطالبة جبهة الإنقاذ الوطني بحلّ الحكومة وهو ما أصاب حزب النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية بالإحباط.

في نهاية المطاف، وافق حزب النهضة على المشاركة في حوار وطني مع أحزاب المعارضة. في تشرين الأول/أكتوبر 2013، وقَّعت الأحزاب الإسلامية والعلمانية خريطة طريق لمستقبل البلاد أجبرت الترويكا على التخلي عن السلطة السياسية.

ومع ذلك، لم تنجح المعارضة السياسية في تحقيق جميع مطالبها. في البداية عارضت بشدة اختيار مهدي جمعة، وهو وزير سابق للصناعة، رئيساً للوزراء في حكومة تصريف الأعمال التي ستحلّ محلّ حكومة الترويكا، بحجة أن جمعة كان مقرّباً من حزب النهضة. وقد غادر أعضاء حزب الجبهة الشعبية وحزب نداء تونس القاعة عندما تم الإعلان عن ترشيح جمعة. ومع ذلك، فقد تم مؤخّراً تعيين أحد أبرز مرشحي العلمانيين، محمد الناصر، نائباً لرئيس حزب نداء تونس، وهو ما يدعو إلى التشكيك في صدق المعارضة بشأن العثور على مرشح مستقل. إذ إن اختيار جمعة، وهو شخصية توافقية، يسلّط الضوء على حقيقة أن تأثير جبهة الإنقاذ الوطني، باستثناء نجاحها في فرض حلّ الحكومة، ليس مطلقاً. ومع ذلك، يبقى الإسلاميون قوة كبيرة في البلاد على الرغم من أن وسائل الإعلام القوية وقوى المجتمع المدني تدعم جبهة الإنقاذ الوطني بصورة فعّالة.

دعم من وسائل الإعلام والمجتمع المدني

لم يكن نجاح جبهة الإنقاذ الوطني في إجبار الإسلاميين على الخروج من السلطة نتيجة للجبهة الموحّدة التي حافظت عليها على مدى أشهر عدة فقط. إذ لعب دعم القوى المحلية القوية الأخرى أيضاً دوراً رئيساً في ذلك، خصوصاً وسائل الإعلام والنقابات العمالية في تونس والاتحاد العام التونسي للشغل.

يتّفق معظم العلمانيين التونسيين على أن سقوط بن علي قد جلب لهم شيئاً إيجابياً واحداً على الأقل يتمثّل في الصحافة الحرة التي لازالوا يسيطرون عليها. فبعد وصولها إلى السلطة، حاولت حكومة النهضة في البداية تغيير المشهد الإعلامي العلماني من خلال إنشاء وسائل إعلام إسلامية بديلة، والتي كانت محظورة في عهد بن علي، وتعيين موظفي وسائل الإعلام. ولكن هذه المبادرات فشلت إلى حدّ كبير بسبب المقاومة الشرسة التي أبداها الصحافيون.

نظراً إلى ضعف المعارضة السياسية في تونس، اعتبر الكثير من الأفراد العاملين في هذه الوسائل الإعلامية العلمانية أن مهمتهم هي مواجهة هيمنة حكومة النهضة. فقد قال مؤسّس إحدى أكثر الصحف اليومية العربية شعبية في تونس: "إن امتلاك صحيفة في تونس أشبه بامتلاك حزب سياسي. فنحن نسعى إلى تحقيق الهدف نفسه: التأثير في السياسة". وقد انضم العديد من رؤساء المؤسّسات الإعلامية مؤخراً إلى الأحزاب العلمانية أو أسّسوا أحزابهم الخاصة، وعزّزوا صلاتهم مع السلطة السياسية.

يتّفق العلمانيين التونسيين على أن سقوط بن علي قد جلب لهم شيئاً إيجابياً واحداً على الأقل يتمثّل في الصحافة الحرة التي لازالوا يسيطرون عليها.

وبالتالي، ليس من المستغرب أن العديد من وسائل الإعلام كانت حريصة على دعم جبهة الإنقاذ الوطني بنشاط وأن دعمها كان حاسماً. إذ قال عضو بارز في حزب التكتل: "كنا ندرك أنه طالما كانت وسائل الإعلام تقف في صف جبهة الإنقاذ الوطني، فلا يمكن أن يكون الجمهور مؤيّداً للترويكا". وأضاف: "هذا هو السبب في أننا قرّرنا دعم بعض مطالب المعارضة. لم تكن هناك أي وسيلة أخرى كي نمضي قُدُماً". 

في ظل وجود وسائل إعلام ورأي عام معادٍ للحكومة، كان توقيت وكيفية استقالة الترويكا وماذا يمكن أن يحدث لاحقاً مسألة وقت ليس إلا، وهي المهمة التي تصدّى لها الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي تحالف مع ثلاث منظمات مجتمع مدني أخرى، في ما أصبح يسمى "اللجنة الرباعية". أصبحت هذه الجهات الفاعلة، على الرغم من انحيازها الشديد، الوسيط الأساسي بين حكومة الترويكا وجبهة الإنقاذ الوطني.

سارع الاتحاد العام التونسي للشغل إلى دعم مطلب جبهة الإنقاذ الوطني بتشكيل حكومة جديدة، على الرغم من أنه لم يدعم حلّ الجمعية التأسيسية، التي كانت تفصلها آنذاك أسابيع عن إتمام دستور البلاد. وقال ناشط بارز في الاتحاد العام التونسي للشغل إن الجمعية التأسيسية: " هيئة انتخبها السكان ووافقوا عليها، لكن حكومة الترويكا لم تكن تحظى بأي دعم شعبي ويسيطر عليها حزب النهضة .... نحن نقابة عمالية ونحاول البقاء على الحياد، ولكن بالطبع لايمكننا أبداً أن نثق بحركة إسلامية هي أولاً وقبل كل شيء مسؤولة أمام الإخوان المسلمين وليس أمام التونسيين".

يمكن القول إن الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يضم في عضويته ما يقرب من 700 ألف شخص هو أقوى منظمة في تونس، وهو يفخر بتاريخ طويل من النشاط السياسي، بما في ذلك الدور الذي لعبه في الإطاحة بزين العابدين بن علي.13 كانت قيادة الاتحاد علمانية تقليدياً، مع أن جميع التيارات الإيديولوجية ممثَّلة فيه، وأن الإسلاميين ينشطون بشكل متزايد على مستوى القاعدة الشعبية. ويشترط قانون داخلي في الاتحاد العام التونسي للشغل على الأعضاء كافة أن يمضوا تسع سنوات على الأقل من النضال للوصول إلى منصب قيادي، وهو الشرط الذي لايفي به معظم الإسلاميين، نظراً إلى القمع العنيف والسجن الذي عانوا منه في ظل النظام القديم.14 وذكر قيادي بارز في الاتحاد أن "الإسلاميين حاولوا التسلّل إلى قيادة الاتحاد بعد الثورة، ولكننا تمكنّا من التصدّي لهم".

هذا هو أحد الأسباب التي جعلت سقوط حكومة حزب النهضة أولويّة بالنسبة إلى معظم قادة الاتحاد العام التونسي للشغل، والذي وصل به الأمر إلى دعوة قاعدته الجماهيرية إلى الانضمام إلى الاحتجاجات التي نظمتها جبهة الإنقاذ الوطني أمام الجمعية التأسيسية. ومع ذلك، لم ينضم اتحاد العمال رسمياً إلى جبهة الإنقاذ الوطني، حيث اعتبر أنه سيكون أكثر تأثيراً كوسيط بين القوى السياسية المختلفة. وقام الاتحاد العام التونسي للشغل، بالإضافة إلى اتحاد أرباب الأعمال ورابطة حقوق الإنسان التونسية ونقابة المحامين التونسيين، وهي الجهات التي تمثّل الأعضاء الآخرين في اللجنة الرباعية، بإدارة عملية التفاوض بين الترويكا والمعارضة خلال الحوار الوطني وعمل على تعزيز وتشجيع خريطة الطريق. ولذلك كان دعم اللجنة الرباعية لجبهة الإنقاذ الوطني حاسماً في فرض استقالة الحكومة التي يقودها الإسلاميون وتشكيل حكومة من التكنوقراط، مهمتها الأساسية تنظيم الانتخابات المقبلة.

التحدّيات التي تواجه الأحزاب العلمانية

عندما تُعقَد الانتخابات المقبلة، ستكون قدرة الأحزاب العلمانية على تشكيل تحالفات موحدّة وتطوير هياكل إقليمية، مسألة جوهرية بالنسبة إلى مستقبلها وإلى ميزان القوى بين القوى العلمانية والإسلامية.

 ستكون قدرة الأحزاب العلمانية على تشكيل تحالفات موحدّة وتطوير هياكل إقليمية، مسألة جوهرية بالنسبة إلى مستقبلها وإلى ميزان القوى بين القوى العلمانية والإسلامية.

غير أن جبهة الإنقاذ الوطني بدأت بالتفكّك بالفعل، مايشير إلى أن الوحدة وحدها ليست كافية للحفاظ على زخم العلمانيين. فقد خرج بعض الأعضاء من الجبهة مؤخّراً، مثل جمعية النساء الديمقراطيات. وفي شباط/فبراير 2014، تم استبعاد الحزب الجمهوري أيضاً من اللجنة المركزية لجبهة الإنقاذ الوطني بسبب قراره بالخروج من الاتحاد من أجل تونس، مايؤكّد أن التنافس بين الأحزاب العلمانية عاد إلى الظهور من جديد. كما أن جبهة الإنقاذ الوطني ليست الجماعة العلمانية الوحيدة التي تعاني الأمرّين، لأن العديد من الأحزاب الأخرى باتت تفقد الدعم وتخوض صراعاً مع منافسيها القدامى.

الانقسامات والتوتّرات في حزب نداء تونس

في الوقت الحالي، يبقى حزب نداء تونس وسيلة العلمانيين الواعدة أكثر من سواها لكسب القوة على الساحة السياسية، خصوصاً أن لدى الحزب علاقات وثيقة مع رجال الأعمال. ومع ذلك، تبقى آفاقه المستقبلية وقدرته على الحكم ملتبسة بسبب التشرذم الإيديولوجي والهيكلي الداخلي الكبير.

يحرص قادة حزب نداء تونس على التأكيد على الجذور" الدستورية" للحزب،15 في إشارة إلى الحركة الدستورية المتنفّذة التي تشكّلت خلال مرحلة النضال من أجل الاستقلال في تونس. وقد اعترف مؤسّسو حزب نداء بهذا الإرث الدستوري أملاً في تعزيز شرعية حزبهم، خصوصاً أن السبسي يمكنه الادّعاء بأن جذوره دستورية. ومع ذلك فقد اختاروا عدم إدراج إشارة إلى الدستور في اسم الحزب. وأوضح أحد الأعضاء المؤسّسين للحزب قائلاً: "لقد كان اختياراً متعمّداً، حيث أردنا أن نعيد تجميع المعارضة السياسية [العلمانية] بأكملها، وليس الدستوريين فقط".16 

يضم حزب نداء تونس الآن مجموعة واسعة من التيارات الإيديولوجية. كما أن اختيار الطيب البكوش، وهو رئيس سابق للاتحاد العام التونسي للشغل ورئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان، كأمين عام يعزّز المؤهلات الديمقراطية للحزب وصلاته مع الاتحاد العام التونسي للشغل. لابل إن أعضاء حاليين في اتحاد العمال، مثل أنس حطاب، انضموا مؤخراً إلى حزب نداء تونس.

ومع ذلك، يضم حزب نداء تونس أيضاً يساريين، يمثّلهم رموز مثل الصحافي والناشط لزهر العكرمي ورجل الأعمال محسن مرزوق على مستوى القيادة. كما انضم إلى الحزب مؤخراً عدد من أعضاء حزب المسار، شريك نداء تونس في الائتلاف، ما يعزّز التيار اليساري داخل الحزب أكثر. بالإضافة إلى ذلك، انضم بعض المستقلين بمن فيهم العديد من النساء اللائي يخشين من أن حزب النهضة سيقلّص حقوقهن.

ومع ذلك ثمّة أعضاء سابقون في حزب بن علي (هم من أقوى أعضاء حزب نداء تونس عددياً واقتصادياً) يقيمون غالباً علاقات وثيقة مع رجال الأعمال مثل فوزي لومي، العضو السابق في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي ورئيس واحدة من أكبر الشركات في تونس، مجموعة اللومي، والتي بلغت قيمة إيراداتها حوالي 800 مليون دولار أميركي في العام 2011. وفي أيلول/سبتمبر 2013، انضم محمد الغرياني، الأمين العام السابق لحزب بن علي، التجمع الدستوري الديمقراطي، أيضاً إلى حزب نداء تونس. هذه الزمرة من شخصيات النظام القديم تبدو الآن حريصة على إحياء صورة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي من خلال الإصرار، على سبيل المثال، على أن "التجمع الدستوري الديمقراطي وحزب الدستور هما الحزب نفسه"، وأن "عائلة بن علي كانت مسؤولة بصورة رئيسة عن سرقة الكثير من المال".

على الرغم من أن معظم أعضاء حزب نداء تونس يسلّمون بفكرة أن المنتمين إلى التجمع الدستوري الديمقراطي هم أعضاء في الحزب، لايزال الكثيرون يعارضون بشدة عملية دمج رموز رئيسة من النظام السابق تمَّت مؤخراً، مثل الغرياني. ويبدو هذا الصراع واضحاً ولاسّيما في منطقة الساحل، والتي يتحدّر منها أغلب ساسة النظام السابق، حيث يجري الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي في البلاد. تعود جذور عائلة بن علي نفسه إلى سوسة، ويخشى بعض أعضاء حزب نداء تونس الآن من أن يتم إحياء الهياكل القديمة. فقد استقال في كانون الأول/ديسمبر 2013 أربعة أعضاء كبار، من بينهم اثنان من النواب، من المكتب الإقليمي للحزب في صفاقس، التي تعتبر المركز الاقتصادي لمنطقة الساحل. وهم يتّهمون حزب نداء تونس، وخصوصاً فوزي لومي، الذي يرأس الآن اللجنة الانتخابية، بتأسيس "هياكل موازية" في المنطقة، بما في ذلك في صفاقس وسوسة والقصرين، وهي الهياكل التي تعتمد بشكل مكثّف على "أشخاص تم إثبات أن لهم صلات مباشرة مع نظام الفساد والدكتاتورية".17

قد يبدو إحياء هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي القديمة أمراً مغرياً، بصورة خاصة، لأنه لايوجد أي حزب علماني حالي له جذور قوية في هذه المناطق. ولكن إذا ما تصاعد هذا الاتجاه، فسوف يتسبّب في نفور الناخبين الذين يرون أن وعد السبسي بتوحيد القوى الديمقراطية في تونس تحوّل تدريجياً إلى عودة للمنتمين إلى التجمع الدستوري الديمقراطي. وسيعود ذلك أيضاً بالفائدة على الإسلاميين، الذين طالما اتّهموا حزب نداء تونس بأنه يخضع إلى هيمنة عناصر النظام السابق.

وفي ما عدا الصراعات العميقة بين الأعضاء السابقين في التجمع الدستوري الديمقراطي والتيارات الإيديولوجية الأخرى داخل حزب نداء، يشكو أعضاء الحزب من سوء الإدارة الداخلية وغياب عملية صنع القرار الديمقراطي. وتتلخّص إحدى الشكاوى الرئيسة لأعضاء الحزب الحاليين والسابقين في أنه "لاعلاقة للهياكل الرسمية للحزب بكيفية إدارة الأمور داخلياً". وكما أوضح أحد أعضاء الحزب، فإن "المسؤوليات تتغيّر كل بضعة أسابيع، وعلى الرغم من أن الطيب البكوش هو المسؤول الثاني في الحزب، فإنه ليس هو المسؤول في حقيقة الأمر".18

وقد عزّزت المعارك على السلطة بين مختلف كبار القادة السياسة المتوافقة مع الحاجات الشخصية وقدمتها على صنع القرار الديمقراطي. على سبيل المثال، رفض العديد من أعضاء الحزب المشاركة في مؤتمر الحزب المحلي لمنطقة شمال فرنسا لأنه لم يتم إخطارهم في وقت مبكّر حول من سيرشح نفسه عن هذه المنطقة. لذلك عندما أُعلِن أخيراً عن ترشيح وانتخاب عادل جربوعي، غاب العديد من الأعضاء. وقال عضو في حزب نداء تونس رفض المشاركة في هذا الحدث: "في عملية ديمقراطية لصنع القرار، أنت لاتتعرّف على المرشح وتنتخبه في اليوم نفسه". وأضاف: "وعلاوة على ذلك، كان جربوعي عضواً بارزاً في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي وله علاقات وثيقة مع عائلة بن علي، وهو أمر غير مقبول للكثيرين داخل حزب نداء تونس".

في الوقت الحالي، يعدّ السبسي الشخص الوحيد الذي يحافظ على تماسك حزب نداء تونس. هذه قاعدة هشّة للغاية، ولاسيّما أن لدى السبسي طموحات رئاسية. فقد تم مؤخراً اتّخاذ قرار استراتيجي بتأجيل المؤتمر التأسيسي لحزب نداء تونس، على الأرجح إلى ما بعد الانتخابات، بهدف تجنّب حدوث أي "انفجارات" داخلية على الأقلّ في الوقت الراهن. ومن المرجّح أن يحدّد المؤتمر التأسيسي بصورة أوضح من يملك القرار داخل الحزب، وبالتالي قد يؤدّي ذلك إلى عزل بعض التيارات الإيديولوجية داخل نداء تونس، مثل اليساريين، الذين لديهم الآن تمثيل زائد على مستوى القيادة.
إذا تم انتخاب السبسي رئيساً للجمهورية أو لم يعد قادراً على قيادة الحزب، وهو احتمال قائم نظراً لتقدمه في السن (عمره سبعة وثمانون عاماً)، فقد يخلق ذلك أزمة قيادة مماثلة لتلك التي شهدها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية عندما ترك المرزوقي الحزب. وفي ضوء ذلك ينبغي أن يُفهَم تعيين محمد الناصر مؤخراً نائباً لرئيس حزب نداء تونس، على الرغم من أن علينا الانتظار لنرى سماته القيادية الفعلية وقدرته على الحفاظ على وحدة الحزب.

التطورات في بقية الساحة العلمانية

تكافح الأحزاب العلمانية الأخرى لموازنة حالة الاستقطاب الناشئة في المجال السياسي بين حزب نداء تونس - الذي يتعرّض إلى انتقادات متزايدة بسبب صلاته مع حزب التجمع الدستوري الديمقراطي - وحزب النهضة. وتدرس الجبهة الشعبية حالياً الاندماج في حزب واحد. وتحاول الأحزاب العلمانية الأخرى زيادة تأثيرها من خلال تشكيل ائتلافات، ولكن من دون جدوى في كثير من الأحيان. وأبدى قادة من حزب التكتل والتحالف الديمقراطي والحزب الجمهوري وحزب آفاق تونس وحزب علماني صغير آخر، حركة الشعب، استعدادهم للتعاون، ولكن هذه المبادرات الواسعة فشلت في أن تتجسّد على أرض الواقع، على الرغم من أن هذه الأحزاب تعاني من ضعف الدعم من تلقاء نفسها. وفقاً لاستطلاع للرأي أجري في شباط/فبراير 2014، حصل كل من الحزب الجمهوري وحزب آفاق تونس على نسبة 2 في المئة فقط من تأييد التونسيين، في حين حصل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية على نسبة 1 في المئة فقط.19

على نطاق أضيق، ناقش الحزب الجمهوري والتحالف الديمقراطي وحركة الشعب مؤخراً إمكانية إنشاء تحالف في ما بينهم.20 وتعتبر هذه خطوة إيجابية، على الرغم من أن توثيق التعاون لن يستمر إلا إذا تصدّت هذه الأطراف للتوتّرات الكامنة القائمة بين أحزابها، والتي قادت التحالف الديمقراطي إلى الانشقاق عن الحزب الجمهوري في الماضي. لم يشارك حزبا آفاق تونس والتكتل في هذه المحادثات. ويعود السبب في ذلك جزئياً إلى أن برنامج يمين الوسط الليبرالي لحزب آفاق تونس ليس خياراً مناسباً لمواقف يسار الوسط التي تتبنّاها الأحزاب الأخرى. ومن المرجّح أيضاً أن تقوّض الخصومات القديمة بين بن جعفر والشابي أي تعاون وثيق بين حزب التكتل والحزب الجمهوري. وهذا هو الحال لأن تعيين رئيس الوزراء جمعة مؤخراً أرسل إشارة إلى العديد من السياسيين مفادها أن زمن الحرس القديم قد ينتهي قريباً، وأن جيلاً جديداً من السياسيين ربما يحاول تولّي زمام المسؤولية. ويرى عدد من كبار السياسيين أن ثمّة احتمالاً لأن تكون الانتخابات المقبلة فرصتهم الأخيرة كي يتم انتخابهم.

يبدو تأثير العديد من الأحزاب العلمانية الصغيرة محدوداً أكثر بسبب مواردها المالية المتواضعة.

يبدو تأثير العديد من الأحزاب العلمانية الصغيرة محدوداً أكثر بسبب مواردها المالية المتواضعة. إذ لايزال بعضها يكافح لسداد الديون التي تكبّدها أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة. وقد يدفع هذا بعضها لحسم خياراتها بحيث تركّز إما على الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية لأنها لاتملك الوسائل والبنى التحتية المحلية للتركيز على حملتين في الوقت نفسه. ويحتمل أن يكرّس الحزب الجمهوري، على سبيل المثال، كل موارده لحملة الشابي للانتخابات الرئاسية، بينما قد تقرّر الأحزاب الأخرى، مثل التكتل، على الانتخابات البرلمانية.

وقد انخفضت شعبية بن جعفر بشكل ملحوظ خلال فترة ولايته كرئيس للجمعية التأسيسية، لكنه ليس مستعدّاً لإعطاء السلطة للجيل التالي في حزب التكتل، على الرغم من أن الحرس الجديد قد يكون في الواقع على استعداد لتنفيذ التغييرات الهيكلية والإصلاحات الداخلية اللازمة على وجه السرعة.

إستنتاجات 

بما أن تونس تطمح إلى إجراء الانتخابات قبل نهاية العام 2014، فقد بدأت المنافسات والصراعات القديمة على الزعامة بين الأحزاب العلمانية الكبرى بالظهور. فجبهة الإنقاذ الوطني، التي تمكّنت من إرغام حزب النهضة على الخروج من السلطة، تتفكّك ببطء بسبب اشتداد الخلافات بين حزب نداء تونس والجبهة الشعبية. وعلاوة على ذلك، ضعف الاتحاد التونسي بصورة كبيرة بسبب قرار الحزب الجمهوري بالانسحاب من الائتلاف، بعد أن خسر العديد من كبار أعضائه لصالح شريكه المهيمن في الائتلاف.
حزب النهضة وحزب نداء هما الوحيدان اللذان يملكان الوسائل المالية والبنية التحتية المحلية اللازمة للشروع في حملات انتخابية واسعة، وبالتالي فإن سيناريو الائتلاف بين حزبي النهضة ونداء تونس ليس بعيد المنال كما قد يبدو لأول وهلة. ومع ذلك فإن مثل هذا السيناريو يملك القدرة على زعزعة حزب نداء تونس أكثر منه على زعزعة النهضة، كما أظهرت تجربة الترويكا. كما أن عدم التجانس الإيديولوجي الذي يعاني منه نداء تونس يعني أن الحزب عجز عن تطوير برنامج سياسي شامل، وبالتالي من المرجح أن يركّز حملته الانتخابية على معاداة الإسلام السياسي. ومع ذلك، من السهل على أعضاء نداء تونس، في حال عقد الحزب ائتلافاً مع النهضة، أن يشعروا بالنفور بسبب اختيار قادتهم العمل مع العدو الرئيس لحملتهم الانتخابية.

والواقع أن الغالبية العظمى من أعضاء حزب نداء تونس، بمن فيهم كبار قادة الحزب، يؤكدون، في الوقت الحالي، أن التحالف بين النهضة ونداء تونس ليس خياراً وارداً. لابل إن بعض الأعضاء يجادلون بأن السبسي يبدو ودوداً مع حزب النهضة لمجرّد أنه يريد أن يظهر باعتباره شخصية توافقية ومعتدلة، بيد أن هذه ليست سوى استراتيجية تهدف إلى تجنّب استعداء المسلمين المحافظين. أما الآخرون، ولاسيما جماعة التجمع الدستوري الديمقراطي، فهم أكثر حزماً ويؤكدون أن "هناك مجرمين داخل حزب النهضة وبالتأكيد سوف نسجن بعضهم عندما نصل إلى السلطة".

ثمّة أقليّة صغيرة فقط داخل حزب نداء تونس تعبّر عن استعدادها في الوقت الحالي لتشكيل ائتلاف مع حزب النهضة. وتشمل هذه الشريحة بعض النواب الحاليين داخل الجمعية التأسيسية الذين لايعتقدون، رغم اعتراضاتهم على الإسلام السياسي، أن حزب النهضة هو الشيطان الذي تصوّره معظم الأحزاب العلمانية. وقال نائب سابق عن حزب التكتل انضم مؤخراً إلى نداء تونس: "أنا أؤيّد تشكيل ائتلاف مع حزب النهضة، فالعمل معهم هو السبيل الوحيد للسيطرة على الإسلاميين".

وباستثناء التأثير المزعزع المحتمل الذي قد يتسبّب به تشكيل ائتلاف مع حزب النهضة، العدو الرئيس لحملة نداء تونس الانتخابية، فإن وضع الأخير سيبقى متقلقلاً طالما لم يتمكن من معالجة الخلافات القائمة فيه بين التيارات الإيديولوجية المختلفة، ولاسيما بين جماعة التجمع الدستوري الديمقراطي وبقية الجماعات، وتطوير برنامج حزبي فعّال. وما لم ينجز نداء تونس هذه الأهداف، ستكون هناك تساؤلات حول قدرة الحزب على الحكم. وأوضح نائب سابق في حزب نداء تونس اضطرّ لبيع شركته لعائلة بن علي قائلاً: "السبسي يقول دائماً إن علينا أن ننسى الماضي، وأن علينا جميعاً أن نتّحد ونقف معاً ضد الإسلاميين. ولكن من الصعب جداً أن ننسى".

ولكي يحافظ على شعبيته على الرغم من الخلافات الداخلية التي تعصف به، يحاول حزب نداء تونس إنشاء جهاز حزبي يتغلغل في أنحاء المجتمع كافة، مماثل لجهاز حزب التجمع الدستوري الديمقراطي. غير أن من المستبعد أن يستمر هذا النهج، الذي يقوم على أساس العلاقات الخاصّة والمحسوبية في كثير من الأحيان، في ظل دولة ديمقراطية يتوق الكثير من الناس فيها لتحقيق المزيد من المساواة والعدالة.

ولكي يضمن استمرارية تأثير نداء تونس، ينبغي على الحزب أيضاً معالجة التحدّيات الهيكلية، ولاسيّما التنافس بين التيارات الإيديولوجية المختلفة، وهو يعمل على صياغة استراتيجية حزبية طويلة الأجل. وعلى غرار الأحزاب العلمانية الأخرى، ينبغي على نداء تونس النأي بنفسه عن القيام بحملة انتخابية تقوم أساساً على معاداة الإسلام السياسي، والعمل بدل ذلك على وضع برنامج حزبي مفصل لكسب الناخبين. ومع أن قاعدة دعم حزب النهضة ليست كبيرة كما كانت عليه في العام 2011، فإن من المرجّح أن يؤدّي اللجوء إلى مقاربة معادية للإسلاميين بصورة مكثّفة إلى تنفير معظم التونسيين المحافظين. ومن المرجّح أيضاً أن تستعدي هذه الاستراتيجية القاعدة العلمانية في حزب نداء تونس في حال قيام ائتلاف أو تعاون وثيق لاحق مع حزب النهضة.

في حين يبدو ذلك مستبعداً حتى الآن، يتعيّن على قادة الأحزاب العلمانية أيضاً وضع معاركهم القديمة جانباً كي يكون لهم شأن ويحظوا بالأهمية. فلاتزال معظم الأحزاب العلمانية منقسمة، لأن القادة مستمرون في إعطاء الأولوية لطموحاتهم الشخصية على حساب المزيد من الوحدة والتعاون. ولايزال قيام ائتلاف قوي ودائم يضمّ الحزب الجمهوري وحزب التكتل وحزب آفاق تونس وحركة الشعب والتحالف الديمقراطي أمراً غير وارد بسبب الخلافات على الزعامة على الرغم من المبادرات الأخيرة الهادفة إلى إقامة تعاون أوثق بين بعض هذه الأحزاب.

ومع ذلك، سيكون مثل هذا التحالف حاسماً لأسباب ليس أقلّها أن تجربة جبهة الإنقاذ الوطني أظهرت أن الوحدة العريضة بين جميع الأحزاب العلمانية يمكن أن تنجح على المدى القصير فقط. ولكي تعظّم نفوذها، ينبغي على الأحزاب العلمانية أن تشكّل العديد من الائتلافات القوية القائمة على الانتماءات الإيديولوجية والتي يمكن أن تتعاون بعد ذلك بصورة فضفاضة من خلال جبهة الإنقاذ الوطني بشأن القضايا الرئيسة التي تعزّز المصالح المشتركة.

 يتعيّن على قادة الأحزاب العلمانية أيضاً وضع معاركهم القديمة جانباً كي يكون لهم شأن ويحظوا بالأهمية.

كما سيكون وجود مثل هذه الائتلافات حاسماً بالنسبة إلى العملية الديمقراطية في تونس، لأن الكثير من المواطنين لايشعرون بأن حزب النهضة أو حزب نداء تونس أو حزب الجبهة الشعبية اليساري يمثّلهم. وبوجود التشكيلة السياسية الحالية ثنائية القطب، لن تخاطر هذه الشريحة من السكان بالتصويت في الانتخابات على الإطلاق.

أخيراً، وربما هذا هو الأهم، على الأحزاب العلمانية أن تتعلّم كيفية إرساء الديمقراطية من الداخل. ففي تونس بعد الثورة، يبدو أن أعضاء الأحزاب أصبحوا أقل ميلاً لقبول الهياكل الهرمية والعمل لدى قادة لايبدو أنهم عرضة إلى المساءلة والمحاسبة أمام أي شخص، بما في ذلك اللجان التنفيذية الحزبية. وقد أظهرت تجارب حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل والحزب الجمهوري أن أعضاء الحزب مستعدون لقبول قرارات قيادتهم، حتى لو لم تُتَّخذ بشكل ديمقراطي، طالما أنها تعود بالفائدة على الحزب. مع ذلك، وبما أن التسويات والحلول الوسط أصبحت أموراً أساسية في عملية صنع القرار، أصبح حتى كبار الأعضاء الحزبيين يشعرون بخيبة أمل بسبب ميل قادتهم إلى اتخاذ قرارات لايشارك فيها الأعضاء أو لايفهمونها في بعض الحالات. والواقع أن الكثير من الأعضاء الحزبيين يتفقون على أن حزب النهضة، من بين جميع الأحزاب التونسية، يملك أعلى مستوى من الديمقراطية الداخلية، وأن على الأحزاب العلمانية أن تتعلّم من الإسلاميين، على الأقلّ في هذا المجال.

إن استقالة حكومة النهضة، جنباً إلى جنب مع الدعم الذي تحظى به الأحزاب العلمانية من خلال علاقاتها مع طبقة رجال الأعمال والقوى المحلية الأخرى - خصوصاً التغطية الإعلامية المناسبة والعلاقات القوية مع الاتحاد العام التونسي للشغل - يعني أن لدى هذه الأحزاب حالياً فرصة غير مسبوقة كي تتبوّأ الحكم في المشهد السياسي. غير أن هذا الزخم لن يستمر مالم تتمكّن الأحزاب العلمانية في تونس من معالجة التحديات الهيكلية والقيادية والديمقراطية الداخلية العميقة التي تواجهها.

ملاحظات

1 تستخدم هذه الورقة مصطلح "العلمانية" بالطريقة التي غالباً ما يفهم بها في تونس، أي باعتباره مفهوماً واسعاً يعرّف أساساً على أنه يعارض الإسلام السياسي، ولاسيما النفوذ المتزايد لحركة النهضة والحركة السلفية. غير أن هذا لايعني ضمنياً وجود فصل صارم بين الدولة والدين الذي تتم الدعوة إليه في فرنسا على سبيل المثال. 

2 Rikke Haugbølleand Francesco Cavatorta, “Will the Real Tunisian Opposition Please Stand Up? Opposition Coordination Failures under Authoritarian Constraints,” British Journal of Middle Eastern Studies 38, no. 3, 2011, 323–41.

3 ما لم يذكر خلاف ذلك، إن كل الاقتباسات مأخوذة من مقابلات أجرتها مؤلفة الورقة بين تشرين الأول/ أكتوبر 2013 وآذار/ مارس 2014.

للتفاصيل، أنظر: Tunisia’s Opposition Welcomes President Ben Ali’s Pledge,” BBC News, January 14, 2014.“

5 على سبيل المثال، أظهر استطلاع للرأي أجري بعد وقت قصير من قيام الثورة أن 48 في المائة من التونسيين يفضلون السياسة القائمة على أساس الدين. ومن بين 44 في المئة من التونسيين الذين يفضلون العلمانية، عبر 27 في المائة فقط عن إيمانهم القوي بإجابتهم. وهذا يشير إلى أن معظم التونسيين يعترفون بأهمية الإسلام، ولايدعون إلى الفصل التام بين الدولة والدين. لمزيد من التفاصيل، أنظر: International Republican Institute and .Elka Consulting, Survey of Tunisian public opinion, March 5-18, 2011

6 Issandr El Amrani and Ursula Lindsey, “Tunisia Moves to the Next Stage,” Middle East Research and Information Project, November 8, 2011.

7 أسّس الطاهر هميلة، الذي خلف العيادي في منصب الأمين العام، حزب "الإقلاع" الذي يشغل مقعده الوحيد في البرلمان. أما خليفته، محمد عبو، فقد ترك حزب المؤتمر من أجل الجمهورية في نهاية المطاف ليؤسس حزب التيار الديمقراطي وسط خلافات على تحالف الحزب مع حزب النهضة واتهامات بأن الترويكا لم تقم بما يكفي لمحاربة الفساد. مع ذلك، يؤكد النقاد أن استقالتي هميلة وعبو في الوقت الذي خسر فيه حزب المؤتمر شعبيته، قد تكون أيضاً بدافع من الطموحات السياسية الشخصية. وأسس عبد الرؤوف العيادي، الذي خلف المرزوقي، حزب "الوفاء" مع عدد من النواب الآخرين. انطلق حزب الوفاء من وعد "بالعودة إلى المبادئ التأسيسية لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية"، وخصوصاً وعد المرزوقي بجمع المتشددين الثوريين تحت مظلة "مشروع غير إيديولوجي". ومع ذلك، وبعيداً عن هذا الهدف، ظهرت مزاعم بأن العيادي يدعم رابطات مجالس حماية الثورة المثيرة للجدل، وأنه عقد لقاءات مع حزب التحرير، وهو ما حدا بالكثيرين من أعضاء الحزب إلى تركه مرة أخرى.

8 تم الحصول على هذه المعلومات في كانون الثاني/يناير 2013 من موقع ”مرصد - Marsad.tn“، وهو أحد مشاريع ”البوصلة - al-Bawsala“ التي ترصد أداء الجمعية التأسيسية.

لا يمكن الاعتماد على معظم استطلاعات الرأي السياسية في تونس بسبب ضعف المنهجية المتبعة في الاستطلاع، كاستطلاعات الرأي التي تتم عن طريق الهاتف، على سبيل المثال، إضافة إلى الاتصال المتكرر بين أصحاب الاستطلاعات والسلطة السياسية. وقد أدّى ذلك، على سبيل المثال، إلى أرقام أعلى بكثير بين بعض الأحزاب، وقد استخدم زين العابدين بن علي هذه الطريقة بالفعل لتعزيز شرعيته وسلطته السياسية. بالإضافة إلى ذلك، لايزال معظم التونسيين مترددين بشأن من يصوتون له، وغالباً ما يتم توزيع نسبتهم في استطلاعات الرأي على الأحزاب السياسية بصورة نسبية، وهو ما يسفر عن نسبة تأييد عالية بين الناخبين على نحو غير متكافئ.

9 لا يمكن الاعتماد على معظم استطلاعات الرأي السياسية في تونس بسبب ضعف المنهجية المتبعة في الاستطلاع، كاستطلاعات الرأي التي تتم عن طريق الهاتف، على سبيل المثال، إضافة إلى الاتصال المتكرر بين أصحاب الاستطلاعات والسلطة السياسية. وقد أدّى ذلك، على سبيل المثال، إلى أرقام أعلى بكثير بين بعض الأحزاب، وقد استخدم زين العابدين بن علي هذه الطريقة بالفعل لتعزيز شرعيته وسلطته السياسية. بالإضافة إلى ذلك، لايزال معظم التونسيين مترددين بشأن من يصوتون له، وغالباً ما يتم توزيع نسبتهم في استطلاعات الرأي على الأحزاب السياسية بصورة نسبية، وهو ما يسفر عن نسبة تأييد عالية بين الناخبين على نحو غير متكافئ.

10 Survey of Tunisian Public Opinion, February 2014, International Republican Institute and Elka Consulting, Tunis.

11 Survey of Tunisian Public Opinion, February 2014, International Republican Institute and Elka Consulting, Tunis.

12 بيان رسمي صادر عن جبهة الإنقاذ الوطني، تم نشره في تاريخ 26 تموز/يوليو 2013.

13 Mohamed-Salah Omri, “Trade unions and the construction of a specifically Tunisian protest configuration,” Open Democracy, 24 September 2013.

14 Anne Wolf and Raphael Lefèvre, “The Islamic Politics of Trade Unionism,” Open Democracy, May 21, 2012.

15تأسس حزب الدستور، المعروف أيضاً باسم الحزب الليبرالي الدستوري، في العام 1920 لتحرير تونس من الحماية الفرنسية. وأدّى انقسام شهده الحزب في العام 1934 إلى تأسيس حزب الدستور الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة. ومن ثم تطور حزب الدستور الجديد إلى حركة شعبية فرضت في النهاية إنهاء الحماية الفرنسية على تونس. في العام 1964، غيّر الحبيب بورقيبة اسم حزب الدستور الجديد إلى الحزب الاشتراكي الدستوري ليعكس التغير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية في ذلك الوقت. في العام 1988، أعاد بن علي تسمية الحزب ليصبح حزب التجمع الدستوري الديمقراطي. ويحاول حزب نداء تونس تعزيز الإرث الدستوري المرتبط بالكفاح من أجل الاستقلال التونسي دون أن يحدّد كيفية فهم المصطلح في الوقت الحاضر داخل الحزب.

16بهدف تعزيز الأساس الدستوري لحزب نداء تونس، أصدر عمر شبو، أحد مؤسّسي نداء تونس أيضاً صحيفة المغرب العربي التي تحظى بشعبية كبيرة، وانفصل مؤقتاً عن الحزب لتأسيس الحركة الدستورية الحرة. وأوضح عضو بارز في الحركة الأمر بالقول: "لقد كان قراراً استراتيجيا اتخذ بالتشاور مع السبسي". وأضاف: "كانت الفكرة تتمثّل في جمع من لم ينضموا بعد إلى حزب نداء تونس بهدف دمجهم في الحزب في نهاية المطاف".

17رسالة استقالة رسمية لأربعة من أعضاء حزب نداء تونس في صفاقس كتبت في 8 كانون الأول/ديسمبر 2013.

18باستثناء الطيب البكوش، هناك خمسة أعضاء كبار على الأقل يسعون إلى السلطة: محسن مرزوق، فوزي لومي، رؤوف خميسي، وهو رجل أعمال وعضو سابق في اللجنة المركزية لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي، ولزهر العكرمي، وهو يساري، ونور الدين بن تيشه، الذي لديه تجربة سياسية في حزب العمال بزعامة حمة الهمامي ورئيس تحرير الجريدة، ثاني أكثر موقع إخباري عربي تونسي من حيث عدد القراء. وهناك شخصية أخرى يحتمل أن تكون مؤثرة هي سلمى لومي، شقيقة فوزي لومي، وهي سيدة أعمال تحظى بالاحترام نجحت حتى الآن في البقاء بعيدة عن معظم الصراعات داخل الحزب.

19 Survey of Tunisian Public Opinion, February 2014, International Republican Institute and Elka Consulting, Tunis.

20 EspaceManager “Tunisie – Politique: Vers la naissance d’une alliance centriste!?“ April 16, 2014.