منذ أن استبدلت الثورة الايرانية، التي نشبت في العام 1979، النظام الملكي المتحالف مع الولايات المتحدة بدولة ثيوقراطية معادية بشدّة لهذه الأخيرة، قامت السياسة الخارجية الأميركية في منطقة الخليج الغنية بالنفط على ركيزتين استراتيجيتين رئيستين: العداوة مع إيران والصداقة مع المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، أصبح هذا الوضع الممتد على مدى خمسة وثلاثين عاماً، في الأشهر الأخيرة، موضع ريبة وشكّ بسبب النظام السياسي العربي الذي بات يتغيّر بسرعة والأمل بحدوث انفراج في الملف النووي بين الولايات المتحدة وإيران.

أفضت مجموعة من القضايا، مثل الاتفاق النووي المؤقّت مع إيران والخلافات الإقليمية بين الولايات المتحدة والسعودية وثروة النفط والغاز الصخريين المكتشفة حديثاً في أميركا، إلى ظهور تكهّنات حول إعادة ترتيب رقعة الشطرنج الجيوسياسية، بحيث تحلّ طهران محلّ الرياض باعتبارها الحليف الرئيس لواشنطن في المنطقة. مع ذلك، وبدلاً من استبدال حليف بآخر، صاغ الرئيس الأميركي باراك أوباما مقاربة جديدة تجاه منطقة الشرق الأوسط. فلم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى عزل إيران، لكنها ستحاول بدلاً من ذلك "جعل ايران تعمل بطريقة مسؤولة" لتعزيز "توازن جديد" بين إيران والمملكة العربية السعودية يتّسم بـ "التنافس، وربما الشكّ، ولكن ليس بالحرب الفعلية أو الحرب بالوكالة".

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

ليس ثمّة علاقة ثنائية في الشرق الأوسط أكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل المنطقة ومصالح الولايات المتحدة من تلك القائمة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية. إذ تبدو طهران والرياض على طرفي نقيض بشأن كل قضية رئيسة تقريباً في الشرق الأوسط، مايؤدي إلى إرباك جهود الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار. كما أن البلدين خصمان عرقيان (عرب مقابل فرس) وطائفيان (سنّة مقابل شيعة) وقوّتان جيوسياسيتان تتنافسان على السلطة والنفوذ في كل أنحاء الخليج وبلاد الشام والأراضي الفلسطينية والعراق، وكذلك داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك). بالإضافة إلى ذلك، يتبنّى كل منهما أشكالاً مختلفة كلياً من الحكم ويقدمان رؤيتين متباينتين لنظام شرق أوسطي، ويختلفان بصورة أكثر حدّة حول مسألة الوجود الأميركي في المنطقة.

في ضوء هذه الاختلافات، من المرجّح أن يظل البلدان متنافسين دائمين. والسؤال الآن هو ما إذا كان ينبغي أن تتجلّى المنافسة بينهما في صراع طويل الأمد بالوكالة أو ما إذا كان في وسع الدولتين – على غرار فرنسا وألمانيا في أوروبا - أن تتفقا على أسلوب عمل سلمي مؤقت قد يساعد في تهدئة التوتّرات الطائفية في كل أنحاء المنطقة، لكنه لايصل إلى مرتبة الصداقة الحقيقية.

تبدو الرهانات كبيرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة سواء من حيث فكّ الارتباط المتوقّع مع الخليج أو فكرة أوباما حول "توازن" إقليمي. وقد تساعد علاقات واشنطن الثنائية مع الرياض وطهران في تسهيل القيام بتحرّك ما نحو إصلاح العلاقات. بيد أنه لاينبغي أن تساور صنّاع السياسة الأميركيين أي أوهام حول صعوبة إنجاز هذه المهمة، نظراً إلى التاريخ العميق من انعدام الثقة بين السعودية وإيران، والمشهد الإقليمي الممزّق الذي يفاقم الخصومة بينهما، ووجهات نظر النخب الحاكمة في كل منهما.

الجذور العميقة للعداء

تتمتّع كل من المملكة العربية السعودية وإيران بميزات فريدة من نوعها. ففي منطقة الشرق الأوسط العربي ذات الأغلبية السنّية، توفّر وصاية السعودية على أقدس الأماكن الإسلامية، إلى جانب احتياطياتها الهائلة من الطاقة، مزايا واضحة لها، فيما يوفّر تاريخ إيران الطويل، باعتبارها دولة قومية، وتفوّقها الديموغرافي، وقدرتها على إبراز قوتها في الخارج، مزايا منافسة. كما يعتبر كل بلد نفسه الزعيم الطبيعي للعالم الإسلامي الأوسع: المملكة العربية السعودية بسبب مؤهلاتها الدينية، وإيران بسبب حسن نواياها الإيديولوجية باعتبارها درعاً ضدّ إسرائيل وأميركا.

حرّكت الخلافات والمكائد العداء بين السعودية وإيران على مرّ السنين. ومع ذلك، أظهر الجانبان في الماضي قدرة على تجزئة الخصومة بينهما، وتوصّلا إلى هدنة هشّة في نطاق جغرافي في حين انخرطا في مواجهة ساخنة في نطاق آخر.

تعدّ الشراكة السعودية-الإيرانية المتوتّرة التي كانت قائمة في عهد شاه إيران في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أقرب نظير لتوازن يقوم في منطقة الخليج. ففي الفترة التي سبقت الثورة، ارتبطت إيران والمملكة العربية السعودية من خلال التضامن الملكي في مواجهة التهديدات الشيوعية والجمهورية ومساندة الولايات المتحدة لهما. كان النظام الإقليمي في ذلك الوقت أقلّ تزعزعاً، وكان يشجّع على تقليل فرص المنافسة بين الطرفين.

بيد أن العودة إلى تلك الحقبة مستبعدة جداً، نظراً إلى حالة الاضطراب والصراع القائمة في المنطقة اليوم والأمور السياسية الداخلية المختلفة بصورة جذرية في الدولتين. والواقع أن العداء وعدم الثقة بين البلدين، وبين كل من هاتين الدولتين والولايات المتحدة، وصلا إلى ذروته في الأشهر الأخيرة.

ردّ المسؤولون السعوديون على نحو ساخر ومثير للريبة على مايبدو أنه سلوك أكثر اعتدالاً اعتمدته إيران في الآونة الأخيرة. إذ يستعدّ رئيسها الجديد، رجل الدين البراغماتي حسن روحاني، والذي يعدّ ربيباً للرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، لتحسين العلاقات مع الرياض، وإعادة بناء العلاقات التي تدهورت في عهد الرئيس السابق المتفاخر محمود أحمدي نجاد. لكن الأمر الذي لايزال موضع شك هو إلى أي مدى يمتلك روحاني ووزير خارجيته، محمد جواد ظريف، السلطة والقدرة على القيام بتغيير ذي معنى في السياسات الإقليمية، والتي ظلت لفترة طويلة حكراً على المرشد الأعلى علي خامنئي والحرس الثوري الإسلامي، الذي هو القوة العسكرية الهائلة التي تخضع إلى قيادته.

الأكثر من ذلك هو أن الاتفاق النووي المؤقّت الذي عقد في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا (المعروفة باسم مجموعة 5 + 1) وطهران، شكّل فعلياً كارثة طالما خشيها السعوديون بوصفها حيلة اشترت الوقت لطهران على الجبهة النووية بينما مكّنها من تحقيق مصالحها الخاصة في كل أنحاء المنطقة، وخاصة في سورية، حيث تدعم نظام حليفها بشار الأسد في الحرب الأهلية الجارية هناك.

رداً على ذلك، كان كبار المسؤولين السعوديين علنيين على نحو غير معهود بشأن الدعوة إلى تبنّي سياسة سعودية أكثر قوة واستقلالية لتصعيد المعركة ضدّ إيران. وقد انتقد هؤلاء دور طهران "المزعزع للاستقرار" في الشرق الأوسط، وانتقدوا أميركا علناً لكونها على استعداد أيضاً للرضوخ إلى طموحات إيران النووية والإقليمية، وحذّروا من أن الرياض قد تواجه طهران بمفردها. من جانبهم، ينتقد المسؤولون الإيرانيون دعم السعودية للجهاديين السنّة المتطرفين وتحالفها مع الولايات المتحدة، وهم يردّدون أن القيادة الهرمة في الرياض على وشك الانهيار.

وراء هذا الحقد والكره المتبادل، ثمّة مجموعة من الصراعات في الدول الممزّقة تستدعي تدخّل القوتين، مايؤدّي إلى تأجيج صراع على النفوذ لاغالب فيه ولامغلوب. وهذا أمر يستبعد أن يخفت على المدى القريب.

سورية: مركز العاصفة

مع تدهور الأزمة السياسية في سورية وتحوّلها إلى أزمة إنسانية ذات أبعاد ملحمية - حتى كتابة هذه السطور سقط أكثر من 150 ألفاً من الضحايا المدنيين، وأصبح 9 ملايين شخص في عداد المشرّدين داخلياً أو خارجياً – كان الرئيس الأميركي، الذي أنهكته الحرب، والكونغرس وعامة الشعب متردّدين في التدخّل نظراً إلى الشكوك التي تساورهم من مصالح واشنطن. وأدى تنامي المخاوف حول العناصر المتطرّفة بين القوى المتمرّدة في سورية، إلى جانب المرونة الوحشية لنظام الأسد على مايبدو، إلى تقليص أولويات الولايات المتحدة من إطاحة الدكتاتور السوري إلى مجرّد إزالة أسلحته الكيميائية.

في المقابل، أصبحت سورية بالنسبة إلى إيران والمملكة العربية السعودية، بؤرة لحمام دم يتراوح بين كونه جيوسياسياً وطائفياً بامتياز.

تم عزل إيران استراتيجياً منذ ثورة العام 1979، وكانت سورية حليفها الثابت الوحيد. الكراهية المشتركة تجاه عراق صدام حسين هي التي ولّدت الشراكة بين طهران ودمشق، وحافظ عليها الخوف والبغض المشتركان لأميركا وإسرائيل. وقد وفّرت سورية لطهران ممراً جغرافياً لتسليح وتمويل حزب الله اللبناني الشيعي، الذي يعدّ إحدى جواهر تاج الثورة الإيرانية.

وبالتالي، فإن لدى طهران دوافع قوية لإبقاء نظام الأسد في السلطة. الحافز لموقفها ليس التضامن الطائفي بقدر ماهي المخاوف العميقة حول النظام الذي قد يأتي بعد الأسد. إذ يشكّل العرب السنّة الأغلبية الساحقة من سكان سورية، على الرغم من أن العلويين، الذين يعتبرون إحدى الطوائف الشيعية، هم الذين يحكمون البلاد حالياً. وتخشى طهران، في حال سقط الأسد، احتمال أن يصل نظام طائفي سنّي متحالف مع المملكة العربية السعودية ومعادٍ لإيران الشيعية إلى السلطة في دمشق.

إيران ليست مهتمّة أساساً بالتكوين الطائفي للقيادة السورية، لكنها مهتمّة بما إذا كان هؤلاء القادة يشاركون طهران نظرتها الإيديولوجية وفكرتها الأساسية حول المقاومة ضد أميركا وإسرائيل. وكما قال خامنئي ذات مرة: "نحن سندعم ونساعد أي دولة وأي جماعة تقاتل ضد النظام الصهيوني في جميع أنحاء العالم". وقد منحت إيران ذلك الدعم فقط لنظام الأسد، وقدّمت له مليارات الدولارات على شكل قروض واعتمادات ونفط مدعوم للإبقاء على قدرته؛ كما وفرت له المساعدة العسكرية التقليدية وغير التقليدية، وكذلك التدريب الاستخباراتي والتعاون للمساعدة في سحق الاضطرابات الشعبية.

وفقاً لتقارير الحكومة الأميركية والتصريحات الرسمية الإيرانية، ساعدت طهران أيضاً في إنشاء مجموعة شبه عسكرية سورية قوامها 50 ألف رجل معروفة باسم (الجيش الشعبي) لمساعدة القوات الحكومية السورية.

على النقيض من ذلك، تشعر المملكة العربية السعودية بالغضب بسبب عمليات ذبح العرب السنّة الواسعة والعشوائية على يد الدكتاتورية العلوية التي يدعمها الشيعة. وتعتبر الرياض بلاد الشام منطقة التأثير المباشر في صراعها الجيو استراتيجي مع إيران، والفرصة المفضية إلى النجاح أو الإخفاق في قصّ أجنحة طهران في العالم العربي وتغيير ميزان القوى في المنطقة مرة أخرى لصالح المملكة العربية السعودية.

أتاحت الانتفاضة المناهضة للأسد للمملكة العربية السعودية وبلدان الخليج فرصة جديدة لإضعاف إيران. فقد تزايد الدعم السعودي والخليجي للمعارضة السورية في أوائل العام 2012 مع تدخّل قوات حزب الله والحرس الثوري. في الوقت نفسه، يبدو أن الرياض تخوض حروباً متزامنة ضد عناصر القاعدة داخل المعارضة السورية، وإلى حدّ أقلّ، الإخوان المسلمين. وثمة أمر أساسي غير معروف يتعلّق بما إذا كانت تكلفة هذا الصراع على ثلاث جبهات ستستنفد السعوديين في نهاية المطاف، وتضطرّهم إلى الدخول في محادثات هادئة مع إيران للحيلولة دون الوصول إلى نتيجة يخشاها كلا الجانبين وتتمثّل بصعود تنظيمات عابرة للحدود الوطنية تابعة لتنظيم القاعدة لها تأثير ونفوذ يتجاوز الحدود السورية.

أدّت إدانة إدارة أوباما للأسد، إلى جانب عدم رغبتها في إقصائه من السلطة بشكل حاسم، إلى بروز اتّهامات لواشنطن بأنها إما تتعاون مع كل من طهران والرياض أو أنها تسمح للصراع بأن يتفاقم كوسيلة لاستنزاف إيران وحزب الله وتنظيم القاعدة.

والواقع أن المخاطر المترتّبة على المذابح المستمرة في سورية تبدو خطيرة بالنسبة إلى واشنطن وطهران والرياض. إذ لم تترتّب على دعم إيران للأسد تكلفة مالية هائلة وحسب، بل كانت هناك أيضاً تكلفة ربما لايمكن ترميمها لسمعتها في الشرق الأوسط العربي ذي الأغلبية السنّية. كما أن دعم الرياض للجماعات المتمرّدة قد يرتّد ضد المملكة في حال كانت الغلبة من نصيب الفصائل الجهادية في سورية أو إذا تعرّضت الفصائل المدعومة سعودياً إلى هزيمة حاسمة. ولذا يجب على الولايات المتحدة أن تشعر بالقلق بشأن احتمالات قيام دولة فاشلة ينتشر فيها تنظيم القاعدة وتزعزع استقرار الدول المجاورة مثل لبنان والأردن.

مع ذلك، وعلى الرغم من هذه المخاطر، تبدو كل من طهران والرياض مقتنعة بصوابية مواقفها، حيث لم تظهر أي منهما مؤشرات ملموسة لإعادة ضبطها. في هذا السياق، سيؤدّي اهتمام أميركا في وضع حدّ لنظام الأسد وإضعاف الإسلاميين السنّة المتطرفين إلى خلق تقارب تكتيكي ومواجهات استراتيجية مع طهران، ومواجهات تكتيكية وتقارب استراتيجي مع الرياض. ولكن طالما بقيت سورية دولة تقودها أقلية علوية تحكم بوحشية أغلبية سنّية، من المحتمل أن يستمر التوتر بين السعودية وإيران مع مايترتّب على ذلك من اختلال في التوازن الإقليمي.

العراق: الحدود المتنازع عليها

العراق هو البلد الوحيد الذي يتاخم إيران والمملكة العربية السعودية معاً. وبعد أكثر من أحد عشر عاماً على الغزو الأميركي للعراق، لاتزال البلاد تعيش في ورطة على الصعيد الداخلي، ولاتزال تشكّل مصدراً مهماً من مصادر التوتّر الإقليمي والاستياء ضد واشنطن.
من وجهة نظر الرياض، إذا كانت خطيئة أميركا المتمثّلة بعدم الاكتراث واللامبالاة في سورية قد صبّت في صالح إيران، فقد كانت خطيئة تفويض أميركا في العراق - إطاحة الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين في العام 2003 - هدية كبيرة لطهران. وخلال مايزيد قليلاً عن عشر سنوات، تحوّل العراق الذي كان يقوده السنّة سابقاً إلى دولة يهيمن عليها الشيعة على الحدود الشرقية للعالم العربي ويقودها الآن رجل، رئيس الوزراء نوري المالكي، يقال إن العاهل السعودي الملك عبدالله يعتبره عميلاً إيرانياً.

بدلاً من التعامل بعدائية مع القوة الإيرانية كما هو الحال في بلاد الشام، انتهجت المملكة العربية السعودية سياسة سلبية تتمثّل بالاحتواء الثابت أو حصر الأضرار في العراق. ونظراً إلى الأغلبية الشيعية في البلاد، يعترف المسؤولون السعوديون بأنهم يلعبون لعبة خاسرة في محاولة كبح جماح نفوذ طهران، حيث يفتقرون إلى وجود شبكات محلية وحرية الوصول والقدرات التي تتمتّع بها إيران. فقد قال مسؤول سعودي لأحد كاتبي المقال في العام 2007: "عليك أن تسلّم البلاد إليهم. فقد كانت لدى الإيرانيين خطة قبل غزو العام 2003 وعملوا على إنجازها. ولذا فهم يستحقون النفوذ الذي حصلوا عليه".

لايكاد المسؤولون السعوديون يرون فائدة تذكر، على مايبدو، في استنزاف طاقتهم في مواجهة النفوذ الإيراني في العراق، في حين يجري الصراع الأكثر إلحاحاً وحسماً في سورية. ومع ذلك فإن تفاقم التوتّر الطائفي في كل أنحاء الشرق الأوسط نتيجة للصراع السوري، دفع حكومة المالكي إلى التقرّب أكثر من طهران والابتعاد عن أشقائها العرب.

بالنسبة إلى الإيرانيين، يظل الاستياء العميق الذي طال أمده بشأن دعم الولايات المتحدة والسعودية لصدام حسين خلال الحرب العراقية–الإيرانية - التي تكبدت فيها إيران مئات الآلاف من الضحايا، بما في ذلك نتيجة استخدام صدام للأسلحة الكيميائية - دافعاً قوياً لضمان وجود حكومة صديقة لطهران في بغداد.
ازدادت أهمية العراق كحليف لإيران نظراً إلى المستقبل الغامض لنظام الأسد. وقد استخدمت طهران العراق باعتباره ممرّاً حيوياً لتهريب النفط وإضعاف العقوبات المالية وتسليح وتمويل نظام الأسد. في المقابل، عمّق هذا الوضع ازدراء الرياض لحكومة المالكي، التي تعتبرها المملكة العربية السعودية متواطئة في المذابح الواسعة التي يرتكبها الأسد، وفي محنة أهل السنّة في العراق في محافظة الأنبار المضطربة المتورّطين في صراعات عنيفة مع الجيش العراقي.

وكما هي الحال في أماكن أخرى في المنطقة، غالباً مايكون من الصعب أن نستشفَّ ما إذا كانت إيران تعتبر نفسها محاصرة بالنفوذ الأميركي والسعودي في العراق، أو إذا كانت طهران تميّز بين الاثنين. وفي حين مال المسؤولون الإيرانيون في عهد أحمدي نجاد إلى اعتبار الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية شراًّ متكاملاً، بذلت طهران في الآونة الأخيرة جهوداً للتمييز بين أعدائها التسلّطيين (أميركا) والطائفيين (السعودية).

وبينما ينكمش الوجود الأميركي في العراق، ستتوفّر إيران على المزيد من الفرص في هذا البلد، غير أنها ستواجه أيضاً عقبات أكبر. فقد وجدت طهران، حتى بين شركائها في الدين، أن هناك حدوداً لنفوذها. وإذا استمرت الممارسات الاستبدادية على نحو متزايد من جانب حكومة المالكي، فقد يعتبر الكثير من العراقيين قريباً - الشيعة والسنّة على حدّ سواء - طهران، وليس واشنطن،  القوة الخارجية غير المرغوب فيها، والمسؤولة جزئياً عن القمع الذي يمارسه النظام وانعدام الأمن المتزايد في كل أنحاء البلاد والفساد الاقتصادي.

من المحتمل أن تبقى المملكة العربية السعودية ودول الخليج متحفّظة ومتردّدة بشأن تحسين علاقاتها مع العراق، حتى لو انقلب الشعور الشعبي العراقي ضد إيران. وبهذا المعنى، فإن آمال واشنطن في إقناع دول الخليج العربية بالانخراط بشكل فعاّل مع العراق لموازنة إيران لاتبدو في محلها في نهاية المطاف. وبالتالي من المرجّح أن يظل العراق منطقة حدودية متنازعاً عليها بالنسبة إلى الطرفين، حيث يُستبعَد أن تتحوّل إلى صراع علني بالوكالة، لكنها أيضاً غير مفيدة لانفراج أوسع.

المعركة على البحرين

في البحرين، كما في سورية، تحكم أقلّية سكانية الأغلبية، وإن كان بصورة أقلّ وحشية حتى الآن. وفي حين تتحالف عائلة آل خليفة السنّية الحاكمة بصورة وثيقة مع الرياض، حاولت إيران وبدرجات متفاوتة من النجاح تصوير نفسها باعتبارها المدافعة عن الأغلبية الشيعية المحرومة، والتي يعتقد أنها تشكّل نحو 70 في المئة من السكان.

عرضت إيران تقديم دعم معنوي قوي ودعم مادي محدود إلى الشيعة في البحرين، حيث يعتبر بعضهم آية الله خامنئي مرشدهم الروحي أو مرجعهم. غير أن تدخّل طهران في البحرين لايشبه بأي حال الدعم المادي الفتّاك والدعم المالي الذي قدّمه فيلق القدس الإيراني - وحدة العمليات الخاصة الخارجية في الحرس الثوري بقيادة القائد الأسطوري قاسم سليماني - للمسلحين الشيعة في العراق ويقدّمه الآن للقوات العلوية والحكومية في سورية.

كما تعتبر طهران البحرين موقعاً أمامياً للإمبريالية الأميركية في الشرق الأوسط، لأنها تستضيف مقرّ الأسطول الخامس في البحرية الأميركية، ومركزاً لقدرات القيادة والسيطرة والخدمات اللوجستية البحرية، وهو ماتفسرّه طهران باعتباره وسيلة بالنسبة إلى واشنطن لتقييد النفوذ الإيراني في الخليج. وتأمل طهران أن تساعد زيادة النفوذ السياسي الشيعي في البحرين إيران على إغلاق حامية حيوية معادية في جوارها. ومع ذلك، يفضّل جزء كبير من المعارضة في البحرين حتى الآن استمرار الوجود الأميركي في البلاد، من أجل تحقيق التوازن في مواجهة النفوذ السعودي والإيراني على حدّ سواء.
ضخَّمت المملكة العربية السعودية الخطر الإيراني بصورة مغايرة للواقع. وبهذا المعنى أصبحت الرياض أسيرة روايتها الخاصة، والتي تضخّم مايشكّل في جوهره صراعاً محلياً على توزيع القوة الاقتصادية والسياسية إلى حالة من المنافسة الجيو استراتيجية مع منافستها الفارسية، حيث تتّهم إيران بمحاولة إشعال ثورة خمينية أخرى.

استخدمت الرياض وآل خليفة، في كثير من النواحي، التهديد الإيراني لتشتيت الانتباه عن حركة محلية تدعو إلى توفير قدر أكبر من الكرامة والحريات المدنية. وقد اعترف بعض المسؤولين السعوديين بهذا الواقع، وإن كان بصورة سرية. في العام 2006، على سبيل المثال، اعترف دبلوماسي سعودي بارز في البحرين بأن الشيعة البحرينيين ليسوا بيادق في يد أستاذ شطرنج إيراني. وأشار إلى أنه "يمكننا التعايش مع رئيس وزراء شيعي منتخب في البحرين".

يريد المسؤولون السعوديون من إيران أن تعلن بأن الاضطرابات في البحرين مسألة بحرينية داخلية. غير أن إيران ستستمر في الدفاع عن حكومة أكثر تمثيلاً للشعب في البحرين، وهو مايعني ضمناً قوة أكبر للشيعة وتضاؤلاً للنفوذ السعودي.

غير أن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن كلاً من إيران وحزب الله، الذي دعم أيضاً المعارضة في البحرين، ربما يخفّفان الآن من لهجة بياناتهما بشأن البحرين، في إطار حملة دبلوماسية أوسع يقوم بها روحاني. وبالتالي، علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كان هذا التحوّل يمهّد الطريق إلى مزيد من التهدئة الموضوعية.

إن للولايات المتحدة رهانات كبيرة في البحرين، نظراً إلى وجود الأسطول الخامس. وبالتالي فإن خفض التوتّرات بين السعودية وإيران قد يمكّن الأجنحة الأكثر تقدّمية داخل الأسرة الحاكمة من إجراء إصلاحات أكثر موضوعية لتهدئة المعارضة التي تزداد تطرّفاً. وهذا لن يؤدّي إلى تحسين فرص بقاء النظام الملكي على المدى الطويل وحسب، بل سيساعد أيضاً في درء تهديد محتمل لمواطني الولايات المتحدة وممتلكاتها في الجزيرة. بالإضافة إلى ذلك، ستكون الإصلاحات خطوة إيجابية نحو إقامة توازن في الخليج قادر على تسهيل مسألة تقلّص الحاجة إلى الوجود العسكري الأميركي.

إسرائيل وفلسطين: دولتان أم دولة واحدة؟

تعتبر إيران والمملكة العربية السعودية نفسيهما راعيين وضامنين لبناء الدولة الفلسطينية، وتضفيان شرعية محلية وإقليمية كبيرة على هذه المزاعم. غير أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يشكّل مثالاً آخر على دعم طهران والرياض للفصائل المحلية بحلول متنافسة.

تدعم المملكة العربية السعودية حلّ الدولتين، وقد دعمت مؤخراً جهود الولايات المتحدة لإحياء خطة السلام التي اقترحها الملك عبدالله للمرة الأولى في العام 2002. تعرض الخطة على إسرائيل الاعتراف العربي الكامل مقابل الانسحاب إلى حدود ماقبل العام 1967 وعودة اللاجئين الفلسطينيين. وكانت الرياض أيضاً الراعي المالي الرئيس في العالم العربي للسلطة الفلسطينية.

في المقابل، أصبحت إيران، منذ العام 1979، ترى في رفض وجود إسرائيل مصدراً مهماً لهويتها الثورية ووسيلة لتجاوز الانقسامات الفارسية-العربية والسنّية–الشيعية، في سياق سعيها إلى الريادة الإقليمية. وفي خضم الضغط من أجل التوصل إلى حلّ الدولة الواحدة، دعمت إيران الحركات الرافضة المتشدّدة مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

إضافة إلى ذلك، وربما هذا هو الأهم، يستشهد حزب الله الوكيل الرئيس لإيران في بلاد الشام، بالمواجهة المستمرة مع إسرائيل باعتبارها علّة وجوده لحمل السلاح. وبالتالي فإن من شأن أي تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين أن تضعف هذا المنطق بصورة خطيرة.

عارضت الرياض بشدّة دعم إيران للفصائل الفلسطينية المسلحة. في العام 2010، قيل إن الملك عبدالله أبلغ وزير الخارجية الإيراني آنذاك، منوشهر متقي، قوله "أنتم كفرس لاشأن لكم بالتدخّل في الشؤون العربية"، بعد أن حاول الدبلوماسي الإيراني تبرير دعم إيران لحماس على أساس التضامن الإسلامي. حاولت المملكة العربية السعودية، لكنها فشلت، انتزاع حماس من طهران من خلال توسطها في اتفاق سلام بين حركتي حماس وفتح الفلسطينيتين المتنافستين في العام 2007. انهار الاتفاق بسرعة بعد اندلاع قتال شوارع بين الحركتين. وعلى الرغم من الخلافات الإيرانية مع حماس حول سورية في العام 2011، يبدو أن طهران تستعيد علاقاتها مع حماس المتشدّدة، مايشكّل ضربة أخرى للنفوذ السعودي في الساحة الفلسطينية.

كما أدّى التقارب المتزايد بين السياسات الإسرائيلية والسعودية تجاه البرنامج النووي الإيراني، الذي يغذّيه شعور متبادل في الرياض وتل أبيب بتراجع الولايات المتحدة من المنطقة، إلى الإضرار أكثر بمكانة السعودية بين الفلسطينيين.

ومع ذلك، قد لايكون الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني مصدراً دائماً وغير قابل للحلّ للعداوة بين الرياض وطهران. فقضية فلسطين لعبة يدعم فيها الطرفان مقاتلين مسلحين على طرفي الطيف الطائفي، حيث التعادل السلبي أقلّ مما هو عليه في الصراع في سورية، على سبيل المثال.

ومع ذلك، قد يثبت الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني أنه أكبر عائق في طريق التقارب الأميركي-الإيراني الذي تخشاه السعودية بشدة. أما بالنسبة إلى طهران وواشنطن، فإن مسألة وجود إسرائيل تمثّل قضية راسخة في السياسة الداخلية. فإسرائيل ليس لديها حليف أكبر من واشنطن ولا خصم أكبر من طهران. وحتى في حالة التوصل إلى اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الدعم الإيراني المستمر للجماعات المتشددة المعارضة لوجود إسرائيل سيحول دون حصول تطبيع كامل للعلاقات بين واشنطن وطهران.

النفط: الصقور مقابل الحمائم

يقوم تحالف واشنطن-الرياض على أساس توفير الولايات المتحدة الأمن للسعودية من أجل ضمان استمرار تدفّق النفط السعودي إلى العالم. غير أن هذا الأساس بدأ يضعف بسبب ازدهار صناعة طاقة النفط الصخري المحلي في أميركا، والخطط الخاصة بإعادة التوازن للسياسة الخارجية الأميركية في آسيا، وسلسلة الخلافات الشديدة حول القضايا الإقليمية مثل مصر وسورية وإيران. وعلى الرغم من هذه الخلافات، ليس لدى الولايات المتحدة حليف أكثر موثوقية في منظمة أوبك من المملكة العربية السعودية، والتي طالما كانت على خلاف مع إيران بشأن حصص تسعير النفط.

في حين تبدو طهران أكثر اهتماماً بتعظيم مكاسبها على المدى القصير، تتبنّى الرياض وجهة نظر أطول مدى، وهو مايمثّل اختلافاً في النظرة الزمنية ينبع من احتياطيات النفط والقدرة الإنتاجية في كل بلد. تملك إيران رابع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (حوالى 136 مليار برميل)، أي مايقرب من نصف احتياطي المملكة العربية السعودية البالغ 267 مليار برميل. وبسبب مجموعة متنوّعة من العوامل، بما في ذلك العقوبات والبنية التحتية القديمة، فإن تكاليف الإنتاج في إيران أعلى بكثير مما هي عليه في المملكة العربية السعودية. أحد التقديرات يشير إلى أن تكلفة استخراج برميل النفط في إيران تصل إلى نحو 15 دولاراً، في حين لاتتجاوز دولارين اثنين فقط في المملكة العربية السعودية. وقد استخدمت الرياض في الماضي قدرتها الإنتاجية المتأرجحة كسلاح ضد إيران، ليس في إطار الجولة الحالية من العقوبات وحسب، بل قبل الثورة أيضاً.

ثمّة عدد من الاتجاهات الجديدة التي تشكّل تحدّياً لتفوّق المملكة العربية السعودية القديم في مجال الإنتاج. إذ تواجه الرياض نقصاً في الطلب العالمي، وعودة الخام الليبي إلى السوق العالمية، وزيادة إنتاج إيران من النفط مع تخفيف العقوبات. وفي حال وصل العراق إلى طاقته الإنتاجية الكاملة، فقد تنخفض أهمية السعودية أكثر. وقد يفرض إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، والذي يُتوقَّع أن يصل إلى ذروته في العام 2018، إجراء خفض كبير في إنتاج أوبك على مدى السنوات القليلة المقبلة.

ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تقدير أهمية هذه الاتجاهات. فالمملكة العربية السعودية تحتفظ بقوة هائلة كمنتج متأرجح، كما أن صادراتها النفطية حيوية بالنسبة إلى عافية الاقتصادات العالمية العملاقة مثل الصين، والتي تعوّل عليها اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا. هذه الروابط تعني أن واشنطن ستبقى ملتزمة بحماية الإمدادات السعودية بغضّ النظر عن إنتاج الزيت الصخري الأميركي.

في المقابل، حال سوء الإدارة والعقوبات الدولية دون استغلال إيران لكامل احتياطياتها الهائلة من الطاقة. فقد حصلت طهران على مايزيد عن 600 مليار دولار من العائدات النفطية خلال فترة حكم أحمدي نجاد، أي نحو 60 في المئة من ايراداتها النفطية الإجمالية على مدى القرن الماضي. غير أنه تم تبديد هذه الأموال إلى حدّ كبير على السياسات الاقتصادية الشعبوية التي فاقمت معدلات التضخم والبطالة المرتفعة أصلاً في البلاد بدلاً من تحسينها. ومنذ ذلك الحين أدّت العقوبات الاقتصادية والمالية المتصاعدة، ولاسيما الحظر الأوروبي الكلي على النفط الإيراني، إلى تراجع الإنتاج والصادرات الإيرانية بنسبة تزيد على 50 في المئة.

كانت عملية تجديد صناعة وإنتاج وتصدير النفط في إيران، واحدة من أبرز اهتمامات سياسة حكومة روحاني. فقد تمت إعادة وزير النفط السابق بيجان زنغنه، الذي خدم في إدارة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، إلى الواجهة، حيث تودّد إلى شركات النفط الغربية (بما فيها الشركات الأميركية) وتعهّد بزيادة إنتاج النفط الإيراني وإعادته إلى الوضع السابق.
قد تثبت الخلافات حول إنتاج النفط أنها الأسهل بين جميع نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران والرياض. فوزيرا النفط في كلا البلدين، زنغنه في إيران وعلي النعيمي في المملكة العربية السعودية، من التكنوقراط لا من المنظّرين. ولذا فإن الكثير من الأمور سيتوقّف على التوصل إلى اتفاق نووي. وإذا لم يتم التوصل إلى هذا الاتفاق، فسوف تستمر الولايات المتحدة، عبر العقوبات، في منع إنتاج النفط الإيراني وتصديره.

أمن الخليج والوجود الأميركي: حقيقة يتم تجاهلها

ثمّة مفارقة بسيطة تكمن في قلب التنافس السعودي – الإيراني. فإيران لاتثق بالولايات المتحدة وتخشاها وتريد منها أن تخرج من الخليج، غير أن دول الخليج العربية ترغب في استمرار الوجود الأمني الأميركي في المنطقة لأن هذه الدول تخشى من الطموحات الإيرانية، على وجه التحديد، ولاتثق بها.

منذ أن وضع الشاه محمد رضا بهلوي برنامج التحديث العسكري في سبعينيات القرن الماضي، علَّقت المملكة العربية السعودية آمالها على قوة خارجية داعمة - واشنطن - لموازنة قوة إيران المتفوقة. وعندما تدعو طهران لإيجاد حلّ محلي وإقليمي لأمن الخليج (أي رحيل القوات الأميركية) ترى المملكة العربية السعودية في ذلك على الفور نيّة للهيمنة الفارسية تعود بالذاكرة إلى عهد الشاه، عندما كانت الرياض محكومة بكونها شريك واشنطن الأصغر.

ومع ذلك فقد تضعف معارضة السعودية لإقامة بنية أمنية محلية وإقليمية لأمن الخليج في نهاية المطاف في مواجهة الحقائق الحالية والوشيكة، مثل الفجوة المتزايدة مع الولايات المتحدة وحالة التصدّع التي تعتري الإجماع بين دول الخليج. وعلى الرغم من احتجاجاتها الصاخبة وتهديدها بالطلاق مع واشنطن، لاتملك الرياض سوى القليل من الخيارات الأخرى، إن وجدت، التي يمكنها التعويل عليها لضمان أمنها الخارجي. فروسيا وفرنسا والصين والهند تعاني من أوجه قصور وقيود تتعلق بقدرتها ورغبتها في إظهار القوة في الخليج، أو لديها خلافات سياسية حادّة مع الرياض بشأن القضايا الرئيسة مثل سورية وإيران.

دعت الرياض إلى مزيد من الصمود والتماسك بين دول مجلس التعاون الخليجي والذي كانت المخاوف المشتركة حول إيران جزءاً من الأسباب الموجبة لتأسيسه. غير أن هذه الدعوات ذهبت أدراج الرياح إلى حدّ كبير. وبينما تستمرّ دول مجلس التعاون الخليجي إبداء مخاوف خاصة بشأن إيران، استجاب بعضها للحملة الدبلوماسية الإيرانية. ووصل الأمر بعُمان إلى حدّ الرفض العلني لدعوات السعودية إلى قيام تعاون دفاعي أكبر بين دول مجلس التعاون الخليجي.

التوازن صعب المنال

في أوقات الهدوء الإقليمي النسبي، أظهرت طهران والرياض قدرة على إدارة التنافس العرقي والطائفي والإيديولوجي في مابينهما. لكن التوتّر بين المملكة العربية السعودية وإيران خلال أوقات الاضطرابات الإقليمية، يبدو مستداماً. فالبيئة الإقليمية المثيرة للجدل تعمّق سوء النوايا المتبادلة، وهذا بدوره يجعل الصراعات الإقليمية، مثل الصراع الدائر في سورية، أكثر دموية.
 
في حين تعرضت قوة دفع واشنطن الثابتة للتحالف مع المملكة العربية السعودية ضد إيران في هذه الصراعات إلى الإرهاق الشديد، فإن أي استراتيجية أميركية تهدف إلى تحسين العلاقات مع طهران وتحقيق التوازن بين طهران والرياض، ستكون صعبة على حدّ سواء.

على الرغم من احتمال حدوث انفراج نووي بين الولايات المتحدة وإيران، ليس ثمّة مؤشرات على أن القيادة العليا في طهران، ولاسيما خامنئي، مهتمة في إقامة علاقة بنّاءة مع واشنطن. لابل إن مسؤولين إيرانيين، ينظر إليهم على أنهم أكثر اعتدالاً مثل عباس عراقجي، أحد كبار المفاوضين النوويين، أكدوا باستمرار أن "العداء بين ... [ إيران ] وأميركا لايزال قائماً... وأميركا من وجهة نظرنا لاتزال هي الشيطان الأكبر ولم يتغيّر شيء".

من الممكن التنبؤ باليوم الذي تجدّد فيه أميركا، المكتفية ذاتياً في مجال الطاقة، تحالفها مع حكومة إيرانية تقدّم المصالح الوطنية في النهاية على المصالح الإيديولوجية. غير أن من المستبعد، على المدى القريب، أن يصل الأمر بأكبر اقتصاد في العالم (الولايات المتحدة) إلى التقليل من مكانة ومنزلة منتج الطاقة الرئيس في العالم (المملكة العربية السعودية) لتشكيل تحالف مع دولة (إيران) لاتزال حائرة بين المقاومة وإعادة الاندماج في النظام العالمي.

يثير احتمال ظهور حكومة إيرانية أكثر اعتدالاً تعمل على تحسين العلاقات مع واشنطن تساؤلات خطيرة أخرى بالنسبة إلى الرياض. وعلى غرار جيرانها الأصغر حجماً في الخليج، لاتبدو المملكة العربية السعودية مهتمة بطبيعة الحكومة الإيرانية الموجودة في السلطة وحسب، بل أيضاً بحجم الطموحات "الإمبريالية" الملموسة للأمة الإيرانية بصورة أوضح، بغضّ النظر عمَّن يحكم البلاد. وبالنظر إلى أن جزءاً كبيراً من تحالف الرياض مع واشنطن تحرّكه المخاوف المشتركة بشأن إيران، هل ستتوسّل الولايات المتحدة صداقة المملكة العربية السعودية في مجال التعاون النووي والاقتصادي والعسكري إن لم تَعُد قلقة بشأن طهران، أم ستجد الرياض نفسها على هامش سياسة الولايات المتحدة؟

ربما يجد السعوديون أنفسهم مرغمين على طرح مبادراتهم الأحادية الجانب وهم يواجهون عودة الدفء إلى العلاقات الأميركية-الإيرانية وتحسُّن علاقات بقية بلدان الخليج مع طهران. لكن نظراً إلى ضراوة الصراع في سورية والتوقّعات الحالية للنخب في كلا البلدين، من المرجّح أن يبقى نطاق هذه المبادرات محدوداً للغاية. ولعل الكثير سيتوقف على استعداد إيران للتهدئة وتقليص حجم تدخّلها في بلاد الشام إلى درجة مقبولة، بطريقة تحفظ ماء الوجه، من جانب العناصر الأكثر براغماتية في النظام السعودي. مع ذلك، ونظراً إلى القوة الحالية التي يتمتع بها جناح المحافظين المعروف باسم "المبدئيين" في طهران والحرس الثوري، لايبدو هذا السيناريو مرجّحاً في المستقبل القريب.

تكمن أهم عقبة حقيقية في طريق تحسين العلاقات بين إيران ودول الخليج في الحقيقة الحتمية المتمثّلة في اختلال التوازن الهيكلي في الخليج. وبغضّ النظر عن نوع النظام القائم في طهران، سوف تستمر المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية في المطالبة بدعم عسكري خارجي لتحقيق التوازن بين ماتعتبره طموحات الهيمنة المتأصّلة في إيران. من جانبها، ستواصل إيران المطالبة بمنطقة خليجية خالية من القوات الأجنبية حتى تتمكّن من تأكيد ماتعتبره دورها القيادي الشرعي. 

وبهذا المعنى تبدو فكرة وجود توازن جديد وأكثر إيجابية بين إيران والمملكة العربية السعودية، يمكنها تمهيد الطريق أمام تضاؤل الالتزامات الأميركية في الخليج، حلماً بعيد المنال أكثر منها احتمالاً على المدى القصير.