هذا المقال جزء من سلسلة مقالات تتناول الديناميكيات العالمية للصراع السوري، ويحلّل من خلالها خبراء كارنيغي من أنحاء العالم كافة المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية التي تدخل ضمن الحرب الأهلية المتواصلة في سورية. يمكنكم الاطلاع على السلسلة كاملةً هنا.

يجهد الأردن للقيام بعملية موازنة دقيقة نتيجة لتداعيات المستنقع السوري. فمن ناحية، سيؤدّي استمرار النزاع إلى تفاقم المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية والديموغرافية الخطيرة التي يعاني منها الأردن. ومن ناحية أخرى، يمكن لانتهاء الصراع أن يُبقي، أو يجلب، إلى السلطة في دمشق قوى مناهضة، ولاسيّما إذا بقي نظام الأسد أو حلّ مكانه أعضاء متطرّفون في المعارضة معادون للأردن. وفي سياق محاولتها إيجاد التوازن المناسب، تتبع عمان على نحو متزايد سياسة تتمثّل في النأي بنفسها عن تأييد النظام أو المعارضة، في الوقت الذي تعمل فيه بهدوء للمساعدة في حلّ النزاع عبر كل الوسائل الممكنة - السياسية والعسكرية على حد سواء - التي لاتشكّل خطراً على مصالحها.

نادراً ما اتفقت وجهات نظر الحكومة في الأردن تماماً مع وجهات نظر النظام البعثي في سورية. ففي عهد كل من حافظ الأسد (الذي حكم سورية في الفترة 1971-2000) وابنه بشار، انتهجت دمشق وعمان عموماً سياسات متعارضة بصورة مباشرة. ففي حين قدّمت سورية دعماً ثابتاً للقوى الراديكالية المعارضة للسلام مع إسرائيل، مثل حزب الله وحماس، عمل الأردن مسبقاً مع الولايات المتحدة وأطراف أخرى على محاولة إيجاد حلّ سلمي للصراع العربي - الإسرائيلي. وخلال الحرب بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، دعمت سورية إيران بينما دعم الأردن العراق.

كان الأردن منذ حقبة مديدة طرفاً فاعلاً ومؤثراً في العالم العربي والمجتمع الدولي على نحو يفوق مايتيحه له حجمه وموارده، بفضل وجهات نظره المعتدلة وسياساته الاستباقية التي تنصبُّ على الدبلوماسية، وهو الدور الذي لم تستطع سورية قبوله البتة. فقد كانت دمشق تعتبر أن عمان مستقلة جداً عن موقف سورية التي نصّبت نفسها زعيمة للخطاب القومي المعادي للغرب في العالم العربي.

ومع ذلك، فإن حقيقة أن سورية والأردن جاران تربطهما علاقات تجارية كبيرة، يعني أن البلدين حريصان على عدم زعزعة العلاقة بينهما كي لاتصل إلى نقطة اللاعودة .

خلال الأشهر الأولى من الانتفاضة السورية، عندما بدا أن نظام الأسد يواجه خطر الإطاحة به، اتَّخذ الأردن موقفاً علنياً جريئاً ضد الرئيس السوري. وقد تعزّزت هذه الخطوة بسبب موقف المملكة العربية السعودية، الحليف السياسي والمالي القوي الداعم للحكومة الأردنية، المناهض للأسد. يومها بدا أن قوىً أكثر اعتدالاً وأقل ودّية تجاه إيران وحزب الله وحماس ستحلّ قريباً محلّ نظام البعث، وستكون سياساتها أقرب إلى سياسات المحور الأردني - السعودي. وبدا أن دور سورية باعتبارها طرفاً مُفسِداً للسياسات المعتدلة التي تتبعها العديد من الحكومات العربية الأخرى قد وصل إلى خواتيمه أخيراً.

غير أن آمال عمان المرتفعة بحدوث تغيير ديمقراطي في دمشق كانت قد تبخّرت منذ فترة غير قصيرة. فصمود النظام السوري (والذي عزّزه الدعم الضخم الذي تقدمه روسيا وإيران وحزب الله) وعسكرة وتطرّف المعارضة، أنتجا حالة من الجمود المؤلم والقاسي. كان تدمير الأرواح والممتلكات هائلاً.

كما خلق الصراع مشكلة لاجئين باتت تمثّل مصدر قلق بالغ لجيران سورية، ولاسيّما الأردن ولبنان. فوفقاً للتقديرات الرسمية، أصبح هناك أكثر من 1.3 مليون لاجئ ومقيم سوري في الأردن اعتباراً من أيار/مايو 2014، يشكّلون حوالى 15 في المئة من إجمالي سكان البلاد. ويعيش 150 ألفاً من هؤلاء اللاجئين في مخيمات في شمال البلاد، في حين يتوزّع بقية السوريين في أرجاء الأردن في ظل رقابة حكومية طفيفة. وتضمّ بعض المدن الأردنية التي تقع على الحدود السورية، مثل المفرق والرمثا، حالياً أعداداّ من السوريين تفوق أعداد الأردنيين.

يفاقم التحوّل في التوازن بين الأردنيين واللاجئين التوتّر بين المجموعتين، ولاسيّما أنهما تتنافسان على الوظائف والموارد الشحيحة مثل المياه. ويواجه الأردن ظروفاً اقتصادية صعبة، بما في ذلك معدّلات بطالة رسمية تصل إلى حوالى 12 في المئة. وقد وصل العجز في الميزانية، مع الأخذ بعين الاعتبار العجز بسبب دعم الطاقة، إلى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتتفاقم هذه التحدّيات الاقتصادية مع ارتفاع أعداد اللاجئين.

بطبيعة الحال، الأردن ليس غريباً على مسألة اللاجئين. وستطرح هذه القضية على المدى الطويل مشاكل ديموغرافية وسياسية خطيرة في البلاد. في أعقاب الحرب في العراق، والتي بدأت في العام 2003، لم يَعُد السواد الأعظم من أكثر من 200 ألف عراقي فرّوا إلى الأردن إلى وطنهم، حتى بعد أن خفّت حدّة الصراع. وبالمثل، يبدو من المرجّح أن يبقى اللاجئون السوريون في الأردن في المستقبل المنظور، وهو ماسيرهق موارد البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، كانت الدولة تجهد منذ عقود لتحديد من هو الأردني، بسبب تدفّق اللاجئين الفلسطينيين الذين تم منحهم الجنسية الأردنية بعد حرب العام 1948 مع إسرائيل. وبوجود عدد كبير من السوريين والعراقيين في الأردن – والذين يشكّلون حوالى 20 في المئة من مجموع السكان - أصبحت مشكلة اللاجئين أكثر تعقيداً.

كما أصبح صعود القوى السلفية المتطرّفة في سورية مصدر قلق، لأن وجود نظام سوري متطرّف جديد على حدود الأردن من شأنه أن يشكّل تهديدات خطيرة للأمن الأردني. وتسعى عمان بالفعل للتعامل مع صعود الحركة السلفية داخل أراضيها، والعديد من العناصر الأكثر تطرّفاً في البلاد يقاتلون في سورية. ولذا، فإن عودة أي من هؤلاء المقاتلين ستطرح تحدّيات إضافية على البلاد وتساعد في زيادة تطرّف الحركة السلفية الأردنية.

كما أدّى تزايد قوى المعارضة الراديكالية المتحالفة مع تنظيم القاعدة في سورية، إلى تقليص ماكانت في السابق أغلبية كبيرة من الأردنيين الذين يؤيّدون المعارضة السورية. وفيما لاتزال آراء غالبية كبيرة من الأردنيين سلبيةً للغاية حيال الأسد، من الممكن القول أيضاً إن عدداً متزايداً من الأردنيين لم يَعُد يؤيّد إطاحته، خوفاً مما سيحصل بعد ذلك.

على الرغم من أن نهاية سريعة للصراع من شأنها أن تساعد في معالجة هذه المشاكل، لايمكن للأردن تحمّل سيناريو يفوز فيه الأسد، لأنه حينها سيتّخذ موقفاً سياسياً واقتصادياً أكثر عدائية تجاه عمان. فالعلاقة الاستراتيجية بين الأردن والمملكة العربية السعودية والغرب، فضلاً عن خلافاته مع النظام السوري، تجعل المصالحة مع الأسد مستحيلة تقريباً. والواقع أن نظام الأسد اتّهم الأردن علناً وبصورة متكرّرة بتدريب مقاتلين مناهضين له على أراضيه.

يبدو أن الرهان الأفضل بالنسبة إلى الأردن يتمثّل في المجاهرة علناً عن حياده، في حين يدعم بهدوء تسريع وتيرة عملية من شأنها أن تستبدل نظام الأسد الحالي بعناصر معتدلة من داخل الحكومة السورية والمعارضة. صحيح أن هذا الهدف أثبت أنه صعب حتى الآن بالنسبة إلى بلدان أقوى وأكثر تأثيراً من الأردن، غير أنه ليست لدى عمان خيارات أخرى سوى سياستها الحالية الغامضة.