هذا المقال جزء من سلسلة مقالات تتناول الديناميكيات العالمية للصراع السوري، ويحلّل من خلالها خبراء كارنيغي من أنحاء العالم كافة المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية التي تدخل ضمن الحرب الأهلية المتواصلة في سورية. يمكنكم الاطلاع على السلسلة كاملةً هنا.

قليلة هي البلدان التي قد تخسر جرّاء انهيار نظام بشار الأسد في سورية أكثر من جمهورية إيران الإسلامية حليفه الإقليمي الوحيد. فعلى الرغم من تعرّضها إلى عقوبات اقتصادية مرهقة بسبب طموحاتها النووية، أثبت دعم طهران المالي والعسكري الثابت أنه حيوي لاستمرار بقاء الأسد. بالنسبة إلى طهران، لايتعلق الصراع السوري ببساطة بمن يسيطر على دمشق، بل هو يمثّل في نهاية المطاف بؤرة صراع إيديولوجي وطائفي وجيوسياسي أوسع نطاقاً ضد مجموعة متنوّعة من الأعداء، بمن فيهم الجهاديون المتطرّفون السنّة ودول الخليج العربية وإسرائيل والولايات المتحدة.

ويمثّل التحالف بين إيران وسورية شراكة استراتيجية بين نظامين استبداديين، أكثر منه رابطة عضوية بين دولتين. وعلى الرغم من التناقض الإيديولوجي بين النظام البعثي العلماني في سورية وجمهورية إيران الإسلامية، أدّى الازدراء المشترك لعراق صدام حسين في البداية إلى جمع الدولتين في العام 1980، وساعد الخوف المشترك من الولايات المتحدة وإسرائيل وكرههما في تعضيد هذا التطابق في المواقف.

بالإضافة إلى كونها حليف إيران الثابت الوحيد منذ العام 1979، وفّرت سورية لطهران، في عهد بشار الأسد ووالده الراحل حافظ، رابطاً جغرافياً حيوياً مع ميليشيا حزب الله الشيعية اللبنانية، والتي يُعتبَر تأسيسها واحداً من أبرز إنجازات حكومة إيران بعد الثورة. وتُعَدّ سورية وحزب الله عنصرين حاسمين في مايسمّى محور إيران لمقاومة الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يُعتقًد أن جزءاً كبيراً من أسلحة حزب الله يأتي من إيران عبر مطار دمشق. وبالتالي فمن دون الأسد، يمكن لتلك الرابطة أن تنقطع.

كما تشعر إيران بقلق بالغ إزاء الآثار الجيوسياسية لتغيير النظام في سورية. فالأغلبية الساحقة من سكان سورية هم من العرب السنّة، على الرغم من أن العلويين هم الذين يحكمون البلاد حالياً. ونظراً إلى انتشار المشاعر المعادية للشيعة والفرس بين المتمرّدين في سورية، تخشى طهران من أن يحكم دمشق بعد الأسد نظام طائفي منحاز للقوى العربية السنّية الأكثر ثراءً، مثل المملكة العربية السعودية، ويكون معادياً لإيران الشيعية. وقد حدت هذه العوامل بإيران أيضاً إلى دعم الأسد بإصرار.

وفيما لايمكن إنكار دور إيران الكبير جداً في سورية، فإن من المستحيل معرفة الحجم الدقيق للمساعدة المالية والعسكرية التي تقدمها طهران إلى نظام الأسد. فقد قدّمت إيران منذ فترة طويلة النفط المدعوم لسورية، غير أن السخاء المالي الإيراني ازداد بشكل كبير منذ بدء القتال في العام 2011. وفي حين أكدت وسائل الاعلام الرسمية في كلا البلدين أن إيران قدّمت إلى سورية أكثر من 4 مليارات دولار على شكل ائتمان (ظاهرياً "لتمويل شراء البنزين والمنتجات المرتبطة به")، تفيد تقديرات غير مؤكَّدة بأن إيران تعطي سورية حوالي 700 مليون دولار أميركي شهرياً.

بالتعاون مع حزب الله، توفّر إيران لسورية المساعدات العسكرية والتدريب الاستخباراتي لمساعدتها في سحق التمرّد. في حزيران/يونيو 2013، لعب مقاتلو حزب الله - يُقدَّر عددهم بحوالي 5 آلاف في سورية - دوراً حاسماً في استعادة السيطرة على بلدة القصير الحدودية الاستراتيجية. ويقال إن طهران ساعدت أيضاً على تأسيس جماعة سورية شبه عسكرية قوامها 50 ألف رجل تعرف باسم الجيش الشعبي لمساعدة القوات الحكومية السورية.

وعلى غرار المواقع الاستراتيجية الإيرانية الأخرى في البلدان التي تمرّ باضطرابات، مثل العراق وأفغانستان، فإن جناح النخبة في قوات الحرس الثوري الإسلامي، المعروفة باسم قوة القدس، وليس وزارة الخارجية الإيرانية، هو الذي يشرف على أنشطة طهران في سورية. وقد ذهب رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب، الذي انشق في آب/أغسطس 2012، إلى ماهو أبعد من ذلك عندما قال: "سورية محتلّة من جاب النظام الإيراني. الشخص الذي يدير البلاد ليس بشار الأسد ولكن [قائد قوة القدس] قاسم سليماني". ويقال أيضاً إن الحرس الثوري دعم برنامج الأسلحة الكيميائية في سورية من خلال تزويد البلاد بعلماء ومعدات ومواد كيميائية إيرانية.

في حين ساعد السخاء الإيراني في الحيلولة دون انهيار نظام الأسد، ربما يكون من الصعب على طهران تحمّل الأعباء المالية للصراع الذي طال أمده في سورية. فقد دمّرت العقوبات الدولية الصارمة إنتاج وصادرات النفط الإيرانية التي تمثّل شريان حياتها الاقتصادية. وفي ظل غياب اتفاق نووي شامل يقلّص العقوبات الاقتصادية ويسمح لإيران بالوصول إلى النظام المصرفي العالمي مرة أخرى، سيخضع الدعم المالي الذي تقدمه طهران إلى نظام الأسد إلى مزيد من التدقيق في الداخل الإيراني من جانب السكان الذين يرزحون تحت وطأة الضغوط الخارجية وسوء الإدارة الداخلية.

الصراع الذي طال أمده في سورية سيستمر أيضاً في التسبب بأضرار كبيرة لسمعة إيران في أرجاء العالم العربي كافة ذي الأغلبية السنّية. وفي حين كانت إيران الشيعية الفارسية قادرة في السابق على تجاوز الانقسامات العرقية والطائفية من خلال استمالة الغضب الشعبي العربي ضد السياسات الأميركية والإسرائيلية، ينظر العرب السنّة إلى إيران اليوم، وعلى نحو متزايد، باعتبارها طرفاً فاعلاً جنائيّاً وطائفياً ومتواطئاً في قتل وتشريد الملايين من السوريين. وقد عانى حزب الله من مصير مماثل بسبب دعمه للأسد.

أنعش الرئيس الايراني حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف الآمال في حدوث انفراج نووي. غير أن السؤال يبقى مطروحاً في ما إذا كان الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 (التي تتألف من الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا) سيجعل طهران أكثر أو أقلّ قابلية للمساومة على دعمها للأسد من أجل تحقيق انفراج دبلوماسي في سورية.

مامن شك في أن طهران سترحب بحدوث انفراج يوقف استنزاف مواردها المالية وسمعتها، في الوقت الذي يحافظ فيه على مصالحها. في هذا السياق، دعا بعض الإيرانيين المقرَّبين من روحاني إلى إيجاد "كرزاي سوري" لتوحيد القوى المتباينة التي لها مصالح في سورية، أي سياسي عربي سنّي يحظى بالقبول من طهران وواشنطن والنظام السوري والمعارضة السورية. ونظراً إلى تضارب المصالح بين هذه الجهات، فقد ثبت أن العثور على مثل هذا الشخص الذي يحظى بالإجماع مهمة مستحيلة كما هو متوقّع.

رفضت طهران أيضاً الجهود الدولية التي تدعمها الأمم المتحدة، بما في ذلك مايسمى بيان جنيف، لوقف القتال في سورية من خلال تشكيل حكومة انتقالية. إذ لايمكن للقوى الخارجية، سواء الولايات المتحدة أو وروسيا أو دول في العالم العربي، أن تقدم لطهران تأكيدات بأن أي حكومة في حقبة مابعد الأسد في سورية ستراعي المصالح الإيرانية.

على الرغم من خطاب روحاني وظريف الأكثر تصالحية، لم تظهر طهران حتى الآن أي تحوّلات ملحوظة في سياساتها الإقليمية الثابتة. وفي حين انتعشت الآمال مؤخّراً بحدوث انفراج محتمل بين إيران والمملكة العربية السعودية يمكنه نزع فتيل الأزمة السورية، لم يظهر أي من الجانبين أي علامات واضحة على إعادة ضبط موقفه. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى التصريحات الصادرة عن النخبة المؤثّرة في الأمن القومي الأميركي، مثل السفير الأميركي رايان كروكر الذي نال العديد من الأوسمة، والتي تقول إن الأسد هو البديل "الأقل سوءاً" للمتمرّدين "المتطرّفين"، فقد يشعر المسؤولون الإيرانيون بالثقة من أن واشنطن وحلفاءها في المنطقة سيذعنون قريباً لموقف طهران، وليس العكس.