هذا المقال جزء من سلسلة مقالات تتناول الديناميكيات العالمية للصراع السوري، ويحلّل من خلالها خبراء كارنيغي من أنحاء العالم كافة المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية التي تدخل ضمن الحرب الأهلية المتواصلة في سورية. يمكنكم الاطلاع على السلسلة كاملةً هنا.

بينما يحتدم النقاش في واشنطن حول الفرص الضائعة والعمل المطلوب في المستقبل لمعالجة الأزمة الإنسانية المتدهورة في سورية، تبدو الصين ثابتة على غير العادة في سياستها تجاه سورية. فقد ساعدت معارضة الصين للتدخّل الخارجي، من وجهة نظر بكين، وقدرتها على البقاء على الحياد، في منع التدخّل العسكري الأجنبي في سورية، في الوقت الذي تحمي مصالحها الاقتصادية الحيوية في المنطقة. وعلى الرغم من الانتقادات والدعوات لأن تلعب دوراً أكثر فاعلية، تعتقد بكين بأن تعاطيها مع الأزمة السورية سيصمد أمام اختبار الزمن.

اعتبرت الصين أن مصالحها الاقتصادية الرئيسة في الشرق الأوسط، والمتمثّلة بإمدادات للطاقة والعلاقات التجارية، ليست مهدّدة بصورة مباشرة بسبب الحرب الأهلية السورية. وبالمقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة، فإن سورية ليست منتجاً أو مصدّراً رئيساً للنفط. كما أنها ليست شريكاً استراتيجياً لبكين.

وبينما تهدّد تداعيات الصراع استقرار الدول المجاورة الغنية بالنفط، ترى الصين أن ذلك الخطر لايبرّر مخالفة مبادئ سياستها الخارجية الثابتة بعدم التدخّل. وبما أن الدروس المستفادة من ليبيا لاتزال ماثلة للعيان، فقد اعترضت الصين على جميع قرارات مجلس الامن الدولي الثلاث الهادفة إلى إدانة أو فرض عقوبات على نظام بشار الأسد، بالإضافة إلى القرار الصادر في أيار/مايو 2014 الذي يدعو إلى إحالة المزاعم بارتكاب جرائم حرب في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية.

دعت بكين، بدل ذلك، إلى التوصّل إلى حلّ دبلوماسي للصراع الذي مضت عليه ثلاث سنوات، وكانت حريصة على إبراز صورتها باعتبارها قوة كبرى ومسؤولة. وقد شاركت القوات البحرية الصينية في مرافقة ومراقبة عملية إخراج الأسلحة الكيميائية من سورية بموجب اتفاق توسّطت فيه الولايات المتحدة وروسيا، وأيّدت الصين قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2139 الذي دعا إلى زيادة فرص الحصول على المساعدات الإنسانية في سورية. وأخيراً، بذلت الصين جهوداً كبيرة لتمييز موقفها عن موقف روسيا، وإظهار أنها ليست منحازة إلى أي طرف في الصراع. وقدم وزير الخارجية الصيني وانغ يي اقتراحاً من خمس نقاط لحلّ الصراع في كانون الثاني/يناير 2014، واستضافت الصين شخصيات معارضة بارزة، مثل رئيس ائتلاف المعارضة المعترف به رسمياً، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أحمد الجربا في نيسان/أبريل 2014 ووفداً من ملتقى الحوار الوطني في أيلول/سبتمبر 2013.

مع ذلك، لم تخلُ سياسة عدم التدخّل الصينية من المشاكل. فمع استمرار الصراع، أعرب الزعماء الصينيون عن قلقهم المتزايد من أن تصبح سورية أرضاً خصبة للإرهاب الموجّه ضدّ الصين. وألقى المسؤولون الصينيون باللائمة على قوى المعارضة لتدريبها المتطرّفين من عرقية اليوغور. وهم إلى ذلك قلقون من أن استمرار الصراع السوري سيؤثّر على الأمن الداخلي في الصين ويؤدّي إلى انتشار الإرهابيين في مقاطعة شينجيانغ.

تسببت معارضة بكين لاتخاذ أي إجراء في الأمم المتحدة أيضاً في توتير علاقاتها الثنائية مع دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية، التي دعمت جماعات المعارضة السورية. في العام 2012، وجّه العاهل السعودي الملك عبدالله انتقادات نادرة وحادّة لاستخدام الصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد تم وقف المفاوضات الثنائية، بما فيها تلك المتعلقة بإقامة منطقة تجارة حرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، ما أدّى إلى شعور القيادة الصينية بالقلق. ولكن منذ ذلك الحين، يعتقد الباحثون الصينيون أن دول الخليج قد فهمت، لابل تقبّلت، الأسباب الكامنة وراء التزام الصين القوي بمبدأ عدم التدخّل ورفضها الانخراط بصورة أكثر قوة في سورية. وخلال الجولة الرسمية التي قام بها رئيس مجلس الدولة السابق ون جيا باو في منطقة الخليج في العام 2012، على سبيل المثال، أعربت جميع البلدان عن رغبتها في زيادة أوجه التعاون مع الصين. وفي آذار/مارس 2014، زار ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الصين، وكانت اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي أحد الموضوعات الرئيسة على جدول الأعمال.

يرى الكثيرون في بكين أن هذه التطورات أكّدت صحّة المقاربة الصينية تجاه الصراع السوري. كما يرون أن الصين تمكنت من توسيع وجودها الاقتصادي في الشرق الأوسط من دون تجشّم مخاطر دبلوماسية لا لزوم لها أو مخالفة المبادئ الراسخة لسياستها الخارجية. ووفقاً لكثير من الباحثين الصينيين، حَدَت مثل هذه التطمينات، بالجيل الجديد الأكثر ثقة بالنفس من القادة في الصين إلى معارضة التحركات الغربية في سورية بقوة أكبر والدفاع عن السياسات الصينية في مواجهة الانتقادات الدولية.

ومع ذلك، حثّ خبراء آخرون الصين على ألا تخطئ تقدير قوة جذبها الاقتصادية باعتبارها قبولاً دولياً لسياستها الخارجية. وعلى الرغم من أن لدى أعضاء المجتمع الدولي مصلحة قوية في الحفاظ على علاقات تجارية جيدة مع ثاني أكبر اقتصاد وأكبر سوق استهلاكية في العالم، فإن الكثير من الدول تتطلّع الآن الى الصين للعب دور قيادي أكبر في العمل على حلّ الصراع السوري يتناسب مع ثقل الصين الاقتصادي.

وعلى غرار الصين، يفضّل المجتمع الدولي أيضاً التوصّل إلى حلّ سياسي للصراع السوري، ولكن نظراً لفشل مبادرات السلام، يبدو التوصّل إلى حلّ مستبعداً جداً على المدى القريب. وتحرص القيادة الجديدة في بكين على أن يتم احترام الصين كقوة عظمى على المسرح العالمي. ولكن هل يمكن للدعوة إلى الحوار وانتقاد مقاربات القوى الكبرى الأخرى أن تؤمّن للصين الاحترام الذي تسعى إليه؟

أصبحت الصين كبيرة وغنية ومترابطة دولياً على نحو لايتيح لها الاستمرار في ترك العمل الدبلوماسي الشاق للقوى الكبرى الأخرى، في حين تركّز فقط على التحدّيات الداخلية التي تواجهها. إذ ستحتاج بكين، بشأن هذه القضايا وسواها من القضايا العالمية، إلى التطلّع إلى الداخل وتسأل نفسها: ماهو الحلّ الفعّال والبنّاء الذي يمكن أن تقترحه الصين ويساعد في تغيير هذا الوضع؟

أما بشأن سورية، فإن للصين دوراً بارزاً في مساءلة الأسد عن استخدام الأسلحة الكيميائية وذبح شعبه وزعزعة استقرار المنطقة التي تتزايد أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى بكين. وفيما تواصل الصين رحلة الصعود إلى الزعامة العالمية، سوف يتطلّع المجتمع الدولي إليها بصورة متزايدة كي تبدأ في تطوير أفكارها وحلولها المبتكرة للتحدّيات العالمية، وثم عرضها كي يتم تدارسها من جانب المجتمع الدولي ومن ثم يتبنّاها. فالخطاب القوي واستخدام حق النقض (الفيتو) لن يكون كافياً.