يبدو أن المطلوب من المصريين راهناً أن يقايضوا مرةً أخرى حرياتهم السياسية بالأمن والاستقرار، ولكن الإطباق المتصاعد على الحقوق الجوهرية يغفل موضوعاً أساسياً وهو أن الامن والاستقرار لن يتحققا من دون حرية.

فالمحاكمات القضائية التي أُجريَت مؤخراً تشير إلى تفاقم المنحى السلطوي باسم الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وقد نددت منظمات حقوقية دولية ووطنية عدة بأحكام السجن المديدة التي صدرت في حق ناشطين سياسيين وصحافيين معروفين، وأيضاً أحكام الإعدام التي صدرت بالجملة. فهذه المنظمات تعتقد أن المحاكمات التي أدت إلى تلك الأحكام كانت مسيَسةً ومشوبةً بالأخطاء، وتشكل انتهاكاً فاضحاً للحريات الأساسية، بما في ذلك حريتَا التعبير والتجمع واحترام الأصول القانونية والحق في محاكمة عادلة.

مهى يحيَ
يحيَ مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على المواطنة، التعددية والعدالة الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات العربية.
More >

ترافقت هذه الأحكام مع إصدار قانون قاس مناهض للاحتجاج، ومع بروز معلومات عن تعرض مصريين إلى الاخفاء والتعذيب في سجن العزولي، وتفاقم الحملة الممنهجة التي شنت حتى على مبادرات المجتمع المدني ذات البرامج الاجتماعية، إضافة إلى حملات تشهير علنية منهجية ضد ناشطين ونقاد. وأشارت منظمات حقوق الإنسان إلى سجن ما بين 16000-41000 شخص خلال السنة الماضية وحدها.

الواقع أن إرساء الأمن والاستقرار لا يتحقق بالسجون والقوانين المناهضة للاحتجاج، كما تُظهِر تجارب بلدان أخرى مثل إسبانيا مابعد حكم فرانكو وجنوب أفريقيا ما بعد مرحلة الفصل العنصري. فضمان الأمن والاستقرار على المدى الطويل يتطلب سياسات شاملةً للجميع وحواراً مفتوحاً يجمع المصريين من مختلف الأطياف. وسيدفع إغلاق المجال السياسي أمام الجميع باستثناء الذين يتقيدون بالتوجه الرسمي، مَن يتعرضون للإقصاء إلى البحث عن وسائل ومساحات بديلة للتعبير عن عدم رضاهم. وربما تكون سلسلة التفجيرات التي وقعت في القاهرة، في 25 و30 حزيران (يونيو) تعبيراً عن ذلك.

كما ستؤدي الممارسات الإقصائية والقمعية إلى تواصل اللاستقرار السياسي، ما سيقوض بدوره ثقة المستثمرين، ويُضعِف الانتعاش المنتظَر في السياحة التي تُعَد أحد القطاعات الاقتصادية الأساسية في مصر. وهذا الأمر ستكون له تداعيات في المديين القصير والبعيد.

تؤدي هذه الممارسات أيضاً إلى تعميق الشقاق بين المصريين وزيادة الاستقطاب السياسي. ويستند تبرير هذه الممارسات إلى تطورَين مترابطَين في المجال العام. الأول هو الشعور بالصدمة الذي يبديه المصريون من مختلف الأطياف حيال فترة حكم الإخوان المسلمين برئاسة محمد مرسي. ويتراوح وصفُ هذه الصدمة، كما عُبِر عنها في عدد من المقابلات التي أجرتها كاتبة هذه السطور في أيار (مايو) 2014، بين التشديد على أن الإخوان «سعوا إلى تغيير الهوية المصرية» وأنهم «وضعوا سكيناً على أعناقنا»، والقول إنه «كان عاماً من الحكم الاستعماري». أما الاتجاه الثاني فهو الحس القوي بالهوية الوطنية والفخار الوطني الذي يتشاطره معظم المصريين. وكان الدفاع عن هذه الهوية الموضوع المحوري للنقاشات العامة في الفترة التي سبقت إطاحة الرئيس مرسي، وهو لا يزال كذلك. وقد تعززت هذه المشاعر مع تواصل الحديث عن الحاجة لاستعادة هيبة الدولة بعد سنوات ثلاث من الاحتجاجات.

بيد أن الهوية الوطنية أكثر تعقيداً من العواطف الوطنية التي تسود مصر حالياً. فغالباً ما يقوم بناء الأمة على السرديات والمبادئ التي يمكن أن توحد مجتمعات بكاملها وتحدد الذات والآخر. وغالباً ما تكون هذه المبادئ مكرسةً في دستور البلد. أما السردية والمبادئ التي تدعم الوحدة الوطنية المصرية كما وردت في دستور البلاد الذي عُدِل مؤخراً، فهي المساواة بين المواطنين، والعدالة، وتكافؤ الفرص، والتعددية. كما أن هذا الدستور يضمن الحق في الاحتجاج السلمي وحرية التعبير.

والحال أن الأمن والاستقرار على المدى الطويل يتطلبان سياسات شاملةً للجميع تعتبر المصريين كافةً جزءاً من هذه السردية، وتضمن استفادة كل الفئات من مكاسب الاستقرار السياسي والتنمية. وكانت شعارات الانتفاضة المصرية، الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، تعكس مطلباً حقيقياً لملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع، بمعزل عن انتماءاتهم السياسية، سعياً إلى حياة أفضل.

أما على الجبهة السياسية، فهذا يعني دعم الحقوق والحريات الأساسية المكرسة في الدستور، وتنفيذ المراجعات المؤسساتية والدستورية، ووضع الأطُر التشريعية الضرورية لدعم عملية إنفاذ هذه الحقوق.

إضافة إلى ذلك، تواجه مصر اليوم تحديات اجتماعية-اقتصادية هائلة، مثل العجز المالي المتزايد بسرعة كبيرة، والدَين الوطني المتنامي، والتضخم المالي. هذا ومنذ 2011 يعيش أكثر من 25 في المئة من المصريين تحت خط الفقر، ولا يحظى أكثر من 17 في المئة منهم بوصول آمن إلى الغذاء، في حين يعاني ما يزيد على 31 في المئة من الأطفال من التقزم نتيجة سوء التغذية. لذلك، تتزايد الحاجة إلى برامج الحماية الاجتماعية التي تدعم المواطنين وتمكنهم اقتصادياً، في وقت يبدو الحيز المالي لدعم توسع هذه البرامج محدوداً للغاية.

وتعني السياسات الاقتصادية الشاملة للجميع إدراج المبادئ الأساسية للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمشاركة في قلب السياسات الاقتصادية كافة، بما في ذلك الخطط الراهنة لتحفيز الاستثمارات ومعالجة التكاليف المتزايدة للمعونات الحكومية وإصلاح النظم الضريبية. وتشمل أيضاً تأمين الحاجات المتزايدة للمواطنين الأكثر انكشافاً للعوز، حتى في الوقت الذي يجري فيه النظر في المراجعات الأمثل للبنية الحالية لخطط الحماية الاجتماعية. كما تعني إعادة النظر في الأطُر التشريعية التي تشجع رأسمالية المحسوبيات في مختلف قطاعات البلاد.

لمعالجة التحديات التي تواجهها البلاد في شكل بناء، ثمة حاجة اليوم إلى ذهنية أو منهجية مغايرة تعتبر المواطنين المصريين والجمعيات التي تمثلهم شركاء أساسيين في تصميم مستقبل البلاد ووضعها على مسار سياسي واقتصادي أكثر استقراراً. فلا ينبغي أن يخيَر المصريون بين الحرية وبين الاستقرار والأمن. وللمضي قدماً، يمكن للرئيس عبدالفتاح السيسي أن يدعو إلى حوار وطني حول ترجمة مبادئ الدستور الأساسية إلى برامج ومؤسسات وأطُر تشريعية قابلة للتطبيق، وحول أطُر التعامل الممكنة مع الأولويات والتحديات الراهنة والمقبلة واستشراف الفرص الناتجة منها. ومن شأن هذا الحوار أيضاً أن ينظر في المقايضات السياسية المطلوبة لمعالجة التحديات الاجتماعية-الاقتصادية الصعبة، وتلبية الحاجات المتزايدة للفئات السكانية الضعيفة، وتطبيق الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية المطلوبة لوضع البلاد على مسار التنمية المستدامة.

ينبغي أن يجري هذا الحوار على صعيد وطني وضمن إطار زمني متفق عليه، وأن يشمل كل الفئات السياسية والاجتماعية البارزة في البلاد. كما يجب أن يجلس إلى طاولة الحوار ممثلون عن القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، من ضمنها النقابات العمالية وغيرها. ويمكن لشراكة من هذا النوع أن تساعد الدولة المثقلة بالأعباء على تلبية حاجات سكانها المتزايدة، وإطلاق عملية مصالحة وطنية طويلة الأمد، ومد الجسور بين مختلف قطاعات المجتمع. وقد تساعد هذه الخطوة على استباق اضطرابات مستقبلية، كما من شأنها أن تظهر أن الدولة تؤمن بالمواطنين المصريين باعتبارهم شركاء متكافئين في مستقبل البلاد. وسيشكل هذا المسار غير المطروق حالياً كل الفرق بالنسبة إلى مستقبل مصر والتحول السياسي في أرجاء المنطقة العربية كافة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.