عندما تعهّد الرئيس الأميركي باراك أوباما في الثامن عشر من آب/أغسطس باتّباع استراتيجية طويلة المدى لتحويل مجرى الأحداث ضد الإرهابيين الجهاديين في العراق، في إطار العمل مع الشركاء الرئيسين في المنطقة وخارجها، ربما كانت مصر أحد الشركاء الذين أخذَهم في الحسبان. ففي اليوم نفسه، استشهدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية ماري هارف بمكافحة الإرهاب باعتبارها "مصلحة استراتيجية متداخلة" بين الولايات المتحدة ومصر. وردّاً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة لاتزال تعتبر أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقود عملية تحوّل ديمقراطي على الرغم من انتهاكات حقوق الإنسان (مثل تلك التي ذكرت في تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأخير)، أجابت هارف: "نعم، هو يقوم بذلك".

من الناحية الظاهرية، قد يبدو موضوعا مكافحة الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان منفصلين. والأمر المؤكّد هو أن المسؤولين الأميركيين يتعاملون معهما على هذا النحو. فهم يتوقّعون أن يكون السيسي حليفاً مفيداً في مكافحة الإرهاب، بينما يأسفون أحياناً إلى القمع وانتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها. ولكن لو أمعنّا النظر في الأمر، لوجدنا أن ثمّة صلة أساسية بين الموضوعين. فالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان تهدّد بدفع المصريين الذين يشعرون بالنفور إلى أحضان الجماعات المتطرّفة، فضلاً عن خلق شريحة أوسع من المجتمع غير راغبة في مساعدة الجيش أو الشرطة في إلحاق الهزيمة بهذه الجماعات. كما أن تأييد الولايات المتحدة للسيسي باعتباره زعيماً ديمقراطياً - التقطت وسائل الإعلام المصرية تعليقات هارف على الفور - يشجعه على مواصلة الانتهاكات وينشئ تواطؤاً يُحتمل أن يكون خطراً على الأميركيين.

ميشيل دنّ
ميشيل دنّ هي باحثة أولى في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على التغييرات السياسية والاقتصادية في البلدان العربية، وخصوصاً في مصر، وعلى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
More >

من بين العوامل المختلفة التي تنفّر الكثير من المصريين وتجعلهم أكثر عرضة إلى التطرّف تبرز بضعة عوامل. من بين تلك العوامل الانتهاكات المتعلقة بالاعتقالات واسعة النطاق التي جرت منذ انقلاب صيف العام 2013 ضد الرئيس آنذاك، محمد مرسي، وعدم المساءلة عن جرائم القتل، واستبعاد معظم الإسلاميين من ممارسة السياسة والحياة العامة، والأساليب الوحشية المستخدمة في منطقة سيناء المهمّشة. لذا، يجب على المسؤولين الأميركيين إيلاء هذه المشاكل اهتماماً كبيراً لأن مصر قد تكون في صدد تأجيج الإرهاب بوتيرة أسرع من محاربتها له.

نظام الظلم الجنائي 

أدّت الحملة الضخمة التي شنّتها الحكومة ضد الإخوان المسلمين والمعارضين الآخرين منذ انقلاب العام 2013 إلى ازدياد غير مسبوق في الاعتقالات السياسية، التي ارتبطت بها مجموعة من المشاكل تمثّلت في الاكتظاظ والظروف القاسية، والتعذيب، والمحاكمات الجماعية من دون توفّر الحدّ الأدنى من العدالة، والاعتقال لفترات طويلة من دون مراعاة الإجراءات القانونية السليمة. تنطوي كل هذه التطورات على احتمال تحويل المعتقلين، ومنهم الكثير من الشباب، إلى متطرّفين.

حجم المشكلة كبير جداً. إذ تُقدّر "ويكي ثورة"، وهي مبادرة أطلقها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حاولت جمع إحصاءات شاملة عن انتهاكات حقوق الإنسان منذ إطاحة حسني مبارك في كانون الثاني/يناير 2011، أن 36478 مصرياً قد اعتقلوا أو اتُّهموا بالمشاركة في أحداث سياسية (مثل الاحتجاجات) بين 3 تموز/يوليو 2013 و15 أيار/مايو 2014. هذا واعتُقل 1714 شخصاً آخر أو اتهموا بالإرهاب. ولم تتمكّن جماعات حقوق الإنسان من تحديد عدد المعتقلين الذين لايزالون خلف القضبان. وثمّة عدد غير معروف من المصريين معتقلون من دون تهمة، وتشمل الحالات البارزة التي تم كشف النقاب عنها، مستشار مرسي السابق خالد قزاز، والمصوّر الصحافي محمود أبو زيد.

يبدو أن التعذيب، الذي يمثّل مشكلة طويلة الأجل في مصر استمرّت حتى بعد انتفاضة العام 2011، منتشر في الوقت الحالي. وفقاً لبيان مشترك صادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية، إن "تزايد التقارير التي تتحدث عن التعذيب وضروب سوء المعاملة الأخرى ضد المعتقلين يعود بالذاكرة إلى أكثر الفترات عنفاً في عهد حسني مبارك". في أحد الأمثلة البارزة، وثَّقت منظمة العفو الدولية وصحيفة الغارديان تقارير عن حوالى 400 مصري اختفوا وعُذِّبوا بوحشية من جانب قوات الأمن في منشأة واحدة يديرها الجيش. ومنذ تموز/يوليو 2013، لقي 80 سجيناً على الأقل حتفهم أثناء احتجازهم على ذمة التحقيق لدى الشرطة في كل أنحاء البلاد، وغالباً ماظهرت علامات التعذيب على جثث الضحايا.

في غضون ذلك، السجون مكتظة بصورة خطيرة، ولايتم توفير حتى أبسط وسائل الراحة أو الرعاية الصحية للسجناء. وقد أدّت الظروف القاسية إلى قيام المعتقلين بأعمال شغب وبإضرابات عن الطعام، قمعتها قوات الأمن بعنف.

للتعامل مع العدد الكبير من المعتقلين، أنشأ نظام المحاكم دوائر خاصة وعقد محاكمات جماعية. وهذا يؤكّد المدى الذي مضى إليه القضاء كمشارك طوعي في أعمال القمع العام الماضي.

إضافة إلى أحكام الإعدام المؤقتة التي احتلت العناوين الرئيسة لوسائل الإعلام العالمية، بحق 683 متهماً في نيسان/أبريل 2014 و529 متهماً في آذار/مارس، والتي صدرت في قضيتين فقط، كان هناك العديد من المحاكمات الأخرى التي أدين فيها عشرات أو مئات المتهمين بارتكاب جرائم، مثل التظاهر من دون ترخيص أو القيام بأعمال شغب أو الانتماء إلى منظمة محظورة مثل جماعة الإخوان المسلمين. وتضمّ إحدى عيّنات الأحكام الأخيرة التي أصدرها القضاة المصريون 54 من أنصار مرسي حُكِم عليهم بالسجن مدى الحياة، و25 من النشطاء العلمانيين، بمَن فيهم علاء عبد الفتاح، الذي حُكِم عليه غيابياً بالسجن خمسة عشر عاماً. تم تأكيد الأحكام الصادرة بالإعدام على 183 من أنصار مرسي، وأدانت محكمة 238 من أنصار الإخوان بأحكام تتراوح بين السجن لسنة والسجن مدى الحياة. وهناك محاكمات جماعية أخرى لاتزال جارية، بما في ذلك محاكمة 494 من أنصار مرسي على خلفية اشتباكات جرت في آب/أغسطس 2013 بالقرب من مسجد الفتح.

شهدت مصر سياسات قاسية مماثلة في الماضي وكانت لها عواقب وخيمة. في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تم اعتقال عشرات الآلاف وتعذيبهم في سجون عبد الناصر العنيفة، بمَن فيهم الكثير من جماعة الإخوان المسلمين. وقد أدّت تلك التجربة إلى تحوّل بعض الإسلاميين المسجونين إلى متطرّفين، وساهمت في تطوير الفكر الجهادي الذي يدعم تنظيم القاعدة، وحدوث انقسام في جماعة الإخوان بين مَن يعارضون استخدام العنف، وبين مَن يدعون إليه. وثمّة أسباب كافية للخوف من أن يحدث الأمر نفسه الآن.

غياب المساءلة 

إضافة إلى المحاكمات الجماعية والانتهاكات التي تحدث في السجون، تهدّد التكتيكات القاسية التي تستخدمها قوات الأمن أيضاً بتحوّل المزيد من السكان إلى التطرّف. فقد قتل أكثر من 2500 من المصريين في التظاهرات والاشتباكات التي جرت منذ منتصف العام 2013. حدثت معظم هذه الوفيات في الصيف والخريف الذي أعقب إطاحة مرسي، ولكن يستمر اليوم قتل المتظاهرين بصورة منتظمة على يد قوات الأمن، على الرغم من تقلّص الاحتجاجات بسبب القمع.

مع ذلك، لم تكن هناك أي عدالة انتقالية أو آلية أخرى لمساءلة ضباط الشرطة والجيش عن أفعالهم. ولم يتم استدعاء أي منتسب إلى قوات الأمن لمساءلته عن أعمال العنف التي أعقبت إطاحة الرئيس مرسي، بما في ذلك مذبحة رابعة في آب/أغسطس 2013، والتي استخدمت فيها القوة المميتة لتفريق التظاهرة، ما أدّى إلى أكثر من 1000 حالة وفاة. وفي حادث منفصل، أُدين أربعة من ضباط الشرطة في البداية على خلفية حادث قُتِل فيه 37 سجيناً بعد أن تم إطلاق الغاز المسيّل للدموع داخل سيارة شرطة، غير أنه تم إبطال إدانة الضباط في الاستئناف.

هذا الافتقار إلى المساءلة يهدّد بإشعال المزيد من العنف. إذ تشير دلائل سردية إلى أن الانتقام لأعمال القتل وسواه من الانتهاكات التي تمّت على أيدي قوات الأمن، ساهم في التطرّف وحرّض على شنّ هجمات محدّدة منذ الانقلاب. وفي ظل عدم وجود عملية حقيقية للعدالة الانتقالية ستستمر هذه المظالم في التفاقم.

لكن يبدو من المستبعد أن تتحقّق مثل هذه العملية. ففي الوقت الحالي، تواصل لجنة تقصّي الحقائق التي شكّلها الرئيس المؤقّت عدلي منصور في كانون الأول/ديسمبر 2013، للتحقيق في أعمال العنف التي وقعت بعد إطاحة مرسي، عملها، لكنها تجاوزت الموعد النهائي الأصلي المحدّد لها لإنجاز مهمتها، وأشارت إلى عدم تعاون قوات الأمن. كما لم تسفر جهود مماثلة بُذِلَت منذ عزل مبارك في العام 2011، وخلال رئاسة مرسي، عن نتائج مهمة.

استبعاد الإسلاميين والنقاد الآخرين من الحياة العامة 

منذ انقلاب تموز/يوليو 2013، استُبعِدَت جماعة الإخوان المسلمين ومعظم الجماعات الإسلامية الأخرى بصورة متزايدة عن الحياة العامة، بما في ذلك السياسة والإعلام والمجتمع المدني والتجارة. وقد أُغلِقت كل سبل التعبير السلمي تقريباً في وجهها، وكذلك في وجه منتقدي الحكومة من غير الإسلاميين.

وفي إطار حملة القمع، حظّرت محكمة مصرية جماعة الإخوان، ثم اتخذت خطوة أخرى معلنةً إيّاها منظمة إرهابية في كانون الأول/ديسمبر (مع أنها لم تقدّم أدلّة على تورّطها في عمليات إرهابية). كما جرى حلّ حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة، الذي فاز بالأغلبية تقريباً في انتخابات العام 2012 البرلمانية، ولن يتمكّن من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقرّرة في أواخر هذا العام. وفي أعقاب انقلاب العام الماضي مباشرة، أُغلِقَت القنوات التلفزيونية الإسلامية، وجرى حظر صحيفة حزب الحرية والعدالة في وقت لاحق.

كما اعتُقِل إسلاميون بارزون غير منتمين إلى جماعة الإخوان ممَّن عارضوا الانقلاب، بمَن فيهم أبو العلا ماضي وعصام سلطان من حزب الوسط المعتدل، وعاصم عبد المجيد وطارق الزمر من حزب البناء والتنمية السلفي، وحازم أبو إسماعيل، وهو سلفي ومرشّح رئاسي سابق. ومنذ ذلك الحين، توسّعت عمليات التضييق على مَن تبقّى من القيادات الإسلامية. فقد اعتقلت قوات الأمن مؤخراً قادةً من حزب البناء والتنمية وحزب الاستقلال وحزب الوسط، كانوا نشطوا في التحالف الوطني لدعم الشرعية، وهو مجموعة مظلّة تُعارِض عزل مرسي.

وضعت الحكومة قوانين جديدة لتقييد النشاط السياسي والتعبير عن المعارضة. ففي 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2013، أصدرت الحكومة المؤقّتة قانوناً يحظّر فعلياً احتجاجات المعارضة، وهو القانون الذي يشترط على المتظاهرين الحصول على إذن مسبق من الشرطة ويفرض عقوبات شديدة، بما في ذلك عقوبة السجن، على المشاركة في احتجاجات غير مصرَّح بها. وأعدّت الحكومة أيضاً سلسلة من التعديلات المتعلقة بأحكام الإرهاب في قانون العقوبات، على الرغم من أنه لم يتم بعد تشريعها بقانون. وتُوسِّع التعديلات تعريفَ الإرهاب ليشمل أنشطة سياسية سلمية، بما يتّفق مع محاولات الحكومة لتعريف المعارضة الإسلامية من جميع المشارب باعتبارها إرهاباً.

وقد تجاوزت محاولة استبعاد الشخصيات الإخوانية أيضاً المجالَ السياسيَّ لتشمل منظمات الرعاية الاجتماعية والجمعيات المهنية والشركات التجارية. استولت الحكومة على الجمعيات التابعة لجماعة الإخوان، بما في ذلك تلك التي تقدّم الخدمات الطبية والتعليمية والخيرية. وأعلنت اللجنة المكلّفة بالإشراف على العملية بأنها تولّت الوصاية على 1075 جمعية تابعة للجماعة بحلول آذار/مارس 2014. وفي الآونة الأخيرة، في حزيران/يونيو 2014، أمرت اللجنة بالاستيلاء على سلسلتين من المتاجر الكبرى التي يملكها قادة في جماعة الإخوان.

وفي حين شكّل الإسلاميون الهدف الرئيس للحملة، وجد نشطاء علمانيون معروفون تجرّأوا على انتقاد الانقلاب العسكري، أو دعوا إلى المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، أو احتجّوا على القوانين القمعية الجديدة، أنفسهم مسجونين أو محظورين أو متَّهمين بجرائم خطيرة مختلفة مثل التجسّس.

سوء إدارة ملف سيناء 

لاتزال شبه جزيرة سيناء، وهي المنطقة التي لاتخضع إلى رقابة مشدّدة، ولم يتم إدراج سكانها الأصليين بالكامل في الحياة السياسية والاقتصادية المصرية، تشكّل مرتعاً لعدم الاستقرار. وتمتدّ جذور مظالم سكان سيناء إلى عقود من سوء الإدارة والقمع والإهمال من جانب الدولة، غير أن حدّة التوترات فيها ارتفعت في الآونة الأخيرة. في أعقاب الانقلاب ضد مرسي وفضّ الاعتصام الكبير لمؤيّديه في آب/أغسطس 2013، اندلع تمرّد عنيف في شمال سيناء بقيادة الجماعة الجهادية "أنصار بيت المقدس"، بعد أن كان يمور تحت السطح لسنوات عدة (بما في ذلك خلال رئاسة مرسي).

من الصعب الحصول على معلومات موثوقة عن التمرّد بسبب جهود الجيش الرامية إلى الحدّ من الاتصالات في جميع أنحاء شبه جزيرة سيناء، وإلى منع الصحافيين من تغطية الأحداث في المنطقة. غير أن مبادرة "ويكي ثورة" تقدّر أنه في الفترة الممتدة مابين 3 تموز/يوليو 2013 و31 كانون الثاني/يناير 2014، قتل الإرهابيون ما لايقلّ عن 131 من رجال الشرطة والجنود و37 مدنياً في المحافظة. في أوائل العام 2014، انخفض عدد ضحايا الهجمات الإرهابية، إلا أنه بدأ بالتزايد مرة أخرى في الصيف. كما قُتِل أربعة عشر شخصاً على الأقل في سيناء في هجمات إرهابية نُفِّذَت في أيار/مايو وحزيران/يونيو، وفي وتموز/يوليو قُتِل ما لايقلّ عن خمسة من أفراد قوات الأمن وخمسة عشر مدنياً، إضافة إلى العديد من المتشدّدين.

تشير التقارير التي تسرّبت من سيناء خلال العام الماضي إلى أن قوات الأمن المصرية ردّت على التمرّد بحملة لاتميّز كثيراً بين المدنيين والمسلحين. ووفقاً لتحقيق أجرته مؤسّسة "عين الشرق الأوسط" الإخبارية، أدّت العمليات العسكرية إلى مقتل مايصل إلى 300 شخص، معظمهم من المدنيين، بحلول نهاية نيسان/أبريل 2014. كما استُخدِمَت طائرات الأباتشي والدبابات لتدمير عشرات المنازل وحتى قرى بأكملها كما قيل، إضافة إلى استهداف المتشدّدين.

لاتُظهِر إدارة السيسي أي مؤشرات على الابتعاد عن نهجها الأمني الشديد والتوجّه نحو سياسة من شأنها تعزيز التعاون بين الحكومة والسكان المحليين ضد الإرهابيين. لابل إن القوات المصرية تواصل ممارسة لعبة القط والفأر مع المجموعات المتطرّفة، في حين تمارس العقاب الجماعي ضد المدنيين. وطالما ستستمرّ هذه السياسات، فمن المرجح أن تظلّ شبه جزيرة سيناء مصدراً للعنف والتطرّف المعادي للدولة والذي يهدّد بالانتشار في كل من مصر وإسرائيل.

الآثار المترتّبة على سياسة الولايات المتحدة 

ترغب الولايات المتحدة وحلفاء آخرون لمصر، على نحو مفهوم، في مساعدة حكومة السيسي على محاربة مشكلة الإرهاب المحلية المثيرة للقلق. لكن من المهم للغاية أن تضغط هذه الأطراف على السلطات المصرية لتغيير مسارها بدلاً من تأييد النهج الذي أثار المشكلة وفاقمها. إذ إن أعمال القمع وانتهاكات حقوق الإنسان والاستبعاد السياسي، تنفّر شريحة كبيرة من سكان مصر المتململين، وتهدّد بخلق مجنّدين وخزانات دعم للتطرّف. وبعد مرور عام على الانقلاب وحملة القمع، ليس هناك مايشير إلى أن السيسي يعتمد سياسات أكثر حكمةً لتعزيز عملية رأب الصدع على المستوى الوطني.

نظراً إلى العلاقة الأمنية المستمرة منذ عقود بين الولايات المتحدة ومصر، وإلى موقع مصر الحيوي بمحاذاة إسرائيل وغزة، ما من شك في أن حكومة الولايات المتحدة ستواصل بعض أشكال مكافحة الإرهاب وغير ذلك من التعاون الأمني مع الحكومة المصرية، على الرغم من دور الجيش في إنهاء التحوّل الديمقراطي الناشئ وقمع كلِّ معارضة.

لكن سيكون من الحكمة أن يوسّع المسؤولون الأميركيون نظرتهم إلى مشكلة الإرهاب في مصر. إذ لاتهدّد السياسات المصرية الحالية بدفع الكثيرين نحو التطرّف وحسب، بل تحتاج القوى التقليدية إلى تعاون السكان من أجل عزل وهزيمة حتى الأعداد الصغيرة من المتطرّفين العنيدين، مثلما تعلّمت الولايات المتحدة في جهودها في مكافحة تنظيم القاعدة في العراق. فقمع شريحة كبيرة من سكان مصر واستعداؤها يشكّلان استراتيجية من شأنها أن تعود بنتائج عكسية في كلا الحالتين، وهو الأمر الذي يجب على المسؤولين الأميركيين أخذه على محمل الجدّ، تماماً كما يفعلون في مايتعلّق بالجهود الحركية الرامية إلى هزيمة الإرهابيين في سيناء وأماكن أخرى.

إن أي استراتيجية أميركية لمكافحة الإرهاب خاصة بمصر ينبغي أن تتضمّن جهوداً قوية لإقناع السيسي بوقف الانتهاكات، وإقامة عدالة انتقالية ذات مغزى، والسماح للإسلاميين وأفراد المعارضة العلمانية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام بحرية التعبير وممارسة النشاط السياسي. وإذا ما استمر السيسي في اتّباع سياسات من شأنها تشجيع التطرّف بدلاً من محاربته، فينبغي على الولايات المتحدة حجب المساعدات العسكرية أو المساعدات الأخرى عن حكومته، مع أنها قد تبحث عن سبل أخرى لإظهار الدعم للشعب المصري. كما ينبغي على المسؤولين الأميركيين أن يحرصوا في السرّ والعلن على إيضاح أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز الحرية والرخاء لجميع المصريين. وقبل كل شيء، يتعيّن على هؤلاء تجنّب الظهور بمظهر مَن يؤيّد القمع الحالي والسياسة الإقصائية في مصر باعتبارهما من محطات نجاح وفشل التحوّل الديمقراطي التي لامفرّ منها. إذ إن ذلك لن يبعث برسالة خاطئة إلى السيسي وحسب، بل سيؤدّي أيضاً إلى زيادة احتمال وقوع أعمال عنف ضد الأميركيين.

سكوت وليامسون هو باحث مبتدئ سابق في مؤسسة كارنيغي، سيبدأ دراساته العليا في العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، في أيلول/سبتمبر المقبل.