ليست البيروقراطية الحكومية في مصر جهازا إداريا فحسب يطبق سياسات السلطة الحاكمة بل إنها تشكل قاعدة اجتماعية لها أهمية سياسية بالغة جعلت نظم الحكم المتتالية طيلة العقود الماضية تعول على كسب ولائها أو على الأقل تحييدها عن أي صراع، وليس نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته باستثناء من هذه القاعدة، وهو ما يتجلى في تصوير حكومتي ما بعد الثلاثين من يونيو لإقرار حدين أدنى وأقصى للأجر في الجهاز الإداري للدولة أو ما يعرف بالبيروقراطية الحكومية بأنه إجراء يسعى لتلبية مطالب العدالة الاجتماعية التي رفعت في ثورة يناير ٢٠١١، والتي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. وينبغي فهم الإصلاحات الأخيرة المستهدفة لوضع حدين أدنى وأقصى للأجر في إطار مساعي السلطة السياسية الجديدة لاكتساب الشرعية داخل الجهاز البيروقراطي بما يمثله من قوة عمل ضخمة، وذلك بإعلان الانحياز لمطالب القاعدة العريضة من صغار ومتوسطي الموظفين، وبتبني خطاب إصلاحي، وبإعمال لغة ثورة يناير في قضية الحد الأدنى والأقصى للدخل.

بيد أنه على الرغم من أهمية هذه الإجراءات إلا أنها لا ترقى إلى كونها بديلا عن خطة إصلاحية شاملة تهدف إلى رفع كفاءة البيروقراطية الحكومية كما أن إقرار الحدين الأدنى والأقصى قد اقتصر على جهاز الدولة الإداري فحسب تاركا القطاعين العام والخاص تماما على نحو أثار العديد من الاحتجاجات في الشهور الماضية، كما أن إقرار الحدين قد أتى بقرار فوقي دونما تمثيل لمصالح الموظفين والذين يظلون بحكم القانون محرومين من الحق في إنشاء نقابات. 

الإصلاحات التي طال انتظارها 

تعاني البيروقراطية المصرية من العديد من المشكلات الهيكلية من ضعف الكفاءة وغياب الفعالية إلى انعدام العدالة في توزيع الموارد داخل الأجهزة الإدارية، وتدني دخول الموظفين بجانب استشراء الفساد، وعلى الرغم من قدم هذه المشكلات واستفحالها إلا أن الهياكل الإدارية والقانونية للبيروقراطية الحكومية قد ظلت كما هي بلا تغيير يذكر في عهد مبارك (١٩٨١ـ٢٠١١)، وزادت حدة هذه المشكلات مع التوسع الكبير الذي حدث في الجهاز الإداري خاصة من حيث عدد العاملين. 

وقد جرى التوسع الكبير في التوظيف الحكومي في مصر على فترات مختلفة بدءا من الفترة الناصرية (١٩٥٤ ـ ١٩٧٠)، والتي شهدت توسعا إداريا كبيرا للدولة عند اضطلاعها بدور مباشر في إنتاج وتوزيع السلع والخدمات، كما شهدت إقرارا لمبدأ التوظيف في البيروقراطية الحكومية وشركات القطاع العام كحق اقتصادي اجتماعي لخريجي الجامعات الجدد، وهي الممارسة التي تمكنت الدولة الناصرية من خلالها من إنتاج طبقة وسطى معتمدة على الدولة، وتعتمد عليها الدولة في المقابل لنيل التأييد السياسي. 

وعلى الرغم من تحول النظام الاقتصادي في مصر نحو السوق الحرة تدريجيا منذ السبعينيات إلا أن الدولة ظلت هي أكبر موظف للعمالة في مصر، فعلى الرغم من التوقف عن التعيين في شركات القطاع العام منذ نهاية السبعينيات إلا أن التعيين في الجهاز الإداري للدولة قد توسع في عهد السادات (١٩٧٠ ـ ١٩٨١) وخاصة في عهد مبارك، وكان المنطق المحرك لاستمرار تعيين الخريجين في وظائف إدارية ـ رغم تقديرات أن البطالة المقنعة قد بلغت ما يجاوز ٧٠٪ من إجمالي العمالة طبقا لتصريح لوزير التنمية الإدارية الأسبق ـ هو مواجهة ارتفاع معدلات البطالة في الثمانينيات والتسعينيات.

وقد كانت نتيجة استخدام الجهاز الإداري لخلق وظائف تمتص البطالة المتزايدة بين الشباب المتعلم هي ترهل الجهاز الإداري للدولة، وتدهور كفاءته ومستوى العاملين فيه، وتحول الكثير منهم إلى موظفين يحصلون على أجور شديدة التدني، خاصة وأنه على المستوى الرسمي فإن نظام مبارك قد أبقى على قانون العاملين المدنيين في الدولة رقم ٤٧ الصادر في ١٩٨٧ بدون أدنى تغيير يذكر، ويحدد هذا القانون الأجور الشهرية للموظفين بالقيمة الاسمية المطلقة طبقا لجدول ملحق بنص القانون، ولم يتم تعديل المبالغ المطلقة منذ الثمانينيات ما جعل القيم الاسمية مثار سخرية وتعجب في ضوء ارتفاع معدلات التضخم منذ ذلك الحين، وكانت السياسة وقتذاك تستهدف عدم زيادة الأجور الأساسية المحددة قانونا، وعدم التزام الدولة بتعديلها طبقا لمعدلات التضخم، وذلك درءا للأعباء المالية على خزانة الدولة. وكان تعويض العاملين عن الأجر الأساسي شديد الانخفاض يتم عن طريق زيادة الأجر غير الأساسي أو ما يسمى إداريا بالأجر المتغير، وهو عبارة عن تسعة أو عشرة أوجه من البدلات والمكافآت والعلاوات والحوافز يتم من خلالها رفع الأجر الكلي لموظفي الحكومة، ولكن بشكل لا ينعكس رسميا على راتبهم الأساسي المنصوص عليه قانونا، والذي يتم بناء عليه احتساب المعاشات عند التقاعد، وقد أدت هذه الإدارة غير الرسمية لمشكلة أجور العاملين في الدولة في مصر إلى تضخم الأجر المتغير حتى أصبح يناهز في بعض الأحيان أكثر من ٩٠٪ من الأجر الإجمالي الذي يحصل عليه الموظفون نهاية كل شهر.1  

وقد كان المحرك الرئيسي لموقف السلطة السياسية في مصر دوما هو تجنب إتخاذ إجراءات تثير سخط العاملين في جهاز الدولة الإداري وشركات القطاع العام، وكان الدرس الذي وعته السلطة السياسية في مصر منذ أحداث يناير ١٩٧٧ عندما أقدم السادات على رفع أسعار بعض السلع الأساسية استجابة لشروط صندوق النقد الدولي، هو ألا تتخذ الدولة من الإجراءات ما يثير خواطر هذه القاعدة العريضة من موظفي الدولة، وذلك عندما انفجر الاحتجاج الشعبي وانتشرت أعمال الشغب ضد قرارات السادات، وكان قوام الاحتجاج والإضراب من موظفي الحكومة وعمال القطاع العام على نحو اضطر السادات في نهاية المطاف لإلغاء قرارات رفع الأسعار، وإقالة وزير ماليته.

إن تجميد الأجر الأساسي الذي يحدد طبقا لدرجة الموظف وعدد سنوات خدمته والإفراط في الاعتماد على الأجر المتغير قد أدى إلى تفاوت المخصصات بين الوزارات بما ينعكس على العاملين فيها، وثمة نماذج عديدة لموظفين في وزارات هامة لعمل الدولة كالداخلية والبترول والكهرباء والدفاع يحصلون على أضعاف الأجور الكلية لنظرائهم في وزارات أخرى تعد "فقيرة" رغم أنهم جميعا قانونا ينتمون لنفس الدرجة الوظيفية، بل أدت فوضى الأجور هذه إلى تفاوت شديد في توزيع الموارد داخل الوزارة الواحدة وعلى خطوط الولاءات الشخصية وشبكات الزبونية داخل كل جهاز.

وقد كان تجنب مبارك للعبث في الأطر الرسمية الحاكمة للأجر في البيروقراطية المصرية نابعا من مخاوف عديدة ليس أكثرها تجنيب الخزانة زيادات في فاتورة الأجور إنما امتدت كذلك إلى عدم رغبة السلطة السياسية وقتذاك في الاصطدام مع التوزيع غير المتساوي للموارد داخل الجهاز البيروقراطي ذاته. بيد أن سياسة مبارك الجامدة هذه تجاه البيروقراطية الحكومية قد فشلت في ضمان أي قدر من الاستقرار المؤسسي أو الاجتماعي إذ أن النظام خاصة في آخر سنوات حكم مبارك كان قد أصبح عاجزا عن الحصول على تأييد موظفي الدولة أو على الأقل تحييدهم عن معارضته، وبات هذا الأمر واضحا منذ ٢٠٠٤ مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الفئوية، والتي شارك فيها الكثير من موظفي الدولة في صورة اضرابات واعتصامات وتظاهرات كان أبرزها إضراب موظفي الضرائب العقارية في ٢٠٠٨، والذي انتهى إلى تأسيسهم لأول نقابة عمالية مستقلة، وطبقا لبعض التقديرات فإن نصيب العاملين بالبيروقراطية الحكومية من إجمالي الاحتجاجات العمالية بين ٢٠٠٧ و٢٠٠٨ قد تجاوز الثلث من إجمالي الاحتجاجات في تلك السنة، متساويا في هذا مع الإضرابات العمالية بمصانع القطاع العام.   وعلى الرغم من كل هذه التحديات السياسية فقد ظلت الهياكل الإدارية للبيروقراطية المصرية ثابتة في عهد مبارك بلا تغيير يذكر اللهم إلا الزيادات السنوية التي تهدف للتخفيف من الضغوط التضخمية على دخول موظفي جهاز الدولة مراعاة للاستقرار الاجتماعي، والتي يبدو أنها لم تعد تجدي كثيرا مع تصاعد مشاركة موظفي الدولة في الاحتجاجات الاقتصادية ـ الاجتماعية في آخر سنوات حكم مبارك.

احتلت المطالبة بوضع حد أدنى للأجور حيزا هاما من خطاب العدالة الاجتماعية لليسار الديمقراطي والحركة العمالية في مصر من قبل ثورة يناير، وبالفعل في ٢٠٠٩/٢٠١٠ نجح المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتعاون مع الحركة النقابية المستقلة في انتزاع حكم هام من المحكمة الإدارية العليا في مصر يقضي بإلزام الحكومة وقتها بوضع حد أدنى للأجور وبتشكيل المجلس الأعلى للأجور طبقا لقانون العمل الموحد رقم ١٢ لسنة ٢٠٠٣، وتم تحديد المطالبة وقتها بمبلغ ١٢٠٠  جنيه مصري (نحو ١٦٨ دولارا أمريكيا) بناء على بعض الحسابات حول الاحتياجات الأساسية للحياة الكريمة للأسرة المصرية متوسطة الحال، ومن المفارقة أن حيثيات الحكم قد استثنت تطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين في جهاز الدولة الإداري على أساس أنهم قانونا لا يخضعون لقانون العمل الموحد ـ والذي يسري على العاملين في القطاعين العام والخاص فحسب ـ وأن العاملين المدنيين للدولة يخضعون لقانون آخر، وكان منطوق الحكم الإداري وقتها ينطبق في المقام الأول على العاملين في القطاعين العام والخاص، فإذا بمحور الجدل بعد ثلاث سنوات فحسب يتحول بالكامل ليكون على العاملين في الجهاز الإداري للدولة فقط، رغم أنهم لم يكونوا مشمولين بالحكم مع سكوت تام عن أية خطوات لشمول العاملين في القطاعين العام والخاص بنظام للحد الأدنى للأجور، بل إنه من المفارقة أنه فور إقرار حكومة الببلاوي للحد الأدنى في الجهاز الإداري للدولة اقتصرت الحكومة قرارها على العاملين في الإدارة المركزية والمحليات واستبعدت العاملين في شركات القطاع العام وفي الهيئات الاقتصادية والخدمية ما أدى لاندلاع موجة من الاضرابات العمالية في مارس ٢٠١٤ في أوساط قطاعات حيوية كالبريد والنقل العام علاوة على عمال الغزل والنسيج، وكان استبعاد هؤلاء من باب التقليل من حجم الأعباء على مالية الدولة.

ثورة يناير والبيروقراطية الحكومية 

شهدت السنوات التالية على ثورة يناير ٢٠١١ سلسلة من القرارات والقوانين صدرت عن المجلس العسكري إبان إدارته الانتقالية للبلاد ثم عن حكومة الإخوان المسلمين بزيادات في الأجور والمعاشات، وقد تباينت هذه الإجراءات في استهداف أجهزة وإدارات حكومية بعينها دون غيرها، وكان اللافت طيلة السنوات الثلاث التالية على الثورة هو استهداف العاملين العسكريين بالدولة ورجال الشرطة بزيادات كبيرة في الأجور والمعاشات، وجرى تفسير هذه الزيادات المتواترة بالرغبة في كسب ولاء العاملين بالمؤسستين خاصة مع تزايد الأعباء الأمنية الملقاة على عواتقهما في أعقاب الثورة ومع الاضطراب السياسي والاجتماعي والانفلات الأمني. على أنه طيلة هذه السنوات لم يتم اتخاذ أو تنفيذ إجراءات بهدف إعادة هيكلة شاملة للأجور في البيروقراطية المصرية بشكل عام على النحو الذي جرى بعد الثلاثين من يونيو.

وكان المجلس العسكري الذي تولى الإدارة الانتقالية للبلاد بين فبراير ٢٠١١ ويوليو ٢٠١٢ قد أصدر مرسوما بقانون (رقم ٢٤٢ لسنة ٢٠١١) بربط الحد الأقصى بخمسة وثلاثين ضعف الحد الأدنى إلا أن هذا المرسوم لم يدخل حيز النفاذ لأن حكومات تلك الفترة لم تضع حدا أدنى للأجر، ولم ينفذ القرار إلا عند تحديد الحد الأدنى للأجر في عهد حكومة الببلاويبواقع ١٢٠٠ جنيه مصري شهريا للعاملين في جهاز الدولة الإداري (أي حوالي ١٦٨ دولارا أمريكيا) بدءا من يناير ٢٠١٤ بمقتضى قرار من رئيس مجلس الوزراء (رقم ٢٢ لسنة ٢٠١٤)، وقد جعل قرار الحد الأدنى تنفيذ الحد الأقصى ممكنا، واستنادا لهذا أصدر عبد الفتاح السيسي القانون رقم ٦٣ لسنة ٢٠١٤ بوضع حد أقصى للدخل الشهري للعاملين في جهاز الدولة، وتم تحديد السقف الكلي للدخل بمبلغ ٤٢ ألف جنيه مصري شهريا (ما يناهز ٥٨٧٠ دولار أمريكي) كأقصى مبلغ يحق لأي موظف في الدولة أن يحصل عليه، وهو الإجراء الأول من نوعه الذي يدخل حيز النفاذ في هذا الصدد منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

الأهمية السياسية للبيروقراطية الحكومية

في ضوء ما سبق فإن المسألة ليست إصلاحا إداريا بحتا ولا هي إجراءات مالية تهدف للتقشف وتقليل النفقات فحسب إنما هي جزء لا يتجزأ من محاولات النظام السياسي الجديد بناء شرعية لسلطته، وتطويرا لأدوات استناد السلطة السياسية في مصر للبيروقراطية الحكومية لا بوصفها جهازا إداريا ينفذ سياسات الدولة فقط إنما بوصفها قاعدة اجتماعية تحوي ما يزيد عن نصف إجمالي العاملين بأجر في الاقتصاد المصري. 

طبقا لإحصاء الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (٢٠٠٧) فإن الدولة في مصر توظف ما يناهز ٦ ملايين مواطن في مختلف الأجهزة ـ بخلاف المجندين بالشرطة والجيش ـ، ويمثل هؤلاء في مجملهم حوالي ٤٨٪ من العاملين بأجر في مصر، منهم ٤٣٪ موظفون في البيروقراطية و٥٪ عمال بشركات مملوكة للدولة، ولا يخفى من ضخامة الأعداد والنسبة الكبيرة التي تحوزها الدولة من إجمالي القوى العاملة الأهمية الاجتماعية والسياسية لهؤلاء ما يجعل البيروقراطية الحكومية أكبر من مجرد جهاز إداري ويحيلها فعليا إلى فئة اجتماعية عريضة لها علاقة خاصة بالدولة باعتبارها رب العمل. فعلى الرغم من أن العاملين في جهاز الدولة لم يكونوا يشكلون كتلة واحدة في يوم من الأيام إلا أن الحصول على الرضا العام من جانبهم طالما كان مفتاحا لضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي، وذلك لأن تأمين رضا موظفي الدولة يضمن لأصحاب السلطة السياسية بعض التعاون أو على الأقل عدم مقاومة السياسات والقرارات التي من المفترض أن يضطلعوا بتطبيقها. 

تشهد البيروقراطية الحكومية في مصر صراعا اجتماعيا حادا منذ نهاية عهد مبارك نتيجة لغياب الشفافية والعدالة في توزيع الموارد داخل الجهاز الإداري للدولة، والتفاوت الشديد في الأجور، وتدني دخول القاعدة العريضة من موظفي الدولة، ولم يصدر عن نظام مبارك، ولا عن الأنظمة التي تلت ثورة يناير موقفا متسقا وواضحا من هذا الصراع، أو اتجاها لحله. وفي المقابل فإن حكومتي ما بعد ٣٠ يونيو وخاصة مع تولي السيسي للرئاسة قد اتجهتا إلى اتخاذ موقف حاسم من الصراع داخل جهاز الدولة الإداري بإعلان الانحياز لمطالب القاعدة العريضة من صغار ومتوسطي الموظفين، وبتبني خطاب إصلاحي إداري، وبإعمال لغة ثورة يناير في قضية الحد الأدنى والأقصى للدخل. 

وقد قوبل وضع حد أقصى للدخل الحكومي بالكثير من المعارضة بالفعل من الفئات ذات الدخل الأعلى في قطاعات كالبترول والبنوك العامة (المملوكة للدولة) وبين قيادات العديد من الوزارات بما فيها وزارات حيوية كالداخلية، وأعلنت بعض من هذه القطاعات الامتناع عن تنفيذ القرار خوفا من خسارة الكفاءات لصالح القطاع الخاص، ومع ظهور بوادر المقاومة فإن الحكومة قد تمسكت بموقفها بعدم إدخال أي استثناءات على تطبيق الحد الأقصى ، ما يعني تجاهلها لمقاومة الشرائح الأعلى دخلا في البيروقراطية الحكومية.2

بعض العدالة الاجتماعية أم كلها؟ 

صورت حكومتا ما بعد ٣٠ يونيو إقرار حدين أدنى وأقصى للأجور في جهاز الدولة على أنه انتصار لمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع موارد الدولة، وأن هذا القرار قد أتى تلبية لمطلب رئيسي من مطالب ثورة يناير ولمطالب الحركة الاحتجاجية من قبل الثورة ممثلة في وضع حد أدنى للأجور، والحق فإن هناك قدرا كبيرا من الالتباس أسهمت السلطة السياسية في مصر ما بعد الثورة في إحداثه في قضية الحد الأدنى للأجور، فعلى الرغم من أن إقرار حدين أدنى وأقصى للأجر واعتماد أسلوب أكثر شفافية في تخصيص الموارد داخل بيروقراطية الدولة يحقق جزءا من المطالب الخاصة بقاعدة العاملين في الدولة، ولكن على الرغم من ضخامة عدد هؤلاء فإنهم لا يعبرون عن كل العاملين بأجر، ولا يمكن اعتبار الإجراءات التي تمس أجورهم الشهرية والسنوية وحدهم من دون غيرهم إجابة على سؤال عميق وشامل كعدالة النموذج الاجتماعي الاقتصادي في مصر بعد ثورة يناير.

وبجانب هذا وذاك فإن حكومتي ما بعد ٣٠ يونيو قد اختارتا طريقا فوقيا لوضع الحد الأدنى للأجور داخل جهاز الدولة الإداري دون التفاوض وتمثيل المصالح اللذين عادة ما يأتيان مع إقرار قانون له عواقب توزيعية خطيرة كتلك، وهو ما جرى تماما إذ لا يزال موظفو الدولة محرومين قانونا من الحق في التنظيم والتمثيل النقابي، وبالتالي ليس لهؤلاء أي منفذ قانوني حتى الآن للتفاوض مع الدولة باعتبارها رب العمل، وهو ما يجعل إقرار الحد الأدنى للأجر في نهاية المطاف تحويرا ما لمنطق علاوة يوليو أو منحة عيد العمال التي طالما استخدمتها السلطة السياسية في مصر لرفع دخول موظفيها ولشراء ولائهم السياسي، بل إن قرار رئيس الوزراء بتطبيق الحد الأدنى بدءا من يناير ٢٠١٤ قد تم إدراجه تحت مسمى "علاوة الحد الأدنى". 

الخلاصة

ليس بالإمكان فهم الإجراءات الإدارية والمالية الأخيرة التي أتخذت بعد ٣٠ يونيو وخاصة مع صعود عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم إلا في سياق مساعي السلطة الجديدة لكسب التأييد واكتساب الشرعية عن طريق تبني خطاب يمكن من خلاله الإدعاء بتنفيذ مطالب العدالة الاجتماعية التي رفعتها ثروة يناير، خاصة في أوساط العاملين بالدولة، وذلك عن طريق تبني موقف حاد إزاء الصراع الاجتماعي داخل جهاز الدولة البيروقراطي على توزيع الموارد، وذلك بالانحياز الصريح للقاعدة العريضة من الموظفين. وعلى الرغم من هذه الإجراءات إيجابية في كونها تزيد من مقدار الشفافية في توزيع الموارد، وتعمل على إخضاع الجميع لذات المعايير المالية والإدارية إلا أنها لا تعبر عن برنامج متكامل لإصلاح الجهاز البيروقراطي في مصر، والذي يعاني من ضعف شديد في الكفاءة، واستشراء لشتى أنواع الفساد واستغلال النفوذ، ولا يتمتع بأي قدر من المساءلة أو المحاسبة أمام البرلمان أو أمام الجمهور، ومن غير الواضح ما إذا كانت إجراءات إقرار الحدين الأدنى والأقصى تأتي كمقدمة للمزيد من التعديلات التي تستهدف عمل الجهاز الإداري أم أنها مجرد إجراءات توزيعية متصلة بكسب التأييد السياسي للسلطة الجديدة، إذ أن إصلاحا أشمل وأعمق للجهاز الإداري للدولة يتطلب خطة أطول مدى ومجهودات مستمرة وممنهجة للإصلاح بجانب بناء السلطة السياسية لقواعد اجتماعية وسياسية تدعم مشروع الإصلاح، وهو ما ليس متحققا إلى اليوم. 

ملاحظات

1 لمزيد من التفاصيل أنظر عبد الخالق فاروق (٢٠١٠) جذور الفساد الإداري في مصر، القاهرة: دار الشروق.  

2 ينص القانون على استثناء العاملين بهيئات التمثيل الدبلوماسي والقنصلي والتجاري وغيرهم ممن يمثلون الدولة بالخارج كما يضمن القانون استثناءا آخر للهيئات ذات الطبيعة الخاصة التي يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الوزراء.