تسبّبت الحملة العسكرية المناهضة للإسلاميين في شرق ليبيا بالضربات الجوية التي نفّذتها القوات الإماراتية بدعم مصري على مواقع ميليشيا في ليبيا، في أواخر آب/أغسطس 2014. وقد أدّت الحملة التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر وفصيل منشقّ عن الجيش الليبي، إلى حدوث تغيير كبير في العلاقات المصرية-الليبية، غير أن جذور التدخّل المصري في ليبيا أعمق بكثير من عملية حفتر الحالية.

من بين المصائب الكثيرة التي تعاني منها ليبيا، ليس هناك ماهو أكثر تهديداً لمصر من الحدود المشتركة بين الدولتين، والتي يصل طولها إلى مايقرب من 700 ميل. فقد كانت عملية ضبط الحدود في ليبيا ضعيفة وغير واضحة على الدوام، حتى في عهد معمر القذافي، لكنها عانت من تراجع كارثي بعد سقوط الدكتاتور في العام 2011. انتقلت الرقابة على الحدود إلى كوكبة من الميليشيات الشرقية التي ترتبط بالحكومة بصورة ضعيفة، وتتواطأ في كثير من الحالات في عمليات التهريب التي يُفترَض بها أن تحاربها. وقد أصبحت الحدود الآن الممرّ الشرقي لمنطقة شمال أفريقيا للأسلحة والمقاتلين والمهاجرين غير الشرعيين والسلع غير المشروعة التي تتدفّق على بلاد الشام، مع مايترتّب عن ذلك من آثار مزعزعة للاستقرار في سيناء وغزة وسورية.

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

حذّر مسؤولون في الحكومة المصرية مراراً الحكومة الليبية الضعيفة من التداعيات الخطيرة لفشلها في كبح جماح الجماعات الإسلامية الليبية في شرق البلاد. ولاشك أن فراغ الحكم في ليبيا والقتال الدائر بين المليشيات يتحمّلان جزءاً كبيراً من المسؤولية عن تدهور الأوضاع على الحدود.

ومع ذلك، ينبغي أن يقع قدر مماثل من المسؤولية على الأقل على عاتق الحكومة المصرية. فقد غذّى إهمالها للصحراء الغربية منذ فترة طويلة اقتصاد التهريب عبر الحدود في المنطقة، في حين تركت السياسة التي اتّبعها الجيش المصري مؤخّراً في استمالة النخب القبلية، المظالم الكامنة في المنطقة من دون معالجة. لكن الأهم من ذلك هو أن القاهرة وأنصارها في الخليج يتبنّون نهجاً أمنياً متزايداً تجاه ليبيا، ينطوي على خطر إغراق مصر وليبيا في حالة أعمق من عدم الاستقرار.

نحو "حرب على الإرهاب" بالوكالة؟ 

نظّم اللواء خليفة حفتر، وهو ضابط سابق في عهد القذافي، ائتلافاً من وحدات عسكرية ساخطة، وقبائل في شرق ليبيا، وميليشيات مؤيّدة للفدرالية، لمهاجمة القوات الإسلامية في مدينتي بنغازي ودرنة وماحولهما، في أواخر أيار/مايو 2014. منذ بدايتها، تسبّبت "عملية الكرامة" بزيادة حدّة التوتّر على الحدود، وأثارت شبح زيادة التورّط السياسي والعسكري المصري في ليبيا دعماً لحفتر.

تخوض قوات اللواء حفتر قتالاً ضد الجماعات المعتدلة مثل جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، والجماعات المتشدّدة مثل جماعة أنصار الشريعة. وقبيل تشكيل هذه الشبكة، حاول حفتر أن ينحاز في وقت مبكر إلى صف النظام العسكري الذي يقاتل الإسلاميين في مصر.

كما دعا حفتر مصر بصورة مباشرة إلى استخدام "كل الإجراءات العسكرية اللازمة داخل ليبيا" لتأمين حدودها. وفي الوقت نفسه، أعلن أن عملية الكرامة تهدف إلى منع الإسلاميين من تهديد "جيراننا في الجزائر ومصر"، مؤكّداً أكثر على الجانب الإقليمي لحملته.

منذ البداية، بدا أن حفتر يستلهم نموذج الرئيس المصري، المشير عبد الفتاح السيسي. ومع ذلك، تختلف البيئتان الليبية والمصرية عملياً اختلافاً كبيراً عن بعضها بعضاً. إذ يفتقر "الجيش الوطني الليبي" الذي يقوده حفتر إلى القوة والأعداد اللازمة والعمق التاريخي والدعم الوطني الذي يتمتّع به الجيش المصري. وعلى الرغم من ذلك، يستفيد الجنرال السبعيني في هذه الحالة من الإحباط العميق لشريحة من الليبيين الذين يتطلّعون إلى السيسي باعتباره نموذجاً. كما أن الكثير من أنصاره يتحدّرون من قبائل في الشرق الليبي لها وشائج قربى على الجانب المصري من الحدود.

وقد ادّعى حفتر أنه والسيسي متّفقان على أن محاربة الإرهاب وسيلة لـ"تأكيد هويتنا العربية". وتعهّد بأنه لن يسمح لأي من المتشدّدين المناهضين لمصر باستغلال حدود ليبيا الشرقية كملاذ آمن. وتوقّع حصول مزيد من التعاون بين مصر وليبيا لتحقيق هدف إنهاء "التدخّل الأجنبي في ليبيا"، في إشارة مبطّنة إلى المقاتلين الأجانب وتدخّل قطر وتركيا.

ثمّة دلائل على أن مصر زادت من انحيازها إلى صفّ حفتر، حيث سبق عمليةَ الكرامة العديدُ من الإجراءات التي اتّخذتها القاهرة ضد أعدائه الإسلاميين في ليبيا. في أواخر كانون الثاني/يناير 2014، على سبيل المثال، اعتقلت السلطات المصرية في الإسكندرية شعبان هدية، رئيس غرفة عمليات ثوار ليبيا، وهو تحالف من الميليشيات الإسلامية له فروع في طرابلس وبنغازي، يقاتل في الوقت الحالي حفتر وحلفاءه في ميليشيات الزنتان. بعد ساعات من عملية الاختطاف، اختُطِف خمسة دبلوماسيين مصريين في طرابلس. وذكرت وسائل الإعلام المحلية أن الخاطفين طالبوا الحكومة المصرية بإطلاق سراح هدية، وهو مافعلته على الفور.

بعد بدء حملة حفتر، ظهرت تقارير تتحدّث عن مزيد من التدخّل العسكري المصري المباشر في ليبيا، على الرغم من أن تقديم أدلّة موثوق بها في هذا الشأن أمر بعيد المنال. في أوائل آب/أغسطس، حاول وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إنكار هذه الشائعات من خلال التأكيد على أن مصر لاتعتزم التدخّل عسكرياً في ليبيا. وردّد مسؤول أمني مصري في بلدة السلوم الحدودية هذا الإنكار، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن الجيش المصري يعزّز قواته على الحدود، فإنه لايعدّ لشنّ هجوم بل لزيادة جهوده لمكافحة عمليات التهريب. وكما هو مُتوقَّع، فقد نفى حفتر نفسه حصوله على أي مساعدة عسكرية مصرية في مقابلات صحافية وفي مقابلة أجراها معه أواخر حزيران/يونيو الماضي أحد كتاب هذا التعليق. غير أنه ألمح إلى إمكانية الحصول على "دعم أجنبي" في المستقبل القريب. من المرجّح أن السيسي والجيش المصري يكرهان التدخّل مباشرة في ليبيا خوفاً من التورّط في مستنقع من شأنه أن يضعف قدرتهما على التعاطي مع تهديدات المتطرفين الأكثر إلحاحاً في الجانب الآخر من البلاد، في شبه جزيرة سيناء.

ومع ذلك، فإن الجيش المصري، وبإلحاح من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، اللتين قدّمتا دعماً مالياً إلى نظام السيسي، يضع الخطط لتقديم المساعدة إلى اللواء حفتر، لابل إنه يتّخذ إجراءات مباشرة لوقف مكاسب الإسلاميين المستمرة في بنغازي وطرابلس. وفي الأشهر القليلة الماضية، يُقال إن مصر والإمارات العربية المتحدة نشرتا فريقاً من القوات الخاصة لتدمير معسكر للإسلاميين في شرق ليبيا. والآن دمّرت الطائرات الإماراتية، بدعم مصري، أهدافاً عدة للإسلاميين بالقرب من طرابلس.

ومن سخريات القدر أن حملة حفتر المناهضة للإسلاميين في الشرق الليبي، والتي كانت تهدف إلى الحدّ من تهديد مصر، أدّت إلى زيادته بالفعل. فقد أُجبرت الميليشيات الإسلامية في بنغازي على جمع قوتها النارية في ائتلاف واحد، ما أدّى إلى تقويض المجال السياسي أمام الفصائل الإسلامية الأكثر براغماتية. لذلك، وفي حين كانت مصر ترغب في العثور على شريك موثوق لمحاربة الإسلاميين في ليبيا، لم تَنَلْ حملة حفتر إعجاب القادة المصريين. فقد اشتكى سامح سيف اليزل، وهو جنرال مصري متقاعد، من أن حفتر، مع أنه "يبذل قصارى جهده... إلا أنه لم يثبت قدرته على تأديب المتشدّدين الإسلاميين".

وخلافاً لبعض التعليقات الغربية، ليس الدعم المصري لحفتر أو زيادة عسكرة الصحراء الغربية من جانب مصر، هو الحلّ لهذه المشاكل. إذ من المرجّح أن يؤدّي الانخراط في عملية توغّل محدود على الحدود أو إرسال المساعدات العسكرية لقوات حفتر إلى تأجيج البيئة الهشّة بالفعل على جانبي الحدود. وقد يورّط ذلك الجيش المصري في صراع معقّد من شأنه أن يضعف قدرته على التعاطي مع التهديدات الأكثر إلحاحاً في سيناء. ومن شأن الدعم المصري والإماراتي للقوات المناهضة للإسلاميين أن يزيد حدّة الاستقطاب في ليبيا، المنقسمة بصورة خطيرة، في ظل وجود ميليشيات متحاربة وبرلمانين وجيشين (يدعم أحد الطرفين حفتر ومصر ضد الإخوان في حين يدعم الطرف الآخر الإسلاميين في ليبيا). وبينما تتدخّل مصر والإمارات العربية المتحدة إلى جانب حفتر، من المرجّح أن تردّ قطر، التي ترعى الإسلاميين، من خلال توسيع دعمها للميليشيات الإسلامية – ربما يشمل ذلك تقديم أسلحة متطورة – ماسيؤدّي إلى إفراز حلقة مفرغة من العنف في طرابلس وفي الشرق الليبي.

ينبغي على الحلّ الدائم للتوتّرات أن يعالج المشاكل العميقة.

مشكلة الأسلحة والمتشدّدين في الشرق الليبي 

على الرغم من أنه يتم التركيز في الوقت الحالي على التهديد الذي تتعرّض إليه العاصمة الليبية طرابلس، تنبع جذور التدخّل المصري والاضطرابات الحالية من مخاوف أمنية بشأن الحدود الشرقية للبلاد. 

منذ فترة طويلة، ميّزت تقارير صحافية متعدّدة وتحقيقات الأمم المتحدة الحدود المصرية-الليبية باعتبارها نقطة دخول رئيسة للأسلحة والمتشدّدين المتجهين إلى سيناء وغزة، ومنها إلى سورية. وتتم معظم حركة المرور برّاً. فالسلع تنتقل من ضواحي بنغازي شرقاً عبر الحدود إلى ميناء مرسى مطروح المصري، ومنه إلى سيناء. تبدأ الطرق البحرية في بنغازي حيث يتم نقل الأسلحة غالباً إلى قوارب صغيرة تنتقل بين خليج البردي في ليبيا وخليج السلوم في مصر. وفي مصر هناك خمسة طرق رئيسة لتهريب الأسلحة يمرّ اثنان منها عبر مرسى مطروح، واثنان عبر واحة سيوة، وثمّة طريق ينقل البضائع عبر قوارب الصيد من مرسى مطروح إلى شمال سيناء. مدينة السلوم المصرية هي المكان الرئيس لعمليات ضبط الأسلحة، ولكن هناك أيضاً نشاط كبير في شمال المدينة وجنوبها، وعلى طول الطريق الذي يربط مرسى مطروح بالسلوم.

يحتفظ حرس الحدود المصري بكمائن مختلفة لمنع عمليات التهريب، بما في ذلك كمين في واحة الفرافرة في محافظة الوادي الجديد، يستهدف المهرّبين القادمين من ليبيا والسودان. ويُقال إنه في أعقاب استيلاء الميليشيات الإسلامية، بما فيها أنصار الشريعة، أوائل آب/أغسطس، على قواعد الجيش الليبي في بنغازي، عمدت القوات العسكرية المصرية إلى زيادة وجودها على طول الحدود.

البنادق الآلية والأسلحة ذات العيار الصغير والذخيرة هي المواد الأكثر شيوعاً التي ضبطتها السلطات المصرية باعتبارها أسلحة مهرّبة من ليبيا. كما صادرت أيضاً أسلحة من العيار الأثقل. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2012، على سبيل المثال، استولت على 102 قذيفة صاروخية و20 صاروخ غراد وثلاثة مدافع مضادة للطائرات وتسعة عشر عبوة ناسفة في محافظة مطروح. وقد ازدادت وتيرة عمليات المصادرة على مايبدو في العام 2014، حيث ذكرت مصادر أمنية مصرية في أوائل آب/أغسطس أن القوات المصرية قادرة على وقف 70 في المئة من عمليات التهريب مقابل 25 في المئة في الماضي.

توقّفت جهود التعاون عبر الحدود بين الدولتين الليبية والمصرية، واقتصرت إلى حدّ كبير على الكلام المنمّق. وتبادل الجانبان وفوداً منتظمة لمناقشة التعاون الأمني بصورة عامة. في تموز/يوليو 2014، التقى رئيس المخابرات الليبية سالم عبد السلام، ووزير الخارجية محمد عبد العزيز، ورئيس الأركان آنذاك عبد السلام جادالله الصالحين، نظراءهم المصريين في القاهرة لبحث التنسيق الأمني على الحدود والوضع الأمني في ليبيا. وفي الآونة الأخيرة، التقى رئيسا وزراء البلدَين في واشنطن لإجراء مناقشات شملت الوضع الأمني. لكن عُرقِل تنفيذُ أي اتفاقات بسبب عدم الثقة السياسية المتبادلة، وخصوصاً قوات الحدود الرسمية المستَضعَفة في ليبيا، والتي تعاني نقصاً في التمويل والعناصر والعتاد.

تحصل العديد من الميليشيات شبه الرسمية التي تسيطر الآن على الجانب الليبي من الحدود (إلى جانب المشغّلين المستقلين) على رواتب حكومية، غير أنها مسؤولة اسمياً فقط أمام وزارات متنافسة في الحكومة الليبية. وقد اعتقلت جميعها تقريباً شبكات تهريب تقليدية، ويُقال إنها تتواطأ في نقل الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود.

يتّهم مسؤولون مصريون الجماعات الأكثر إسلامية، إضافة إلى الفصائل الرافضة مثل أنصار الشريعة، بالتغاضي عن المتشدّدين المصريين أو التحريض عليهم. ولطالما أكّدت القاهرة أن لهؤلاء المسلحين صلات مع جماعات تعتبرها إرهابية داخل مصر وخارجها، مثل أنصار بيت المقدس، وجماعة الإخوان المسلمين العاملة في مصر، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وجبهة النصرة في سورية. والنظام قلق خصوصاً بشأن وجود مايُسمّى الجيش المصري الحر الذي يهدف إلى إسقاط نظام السيسي، ويتجمّع في معسكرات على الحدود. إلا أنه لايزال من الصعب الحصول على أدلّة فعلية حول هذه الجماعة. فحتى القبائل المحلية في السلوم المتعاطفة مع الحكومة المصرية نفت وجودها.

العمّال المصريون كمصدر للتوتّر 

شكّل العدد الكبير من العمّال المصريين في ليبيا مصدراً آخر متكرّراً للتوتّر على الحدود بين البلدين، حيث أصبحت عمليات الخطف وفرض القيود على التأشيرات والإغلاق المتبادل للحدود من الجانبين حوادث عادية. وقبيل اندلاع موجة القتال الحالية، كان عدد العمّال المصريين، المؤقّتين والدائمين، يُقدَّر مابين 300 ألف و1.5 ملايين. ويُعتقَد أن أكثر من 200 ألف يدخلون ليبيا بصورة غير شرعية كل عام.

تمرّ الغالبية العظمى من العمالة المصرية والحركة التجارية عبر معبر مساعد-السلوم. وقد أغلقت ليبيا المعبر مراراً ورحَّلت مئات المصريين، غالباً "لأسباب إدارية أو أمنية"، ولكن أيضاً لدوافع تعسّفية أو بضغط من الميليشيات المحلية. في تموز/يوليو 2013، على سبيل المثال، أغلقت الميليشيات الليبية في مساعد الحدود بعد أن اعتقلت قوات الأمن المصرية أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين كانوا يحاولون الفرار إلى ليبيا عقب إطاحة الجيش المصري محمد مرسي من رئاسة مصر. وتسبّبت عمليات الإغلاق اللاحقة بسبب القتال في شرق ليبيا بتراكم مئات من شاحنات النقل المصرية على الحدود، وإثارة حفيظة سكان السلوم ومرسى مطروح الذين يعتمدون على التجارة للحصول على عائدات. واحتجّ أبناء مطروح في كل أنحاء المحافظة المصرية أيضاً على قرار الحكومة الليبية الذي يشترط عليهم الحصول على تأشيرة لدخول البلاد، في حين شكا الليبيون بدورهم من أن السلطات المصرية رفضت منحهم تأشيرات على سبيل الانتقام.

هذا وتكثر عمليات خطف العمّال المهاجرين المصريين في ليبيا. على سبيل المثال، في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2013، خطف زعيم ميليشيا ليبي بضع عشرات من سائقي الشاحنات المصريين، واحتجزهم رهائن في بلدة أجدابيا الليبية، مطالباً السلطات المصرية بالإفراج عن أقاربه الذين اعتُقِلوا في مصر بتهمة تهريب الأسلحة. ردّت السلطات المصرية بإغلاق الجانب المصري من معبر مساعد-السلوم لبضعة أيام.

في أعقاب تصاعد القتال بين المليشيات في طرابلس وبنغازي، تفاقمت محنة العمّال المصريين. فقد قُتِل ستة وعشرون عاملاً مصرياً في هجوم صاروخي واحد في طرابلس، في أواخر تموز/يوليو.

ومع تصاعد وتيرة العنف، تصاعدت وتيرة الهجرة أيضاً. إذ وافق وزير الداخلية التونسي على إجلاء 13 ألف من المصريين العالقين على الحدود التونسية-الليبية، في حين وصل مايقرب من 50 ألف مصري إلى معبر مساعد-السلوم في الشهر الماضي. وذكرت صحيفة الأهرام المصرية أن إجمالي عدد المصريين الفارّين من ليبيا يمكن أن يصل إلى أكثر من 400 ألف عامل. هذا التدفّق يمكن أن يتسبّب بالمزيد من الضرر للاقتصاد المتعثّر في مصر. فقد توقّعت غرفة التجارة المصرية في أوائل آب/أغسطس 2014 أن تزيد نسبة البطالة البالغة 13 في المئة في مصر بسبب هؤلاء العمّال العائدين.

سلطة القبائل ذات الحدَّين 

منذ فترة طويلة ارتبطت قبائل إقليم برقة الشرقي في ليبيا والصحراء الغربية في مصر من خلال وشائج المصاهرة والنسب. وقد أثبتت هذه الصلات عبر الحدود بأنها مهمة لتسهيل حركة البضائع المحظورة والأسلحة والأشخاص عبر الحدود.

القبيلة الرئيسة التي يمتدّ نفوذها على جانبَي الحدود وتؤثّر في شؤون البلدين هي أولاد علي. وقبيلة أولاد علي هي مجتمع بدوي في صحراء مصر الغربية يصل عدد أفرادها إلى مايقرب من 750 ألفاً، وتتألّف من أعداد أقلّ في شرق ليبيا. ويرتبط أفراد قبيلة أولاد علي، الذين يُقال إنهم فرّوا من ليبيا إلى مصر قبل بضع مئات من السنين، بنسب مشترك مع قبيلة العبيدات القوية في ليبيا، وقد لعبوا دوراً بارزاً في الصراعات الليبية الحديثة، مثل حرب ليبيا مع تشاد وثورة العام 2011 (التي رفضوا في خلالها محاولة ابن عم القذافي لحشد دعمهم للدكتاتور).

في أماكن تواجدهم في السلوم ومرسى مطروح، يشكو أولاد علي من التمييز المنهجي في التوظيف لصالح الوافدين الجدد من القاهرة ومنطقة الدلتا في مصر. ويشكّل هؤلاء العمّال الآن نسبة كبيرة من سكان مرسى مطروح. كما تشكّل النزاعات بين القبائل المحلية وهؤلاء السكان الجدد على ملكية الأراضي مصدراً للتوتّر.

وقد اتّجهت قبيلة أولاد علي والقبائل الأخرى، يغذّيها جزئياً هذا الإحساس بالعزلة، إلى الفكر السلفي بصورة متزايدة ولاسيّما في مرسى مطروح والسلوم. وحقّقت السلفية المستكينة إلى حدّ كبير وغير السياسية نوعاً ما نجاحات بين أولاد علي، ما أدّى إلى استبدال القانون العرفي البدوي بالشريعة الإسلامية من بين تطوّرات أخرى. كما ساعد السلفيون في تعزيز تقارب أبناء مرسى مطروح مع الجيش المصري ضد العدو المشترك، جماعة الإخوان المسلمين.

بالنسبة إلى الجيش المصري، أثبتت عملية إعادة الاصطفاف مع القبائل أنها مفيدة في التماس المساعدة من وجهاء قبيلة أولاد علي والمجتمعات المحلية الأخرى لمكافحة انتشار الأسلحة والتجارة غير القانونية عبر الحدود. في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2013، سافر السيسي إلى مرسى مطروح في أول زيارة له من زيارات عدة، وتوصّل إلى اتفاق وافق بموجبه شيوخ القبائل المطروحية على تسليم أكثر من 1500 قطعة من الأسلحة المهرّبة إلى الحكومة بحلول كانون الأول/ديسمبر من ذلك العام. في المقابل، أسقطت الحكومة دعاوى قضائية عدة ضد رجال القبائل، ودفعت مكافآت لأُسَر أبناء القبائل الذين قُتِلوا في أعمال القمع التي أعقبت إطاحة محمد مرسي. وأعلن أحد الزعماء القبليين المحليين أن الجيش المصري هو "القبيلة السابعة" في مطروح.

اكتسبت السلطة القبلية قدراً أكبر من النفوذ في الشؤون العابرة للحدود، لأن مصر وليبيا لم تنفّذا خطط إقامة قنصليّتَين في مرسى مطروح وطبرق. بدا هذا واضحاً بصورة خاصة في المفاوضات التي جرت أواخر العام 2013 حول الإفراج عن سائقي الشاحنات المصريين الذين اختطفوا في ليبيا. جرى حلّ المأزق في نهاية المطاف عبر تدخّل وجهاء القبائل على جانبَي الحدود. وتقديراً لهذه الجهود، نظّمت المخابرات العسكرية المصرية حفلاً في مرسى مطروح لتكريم الزعماء الليبيين "الشعبيين"، أي القبليين، من أجدابيا وطبرق ومساعد، ممَّن لعبوا دوراً في الإفراج عن السائقين المختطفين.

معرفة جذور المشكلة

تجني سياسة الجيش المصري المتمثّلة برعاية النخب في أوساط قبائل الصحراء الغربية والقبائل الليبية، بعضَ الأرباح على المدى القصير. وربما يكون دعمُ الجيش للّواء خليفة حفتر من خلال الضربات الجوية الإماراتية، قد حصَّن القوى المناهضة للإسلاميين بصورة مؤقّتة.

ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية قصيرة النظر في نهاية المطاف. فالضربات الجوية لم تكن كافية لمنع قوات مصراتة ذات التوجّهات الإسلامية من السيطرة على مطار طرابلس، الذي كانت تسيطر عليه في السابق ميليشيات الزنتان المتحالفة مع حفتر. وبالتالي لايمكن لأي قدر من الدعم المصري، سواء أكان دعماً عسكرياً أم سوى ذلك، أن يفضي إلى إضعاف التهديد الإسلامي بصورة تامة بما يُرضي السيسي.

في مصر نفسها، لاتزال المشاكل الاقتصادية والهيكلية الكبيرة التي تعاني منها الصحراء الغربية، والتي تدفع إلى التهريب عبر الحدود، من دون معالجة إلى حدّ كبير. إذ تواصل القبائل المطروحية على وجه الخصوص بالمطالبة بتحقيق التنمية الاقتصادية، وتنفيذ مشاريع المياه، وإجراء مراجعة لقوانين ملكية الأرض. ولعل الأمر الأكثر مدعاة إلى القلق هو أن مراقبة الحدود المصرية أصبحت إحدى وظائف سياسة الرئيس السيسي التدخّلية بصورة متزايدة تجاه ليبيا.

ثمة حلّ دائم من شأنه أن يساهم في معالجة انعدام الأمن المستشري على الحدود المصرية–الليبي، وفي خفض حدّة التوتر بين البلدَين، ويكمن في عقد مصالحة متبادلة وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية.

وهذا يعني، في إقليم برقة في ليبيا والصحراء الغربية في مصر، إنهاء التمييز القبلي القائم على المنطقة (والمحسوبية)، واستبدال المحسوبية بنمو اقتصادي وبنية تحتية حقيقية، وإدماج هذه المناطق المُهمَّشة تاريخياً إدماجاً كاملاً في الحياة السياسية والاقتصادية في كل بلد.

بالنسبة إلى ليبيا، يقتضي الحلّ الدائم أيضاً التوسّط لوقف إطلاق النار، وعقد ميثاق وطني يستبدل الميليشيات الليبية الموجودة حالياً على الحدود بقوة حدودية أكثر تنظيماً تخضع إلى إدارة مركزية. 

وسيكون لزاماً على مصر وداعميها في الخليج وضع حدّ للتوجّه المتنامي القائم على التدخّل الضارّ في شؤون ليبيا تحت ستار مكافحة الإرهاب. 

لكن ممّا يؤسَف له أن احتمال حدوث ذلك يبدو ضئيلاً في ضوء الضربات الجوية الأخيرة.

علاء الربابعة، باحث مبتدئ في مؤسسة كارنيغي. دايفد بيشوب، باحث في مجموعة أوراسيا عمل في السابق باحثاً مبتدئاً في مؤسسة كارنيغي. يودّ المؤلفون التعبير عن امتنانهم للمساعدة التي قدّمها مختار عوض، الذي عمل باحثاً مبتدئاً في مؤسسة كارنيغي، ويعمل حالياً باحثاً مشاركاً في مركز التقدّم الأميركي.