على مدى الأشهر القليلة الماضية، أحكمت الحكومة المصرية قبضتها على المساجد والأئمة ممَّن لايحملون تصاريح لممارسة العمل الدعوي، في إطار حملة عامة استهدفت نشاط جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الدينية الموالية لها. فنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تولّى السلطة في حزيران/يونيو 2014، يولي أهميةً كبيرةً لقضية حماية مؤسّسات الدولة، متّهماً جماعة الإخوان المسلمين بالسعي إلى زعزعة استقرارها بهدف خلق حالة من الفوضى، كما يحدث في بلدان مجاورة. وتعتبر الأنشطة الدينية، على وجه الخصوص، وسيلة رئيسة للدعاية والحشد بالنسبة إلى جماعة الإخوان. ولذا فقد تم اتّخاذ عدد من التدابير لوضع حدّ للأنشطة السياسية داخل المجال الديني بقيادة محمد مختار جمعة، الذي يتولّى وزارة الأوقاف، وهي الجهة المكلّفة بالإشراف على الشؤون الدينية.

تهدف هذه السياسات إلى تعزيز سيطرة الدولة على المجال العام والأنشطة الدينية بصورة خاصة. ومع ذلك، فقد تزيد تلك السياسات الأمور صعوبة بالنسبة إلى النظام السياسي، حيث قد تفضي إلى ظهور فضاء ديني موازٍ يفلت من سيطرة مؤسّسات الدولة، ويوفّر بيئة للجماعات الإسلامية المتطرّفة لنشر أفكارها وتجنيد أعضاء جدد.

الشأن الديني في عهد مبارك 

في الوقت الذي يعطي القانون رقم 157 لسنة 1960 وزارة الأوقاف سلطة ادارة جميع المساجد في مصر، كان من الصعب تطبيق هذا القانون على أرض الواقع.

في تسعينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، أعلنت وزارة الأوقاف عن خطط للإشراف على جميع المساجد في مصر بحلول العام 2000. ومع ذلك، فإن عملية إلحاق المساجد بالوزارة، كانت حاضرة، في الغالب، في الشكل وليس في الواقع. فقد مارست الحركات الدينية مثل الإخوان المسلمين والسلفيين الأنشطة الدعوية في عدد كبير من المساجد من دون أن تسمح للأئمة المعتمدين من الوزارة باعتلاء المنابر.

يكمن أحد الأسباب الرئيسة لذلك في أن الدولة المصرية لم تملك الموارد المالية والبشرية اللازمة لإحكام قبضتها على تلك الممارسات. فلم يكن لدى الوزارة مايكفي من الأئمة المسجّلين لملء مساجد مصر. كان نقص الأموال يعني أيضاً أن الوزارة لن تتمكن من دفع رواتب العاملين في تلك المساجد، الذين يتكونون في العادة من اثنين إلى خمسة أفراد، بمن فيهم العامل والمؤذن ومقيم الشعائر والإمام.

آثرت حكومة مبارك أيضاً عدم اتّخاذ إجراءات صارمة ضد بعض التيارات الدينية. فسَعَت إلى منح بعض الجماعات الإسلامية حرية نسبية باعتبارها مكافأة لها على التزامها بعدم انتقاد نظام مبارك وأداة لضمان التزامها. أتاح مبارك للجمعيات الدينية مثل الجمعية الشرعية، وهي إحدى المنظمات الإسلامية الأكثر رسوخاً في مصر، والدعوة السلفية، هامشاً من الحرية. وفي المقابل امتنعت هذه الحركات عن انتقاد الحكومة وسياساتها.

كل هذا يعني أن الدولة كانت تسيطر وتشرف بصورة فعلية على أقلّ من نصف المساجد في مصر قبل 3 تموز/يوليو 2013، عندما تم إقصاء الرئيس التابع لجماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، عن السلطة.

السيطرة الدينية بعد عزل مرسي 

في ظل نظام الإخوان المسلمين، تم تعيين أعضاء الجماعة في مناصب رئيسة داخل وزارة الأوقاف بغضّ النظر عن مؤهّلاتهم، كجزء من محاولة للسيطرة على المساجد. سعى نظام محمد مرسي إلى استخدام الخطاب الديني لخدمة أهدافه ونزع الشرعيّة عن معارضيه. كما أوقفت الوزارة عن العمل عدد من الأئمة المعروفين بمواقفهم الناقدة لجماعة الإخوان المسلمين، كما حدث مع مظهر شاهين، إمام مسجد عمر مكرم في ميدان التحرير. وعلى خلفية شعورهم بخيبة الأمل إزاء هذه السياسات، نزل عدد من الأئمة إلى الشارع للاحتجاج على ما اعتبروه "أخونة" لوزارة الأوقاف.

بسبب هذه التدابير التي اتُّخذت خلال فترة حكم الإخوان المسلمين، بدا أن النظام الذي تولّى السلطة بعد سقوط مرسي يشعر بالقلق من أن المؤسّسات الدينية قد تشكّل تهديداً لحكمه. وبالتالي فقد سعت الحكومة المدعومة من القوات المسلحة إلى تنفيذ تدابير من شأنها أن تمنح الدولة احتكاراً مطلقاً للشأن الديني ومنع أي جماعة سياسية أخرى من منافسة الدولة. 

بدأت حملة السيطرة على المؤسّسات الدينية في آذار/مارس 2014، عندما أصدرت وزارة الأوقاف القرار الرقم 64 الذي يرمي إلى إخضاع جميع المساجد والخطب في مصر إلى سيطرتها. كان القرار يمثّل إنفاذاً للقانون الرقم 157، الذي لم يتم تنفيذه في السابق قطّ. في حزيران/يونيو، أصدر الرئيس المؤقّت آنذاك، عدلي منصور، القانون الرقم 51 الذي نظّم الخطب والدراسات الدينية في مساجد مصر. وقد حظر القانون على الأشخاص إلقاء الخطب من دون الحصول على تصريح رسمي. كان من بين الذين سُمح لهم بممارسة النشاط الدعوي خريجو الأزهر الشريف والدعاة الذين درسوا في المعاهد التابعة لوزارة الأوقاف. وفقاً للقانون نفسه، فإن وزير الأوقاف وشيخ الأزهر هما وحدهما المخوّلان بمنح تصاريح النشاط الدعوي. وقد أتاح هذا القانون للوزارة حظر 12 ألفاً من الدعاة الذين لم يحصلوا على تعليم ديني في الأزهر من الخطابة في المساجد.

وعلى نحو مماثل، جرى توحيد محتوى خطب الجمعة في جميع أنحاء مصر، حيث أصبحت وزارة الأوقاف هي التي تحدّد موضوع الخطب والأفكار الرئيسة فيها قبل الصلاة. وعلاوة على ذلك، نشرت الوزارة في حزيران/يونيو 2014، بالتعاون مع أحمد الطيب، شيخ الأزهر، ميثاق الشرف الدعوي. وقد اشترط الميثاق أن تكون جميع المساجد في مصر تحت الإشراف الحصري لوزارة الأوقاف. ونصّ الميثاق أيضاً على عدم جواز استغلال المساجد لتحقيق منافع سياسية أو حزبية أو انتخابية.

تبرّر الوزارة هذه السياسات بحجّة أنها تسعى إلى الحدّ من ظاهرة استخدام المساجد لتحقيق مكاسب انتخابية. وقد حذّر الوزير جمعة من تكرار تجربة جماعة الإخوان المسلمين في السيطرة على المجال الديني في حال فقدت الوزارة السيطرة على المساجد.

مع ذلك، وفي حين يبدو أن الإجراءات الجديدة تستهدف جماعة الإخوان المسلمين، فإنها تطال الجماعات الدينية الأخرى أيضاً، بما فيها بعض الجماعات التي كانت محايدة خلال مرحلة الصراع السياسي التي أعقبت الإطاحة بمرسي. فقد طلبت الوزارة من الجمعية الشرعية، على سبيل المثال، تسليم مساجدها ووضع معاهدها الدينية تحت إشراف الدولة. كما أنه لم يتم منح بعض المشايخ من الجماعات الأخرى التي دعمت العملية السياسية التي قادتها القوات المسلحة، مثل الدعوة السلفية، الإذن بممارسة النشاط الدعوي لأنهم اتُّهموا باستخدام أنشطتهم الدينية لخدمة الأهداف السياسية لحزب النور السلفي. وتضمّنت قائمة الدعاة الممنوعين من الخطابة نائب رئيس الدعوة السلفية الشيخ ياسر برهامي.

يحاول حزب النور الحصول على إذن رسمي من وزارة الأوقاف للسماح للشيوخ السلفيين بممارسة العمل الدعوي. ومع ذلك، تصرّ الوزارة على وجوب أن يتنصّل الدعاة السلفيون من المشاركة في الحياة السياسية قبل العودة إلى المساجد. فقد استخدام هؤلاء الدعاة المساجد خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط مبارك للتأثير على المواقف السياسية للجمهور، وخاصة خلال الانتخابات. وفي حين دعمت الدعوة السلفية تدخّل الجيش في تموز/يوليو 2013، تخشى وزارة الأوقاف من قدرتها على التعبئة، وخاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية.

تشير هذه التطورات إلى أن الوزارة لاتسعى إلى القضاء على المعارضة الحالية للنظام وحسب، بل أيضاً على أي مقاومة مستقبلية قد تنبثق عن الهيئات الدينية المختلفة أو المؤسّسات العاملة في المجال الديني. 

هل تستطيع الوزارة السيطرة على الشأن الديني؟ 

نجحت الوزارة حتى الآن في بسط سيطرتها على المساجد والدعاة في مصر. وثمّة جملة من الأسباب التي جعلت النظام الحالي ينجح حيث فشل النظام السابق. 

خلافاً لعهد مبارك، يبدو النظام السياسي الحالي بزعامة السيسي أقلّ اهتماماً بالتوصّل إلى تفاهم مع القوى الدينية، بما في ذلك الحلفاء مثل حزب النور. لابل إنه يبدو أكثر استعداداً لإحكام قبضته على الشأن الديني. ولتحقيق هذه الغاية، يعتمد النظام على دعم شريحة واسعة من المجتمع المصري وعلى الانتصار الكاسح الذي حققه السيسي في الانتخابات الرئاسية في أيار/مايو 2014. وقد عزّزت الآثار السلبية لمحاولة جماعة الإخوان المسلمين استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، ولاسيّما ارتفاع مستوى الاستقطاب داخل المجال الديني، التفويض الذي يحظى به السيسي في هذا الصدد.

بالإضافة إلى ذلك، اتّخذت الوزارة خطوات للتغلّب على نقص الموارد المالية والبشرية. فقد تمكّنت حتى الآن من حظر إقامة صلاة الجمعة في المصليات والمساجد الصغيرة وذلك للحدّ من عدد الدعاة المطلوبين. كما توسّعت الوزارة في تعيين خطباء المكافأة من خريجي الأزهر والدعاة الذين تلقّوا تدريبهم في المعاهد التابعة لوزارة الأوقاف. وفي حين يصل عدد الأئمة الدائمين إلى 58 ألفاً، فقد زادت الوزارة عدد خطباء المكافأة من 21 ألفاً إلى 38 ألفاً، بحيث بلغ العدد الإجمالي حوالي 96 ألف إمام. وهذا سيمكّن الوزارة من تغطية جميع مساجد مصر الكبيرة، التي يبلغ عددها أقل من 80 ألفاً، خلال صلاة الجمعة.

أخيراً، فإن تعيين جمعة وزيراً للأوقاف سهّل حصول هذه التغييرات. إذ عمل جمعة لسنوات في الجمعية الشرعية. وقد تمكّن في هذا الموقع من اكتساب معرفة كبيرة بطبيعة علاقة الوزارة بالجمعيات الدينية والمساجد التابعة لها. وهو يتفهّم العقبات التي حالت دون سيطرة الدولة على الشأن الديني في الماضي ويعرف التدابير العملية التي ينبغي تنفيذها للتغلّب على هذه العقبات.

قصة نجاح مؤقّتة

تغلّبت وزارة الأوقاف على العقبات المؤسّسية وهي في طريقها لبسط سيطرتها الكاملة على جميع المساجد في مصر. ومع ذلك قد تكون لهذه السياسات آثار سلبية، بما في ذلك فقدان ثقة الشعب المصري في المؤسّسة الدينية الرسمية. ومن ثمّ فقد يبحث المصريون عن خطاب ديني أكثر استقلالية، وهو ماقد يؤدّي بدوره إلى ظهور مجال ديني موازٍ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو الدراسات الدينية خارج المساجد.

يوفّر أحد النماذج السابقة مثالاً على ذلك. في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر، أضعفت السيطرة الصارمة للدولة على المؤسسات الدينية الرسمية من تأثير تلك المؤسّسات ومن مصداقيتها. فقد أصبح ينظر إليها باعتبارها مجرّد بوق للنظام السياسي. وأتاح هذا للتنظيمات الدينية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، بأن تتغلغل في جميع أنحاء المجال الديني غير الرسمي خلال سبعينيات القرن الماضي من خلال الانخراط في العمل الخيري والتعليم والعمل الدعوي. ومن خلال هذه الأنشطة، أمكن لهذه التنظيمات أن تتواصل مع المواطنين بصورة مباشرة، ما أدّى إلى زيادة شعبيتها بين الجمهور. فبينما بدت المؤسّسات الدينية الرسمية أقلّ مصداقية وفاعلية، أثبتت التنظيمات الإسلامية الاخرى أنها مستقلّة ومنظّمة. 

يتميّز الحقل الديني الإسلامي بتنوّع في الأفكار والهياكل التنظيمية، الأمر الذي يجعل من المستحيل تطبيق سياسات تأميم موحّدة عليه. كما أن رغبة الدولة في السيطرة على المجال الديني لاتترك لقطاع من المصريين، ولاسيّما الشباب، مجالاً للتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم ماقد يدفعهم إلى البحث عن منافذ أخرى.

يمكن للفضاءات الدينية الموازية – التي ترعاها الدولة مقابل الفضاءات المستقلة - أن توفّر أرضاً خصبة لعمل الحركات الدينية العنيفة الناشئة حديثاً، مثل أجناد مصر، والتي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات عدّة على قوات الشرطة في الأشهر الأخيرة.

خلافاً للسياسات الحالية التي تتّبعها الوزارة، يجب على الدولة أن تحتوي الحركات الدينية المختلفة في مصر بدلاً من أن تستبعدها. فعلى الدولة المصرية، ممثّلة في وزارة الأوقاف، أن تتولّى إدارة الشأن الديني استناداً إلى قواعد نزيهة وعادلة تطبّق من دون استثناء على جميع الفاعلين الدينيين. وفي سياق محاولة الاحتواء هذه، فإن أي تدخّل من جانب الوزارة يجب أن يقتصر على الحالات التي ينتهك فيها الخطاب الديني القانون، مثل التحريض على العنف أو الكراهية. ومن شأن هذا النهج أن يحقّق قدراً أكبر من النجاح للحدّ من العنف والتطرّف وتعزيز هدف الدولة طويل الأجل في ضمان الاستقرار.

جورج فهمي باحث في منتدى البدائل العربي في مصر. حاصل على الدكتوراه من معهد الجامعة الأوروبية في إيطاليا. تشمل اهتماماته البحثية العلاقات بين الشأن الديني والدولة وإرساء الديمقراطية والأقليات الدينية في الشرق الأوسط.