بعد أكثر من سنوات ثلاث على سقوط الزعيم معمر القذافي، تعيش ليبيا في خضمّ حرب أهلية مريرة تكمن جذورها في توازن الضعف بين الفصائل السياسية والجماعات المسلحة في البلاد. ونتيجة لتمزّق المشهد المحلي بسبب المطالبات المتنافسة على السلطة ومع تدخّل الجهات الإقليمية الفاعلة الذي يعمل على ترسيخ الانقسامات، سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل استعادة الاستقرار في ليبيا وبناء هيكل أمني موحّد من دون إجراء مصالحة سياسية شاملة.

سياسات استقطابية ومؤسّسات أمنية محطّمة 

  • بعد سقوط القذافي، تحوّل قطاع الأمن في ليبيا إلى نظام هجين، تميّز بتعاون فضفاض وغير متوازن بين الجماعات المسلحة المنظّمة محلياً التي ترعاها الدولة وبين الجيش الوطني والشرطة.
     
  • انهار النظام عندما ازدادت وتيرة الاستقطاب في المؤسّسات السياسية والأمنية وفق انقسامات مناطقية ومجتمعية وإيديولوجية.
     
  • البلاد منقسمة الآن بين معسكرين متحاربين: "عملية الكرامة"، وهي تحالف يتكون من قبائل المنطقة الشرقية وأنصار الفيدرالية والوحدات العسكرية الساخطة. و"عملية الفجر"، وهي تحالف من القوى الإسلامية المتحالفة مع جماعات مسلحة من مصراتة. كل معسكر يدّعي بأنه يملك الحكم والشرعية، وله برلمانه وجيشه ورئيس وزرائه الخاص.
     
  • أسهم الدعم الإقليمي لكلا المعسكرين - تدعم مصر والإمارات العربية المتحدة "عملية الكرامة"، في حين تدعم قطر وتركيا والسودان "عملية الفجر" – في تعميق هذه الانقسامات.
     
  • فشلت الجهود الخارجية لتدريب وتجهيز المؤسّسات الأمنية في ليبيا بسبب هذا الاستقطاب. إذ لايوجد هيكل قيادة فعّال، حيث لجأ المتدرّبون إلى الولاءات المناطقية أو هم في إجازة مفتوحة بسبب عدم وجود هيكل عسكري يمكنهم الانضمام إليه.

توصيات لقادة ليبيا والأطراف الخارجية التي تدعمهم 

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

تطبيق وقف إطلاق النار بين الكرامة والفجر وتأمين انسحاب القوات المشاركة في الحملات العسكرية التي يقوم بها الطرفان. ينبغي أن تخرج الوحدات العسكرية الخاصة بالتحالفين من المدن الكبرى، كما ينبغي حلّ الوحدات التي هاجمت المدنيين أو المنشآت المدنية.

الدفع باتجاه تشكيل حكومة انتقالية تشمل جميع الفصائل. ينبغي أن يشمل ذلكصيغة لتقاسم السلطة تحفظ ماء وجه كل السياسيين وتضمّ أنصار "الكرامة" و"الفجر"، هذا إذا كفّ التحالفان عن دعم الجماعات الإرهابية ومهاجمة المنشآت المدنية.

إبرام اتفاق إقليمي ضدّ التدخّل العسكري في شؤون ليبيا. ينبغي على القوى الخارجية الكفّ عن تجهيز وتمويل الجماعات المسلحة، ودفع حلفائها في ليبيا باتجاه المصالحة. ويُعتبر اتفاق عدم التدخل الذي تم توقيعه في أيلول/سبتمبر 2014، ويشمل مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا، بداية مشجّعة.

دعم تطوير بنية أمنية وجيش وطني وقوة شرطة جديدة في ليبيا، عبر تسخير واستخدام المبادرات الأمنية المحلية. بعد صياغة ميثاق سياسي جامع، يتعيّن على الولايات المتحدة وحلفاؤها التركيز على دعم إقامة بنية دفاعية يسيطر عليها المدنيون، وقوات تعتمد على المجالس المحلية، وجهود نزع السلاح والتسريح المحلية.

مقدّمة 

تبدو ليبيا منقسمة بعد رحيل الزعيم معمر القذافي. فمنذ منتصف العام 2014، اتّخذت البلاد مساراً متصاعداً نحو الحرب الأهلية. وتخوض الجماعات المسلحة المتناحرة قتالاً من أجل السيطرة على مطار طرابلس الدولي. ففي الشرق يقوم فصيل منشق عن القوات المسلحة الليبية بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، بقصف الجماعات الإسلامية المسلحة في بنغازي وماحولها. وقد تم إجلاء الدبلوماسيين الأجانب ورجال الأعمال والعاملين في بعثة الأمم المتحدة وموظفي السفارة الأميركية. واتّخذ الصراع منعطفاً إقليمياً خطيراً بسبب الضربات الجوية التي شنّتها طائرات إماراتية أقلعت من قواعد عسكرية مصرية ضد مواقع الجماعات الإسلامية المسلحة المتحالفة مع مدينة مصراتة.

توجد في ليبيا بالفعل حكومتان متنافستان. إحداهما في طرابلس، حيث استولى تحالف من الجماعات المسلحة من مصراتة ومدن أخرى في غرب ليبيا، جنباً إلى جنب مع الإسلاميين، على المطار والوزارات. والحكومة الأخرى موجودة في طبرق، حيث اجتمع مجلس النواب المنتخب حديثاً والحكومة التي يهيمن عليها أنصار حفتر وأنصار الفيدرالية. وبالتالي فإن القوات المسلحة الليبية، الرسمية منها وغير الرسمية على حدّ سواء، هي أساساً في حالة حرب مع بعضها البعض، حيث يحظى كل فصيل بدعم كوكبة من القبائل والمدن.

القوات المسلحة الليبية، الرسمية منها وغير الرسمية على حدّ سواء، هي أساساً في حالة حرب مع بعضها البعض، حيث يحظى كل فصيل بدعم كوكبة من القبائل والمدن.

غالباً مايميل المراقبون الخارجيون إلى قراءة ذات بعد واحد للاضطرابات في ليبيا. لذا يبدو من السهل أن يُفسَّر انهيار ليبيا على أنه صراع سياسي بين الإسلاميين والليبراليين: حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين والفصائل الجهادية الرافضة مثل "أنصار الشريعة"، مقابل "الليبراليين" المنضوين تحت لواء تحالف القوى الوطنية. وهناك مستوى آخر للصراع يبدو مناطقياً يتمثّل في التنافس بين مدينتي الزنتان ومصراتة في الشرق على القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي في طرابلس، أو بين أنصار الفيدرالية وخصومهم في الشرق المهمَّش منذ فترة طويلة. وثمّة طبقة إضافية تتكوّن من بقايا النظام القديم - رجال الأمن السابقين والضباط المتقاعدين الذين أمضوا سنوات طويلة في الخدمة والتكنوقراط السابقين من عهد القذافي - وكادر أحدث وأصغر سناً ممن نعتوا أنفسهم بـ "الثوار" وهم إسلاميون في الغالب ممن تم نفيهم أو سجنهم أو كلا الأمرين، خلال حكم الدكتاتور.

والواقع أن عناصر جميع هذه الأبعاد تبدو مؤثّرة، بيد أن أيّاً منها لايملك بمفرده قوة تفسيرية كافية. فالعنف في ليبيا، في جوهره، شأن محلي جداً، وهو نابع من شبكات المحسوبية المتجذّرة التي تقاتل من أجل الموارد الاقتصادية والسلطة السياسية، في دولة تعاني من فراغ مؤسّسي واسع ومن غياب حكم مركزي يملك قوة راجحة. ويعاني البلد في الأساس من توازن الضعف بين الفصائل السياسية والجماعات المسلحة. فليس ثمّة كيان واحد يمكنه أن يجبر الآخرين على التصرّف عن طريق الإكراه، غير أن كل كيان قوي يملك من القوة مايكفي للاعتراض على الآخرين.

يشكّل مشهد الاستقطاب السياسي الحالي وقطاع الأمن المحطّم معضلة عميقة للمجتمع الدولي. إذ تبدو إحدى المقاربات السابقة لدعم مؤسّسات الدولة إشكالية عندما تكون تلك المؤسّسات، سواء الجيش أو البرلمان أو الوزارات، منقسمة بالفعل بين فصيلين متحاربين. وبالمثل، فإن الجهود التي تم التخطيط لها منذ فترة طويلة لتدريب الجيش الليبي، لايمكن أن تمضي قدماً إلا بعد وقف إطلاق النار وإجراء مصالحة سياسية تفضي إلى الاتفاق على خريطة طريق واضحة المعالم لإصلاح المؤسّسات الأمنية.

وإذا ماتم أخذ ذلك في الاعتبار، فإن الحلّ النهائي لمشاكل الأمن في ليبيا يكمن في وضع الحلول الأمنية في سياق محدّد والتوصل إلى اتفاق سياسي الشامل ووضع دستور وقيام حكومة تمثيلية. وبالتالي فهذا هو أحد المجالات التي يمكن للجهات الخارجية من خلالها تقديم المشورة والمساعدة المحسوبة، غير أن الليبيين أنفسهم هم من ينبغي أن يتحمّلوا العبء الأساسي.

الجماعات المسلحة 

في كثير من الأحيان، يُعتقَد أن الجماعات المسلحة في ليبيا هي خارج المجتمع والدولة الليبيين، غير أن الواقع يؤكّد أنها متداخلة جدّاً فيهما كليهما. 

أحد الألغاز في ليبيا يكمن في أن كل الجماعات المسلحة تقريباً تدّعي أنها تملك الشرعية بسبب انتمائها إلى الأجهزة المتنافسة في الحكومة الضعيفة والمنقسمة. ولعلّ منشأ الدعم الحكومي لهذه الجماعات يكمن في الحالة الضعيفة للجيش والشرطة النظاميين. فقد همّش معمر القذافي تلك القوى لصالح وحدات النخبة التي يقودها أبناؤه، وتبخّر الجيش والشرطة إلى حدّ كبير خلال الثورة التي أطاحت القذافي. وبسبب تجريدها من وسيلة لإبراز سلطتها والحفاظ على الأمن على الحدود الخارجية للبلاد وفي البلدات، وضعت السلطة الانتقالية في ليبيا التي تولّت السلطة بعد القذافي - المجلس الوطني الانتقالي - الجماعات المسلحة على جدول الرواتب الخاص بها. ولذا فإن رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته (الهيئة التشريعية التي خلفت المجلس الوطني الانتقالي) "أدرجوا" في سجلاتهم أو "فوّضوا" جميعاً في وقت واحد تحالفات الجماعات المسلحة. وتمثّلت إحدى نتائج هذا الدعم في تكاثر الجماعات المسلحة على نحو يتجاوز بالفعل عدد الجماعات التي قاتلت ضد القذافي.

ولعلّ أفضل وصف لما نشأ بعد ذلك هو أنه نظام أمن هجين.1  ويبدو هذا المفهوم مفيداً في الحالة الليبية لوصف كيف أن القوات "الرسمية" للجيش والشرطة تعمل بتنسيق فضفاض ومشبوه في الغالب مع جماعات مسلحة "غير رسمية" أكثر قوة تخضع اسمياً لأوامر الحكومة المدعومة من السلطات القبلية والدينية التقليدية.

كانت نتائج هذا التنظيم في ليبيا متفاوتة وتعتمد بصورة كبيرة على المكان. في بعض المجتمعات المتجانسة حيث تتمتّع الجماعات المسلحة بجذور وعلاقات اجتماعية طبيعية، لعبت تلك القوى دوراً هو أقرب إلى دور قوات الدرك المحلية، وقامت بأداء وظائف مثل منع المخدرات وحراسة المدارس والمستشفيات وحتى صيانة الشوارع. ولكن في الأماكن المختلطة أو ذات الأهمية الاستراتيجية، أي طرابلس وبنغازي، تطوّرت تلك القوى وتحوّلت إلى كيانات طفيلية ومفترسة خطيرة، تسعى إلى تحقيق أجندات إجرامية وسياسية وإيديولوجية في آن.

خلافاً لبعض الافتراضات، لايمكن لأي فصيل أن يكون بمنأى عن اللوم في هذا المجال. فقد استخدمت كل الجماعات المسلحة الإسلامية والمصراتية والزنتانية وتلك التي تؤيّد الفيدرالية القوة أو التهديد باستخدام القوة للضغط على المؤسّسات المنتخبة والاستحواذ على عمليات التهريب في البلاد، أو الاستيلاء على الأصول الاستراتيجية مثل نقاط التفتيش الحدودية ومرافق النفط ومستودعات الأسلحة والموانئ، وربما الأهم من ذلك، المطارات.

ينطبق هذا الأمر بصورة خاصة على جماعات الزنتان ومصراتة المسلحة التي اشتهرت بنهب العاصمة اقتصادياً. خذ على سبيل المثال، لواء القعقاع سيئ السمعة، الذي يتشكّل في معظمه من الزنتانيين غير أنه يتمركز في طرابلس. قائده، عثمان مليقطة، رجل قوي وملتحٍ التقيته في مجمّع وحدته الذي يخضع إلى حراسة مشدّدة في غرب طرابلس. وقد كشفت ممرات مكاتب مليقطة عن كفاءة بيروقراطية والتزام بالشكليات تجاوز ماهو موجود في وزارة الدفاع. فهناك غرفة انتظار ومكتب للبروتوكول، وقسم للخدمات اللوجستية والمرتبات، وجميعها لافتة للنظر بصورة واضحة.

في أوائل العام 2012 قال مليقطة: "قرّرنا أن هدفنا هو الحفاظ على العاصمة آمنة. وبمجرّد أن يعود كل شيء إلى طبيعته سنتخلّى عن سلاحنا". بيد أن من الصعب التكهّن بما ستبدو عليه تلك العودة إلى الحالة الطبيعية، خاصة أن اللواء أصبح لاعباً رئيساً في عالم الجريمة في طرابلس. من الناحية الرسمية، لواء القعقاع تابع لرئيس أركان الجيش، ويوفر الأمن على طول الحدود التي يسهل اختراقها في جنوب غرب البلاد، ويحرس المنشآت النفطية في الحقول الجنوبية. لكن اللواء معروف على نطاق واسع باعتباره أكثر الجماعات المسلحة في طرابلس لصوصية وشبهاً بالمافيا.

في الآونة الأخيرة، انخرط لواء القعقاع في الشأن السياسي بشكل متزايد، وهو يتصرف بالفعل باعتباره الجناح المسلّح لحزب رئيس الوزراء السابق محمود جبريل، تحالف القوى الوطنية، (شقيق مليقطة هو رئيس اللجنة القيادية للتحالف).2  في كانون الثاني/يناير، هدّد رجال مليقطة بإغلاق المجلس التشريعي المنتخب ردّاً على خطوة خصومه الألدّاء، المصراتيين، بتمديد ولاية المؤتمر الوطني العام. كانت تلك واحدة من المحاولات شبه الانقلابية العديدة التي بشرّت بفصل جديد وخطير في رحلة ليبيا المضطربة.3

حافظ تقسيم مناطق النفوذ كأمر واقع بين جماعات الزنتان ومصراتة المسلحة، والذي سيطرت بموجبه الميليشيات المحلية التي تحالفت مع مختلف البلدات على الوزارات والمواقع الاستراتيجية مثل المطارات، على سلام هشّ تميّز باشتباكات دوريّة. مع ذلك، حملت هذه الترتيبات على الدوام بذور عنف أكبر، خاصة منذ أن بدأت جماعات الزنتان باستغلال سيطرتها على مطار طرابلس الدولي لتلقّي أسلحة من الخارج. وفي سياق الاستقطاب المتزايد في المؤتمر الوطني العام وإطلاق "عملية الكرامة" بقيادة الجنرال حفتر في الشرق، تصاعد الاستقطاب ليتحوّل إلى قتال مفتوح.

يعكس وجود الجماعات الإسلامية المسلحة في الشرق الغربة المديدة لتلك المنطقة عن المركز وزيادة تبنّي التقوى والنقاء الأخلاقي.

في الوقت نفسه، يعكس وجود الجماعات الإسلامية المسلحة في الشرق الغربة المديدة لتلك المنطقة عن المركز وزيادة تبنّي التقوى والنقاء الأخلاقي. ظهرت أقوى هذه الجماعات في الأيام الأولى للانتفاضة المناهضة للقذافي، وهي تشمل لواء شهداء ثورة 17 فبراير وسرايا راف الله السحاتي ولواء شهداء الزاوية ولواء الشهيد عمر المختار ولواء شهداء أبو سليم وكتائب شهداء ليبيا الحرة. توافد الشباب القلقون والمتململون من الشرق إلى صفوف هذه الجماعات، يدفعهم إلى ذلك الالتزام بالقواعد الأخلاقية ورفقة السلاح وحب المغامرة والرواتب. قلّة من هؤلاء كانت لديهم خيارات أخرى. فقد ظهر على لائحة أسماء مجندي إحدى هذه الوحدات، "لواء شهداء الزاوية"، عدد من فئات العمالة قبل الثورة بتكرار مثبط: عامل مياوم أو عاطل عن العمل أو ميكانيكي أو طالب. وقد وجد هؤلاء الشبان هدفاً جديداً عبر قتال القوات الموالية. وعندما سقط القذافي، وجد هؤلاء صعوبة في العودة إلى ما كانوا عليه من قبل.

يرفض الكثيرون الآن تسليم الأسلحة والتسريح والاندماج في جهاز الأمن الرسمي. فهم يطلبون بأن يتم أولاً "تطهير" قوات الأمن النظامية من موظفي عهد القذافي، بصفته ليس مجرّد واجب سياسي بل أخلاقي. ويحمل الإسلاميون بانتظام على مؤسّسات الدولة باعتبارها ملوّثة من جانب أنصار النظام السابق الساقطين أخلاقياً. فهم "ملاحقونو للنساء ومدمنون للمخدرات"، على حدّ قول قائد إسلامي. وثمّة شرط مسبق آخر يتمثّل في تطبيق دستور يقوم على الشريعة الإسلامية ويصون الحرمة الأخلاقية للجيش. إذ قال القائد السابق لسرايا راف الله السحاتي، إسماعيل الصلابي، في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، مستخدماً المصطلح الإسلامي القوي "الطاغية": "نحن نريد جيشاً يدافع عن الشريعة الإسلامية والشعب، وليس عن الطاغوت". مع ذلك، وعلى الرغم من كرههم للمؤسّسات التي كانت قائمة في عهد القذافي، لايعمل هؤلاء الإسلاميون تماماً خارج حظيرة سلطة الدولة.

قطاع الأمن الهجين

ترتبط كل الجماعات المسلحة العاملة في ليبيا تقريباً بالدولة بطريقة ما، ما أدّى إلى ترسيخ نظام هجين بين القوات الرسمية وغير الرسمية. ينبثق هذا النظام من مجموعة مفجعة من السياسات التي سنّتها الحكومة الانتقالية الضعيفة وغير المنتخبة والمجلس الوطني الانتقالي بعد سقوط القذافي، في أواخر العام 2011 وأوائل العام 2012.

وبسبب حرمانه من وسيلة لإبراز سلطته الضعيفة والحفاظ على النظام، حاول المجلس الوطني الانتقالي تكريس قدر من السيطرة على الجماعات المسلحة من خلال وضعها على جدول الرواتب الخاص به. كانت الفكرة تهدف إلى تسخير قوة الثوار البشرية والنارية لملء الفراغ الأمني  الذي خلّفته الشرطة والجيش غير الموجودين تقريباً واللذان كان ينظر إلى فلولهما باعتبارهم ملوثين في مرحلة ما بعد الثورة بسبب ارتباطهم بحكم القذافي. الأهم من ذلك هو أن القصد من تقديم الدعم المالي للجماعات المسلحة كان استخدامها لقمع الاندلاع المتكرر بصورة متزايدة للاقتتال الطائفي والعرقي الذي كان يحتدم في البلاد.

مع مرور الوقت، وضعت معظم الجماعات المسلحة نفسها تحت إمرة رئيس هيئة الأركان ووزارة الدفاع. انضم الكثيرون إلى قوة درع ليبيا، التي كانت بمثابة جيش البلاد، وجهاز الأمن الوقائي، وهو جهاز مكافحة التجسّس والتحقيقات الذي نشأ في الأيام الأولى للثورة لاجتثاث الموالين للقذافي. وانضم آخرون إلى اللجنة الأمنية العليا في وزارة الداخلية التي كانت مهامها تشبه تقريباً مهام الشرطة. كانت اللجنة الأمنية العليا على الدوام أقوى في طرابلس منها في المناطق الأخرى. ولأن الجماعات المسلحة كلها انضمت إلى قوات اللجنة الأمنية العليا ودرع ليبيا، فقد حافظت الهياكل الجديدة على تماسك الجماعات المسلحة وعلى منظورها ضيق الأفق، وإن كان ذلك تحت غطاء الدولة.

وفقاً لما يقوله الجميع، كان أثر هذا النظام الهجين متفاوتاً، إن لم يكن سلبياً على استقرار ليبيا وديمقراطيتها الهشّة. فقد دعمت الحكومة درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، وهو ماتمخّض عن تأثير غير مرغوب فيه تمثّل في تضخّم حجم الجماعات المسلحة التي كانت تشكّل الكتلة الأكبر من القوات التي توافد الشباب إلى صفوفها، يدفعهم إلى ذلك الوعد براتب ثابت يتجاوز كثيراً راتب رجال الشرطة والجيش.

ولأنها كانت مفوّضة بالفعل من جانب الحكومة ولديها وفرة من الأموال، أصبحت الجماعات المسلحة أكثر جرأة في سعيها إلى تحقيق أجندات سياسية تخدم المصالح الذاتية على نحو متزايد. كانت هياكل درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، في أحسن الأحوال، وسائل استخدمتها الحكومة الليبية لتأمين القوة النارية عند الحاجة لتهدئة الأزمات. غير أن الهياكل الجديدة أصبحت تتمتّع بوجود مستقلّ، وأحبطت جهود بناء الجيش النظامي. وإذ يشير الليبيون إلى هذه القوات باعتبارها دولة ظل أمنية وجيشاً موازياً، أو الأسوأ من ذلك، أنها تجسيد جديد للجان "الشعبية" و"الثورية" المخيفة التي روّعت البلاد في عهد القذافي.

كانت القوات المسلحة النظامية والشرطة تأتي في المرتبة الثانية بعد قوة درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا وعدد من القوات شبه العسكرية الأخرى، وهو النظام الذي يعكس النسق الذي كان موجوداً في غسق حكم القذافي. يومها تخلّت قوات الجيش والشرطة عن إدارة وتنفيذ المهام التنفيذية لكل من الكتائب الأمنية بقيادة أبناء القذافي وجهاز الأمن الداخلي الذي كان يخضع مباشرة إلى إشراف مكتب القذافي.

في أجزاء عديدة من البلاد، تتحكم الجماعات المسلحة، لاالجيش،  بوزارات الدفاع والثكنات والقواعد ومستودعات الذخيرة.

القوات المسلحة الرسمية في ليبيا اليوم، تعاني من سوء التجهيز وضعف التدريب والتضخم في الرتب العليا. وفي أجزاء عديدة من البلاد، تتحكم الجماعات المسلحة، لاالجيش،  بوزارات الدفاع والثكنات والقواعد ومستودعات الذخيرة. ويبدو أداء قوة الشرطة أفضل قليلاً، إلا أنها لاتزال غير مهيأة للتعامل مع مهام حفظ الأمن والنظام الصعبة والمحفوفة بالمخاطر.

في الأغلب، تعمل القوات النظامية والجماعات المسلحة في مسارين متوازيين. كانت هناك حالات قليلة لوحدات مختلطة يندمج فيها أفراد الجماعات المسلحة وقوات الجيش النظامي بصورة كاملة. ولكن في معظم الحالات، تتميّز العلاقة بين الجانبين بالازدواجية والعداء وانعدام التنسيق. ولطالما كانت علاقات الجيش النظامي عدائية مع قوات درع ليبيا والقوات شبه العسكرية الأخرى، إذ ينظر كبار ضباط الجيش إلى قوات درع ليبيا باعتبارها مجموعة سيئة الانضباط ومسيّسة إلى حدّ كبير وإسلامية. وفي الوقت نفسه، تنظر قوات درع ليبيا إلى الجيش النظامي باعتباره قوة جوفاء وفاسدة وغير مستقرّة. وتتميّز علاقة اللجنة الأمنية العليا مع الشرطة بنوع مماثل من عدم الثقة، ويُنظر إلى الشرطة باعتبارها عاجزة وعديمة الأهلية وملوّثة بإرث الانتماء لنظام القذافي. من جهتها، تنظر الشرطة إلى قوات اللجنة الأمنية العليا، مثل وحدات درع ليبيا، باعتبارها جامحة وعقائدية وإجرامية.

طوّرت التشكيلات الأمنية الهجينة الجديدة، درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، مقاربة "منفّذ الحرائق وإطفائيّها في آن" تجاه أمن ليبيا. فقد برّرت استمرار فائدتها ووجودها للحكومة الهشّة على أساس قدرتها على التعاطي مع أمن الأحياء والقبض على مهرّبي المخدرات وقمع اندلاع القتال الطائفي والعرقي في أقاليم البلاد النائية. لكن، وفي كثير من الحالات، كان أفراد قوات درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا، وغيرها من الجماعات المسلحة "المسجّلة"، يزيدون حالة عدم الاستقرار في البلاد سوءاً، إما بالتورّط مباشرة في النشاط الإجرامي أو بالقتال كمحازبين في الصراعات التي يفترض بهم قمعها.

قوة درع ليبيا: جيوش الظل

يشير العديد من الليبيين إلى مشروع درع ليبيا باعتباره الخطيئة الأصلية للمجلس الوطني الانتقالي، أي صفقة فاوستية (مع الشيطان) خاسرة وضعت البلاد على مسار تنازلي سريع. فقد شكا أحد كبار المسؤولين من أن "قوات درع ليبيا هي بمثابة فرانكشتاين".4 

أخذ القادة الأقوياء في الجماعات المسلحة الثورية على عاتقهم مشروع درع ليبيا كوسيلة لمقاومة إدماجهم في الجيش الليبي النظامي، الذي كانوا يكرهونه بسب ارتباطه بالنظام القديم. وضعت الحكومة الليبية الانتقالية قوات درع ليبيا تحت إمرة رئيس أركان الجيش، الجنرال يوسف منقوش. وبسبب عدم امتلاكها جيشاً وشرطة، نشرت الحكومة درع ليبيا لوقف القتال العرقي والقبلي في جميع أنحاء البلاد. لقد تصرّفت قوات درع ليبيا، على حدّ تعبير مستشار غربي، باعتبارها "فرق الإطفاء في البلاد."

في غضون العامين الماضيين، أصبح درع ليبيا "جيش ظل" تمكّن من التفوق بسرعة على سلطة القوات النظامية. فالراتب الشهري الحكومي لأحد أفراد درع ليبيا يفوق راتب الشرطي النظامي والمجنّد في الجيش، وهو مالم يوفر حافزاً لأفراد الجماعات المسلحة أو المجنّدين المحتملين للانضمام إلى القوات الرسمية للحكومة. وفي حالات أخرى، يحدث انخفاض في أعداد المتقدمين يصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف. وبسبب نظام المدفوعات المباشرة غير المنظّم لقادة الجماعات المسلحة وعدم وجود نظام تسجيل فعّال، قد يكون أحد الشباب عضواً في درع ليبيا وفي الشرطة في الوقت نفسه، بينما لاتزال جماعته المسلحة المحلية التي صُنّفت ضمن درع ليبيا تعمل بشكل مستقل. 

من الناحية التنظيمية، هناك اثنتا عشرة فرقة تابعة لدرع ليبيا منتشرة في جميع أنحاء البلاد. وكل فرقة من الدرع متحالفة مع منطقة معينة. 

وفق المخططات التنظيمية الرسمية، يتولّى قيادة الفرقة ضابط في الجيش الليبي النظامي وعادة ما يكون برتبة عقيد. لكن الواقع أن قائد التشكيل المسلح الذي يشكّل رجاله فرقة درع ليبيا هو صاحب الكلمة الفصل.

يتمثّل الخلل الفاقع الأكثر عرضة للنقد والاتهام في هذا النظام في أن الدرع يحافظ على بنية وتماسك الجماعات المسلحة. فرؤساء التشكيلات المسلحة الفردية أحرار في السعي إلى تحقيق أجنداتهم الخاصة، سواء الإيديولوجية أو الإقليمية أو الإجرامية، بينما يعمل أحدهم كقائد في درع ليبيا، وذلك باستخدام تفويض الحكومة الرسمي كغطاء. وقد أدّى هذا إلى زعزعة الاستقرار، ولاسيّما خلال القتال المتواصل بين جماعات الزنتان ومصراتة المسلحة في العاصمة.

تتكوّن فرق درع ليبيا من شباب المدن والمحافظات التي ترابط فيها، وهي تعكس الأجندات والنظرات ضيقة الأفق لتلك المناطق. على سبيل المثال، درع المنطقة الوسطى مصراتي إلى حدّ كبير، وقوات درع ليبيا الأولى التي تتمركز في بنغازي ذات صبغة إسلامية شرقية، إضافة إلى مكوّنها القبلي القوي. في بعض الحالات، تكون فرقة الدرع كلها جماعة مسلحة غيّرت انتماءها، وهذا هو حال فرقة درع ليبيا السابعة، التي تتكوّن من سرايا راف الله السحاتي.5 

تختلف أحجام الفرق ولكنها لاتتجاوز في العادة 1000 فرد، وهو الحدّ الذي يعكس الأصول المحلية للتشكيلات المسلحة وعدم قدرتها، لجملة من الأسباب الشخصية والمتعلقة بمناطق النفوذ، على الاندماج في هياكل أكبر.6  أما الخلافات والانشقاقات فهي أمر شائع. وقد ظهرت فرق جديدة لدرع ليبيا وذلك كنتيجة للصراعات الشخصية بين قادتها.

في منتصف العام 2012، طرح العقيد سالم جحا، وهو قائد درع يتمركز في مصراتة، اقتراحاً لتحويل درع ليبيا إلى فرع رسمي أكثر نظامية  من الجيش. ويعدّ جحا هذا شخصية أسطورية في الأوساط المصراتية. فبوصفه ضابطاً سابقاً في سلاح المدفعية، قاد جحا عملية الدفاع عن المدينة أثناء الحصار الأسطوري لها من جانب قوات القذافي. بعد الحرب، نال جحا استحسان جميع الفصائل لكونه عملياً وغير حزبي على نحو غير مألوف حيال المسار المستقبلي لقطاع الأمن في ليبيا.

تحدث جحا بتفاؤل في صيف العام 2012 عن الوسائل التي ستؤدي خطته من خلالها إلى تقليص استقلالية الجماعات المسلحة. إذ سيعمل أفراد الدرع، في الواقع، باعتبارهم القوة العسكرية الاحتياطية للبلاد، ويتدربون لمدة شهر واحد في السنة، ويتلقون في المقابل راتباً شهرياً ويحصلون على مزايا طبية لهم ولأسرهم. وسيخدم الجنود في وحدات ترابط محلياً قريباً من بلداتهم بعقود لمدة سنتين. وسينضمّ المجندون إليها كأفراد، وليس كجزء من تشكيل مسلح. كانت عملية جمع الأسلحة في البلاد جزءاً لايتجزأ من الخطة، حيث تقوم الجماعات المسلحة بتسليم الأسلحة الثقيلة كالمدفعية والدبابات وصواريخ غراد من الحقبة السوفييتية، والبنادق عديمة الارتداد إلى قوات الدرع. وتقوم الحكومة بإعادة شراء الأسلحة المتوسطة مثل المدافع من عيار14.5 و23 ملليمتر المضادة للطائرات، إضافة إلى صواريخ "ميلان" و"كورنيت" المضادة للدبابات التي كانت تشكّل الدعامة الأساسية لثورة العام 2011. وسيتم الإبقاء على مخازن تلك الأسلحة في "مناطق عسكرية" إقليمية يشرف عليها قادة الدرع المحليون.7 

كان جحا يعدّ العدة بكل جدّية لانتقال درع ليبيا إلى قوة احتياطية لتفكيك الجماعات المسلحة ومؤيديها السياسيين، والمجالس العسكرية المحلية في مدن ليبيا التي أنشئت أثناء وبعد الثورة لتنظيم الجماعات المسلحة والدفاع عن أفرادها على المستوى الوطني. قال جحا: "ليست هناك حاجة لها بعد الآن. فقد كانت نتاج الحرب. وهي تمثّل الآن حكومة الظل ولابدّ أن تختفي"

غير أنه كان من الصعب صرف النظر عن الخطة باعتبارها وسيلة للحفاظ على صلاحيات الجماعات المسلحة ووضع درع ليبيا كهيكل موازٍ للجيش الوطني وكوسيلة للتحوّط في مواجهة الأوضاع السياسية غير المواتية في طرابلس. وبالتالي لايبدو مستغرباً أن خطة الاحتياطي نشأت في مصراتة، نظراً إلى سمعة المدينة من حيث استقلالية القرار ووجود جماعات مسلحة قوية فيها، ومطالبتها بمرجعية الثورة. قال جحا: "مصراتة سوف تبدأ هذه المبادرة، ونحن على ثقة بأن مدناً أخرى ستحذو حذوها".

في نهاية المطاف، انهارت الخطة بسبب معارضتها في كلٍّ من مصراتة والطيف السياسي الأوسع في ليبيا. حدث هذا إلى حدّ كبير لأن مشروع جحا انتهك أحد الركائز الأساسية لمبدأ نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. فقد حاول جمع أسلحة الجماعات المسلحة قبل التوصل إلى توافق سياسي شامل. كما واجه جحا زيادة التحرّش والتهديد باستخدام العنف من متشدّدي مصراتة الذين يعارضون مقاربته الشاملة. وبعدها، غادر البلاد ليعمل بوظيفة الملحق العسكري الليبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وبالتالي فإن ما تظهره حادثة جحا هو أن الخلافات السياسية عميقة الجذور أحبطت حتى الخطط غير الحزبية المشجعة، وهي تُديم الهيكل الهجين الموازي.

منذ ذلك الحين، اكتسبت فرق درع ليبيا زخمها الخاص، وقدّمت نفسها باعتبارها الدعامة التي لاغنى عنها في المرحلة الانتقالية في ليبيا. على سبيل المثال، ألقت فرقة درع ليبيا الرابعة ظلالاً من الشك على الفكرة القائلة إنه يمكن أن يكون هناك بديل صالح لدرع ليبيا، في ظل غياب "جيش محترم وقوي يملك عقيدة عسكرية حقيقية وواضحة تحظى بثقة كل الليبيين".8  وأوصت بيانات أخرى على أن قوات درع ليبيا كانت تحمي الجيش الهشّ، حيث حذّر القادة من أنهم سيتحركون ضد كل من يقترب من قواعد سلاح الجو أو المعسكرات أو مقرّ قيادة الجيش.9  لكن النقاد يقولون خلاف ذلك. إذ قال أحد المراقبين: "أسهمت قوات درع ليبيا بالفعل في توسيع الفجوة بين الثوار والجنود".

في جميع الحالات تقريباً التي تم فيها إرسال فرق درع ليبيا لتخفيف حدّة القتال، لم تتصرّف تلك الفرق بوصفها وسيطاً محايداً للدولة بل كمحازبين نشطين. تم إرسال فرقة درع ليبيا الأولى إلى واحة الكفرة في الجنوب لوقف القتال بين قبائل الزوي والتبو، لكن انتهى بها المطاف بتأجيج التوتّرات أكثر، حيث كان نائب قائد الفرقة، حافظ الأغوري، أحد أفراد قبيلة الزوي. وبهدف كسر حصار المنشآت النفطية الشرقية الذي يفرضه القائد الفيدرالي المتشدّد إبراهيم جثران، أرسلت الحكومة فرقة درع المنطقة الوسطى، غير أن تكوين الفرقة المصراتي جعل أبناء المناطق الشرقية في ليبيا ينظرون إليها باعتبارها قوة غازية من مصراتة، ما أثار المخاوف من حدوث حرب أهلية أوسع.10 

اللجنة الأمنية العليا: منفّذو القانون (البلطجية) الثوريون

هناك درجة مماثلة من التحزّب وسمت اللجنة الأمنية العليا، نظير الدرع في وزارة الداخلية. تشكّلت القوة في تشرين الأول/أكتوبر 2011، كمحاولة لتأمين طرابلس من الفوضى بعد الثورة، وظاهرياً، من تهديدات فلول عهد القذافي. فقد أصدر وزير الداخلية قراراً، في كانون الأول/ديسمبر 2011 يخوّل بموجبه اللجنة الأمنية العليا السلطة الرسمية إجراء التحقيقات والاعتقالات.11  وسرعان ما تحوّلت اللجنة إلى هيكل وطني وأصبح لها فروع في المدن الكبرى. ويقال إن هناك 70 مجموعة مسلحة متناثرة في أنحاء طرابلس، ولها "كتائب وقوات وفرق دعم - سرايا إسناد وقوات إسناد وفرق إسناد - منتقاة من أحياء طرابلس المتنوّعة وتعكس التوجه السياسي والهياكل العائلية لتلك المناطق.

وخارج طرابلس، تختلف درجة السيطرة بين فرق اللجنة الأمنية العليا والجماعات غير التابعة لها والشرطة النظامية والجيش ودرع ليبيا بصورة كبيرة تبعاً للموقع. في بنغازي، على سبيل المثال، اللجنة الأمنية العليا غير موجودة الآن إلى حدّ كبير، بعد أن أخلت المدينة عقب هجوم أيلول/سبتمبر 2012 على القنصلية الأميركية.12 

على الرغم من هذه الاختلافات، وعلى غرار قوات درع ليبيا، قد يثبت أن من الصعب تفكيك وحلّ هيكل اللجنة الأمنية العليا. لكن هاشم بشر، قائد فرع طرابلس في اللجنة الأمنية العليا، أوضح السبب. إذ قال بشر، وهو الإسلامي الذي درس في الأصل أمانة المكتبات وعلوم المعلومات، إنه لايريد شيئاً أكثر من أن يرى إنهاء مشروع اللجنة الأمنية العليا ودمج أعضائها في الشرطة النظامية. قال في العام 2013: "هناك الكثيرون في اللجنة الأمنية العليا لايريدون العمل في مجال الأمن". بيد أن الفرص التي أتيحت لهم كانت قليلة، نظراً إلى عدم وجود قوة شرطة عملية، وشحّ سوق العمل، والأحوال السياسية غير المستقرّة في ليبيا.

على الرغم من أنه تم، من الناحية الظاهرية، تفكيك اللجنة الأمنية العليا جزئياً في منتصف العام 2014، بعد أن تم نقل ما يقرب من 80 ألفاً من أعضائها إلى الشرطة، فإنها لاتزال قائمة في واقع الأمر.13  وهي تتميّز بسلسلة قيادتها المعقدة والمتشابكة، والمنافسة بين فروعها المحلية والوطنية. إذ لاتمارس الفروع الوطنية سيطرة تذكر على مكوّنات وحدات المدن والأحياء. وأشار بشر بغضب إلى حالات عدّة عمل فيها فرع اللجنة الأمنية العليا في طرابلس لغايات تتعارض مع اللجنة الوطنية بشأن التحقيق في موضوع شخص مفقود، حيث كان الفرع الوطني يوفّر المرشدين لسرايا وفرق اللجنة الأمنية العليا في المدينة من دون إبلاغه. وفي الوقت نفسه، لاتعترف السرايا والفرق بسلطة الهيكل الوطني.

في المهام الأكثر خطورة، كالاعتقالات التي تنطوي على مخاطر كبيرة أو عمليات مكافحة المخدرات أو التحقيقات، تطلب الشرطة ذات الكادر الضعيف والتجهيز السيء من اللجنة الأمنية العليا زيادة القوة، إن لم يكن التعامل مع المهمة بالكامل. لكن العلاقات مع الشرطة متوتّرة بسبب نظرة الثوار لقوة الشرطة باعتبارها مؤسّسة من عهد القذافي. ولعلّ الأهم من ذلك هو أن التفاوت في الراتب لايعطي عناصر اللجنة الأمنية العليا حافزاً للانضمام إلى الشرطة. وفقاً لما يقوله بشر، حيث يحصل أعضاء اللجنة الأمنية العليا على 900 دينار (حوالي 750 دولاراً) شهرياً في حين يحصل أفراد الشرطة على 500 دينار (نحو 400 دولار).

كما تمثّل اتصالات اللجنة الأمنية العليا إشكالية هي الأخرى. فالتعاون بين الشرطة واللجنة الأمنية العليا شخصي وعرضي ومجرّد من أي إطار مؤسّسي. قال بشر: "إذا كان ضابط الشرطة يعرف عضواً في اللجنة الأمنية العليا فسيتصل به". ويبدو التنسيق بين اللجنة الأمنية العليا وقوات درع ليبيا أفضل قليلاً. في العديد من الحالات، وفقاً لبشر، أعطته وحدات الدرع التي تعمل من خارج طرابلس إشعاراً مسبقاً بالمواقع وحركة الأفراد والأسلحة التي تدخل إلى المدينة.

ثمّة أيضاً فصل بين التفويض الخاص باللجنة الأمنية العليا ورؤيتها الخاصة لدورها في ليبيا، وبين مفهوم الكثير من المواطنين في طرابلس عن هذه المجموعة. فنظراً إلى أصولها، سرعان ما اكتسبت اللجنة الأمنية العليا في العاصمة سمعة باعتبارها معقلاً للإسلاميين. لقد كان سجل القوة الفعلي متفاوتاً وهو مصدر للكثير من النقاش والخلاف. إذ أصبحت اللجنة الأمنية العليا بالنسبة إلى كثير من الطرابلسيين شرطة الأخلاق المخيفة في المدينة، حيث هاجمت الأضرحة الصوفية وفرضت الأعراف الإسلامية الصارمة على العلاقات بين الجنسين ومنعت المخدرات. ومن مقرّها في قاعدة معيتيقة الجوية عند الخاصرة الشرقية للمدينة، أدارت قوات اللجنة الأمنية العليا المتحالفة مع حي سوق الجمعة القريب، سجونها الخاصة التي لم تكن تخضع إلى الرقابة عموماً وقيل إنها كانت تسجن فيها خصومها السياسيين من الزنتان وجبال نفوسة. وغالباً ما أدّت الاشتباكات بين اللجنة الأمنية العليا وبين مجموعات مسلحة من مصراتة والبلدات الواقعة في جبل نفوسة إلى وقف التجارة وحركة المرور على الطرق الرئيسية في طرابلس.

لا أحد يجسّد الطبيعة المخادعة والمنافقة للجنة الأمنية العليا أكثر من عبد الرؤوف كارة، قائد لواء النواصي، الذي يثير الخوف ويحظى بالاحترام ويتعرّض للسخرية في آنٍ بسبب آرائه العقائدية السلفية وأسلوبه في استخدام اللجنة الأمنية العليا لفرض تلك الآراء.14  وقد اعترف الساسة المحليون لابل أشادوا بعمله في مكافحة مشكلة المخدرات في طرابلس المتفاقمة، لكن مفبركي النكات يسخرون من حماسته الدينية.

عندما التقيته في قاعدة معيتيقة الجوية، كان كارة وديّاً ومستعداً للحديث عن نظرته السلفية ودورها في التعريف بعمله في حفظ الأمن والنظام. لكنه أصر على أن إرادة الشعب لها الأسبقية. قال: "أنا شخصياً لست معجباً بالديمقراطية. لكن إذا كان غالبية الناس في ليبيا يريدونها، عندها لابدّ لي من دعمها".

كان كارة وبشر متشبّثين برأيهما حول تبعيّة اللجنة الأمنية العليا للدولة. يُؤطّر كارة إخلاصه في سياق الواجب السلفي الكلاسيكي بإطاعة الحاكم، بغضّ النظر عن حجم خلافات المرء معه. ففي إشارة إلى رئيس الوزراء الليبي آنذاك، علي زيدان، قال كارة لي: "زيدان هو وليّ الأمر (المصطلح السلفي للرئيس الشرعي للدولة والقوات المسلحة الذي تجب طاعته) علينا أن نتبعه مهما كان الأمر". عندما خطف تحالف آخر مسلح، غرفة عمليات الثوار، زيدان في تشرين الأول/أكتوبر 2013، لعبت اللجنة الأمنية العليا دوراً في حل الأزمة من خلال الوساطة واستنفار رجالها.

مع ذلك، وعلى غرار فرق درع ليبيا، تمثّل قوات اللجنة الأمنية العليا انعكاساً لاختلاف وجهات النظر المحلية والسياسية التي ابتليت بها التشكيلات المسلحة. خلال العمليات القتالية التي نشبت في تشرين الأول/أكتوبر 2013 بين حي سوق الجمعة في طرابلس ومصراتة، لم تتدخّل وحدات اللجنة الأمنية العليا ككل. لكن أفراداً منها كانوا متورطين في النزاع.

كما هو الحال بالنسبة إلى درع ليبيا، بُذلت محاولات لتنظيم اللجنة الأمنية العليا عبر تحويل أعضائها الى قوات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية. لكن ذلك كان صعباً، ويعود ذلك جزئياً إلى الضعف المؤسّسي والخلل البيروقراطي في وزارة الداخلية. وقال أحد كبار مستشاري الأمم المتحدة في منتصف العام 2013 إن الوزارة "تعمل على تصحيح وضع اللجان الأمنية العليا، ولكن بصورة متقطعة. ليست هناك رؤية استراتيجية داخل الوزارة كما أن هناك منافسة بين مختلف المديريات".

على أمل جذب المزيد من المجندين، أصدر زيدان توجيهاً بزيادة رواتب أفراد الشرطة النظامية بحيث تتجاوز رواتب أفراد اللجنة الأمنية العليا. وأمرت اللجنة الأمنية العليا فرع طرابلس أعضاءها بإتمام عملية التسجيل في وزارة الداخلية حتى يتمكنوا من الانضمام إما إلى دورات تدريبية أو يحصلوا على مكافأة نهاية الخدمة وفقاً للقرار الرقم 53 الصادر عن المؤتمر الوطني العام، والذي أمر بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة. لكن، ووفقاً لما قاله رئيس فرع طرابلس في اللجنة الأمنية العليا، لم يتخرّج سوى 1154 شخصاً حتى تشرين الأول/أكتوبر 2013. 15  وبحلول شباط/فبراير 2014، أعلنت وزارة الداخلية عن تخريج دفعة جديدة تضم 1500 من أعضاء اللجنة الأمنية العليا، وقال متحدث باسم الوزارة إن العدد الإجمالي لضباط اللجنة الأمنية العليا الذين تخرجوا بلغ 22 ألفاً، وإن الكثيرين منهم تلقوا تدريباتهم في الخارج.16

لم تحرز أي من هذه الجهود قدراً كبيراً من النجاح، فلاتزال هناك معارضة للاندماج. وترى الجماعات المسلحة المكوّنة لسرايا وفرق اللجنة الأمنية العليا، والتي تبقى مرتبطة عضوياً بأحياء طرابلس، أن خطة وزارة الداخلية ليست سوى حيلة سياسية لحرمانها من النفوذ. وقال كارة في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 "أنا لست متفائلاً حول خطة انتقال اللجنة الأمنية العليا إلى الشرطة". فوزارة الداخلية أشبه بشجرة ميتة. وحتى لو صببت الماء عليها لايمكنك إحياؤها". وزعم أن أعضاء اللجنة الأمنية العليا الذين انضموا إلى الشرطة لم يشاركوا بنشاط في عمل الشرطة. في نيسان/أبريل 2014، أسهب بشر في الحديث عن المشاكل المستمرة التي تواجهها عملية الدمج، وقال إن القطاع الأمني في طرابلس لايزال يخضع إلى سيطرة أجهزة الأمن الهجين، "القوات الخاصة وغرف العمليات المشتركة وقوات التدخل السريع"، في حين يجري إهمال الإدارات الأساسية في الشرطة مثل المرور والطوارئ الطبية والتحقيق الجنائي ووحدات مكافحة المخدرات.17

ومع ذلك، فقد جادل قادة اللجنة الأمنية العليا، في مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن ضرورة استمرار لجنتهم. وذكروا بأن وزارة الدفاع ومكتب رئيس الوزراء طلبا من اللجنة الأمنية العليا فرع طرابلس بأن تتولّى وحدات من السرايا والفرق مسؤولية تأمين العاصمة، لأن الشرطة النظامية غائبة على الرغم من زيادة رواتب أفرادها بنسبة 50 في المئة.

تسييس الجماعات المسلحة 

منذ العام 2012، وجدت الجماعات المسلحة أو تحالفات الجماعات المسلحة قضية مشتركة على نحو متزايد مع الجهات الفاعلة السياسية أو الممثّلين المنتخبين في المؤتمر الوطني العام. غير أن الإجراءات الشكلية لهذه الجمعيات ليست واضحة كما يشتبه الكثيرون.

لاتملك الأحزاب السياسية الرئيسة في ليبيا - حزب العدالة والبناء (الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، وتحالف القوى الوطنية، وكتلة الوفاء لدم الشهداء- من الناحية الرسمية أجنحة مسلحة خاصة بها. بيد أنها ترتبط بالجماعات المسلحة، حيث تحظى تلك الارتباطات بالاعتراف على نطاق واسع. والقاسم المشترك بين هذه الأحزاب هي شبكات القرابة أو النزعة المحلية أو القبلية أو السياسية نفسها التي شكّلت مسار الثورة.

غالبا مايصوّر المراقبون الخارجيون هذه الفرق باعتبارها فرقاً علمانية مقابل الإسلاميين أو مصراتة مقابل الزنتان. ويبدو هذا صحيحاً إلى حدّ ما. فلواء القعقاع القوي تربطه علاقات بالزنتان وتحالف القوى الوطنية. وكذلك الحال بالنسبة إلى لواء السويق الذي يرتبط بزنتاني آخر هو وزير الدفاع السابق أسامة الجويلي. وفي الوقت نفسه، تتبع قوات درع ليبيا في الشرق ومصراتة الكتل الإسلامية.

بيد أن العلاقات التي تربط أعضاء الجماعات المسلحة مع الجهات الفاعلة السياسية هي في النهاية أكثر تعقيداً. فهي في كثير من الحالات، تتعلق بالمحسوبية أو الإقصاء في ظل النظام السابق، وبتصفية الحسابات القديمة واستمرار الثورة، والمعركة من أجل عباءة "شرعية" سيئة التحديد وغير واضحة المعالم. وفي حالات أخرى، تنجم هذه المظالم عن غياب الدولة عن حياة الناس، واغتراب الأرياف عن الحكومة المركزية.

المجلس الأعلى للثوار وغرفة عمليات الثوار 

لم يكن لأي من الجماعات المسلحة المسيّسة تأثير على مسار البلاد واستقرارها أكبر من تأثير المجلس الأعلى لثور ليبيا الذي أصبح "غرفة عمليات الثوار" في أيار/مايو 2013. وقد كانت هذه الهيكلية أيضاً قوة عسكرية أخرى، ولها أجندة سياسية ضيقة الأفق، لكن أكثر وضوحاً من أجندة درع ليبيا أو اللجنة الأمنية العليا.

غرفة عمليات الثوار، في تشكيلتها الحالية والسابقة، هي في الأساس ائتلاف من التشكيلات المسلحة التي كانت تدفعها الرغبة في تمرير "قانون العزل السياسي" واستبعاد المسؤولين في عهد القذافي من الحكومة وطرد رئيس الوزراء من السلطة. ويمكن وصف الجماعة بأنها إسلامية ومصراتية ومعادية للزنتان والفيدرالية.18 

لم يكن لأي من الجماعات المسلحة المسيّسة تأثير على مسار البلاد واستقرارها أكبر من تأثير المجلس الأعلى لثور ليبيا الذي أصبح "غرفة عمليات الثوار" في أيار/مايو 2013.

في منتصف العام 2012، اقتحم المجلس الأعلى للثوار المؤتمر الوطني العام وأوقف عربات مدرعة أمام مبنى البرلمان والوزارات الأخرى، في محاولة لتمرير قانون العزل السياسي قسراً، ومن ثمّ التخلص من زيدان. وخلال المقابلات التي أجريتها معهم، قال لي أعضاء في المجلس إنهم يدعون إلى إجراء مجموعة من التحسينات ، مثل أموال البنية التحتية والانتخابات، أكثر من المطالبة بتعيين حكام الأقاليم. تفتقر البلاد إلى وجود مؤسّسات أو هيئة تمثيلية للتعاطي مع هذه المطالب، لذلك شعر هؤلاء الشبان أنهم معذورون في استخدام التهديد بالسلاح كوسيلة للضغط.

على الرغم من وجود مكوّن شرقي ومصراتي قوي في المجلس الأعلى للثوار وغرفة عمليات الثوار، تم انتقاء الشباب الذين انضموا إلى التنظيمين من جميع أنحاء البلاد ومن مجموعات عرقية متنوّعة، بدءاً من التبو في الكفرة وانتهاءً بالأمازيغ (البربر) في الغرب. وكان المجلس الأعلى للثوار/غرفة عمليات الثوار يرتبط أيضاً بعلاقات مع سياسيين من مصراتة مثل عبد الرحمن السويحلي، والكتل السلفية في المؤتمر الوطني العام، وقادة التشكيلات المسلحة الشرقية الذين لهم جذور عائلية في مصراتة مثل وسام بن حميّد.

أحد التحديات الأساسية التي شكلها المجلس الأعلى للثوار/غرفة عمليات الثوار تمثّل في أنه يضم أعضاء أو وحدات كاملة من قوات الأمن التابعة لوزارة الدفاع ووزارة الداخلية. على سبيل المثال، كان وسام بن حميّد، قائد درع ليبيا الفرقة الأولى، أحد القادة الرئيسيين في المجلس الأعلى للثوار. وتضم غرفة عمليات الثوار فرع بنغازي لواء شهداء ثورة 17 فبراير وكتيبة راف الله السحاتي ولواء الشهيد عمر المختار ولواء شهداء ليبيا الأحرار. وتتبع كل هذه الجماعات المسلحة في الوقت نفسه قوة درع ليبيا بقيادة رئيس هيئة الأركان.

ظهرت غرفة عمليات الثوار في 24 تموز/يوليو 2013، 19  وفي نهاية ذلك الشهر، اختار المؤتمر الوطني العام غرفة عمليات الثوار، التي تعمل تحت سلطة رئيس المؤتمر الوطني العام نوري علي أبو سهمين، للدفاع عن طرابلس ضد أي هجوم متوقّع من الموالين للقذافي.20  في آب/أغسطس 2013، مضى أبو سهمين خطوة أخرى إلى الأمام، عندما عيّن نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة من دون استشارة المؤتمر الوطني العام. بعدها أُرغم على تسليم دور القائد العام لوزير الدفاع آنذاك عبد الله الثني، في وقت لاحق من ذلك الشهر، بعد أن قال أعضاء المؤتمر الوطني العام أنه كان من الخطأ بالنسبة إليه أن يشغل منصبين.21

في تشرين الثاني/نوفمبر، صوّت المؤتمر الوطني العام على إخضاع غرفة عمليات الثوار إلى سلطة رئيس هيئة الأركان.22  وقد اعتبر ذلك القرار حلاً وسطاً بين من يريدون حلّ غرفة عمليات الثوار تماماً ومن يريدون أن تبقى تحت سلطة أبو سهمين. ومع ذلك فقد بدا هذا، بالنسبة إلى العديد من المراقبين، أشبه بمنح شرعية أخرى لسلطة الجماعات المسلحة بموجب تفويض من الدولة. وأشار أحد مستشاري الحكومة الليبية إلى أن وضع غرفة عمليات الثوار تحت سلطة رئيس الأركان يخالف المادة الأولى من القرار الرقم 53 الصادر عن المؤتمر الوطني العام والتي تقول: "لايمكن للوحدات الكاملة [الجماعات المسلحة] الانضمام إلى الجيش كوحدات". وقد تردّد أنه كانت هناك معارضة واسعة داخل غرفة عمليات الثوار لأن تصبح تابعة لرئيس الأركان.23

سرعان ما تورّطت غرفة عمليات الثوار في نزاع حول ما إذا كان ينبغي تمديد ولاية المؤتمر الوطني العام إلى ما بعد شباط/فبراير 2014، وهو الموعد الذي كان من المفترض أن تعقد فيه انتخابات المؤتمر. وقد عارضت غرفة عمليات الثوار الجهود التي بذلتها الجماعات المسلحة المتمركزة في الزنتان، مثل لواء السويق ولواء القعقاع لإغلاق المؤتمر الوطني العام. اشتبكت غرفة عمليات الثوار مع وحدات اللجنة الأمنية العليا التابعة لهيثم التاجوري، ويقال إنها أوقفت البرامج الانتقالية التي كانت قيد التنفيذ في وزارة الداخلية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2013 شكا هاشم بشر رئيس اللجنة الأمنية العليا من أن غرفة عمليات الثوار تعرض تقديم رواتب أعلى لأعضاء اللجنة الأمنية العليا، مايعني أنها تقوم بالفعل بعملية اصطياد غير مشروعة للمجندين من قوات الشرطة الوليدة.24  وقد شعر ضباط الجيش النظامي بالضيق لأن زيدان خصّص أكثر من 900 مليون دينار ليبي (نحو 750 مليون دولار) لغرفة عمليات الثوار،25  وهو مايتجاوز ميزانية القوات النظامية.

وقف الجهود لتشكيل القطاع الأمني 

على مدى العامين الماضيين، بذلت جهود عديدة لمحاولة حلّ التشكيلات الأمنية الهجين ودمج أعضاء الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة في المؤسّسات الأمنية الرسمية الحكومية. غير أن كل هذه الجهود ذهبت أدراج الرياح. وعلى الرغم من المأزق السياسي والاستقطاب هما المذنبان الرئيسيان، فقد عانى قطاع الأمن في ليبيا أيضاً من غياب شبه كامل لقاعدة مؤسّسية، أي الوزارات والبيروقراطية التي لاغنى عنها لتنسيق جهود القطاع وإبقائه مستمراً في العمل.

في عهد القذافي، لم يكن لدى وزارة الدفاع ومكتب رئيس الأركان قاعدة مؤسّسية وملاك للوظائف. وبسبب عدم وجود مثل هذا الإطار، فإن عمل هذه المؤسّسات يعتمد الآن بصورة كبيرة على سياسة العلاقات الشخصية والصفقات السرية مع الجماعات المسلحة المختلفة. إذ لايوجد نظام لترشيد المشتريات وتطوير وتدريب ونشر القوات. وبناءً على توصية قوية من مانحي ليبيا الدوليين في مؤتمر عقد في باريس العام 2013، أنشأ الليبيون "لجنة تنسيق الأمن الوطني"، لكنها لاتزال مجرّد هيكل تنظيمي.26 

يرجع جزء كبير من خواء مجلس الأمن إلى حقيقة أن إنشاء هيئة تنسيقية سيعني معالجة الخلافات السياسية القوية التي تتخلّل الدوائر العليا في قطاع الأمن. وهذا شيء لم يكن زيدان المحاصر راغباً أو قادراً على القيام به. ونتيجة لذلك، تعرقلت عملية اتخاذ القرار بسبب الخصومات السياسية بين المسؤولين الذين يسيطرون على التشكيلات المسلحة المختلفة في جميع أنحاء البلاد، وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس المؤتمر الوطني العام (الذي كان القائد العام للقوات المسلحة من الناحية الفنية).

غذّى غياب المؤسّسات الجامعة الفكرة السائدة بأن الحكومة الجديدة تكرّر العادات القديمة لدولة القذافي. وفي ظل عدم وجود توجّه استراتيجي واضح وشفافية في تخصيص الموارد، بدأت التشكيلات المسلحة في البلاد بالاشتباه في أن قطاع الدفاع ووزارة الداخلية – إن لم تكن جهات حكومية أخرى مثل وزارة العدل – تعمل على إدامة مصالح الأشخاص الذين خدموا نظام القذافي. فهؤلاء يكرهون التخلّي عن نفوذهم لأن العمليات السياسية والمؤسسات الرئيسة في البلاد (الدستور والبرلمان) إمّا غير محدّدة بوضوح بعد أو هي مختلّة أو مؤجّلة أو مشلولة بسبب الطريق المسدود الذي وصلت إليه الأمور.27

إحدى العقبات الرئيسة التي تواجه إعادة الدمج وبناء جيش جديد هي الرتب العليا المتضخمة في الجيش. من حيث المبدأ، يشبه الجيش اليوم هرماً مقلوباً. فلا أحد يعرف كم عدد الجنود في الجيش الليبي. فقد كان نظام القذافي يمنح الضباط براءات برتب عليا على سبيل المكافأة، وبالتالي فإن رتب عقيد ومافوق كثيرة بصورة غير متناسبة مقارنة مع الجيوش الأخرى. ولطالما أوصى الليبيون والمستشارون الأجانب من ذوي الميول الإصلاحية باعتماد برنامج تقاعد مبكر للكثير من هؤلاء الضباط الكبار.

بيد أن عملية تقليص أعداد الرتب العليا بدأت متعثرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى حملة ذات دوافع سياسية لطرد ضباط يشتبه في ولائهم للنظام القديم. وتعتبر هيئة النزاهة وإصلاح الجيش الليبي جزءاً من المشكلة. فقد تم إنشاؤها أساساً لتطبيق قانون العزل السياسي على الجيش بطريقة مماثلة تقريباً لحملة اجتثاث البعث ضد الجيش العراقي.28  كان تطبيقها للقانون متساهلاً للغاية. وبالفعل طردت الهيئة مجموعات كبيرة من كبار الضباط تراوحت أعدادهم بين 400 و1000. غير أن العديد منهم قاتلوا ضد القذافي.29  وكما في حالة العراق، لايمكن أن يحرم التطبيق الشامل للقانون الجيش من الكثير من الخبرة العملياتية اللازمة وحسب، بل قد يثير أيضاً اضطرابات اجتماعية واسعة لأن الكثير من الضباط الليبيين لديهم علاقات مع القبائل الكبرى.

يتعيّن على الحكومة وضع سياسة تغربل الرتب العليا بحذر لتحرير الترقيات وتحقيق توازن في الميزانية، وجذب المجندين من صفوف الثوار الذين أطاحوا بالقذافي. لكن الأهم من ذلك هو أن على الحكومة أن تستثمر في المؤسّسات التي تعترف بالطبيعة المحلية جداً للأمن في ليبيا، بدلاً من محاولة فرض نهج مركزي في اتخاذ القرار يوحي للكثير من الثوار السابقين بالمركزية المفرطة التي تميّز بها عهد القذافي.

جرت محاولة للقيام بذلك في العام 2013، ولكن مشروع الحرس الوطني، وعلى غرار الكثير من مبادرات قطاع الأمن الأخرى، وقع ضحية للاستقطاب السياسي. 

يتعيّن على الحكومة وضع سياسة تغربل الرتب العليا بحذر لتحرير الترقيات وتحقيق توازن في الميزانية، وجذب المجندين من صفوف الثوار الذين أطاحوا بالقذافي.

كان الهدف من إنشاء الحرس الوطني، الذي تبلورت فكرته أصلاً في نيسان/أبريل 2013، هو إنشاء قوة عسكرية دائمة تتألف أساساً من مجندي قوات درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا وتخضع إلى سيطرة رئيس المؤتمر الوطني العام، كنوع من ملء الفراغ للقيام بمهام حفظ النظام في جميع أنحاء البلاد، بينما يجري تدريب وتجهيز الجيش النظامي. وفقاً للخطة، يتحوّل الحرس الوطني المؤلف من 30-35 ألف جندي إلى قوة احتياط بعد عامين، حيث يفترض عند هذه المرحلة أن يكون الجيش النظامي والشرطة مستعدين لتولّي المسؤولية. جمعت القوة في نطاق عملها واختصاصها ووظيفتها عناصر قوة عسكرية احتياطية ودرك وطني، حيث نسّقت مع الجيش والشرطة بمقتضى الحاجة بشأن مسائل عديدة كحماية الحدود، وحراسة البنية التحتية الحيوية خارج المدن، وحماية المنشآت الدبلوماسية.30  وقد صاغت لجنة التخطيط في الحرس البرنامج على غرار هياكل مماثلة في الولايات المتحدة (الحرس الوطني) وأوروبا (الحرس الوطني في الدنمارك والجيش الاحتياطي في بريطانيا).

بيد أنه تمت، في نهاية المطاف، عرقلة إنشاء الحرس الوطني الليبي بسبب المعارضة السياسية من جميع الجهات تقريباً. بالنسبة إلى منتقدي الأصل الزنتاني لتحالف القوى الوطنية والجيش كان الحرس الوطني يوحي بمشروع إسلامي ومصراتي لبناء جيش موازٍ والمحافظة على الجماعات المسلحة، خاصة قوات درع ليبيا، ولكن باسم آخر. وقد أشاروا إلى حقيقة أن لجنة الحرس الوطني تم تشكيلها من جانب تكنوقراط متعاطفين مع الإخوان المسلمين وإسلاميين آخرين تربطهم علاقات مع كوكبة من الجماعات الإسلامية المسلحة المنضوية تحت لواء ائتلاف 17 فبراير وتجمّع سرايا الثوار.

جرى الحديث عن أسباب أخرى لانهيار الحرس الوطني. فقد أبلغني رئيس الحرس الوطني، نوري العبار، أنه دهش من قرار إلغاء برنامج الحرس الوطني، وقال: "أنا لا أعرف لماذا فشل". غير أن العبار اعترف أيضاً بوجود معارضة من الإسلاميين أنفسهم. فقد رأت شخصيّات إسلامية أن في تكليف الحرس بحماية المنشآت والحدود والمواقع الثابتة، محاولةً لإبعاد المقاتلين الثوريين السابقين والجماعات المسلحة عن المشهد، عبر نفيهم عملياً إلى المناطق النائية في ليبيا. وكان العبار قد حذّر زيدان من أنّ عليه إمّا إشراك الإسلاميين في تطوير الجيش الجديد وتطويع الجنود، أو المخاطرة بمواجهة معارضة متّسقة. أخيراً، رأى أحد المستشارين في مكتب رئيس الوزراء أن زيدان كان منشغلاً أيضاً باستمرارية حياته السياسية، بحيث لم ينفّذ فكرة إنشاء الحرس الوطني. فهو ببساطة لم يكن يملك القدرة على ذلك.

من حيث المبدأ، كان الحرس الوطني يرمي إلى الاستفادة من الهياكل القائمة مسبقاً على المستوى المحلي وتجنّب النهج المركزي المفرط. وفي هذا الصدد، فإن الفكرة نفسها سليمة وتستحق المزيد من التطوير.

بدءاً من تموز/يوليو 2014، أحيت مصراتة فكرة الحرس الوطني من جديد (وإن كان ذلك تحت اسم القوة الثالثة) وطرحتها للنقاش في إطار الحوار الوطني الذي ترعاه الأمم المتحدة. ولكن ليكتسب هذا المفهوم زخماً، ينبغي على الفصائل السياسية أن تتوصّل إلى اتفاق حول هيكل قيادتها، ومهمتها، ونمط دمج الثوار السابقين.

صعود وسقوط الأمن الهجين في بنغازي 

أدّت محاولة بناء نظام أمني هجين إلى نتائج  بعيدة المدى في بنغازي. فبحلول صيف العام 2013، برز مشهد أمني جديد في هذه المدينة الشرقية، تميّز بتقسيم هشّ للعمل بين القوات "الرسمية" المتمثّلة في الوحدة العسكرية الرئيسة في المدينة والجماعات الإسلامية المسلحة شبه الرسمية.

وبقدر ما كان الأمن موجوداً في بنغازي، فإنه كان يعتمد منذ فترة طويلة على شراكة مضطربة بين الجماعات الإسلامية المسلحة "المسجلة" في المدينة (القوة الأولى والقوة السابعة من درع ليبيا، وسرايا راف الله السحاتي، وكتيبة شهداء ثورة 17 فبراير) وبين القوة العسكرية الحكومية الرئيسة في المنطقة، وهي وحدة القوات الخاصة المحليّة المعروفة باسم لواء الصاعقة برئاسة قائد يتحلّى بالكاريزما، هو العقيد ونيس بوخمادة.

كان لواء الصاعقة من بين الوحدات العسكرية الأولى التي انشقّت عن جيش القذافي في الأيام الأولى للانتفاضة. ولكن في أعقاب الثورة، بدا بوخمادة متردّداً إزاء المشاركة في حفظ الأمن والنظام في بنغازي. مع ذلك، كما قال لي، فإن القوات الخاصة التي كان يقودها لم تكن مصمَّمة أو مجهَّزة لحفظ الأمن في المناطق الحضرية. فقد كانت تفتقر إلى قسم للتحقيق والطب الشرعي، مايعني أن معظم لم تُحلّ.

لكن بحلول صيف العام 2013، عندما تصاعدت وتيرة العنف في المدينة، وأثبتت الشرطة النظامية عجزها عن التصدّي له، تخلّى بوخمادة عن تردّده. فقد حشد قوات الاحتياط في الصاعقة، وأرسل دوريات ليلية عبر شوارع المدينة، وخاض بعد ذلك معارك عنيفة مع جماعة "أنصار الشريعة" الجهادية. في تشرين الأول/أكتوبر، أصبح بوخمادة الحاكم العسكري الفعلي لبنغازي، وكُلّف بتنسيق جهود الهيئات الحكومية ومختلف الجماعات المسلحة "المسجلة".

بالنسبة إلى هؤلاء الإسلاميين - قادة درع ليبيا القوة الأولى، وسرايا راف الله السحاتي، وكتيبة شهداء ثورة 17 فبراير – كان لواء الصاعقة الذي يقوده بوخمادة شريكاً مزعجاً وعدواً عنيداً في آن. ولعلّ جزءاً من هذا ناجم عن خلافات إيديولوجية، غير أن هذه الازدواجية متأصّلة أيضاً في الادعاءات المتنافسة بامتلاك الشرعية الثورية، وفي التوتّرات القبلية، وفي الذاكرة التاريخية على وجه الخصوص.

كانت الصاعقة ضمن قوات النخبة التي أرسلها القذافي لقيادة حملة شرسة على انتفاضة إسلامية في شرق البلاد خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي. وقد وجد أبناء من قاتلوا وقتلوا وسجنوا في تلك الانتفاضة أنفسهم يقاتلون جنباً إلى جنب مع الصاعقة خلال ثورة العام 2011.

مع ذلك، تبقى العداوة عميقة الجذور. في مقابلات أجريتها في العام 2013، قال لي بعض هؤلاء القادة الإسلاميين إنهم كانوا يستخفّون بقدرات الصاعقة وتساورهم شكوك عميقة تجاه دوافعها. إذ يعتقد القائد السابق لسرايا راف الله السحاتي، إسماعيل الصلّابي، أن الصاعقة لم تكن أكثر من جماعة من الرعاع ("متعاطو مخدرات وملاحقو نساء" كما قال) وانتُقد بوخمادة بسبب "عسكرة" الحياة في بنغازي. ويعكس جزء من هذا التشويه تعريف الإسلاميين لأنفسهم باعتبارهم أخلاقيين وورعين، وهو ما يفترض أن يميّزهم عن عهد القذافي وفلوله. وقال الصلّابي: "نحن أصحاب قيم. أما الصاعقة فهم أصحاب مصالح".

لكن التهمة الأكثر خطورة التي يوجهها الإسلاميون إلى قوة الصاعقة هي أنها لاتعدو كونها جماعة مسلحة قبلية تتكوّن من عائلات شرقية بارزة تخضع لسيطرتها. ويشكّل أفراد قبائل العبيدات والعواقير والبراعصة غالبية جنود وضباط الصاعقة. على سبيل المثال، خلال تظاهرة احتجاجية جرت في العام 2013 عند مقر درع ليبيا، قيل إن وسام بن حميّد دعا بوخمادة إلى أن يتوسّل الصاعقة كي تهبّ لنجدته. وحاجج بن حميّد بأن ماتعرّض إلى الاعتداء لم يكن مقرّ "الميليشيا" فقط، بل جهاز أمن شرعي تابع لرئيس الأركان. وقال إن رد الصاعقة جاء على النحو التالي: "ليست لدينا أوامر بالمشاركة". بيد أنه قيل إن جنود الصاعقة اختلطوا مع الناس وأطلقوا النار باتجاه الأسوار. وقال بن حميّد: "قالوا إنهم "يقفون إلى جانب الأمة"، ولكنهم وقفوا في الواقع إلى جانب قبيلة البراعصة".

ثمّة شيء من الحقيقة في هذه الاتهامات إلى حدّ ما. ووفقاً لما يقوله كثيرون، فإن أي نجاح حققه بوخمادة في بنغازي كان نتيجة نسبه القبلي أكثر من كونه نتيجة رتبته. ومع أن بوخمادة ينحدر من قبيلة المغاربة البارزة وترعرع في مرزوق، وهي بلدة حدودية بعيدة إلى الجنوب من بنغازي، فقد رحبت به القبائل الكبرى في بنغازي  على أنه واحداً منها – وأنه  الغريب المثالي الذي يناضل من أجل الوطن الذي تبنّاه. وقد أشار ضابط زميل له في القوات الخاصة في العاصمة طرابلس في أواخر العام 2013، إلى أنه "شيخ قبيلة أكثر منه قائد عسكري". وتجلّى هذا التقارب القبلي في أواخر العام 2013 وأوائل العام 2014، عندما أعلنت القبائل الرئيسة ولاءها له وأقسمت أنها لن تسعى إلى الثأر والانتقام إذا قتل أي من أقاربها على يد قواته، وفقاً للعرف القبلي.

في محاولة لتعضيد هذا التنسيق، أنشأ المؤتمر الوطني العام جنباً إلى جنب مع طائفة من الجهات الفاعلة المحلية والبلدية مايُسمى بـ"الغرفة الأمنية المشتركة".31  كان المقصود أن تكون الغرفة مركز قيادة يهدف إلى تقليص مخاطر حدوث تعارض بين جهود المؤسسات الأمنية الرسمية في بنغازي وتنسيقها. ويقال إنها شملت قوات البحرية، والشرطة، واللواء 319 في الجيش، ووحدة الصاعقة التي يقودها بوخمادة. وعقدت الغرفة الأمنية اجتماعات منتظمة مع القبائل والزعماء الدينيين والمجتمع المدني.

لكن الغرفة تركت الكثير من أنشطة حفظ الأمن الفعلية للجماعات الإسلامية المسلحة التي تشكل فرع بنغازي من غرفة عمليات الثوار. في بنغازي، شملت الجماعات المسلحة المكوّنة لغرفة عمليات الثوار، جهاز الأمن الوقائي والقوى الأولى والثانية والسابعة (سرايا راف الله السحاتي)من درع ليبيا، وعناصر من لواء شهداء ثورة 17 فبراير. وقال لي عضو في غرفة عمليات الثوار في العام 2013 إن جماعة أنصار الشريعة نسّقت وشاركت بصورة محدودة، وأدّت مهام أمنية مثل حراسة البوابة الغربية للمدينة ومستشفى جالا.

نظراً إلى قوة غرفة عمليات الثوار، بدأ القادة البارزون في قوات الأمن النظامية في بنغازي بالتشكيك في قدرات الغرفة الأمنية المشتركة ودعم المؤتمر الوطني العام للجيش النظامي. فقد أشار بوخمادة نفسه إلى أن الغرفة "لاتزال في بداياتها". وبدورهم، هلّل الإسلاميون من دون خجل لمساهماتهم، وأيضاً في المقابل لعجز القوات النظامية. ففي مقابلة أجريت معه في أيار/مايو 2013 ،علّق إسماعيل الصلّابي قائلاً: "الغرفة الأمنية المشتركة عاجزة وغير مجدية".

في سياق هذا التباين بين القوات النظامية والإسلامية، بدأت قبائل المنطقة الشرقية بتشكيل تحالف مع الضباط المحبطين في الجيش النظامي. وقد توحّد الطرفان بسبب الكراهية المشتركة تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وشعور الشرق الليبي بالتميّز، والرغبة في تشكيل جيش أقوى. مثّلت هذه التحوّلات البدايات الأولى للحركة التي ستتحوّل في مابعد إلى عملية الكرامة.

الانجراف نحو الحرب الأهلية والأقلمة 

في 16 أيار/مايو 2014، بدأت قوات عسكرية تابعة للجيش الوطني الليبي بقصف قواعد في بنغازي ومحيطها، تابعة لأنصار الشريعة، وكتيبة شهداء ثورة 17 فبراير، والقوة الأولى من درع ليبيا القوة الأولى وسرايا راف الله السحاتي. كانت القوات، التي أُعلن أنها تنتمي إلى "عملية الكرامة"، بقيادة العميد المتقاعد خليفة حفتر (وهو قائد سابق للقوات البرية في ليبيا، قاد الحرب الكارثية في تشاد ثم انشقّ لتشكيل جبهة معارضة مدعومة من وكالة المخابرات المركزية الأميركية). وقبل إطلاق العمليات، كان حفتر قد أمضى مايقرب من عام في حشد الدعم لعمليته بين المجموعات القبلية القوية في الشرق الليبي، وهي قبائل العبيدات والعواقير والبراعصة.

انضمت مجموعة من الوحدات العسكرية بسرعة إلى قوات حفتر. وشملت الوحدات المذكورة قوات الصاعقة المتمركزة في بنغازي، ووحدات من سلاح الجو تعمل انطلاقاً من قاعدة جمال عبد الناصر الجوية قرب طبرق، ووحدات من سلاح الجو في قاعدة بنينة، وهو المطار ذو الاستخدام المزدوج في بنغازي، وجيش برقة (أو قوة دفاع برقة)، والتشكيلات المسلحة من قبيلة البراعصة بقيادة إبراهيم وقواق، ومقاتلين من عرقية التبو من مدينة الكفرة الجنوبية، والطوارق في منطقة أوباري جنوب غرب ليبيا.32  في الغرب، انضمت الجماعات المسلحة المتمركزة في الزنتان كألوية القعقاع، والسويق (يقال إن الكثير منها تتألف من جنود سابقين من وحدات حرس القذافي) إلى معركة حفتر، كما فعل قائد الشرطة العسكرية، مختار فرنانة، وجماعات مسلحة قبلية من ورشفانة، وهي منطقة خارج طرابلس. على المستوى السياسي، أيّد تحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل العملية، إضافة إلى سياسيين ليبيين آخرين، مثل علي زيدان ورئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق، مصطفى عبد الجليل.

أسباب وأهداف "عملية الكرامة" عديدة، وهي تجسّد التقاء المظالم المختلفة التي كان حفتر قادراً على تطويعها. وقد مثّلت العملية، في أحد مستوياتها، تحرّكاً من جانب ضباط حاليين وسابقين في الجيش ممن يشعرون بالإحباط تجاه موجة مزمنة من الاغتيالات في بنغازي. في المؤتمرات الصحافية التي عقدها، تعهّد حفتر بطرد الجماعات الإسلامية المسلحة، التي اعتبرها "إرهابية"، من عدد من المناطق. غير أن تعريفه لـ"الإرهاب" كان مطاطاً بصورة ملحوظة.

ضم حفتر جماعة الاخوان المسلمين وغيرها من الجهات الفاعلة السياسية غير المتشدّدة إلى قائمة أهدافه. وقال لي في مقابلة أجريتها معه في حزيران/يونيو 2014: "هناك ثلاثة خيارات أمام الإسلاميين: الموت أو السجن أو الطرد من البلاد". بدت كلماته جذرية ومروّعة تقريباً. فهو يرى المعركة في بنغازي امتداداً لمعركة إقليمية وحتى عالمية أوسع نطاقاً ضد تنظيم القاعدة والجماعات المنشقّة عنه والتابعة له. وأضاف أن "ليبيا ستكون مقبرة للإرهاب .أنا أحارب آفة العالم، وينبغي على العالم أن يدعمني".

بصرف النظر عن هذا الكلام المنمّق، ولدت حركة حفتر من رحم الاستياء العميق من جانب ضباط جيش القذافي السابقين، ولاسيما في الشرق، بتواطؤ من المؤتمر الوطني العام مع الجماعات الإسلامية المسلحة، سواء أفي شكل قوة درع ليبيا أو غرفة عمليات الثوار. لابل إن الشكوك كانت تراود القادة الأكثر واقعية في الشرق منذ فترة طويلة، مثل ونيس بوخمادة، من أن المؤتمر الوطني العام لم يوفّر للجيش التمويل أو الدعم الإداري في حربه لإرساء الأمن في بنغازي. وفقاً لما يقوله كثيرون، تمكن حفتر من الصعود بسبب الضعف الشديد لرئيس الأركان، عبد السلام جاد الله العبيدي، الذي عجز عن السيطرة على قوات درع ليبيا التي يهيمن عليها الإسلاميون. وبالمثل، أصبح رئيس الأركان رهينة غرفة عمليات الثوار، التي كانت تحت قيادة رئيس المؤتمر الوطني العام قبل نقلها إلى سلطته.
 
بعد وقت قصير من بدء العملية، هاجمت القوات المتحالفة مع حفتر من الزنتان ولواء القعقاع، المؤتمر الوطني العام، الذي حاول من دون جدوى التماس المساعدة من مصراتة. في مساء يوم 18 أيار/مايو، أعلنت مجموعة من خمسة ضباط في الجيش بقيادة حفتر أنه سيتم تعليق المؤتمر الوطني العام، وأن لجنة صياغة الدستور المؤلفة من 60 عضواً ستقوم بأعماله.

وفقاً لما يقوله كثيرون، حتى من أنصار حفتر نفسه، كانت هذه خطوة خطيرة ضد الديمقراطية الوليدة، وإن كانت ناقصة، في البلاد. وتمّ تفادي وقوع كارثة مع الإعلان عن إجراء انتخابات لاختيار خليفة للمؤتمر الوطني العام، وهو البرلمان الليبي الذي يُسمّى مجلس النواب.

في بنغازي، عجزت "عملية الكرامة" عن تحقيق أهدافها، حيث وصل القتال إلى طريق مسدود. فقد اعترف حفتر في مقابلة أجريت معه أن قواته عجزت عن طرد الجماعات الإسلامية المسلحة من بنغازي. فهو لم يكن قد هيأ جنوداً للاستيلاء على الأراضي في المدينة وضواحيها، بل اعتمد بدلاً من ذلك على هجمات المواجهة باستخدام الصواريخ والمدفعية والقصف الجوي من أسطول مروحيات "هايند" الهجومية القديمة والطائرات المقاتلة من طراز "ميغ" العتيقة. ردّ الإسلاميون بهجمات صاروخية ولم يظهروا أي نية للتراجع.

من المفارقات أن "عملية الكرامة" انتهت بزيادة أعداد المتشدّدين الإسلاميين، لأن المعتدلين شعروا بأنهم مستهدفون بصورة متزايدة بسبب تعريف حفتر المطاط للإرهاب. في ساحة المعركة، أجبرت عملية حفتر الجماعات الإسلامية المسلحة المتباينة داخل بنغازي وحولها على تسخير قواتها في التحالف المعروف باسم "مجلس شورى ثوار بنغازي"، الذي شمل جماعة أنصار الشريعة والقوة الأولى من درع ليبيا وكتيبة شهداء ثورة 17 فبراير وسرايا راف الله السحاتي.33  ومن خلال توحيد قدراتها في هذه المجموعة الرئيسة، تمكنّت القوى الإسلامية من اجتياح قواعد عدة للصاعقة في بنغازي، وهو الإنجاز الذي كان مستحيلاً عندما كانت تشتبك مع القوات الخاصة كل على حدة. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هي التقارير التي تفيد بأن الجهاديين الليبيين الذين تدربوا على يد الجماعات الإسلامية المسلحة في الشرق ويقاتلون حالياً في العراق وسورية، يعودون إلى بلدهم لمواجهة حفتر، حاملين معهم مهارات وخبرات تكتيكية جديدة.

على الرغم من الجمود الفظيع في بنغازي، تعهّد حفتر في أواخر حزيران/يونيو 2014 بفتح جبهة جديدة في العاصمة، وهو التعهد الذي تم الإيفاء به في نهاية المطاف، وإن لم يكن بالطريقة التي توقعها.

التوازن الهشّ يتخلخل: القتال يصل إلى طرابلس 

تميّز التنافس بين الزنتان ومصراتة في طرابلس بسلام هشّ، حيث سيطرت الجماعات المسلحة من كل طرف على مواقع رئيسة. لكن عندما شكّل حفتر تحالفاً مع الزنتان، أخلّ بهذا التوازن، فتدهورت الترتيبات الأمنية الهجينة في المدينة بسرعة. 

إلى جانب هذا التهديد العسكري، فقدت فصائل مصراتة والفصائل والإسلامية السيطرة على الهيئة التشريعية المنتخبة في البلاد. أسفرت الانتخابات لاختيار هيئة تخلف المؤتمر الوطني العام، مجلس النواب، التي أُجريت في 25 حزيران/يونيو 2014، عن نتائج غير مواتية للإسلاميين. بالنسبة إلى غرفة عمليات الثوار والجماعات المسلحة المتحالفة معها آنذاك، تحوّل ميزان القوة في غير صالحهم. فقد خسروا في الانتخابات، وكان المطاران الرئيسان في البلاد (مطار طرابلس الدولي ومطار معيتيقة) في أيدي خصومهم، القوات الموالية لحفتر. كان الأمر الأكثر مدعاة للقلق هو احتمال أن تعتمد قوات حفتر في الشرق على قوات الزنتان التي تحالف معها للسيطرة على مطار طرابلس ونقل المعارك إلى العاصمة، كما هدّد.

في 13 تموز/يوليو، أطلقت غرفة عمليات الثوار الإسلامية عمليات لطرد مقاتلي الزنتان من مطار طرابلس ومن منشآت استراتيجية في كل أنحاء المدينة، بهدف قلب ميزان القوى في العاصمة. بدأت قوات غرفة عمليات الثوار، التي تلقت في مابعد دعماً من جماعات مسلحة من مصراتة ومناطق أخرى من طرابلس والبلدات المحيطة بها في الغرب،34  بقصف مطار طرابلس الدولي، في عملية أطلق عليها اسم عملية الفجر، والتي شكّلت ردّاً مباشراً على عملية الكرامة.35  وزعمت قوات الزنتان أنها التقت مع ممثلين من مصراتة ليلة 12 تموز/يوليو، واتفق الجانبان على تجنّب القتال، ولكن المصراتيين عمدوا إلى الهجوم على أي حال.36  وسرعان ماجذب القتال قوات من مختلف أنحاء ليبيا، وفي يوم 17 تموز/يوليو، وصلت قوات درع ليبيا-المنطقة الوسطى بقيادة مصراتة إلى طرابلس للمشاركة في الهجوم على المطار.37 

على الرغم من أنهم يقاتلون عدواً مشتركاً وأن حفتر هو الذي جمعهم، فقد رفضت جماعة أنصار الشريعة قوات "الفجر" وجماعة الإخوان والأعضاء السابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، متّهمة إياهم بالانحراف عن طريق الثورة.

كان الهدف غير المعلن للعملية إغلاق مطار طرابلس، وبالتالي منع قوات الزنتان الموالية لحفتر من الحصول على أسلحة إما من شرق ليبيا أو من الأطراف الخارجية الداعمة. كان سيتم توجيه الحركة الجوية في غرب ليبيا عبر مطاري مصراتة ومعيتيقة القريبين، اللذين كانا تحت سيطرة الجماعات المسلحة المؤيدة لعملية الفجر.

حاول كل جانب التمسّك بالشرعية الثورية دفاعاً عن أفعاله. ادّعت قوّات الزنتان أنها تقاتل المتطرّفين الإسلاميين، بينما أعلن المصراتيون أنهم كانوا يحاولون تدمير فلول نظام القذافي.38  ولكن خلف هذه السردية الكبرى عن الإسلاميين مقابل الليبراليين أو مصراتة مقابل الزنتان، كان القتال بين "الفجر" و"الكرامة" يعكس نزاعات طويلة الأمد بين المدن والعشائر وشبكات المحسوبية المتنافسة، مثل ورشفانة مقابل الزاوية. ومازاد الوضع تعقيداً الانقسامات بين أنصار الشريعة في الشرق وقوات الفجر في الغرب. فعلى الرغم من أنهم يقاتلون عدواً مشتركاً وأن حفتر هو الذي جمعهم، فقد رفضت جماعة أنصار الشريعة قوات "الفجر" وجماعة الإخوان والأعضاء السابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، متّهمة إياهم بالانحراف عن طريق الثورة.

استمر القتال طوال شهر آب/أغسطس، مع ورود تقارير متضاربة حول الطرف الذي يسيطر على المواقع. كان المصراتيون وحلفاؤهم في طريقهم للسيطرة على المطار بسرعة، ما أدّى إلى فتح فصل جديد وخطير في الصراع.

أقلمة الحرب ومطالبتان بالحكم 

حفزت "عملية الفجر" على زيادة الانخراط السياسي والعسكري الإقليمي في ليبيا لدعم قوات "الكرامة"، ما أدّى بصورة غير مباشرة إلى ظهور مركزين للسلطة.

منذ بدء عمليته، سعى حفتر إلى تعزيز الارتباط بين الأحداث في مصر وليبيا. وبذلك، يستفيد من تيّار عميق من الإحباط في ليبيا يتطلّع إلى الرئيس المصري، المشير عبد الفتاح السيسي، باعتباره نموذجاً للرجل العلماني القوي الذي يمكنه القضاء على المعارضة الإسلامية في البلاد. الكثيرون من أنصار حفتر يتحدّرون من القبائل الشرقية ولهم أقارب على الجانب المصري من الحدود، وقد ادّعى حفتر أنه والسيسي متفقان على أن محاربة الإرهاب وسيلة لـ"الحفاظ على هويتنا العربية".39  وتعهّد بعدم السماح لأي من المتشددين المناهضين لمصر باستغلال الحدود الليبية الشرقية لتكون ملاذاً آمناً لهم. وتوقّع تعاوناً أكبر بين مصر وبين ليبيا لإنهاء "التدخّل الأجنبي في ليبيا".40

منذ فترة طويلة، شعرت الإمارات العربية المتحدة ومصر بالقلق من تطوّر الأحداث في ليبيا. إذ ترى مصر أن الجماعات الإسلامية المسلحة على الحدود الشرقية تشجّع انتقال الأموال والأسلحة والمقاتلين الجهاديين عبر أراضيها، واتّهمت الإسلاميين في ليبيا بدعم جماعة الإخوان المسلمين. أما دولة الإمارات فيكمن دافعُها، في جزء كبير منه، في الخوف من صعود الإخوان. فهي ترتبط بعلاقات عسكرية تعود إلى ثورة العام 2011 مع فصائل الزنتان المتحالفة الآن مع حفتر ضد جماعات مصراتة الإسلامية المسلحة، والتي كانت حتى وقت قريب، تدافع عن مطار طرابلس ضد الإسلاميين.

في أعقاب حملة حفتر، كثّفت مصر والإمارات انخراطهما في ليبيا. وتسبّب توقف عملية الكرامة في بنغازي والتقدم الواضح الذي حققته الجماعات المسلحة المصراتية (الإسلامية) في معركة مطار طرابلس، في شنّ سلسلة من الغارات الجوية الليلية في طرابلس بواسطة طائرات إماراتية انطلقت من مصر. في الخلاصة، تشير الغارات إلى تقارب متزايد بين دولة الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية ضد الإسلاميين، وخصوصاً جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة. غير أن جذور مخاوف هذه الدول أعمق من ذلك.

يمثّل التدخّل أقلمة خطيرة للحرب الأهلية في ليبيا. وقد يثير تصعيداً من جانب قطر على شكل دعم عسكري للإسلاميين المناهضين لحفتر، من خلال السودان وتركيا.

ظهر برلمانان ومطالبتان متنافستان بالحكم، تحظى كل منهما بدعم قوى إقليمية. استولت القوات المتحالفة مع عملية الفجر على الوزارات الحكومية، في حين أعاد المؤتمر الوطني العام تشكيل نفسه في طرابلس وقدّم رئيس وزرائه. وثمة مزاعم بأن قطر والسودان يرسلان أسلحة إلى قوات "الفجر".

في طبرق، كان الفوز من نصيب مجلس النواب والحكومة الجديدة، على المستويين المحلي والدولي. فرئيس أركان القوات المسلحة الجديد يؤيّد حفتر بشدّة. وفي منتصف أيلول/سبتمبر، ظهرت تقارير تفيد بأن المجلس وقع اتفاقية دفاعية مع مصر، على الرغم من أنه تم نفي ذلك لاحقاً.41  كما وقع السلك الدبلوماسي في ليبيا ضحية للانقسامات في البلاد. فقد طرد مجلس النواب سفراء ليبيين عدّة في الخارج مؤخراً بسبب ولائهم المزعوم للمؤتمر الوطني العام في طرابلس. ومن جانبه، عارض رئيس الوزراء عبد الله الثنّي، من حيث المبدأ، عملية حفتر بسبب عدم قانونيتها، لكنه مال مع ذلك إلى معسكر عملية الكرامة، وزار الإمارات لطلب الدعم العسكري. مع ذلك، يبدو أن الثنّي يعمل على ضم السياسيين الغربيين والمصراتين إلى حكومته. وعلى الرغم من أن مجلس النواب رفض أول محاولتين قام بهما الثنّي لتشكيل حكومة من ثمانية عشر وزيراً بسبب خلافات على حقائب الداخلية والدفاع والخارجية، فقد تمت الموافقة على الحكومة أخيراً في 22 أيلول/سبتمبر 2014.

أخيراً، ربما يكون مصرف ليبيا المركزي هو أكثر المؤسّسات المتنازع عليها، بحكم أنه المسؤول عن تبديد عائدات النفط. من حيث المبدأ، حافظ المصرف على حياده، لكن ظهرت مؤشرات في أيلول/سبتمبر 2014 إلى وجود انشقاقات داخلية فيه وميلاً نحو معسكر طبرق، في ظل ورود تقارير عن تحويلات مالية غير قانونية أجراها نائب محافظ المصرف إلى مجلس النواب.42
 
يشكّل كل ذلك تحدّيات جديدة للأطراف الخارجية التي تسعى إلى تقديم المساعدة إلى ليبيا. فقد ركّز صانعو السياسات الأميركيون منذ فترة طويلة على دعم "مؤسّسات الدولة"، لكن في خضمّ المعسكرات المتحاربة التي يدّعي كل منها أنه يملك الشرعية، يبدو من غير الواضح تماماً مايعنيه هذا. وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي اعترف بالحكومة التي تتّخذ من طبرق مقراً لها، فقد يكون بناء توافق في الآراء حول قراراتها وفرض سلطتها في الغرب إشكالياً. ويبدو الأمر كذلك بالفعل نظراً إلى الغياب المتزايد لبعض الأعضاء الإسلاميين من بنغازي ومصراتة، وبعض المدن الغربية، حيث تعرّض الكثير منهم إلى التهديد بالقتل إن هم سافروا إلى طبرق. واعتباراً من منتصف أيلول/سبتمبر، تراوح عدد الأعضاء الحاليين في مجلس النواب بين 110 و145 من أصل 188 عضواً منتخباً.43 

يبدو مأزق المساعدات الخارجية شديداً، خصوصاً على جبهة قطاع الأمن. ففي ظل الانقسامات بين معسكري "الكرامة" و"الفجر" والتنافس بين المؤسسات، سيكون بناء هيكل عسكري موحّد إشكالياً، إن لم يكن مستحيلاً، من دون إجراء مصالحة سياسية شاملة.

تحدّيات المساعدات الخارجية: قوة الأغراض العامة 

في خضمّ الانقسامات الحزبية العميقة، يبقى تدريب قوات الأمن في البلاد محور المساعدات المقدمة من الولايات المتحدة وأنصار ليبيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). إذ تعمل قيادة أفريقيا في الجيش الأميركي (أفريكوم) وقيادة العمليات الخاصة بهدوء، منذ أوائل العام 2013، على وضع خطط وتنفيذها، جزئياً، لبناء الجيش الليبي وقوات مكافحة الإرهاب المتخصصة. وفي شهادته الأخيرة أمام الكونغرس الأميركي، أعاد مسؤول كبير في وزارة الخارجية التأكيد على التزام الولايات المتحدة بتدريب الجيش الليبي. ولكن نظراً إلى الانقسام الحالي بين قوات "الفجر" و"الكرامة"، فإن المضي قدماً في الخطة ينطوي على مخاطر كبيرة.44 

ظهر المشروع في نداء أطلقه خلال قمة الدول الكبرى الثماني (G8) في العام الماضي رئيس الوزراء الليبي علي زيدان طالباً تقديم مساعدة خارجية في بناء مابات يعرف لاحقاً باسم "قوة الأغراض العامة" التي يبلغ قوامها حوالي 19 ألف جندي جديد. وعندما تبيّن في صيف العام 2013 أن الحكومة الليبية المنتخبة لايمكن أن تعمل بمعزل عن نفوذ الجماعات المسلحة، اكتسبت خطة إنشاء بديل عملي يخضع إلى سيطرة الدولة، زخماً أكبر في واشنطن. فالولايات المتحدة وتركيا وبريطانيا وإيطاليا لديها خطط لتدريب وتجهيز الجيش الليبي في قواعد في الخارج. من جانبها، ستقوم قيادة أفريقيا في الجيش الأميركي (أفريكوم) بتدريب 6 إلى 8 آلاف جندي في قاعدة في بلغاريا. ووفقاً لإخطار صادر عن الكونغرس الأميركي، التزمت الحكومة الليبية بدفع 600 مليون دولار للتدريب والدعم اللوجستي. لكن جزءاً من التدريب الأميركي متوقف مؤقتاً حتى الآن لأن ليبيا لم تدفع الأموال مسبقاً.

يقرّ مسؤولو أفريكوم بالتحدّيات التي تواجه الخطة، بعد أن تعلموا دروساً قاسية في السنوات الأخيرة حول بناء الجيوش في الدول الممزّقة، في خضمّ خليط من الولاءات القبلية والإقليمية. وقال لي مسؤول في أفريكوم: "نريد تدريب وحدات جديدة ككل لضمان ألا يعود المجندون المدربون بصورة فردية إلى ليبيا ويلتحقوا مجدّداً بالجماعات المسلحة". وقد أعرب بعض المسؤولين في البنتاغون عن مخاوفهم بشأن تشكيل ميليشيات حزبية أو قبلية أو حتى حرس خاص قد يقوّض التحوّل الديمقراطي في البلاد. وهذا السيناريو ليس بعيداً عن التصديق تماماً، بالنظر إلى أن البريطانيين هم الذين درّبوا معمر القذافي في ستينيات القرن الماضي، والذي كان برتبة نقيب آنذاك.

أحد الضرورات الهامة في هذا الجهد يتمثّل في تعزيز الهيكل المؤسّسي الذي يقف وراء الجيش. وقد وصفه أحد المسؤولين بأنه مقاربة "للحكومة كلها"، يتضمن القيام بإصلاح وزاري وتنظيم سلم الرواتب والبنية التحتية الأساسية، ولاسيما الرقابة والإشراف المدني. 

مع ذلك، يبقى مصدر القلق الأكثر إلحاحاً هو شمولية قوة الأغراض العامة لكل الأطراف. ولأن المتوقّع أن تحلّ القوة في نهاية المطاف محلّ قوة درع ليبيا في قمع الصراعات العرقية والقبلية، يتعيّن أن يكون عدم انحيازها ومهنيتها فوق الشبهات. ومن ثمّ هناك أولوية قصوى تتمثّل في فحص المجندين والتأكد من أنهم يمثّلون شريحة واسعة من القبائل والمناطق وكذلك الثوار السابقين.

بيد أن هناك معارضة قوية ضد إدراج الثوار من الحرس القديم والضباط الليبيين المسنّين، الذين يكنّون ازدراءً شديداً للثوار الشباب، وخصوصاً الإسلاميين. بالنسبة إلى هؤلاء، فإن احتمال دمج أعضاء الجماعات المسلحة في الجيش يضعف معنويات الجيش وحماسته وكفاءته. فقد قال لي عقيد في العشرين من عمره في الخريف الماضي في طرابلس: "أفضّل أن أستقيل بدلاً من المشاركة في هذا الجيش مع أولئك الحمقى ".

يشعر هؤلاء الضباط بالاستياء من الجهود المختلفة التي تُبذل لإخضاع الجماعات المسلحة إلى سيطرة الدولة، ويرون في قوات درع ليبيا واللجنة الأمنية العليا وغرفة عمليات الثوار أطرافاً منافسة لهم. والأسوأ من ذلك هو التقليل من مكانتهم ورواتبهم. فقد سألني عقيد في الجيش قائلاً: "لماذا يحصل رائد له خبرة تسعة عشر عاماً على 800 دينار ليبي شهرياً، في حين يحصل عضو في درع ليبيا على 1200 دينار؟" في أواخر العام 2013، رفع رئيس الوزراء آنذاك، علي زيدان، رواتب الجيش لتفوق رواتب اللجنة الأمنية العليا وقوات درع ليبيا، لكن من غير الواضح ما إذا كان هذا وحده سيساعد على زيادة أعداد القوات النظامية وإجبار الشباب على ترك الجماعات المسلحة. ويقول ضابط قديم إن هناك إهانة أكثر مرارة تتمثّل في منح الرتب العسكرية التلقائية إلى قادة الثوار. فقد قال لي عقيد في الجيش: "يشعر الكثير من الضباط بأنهم خذلوا. لكن زيدان لايفكر إلا في كيفية إشراك الثوار".

ظهرت ازدواجية مشابهة حول قوة الأغراض العامة من قادة الجماعات الإسلامية المسلحة في البلاد ومؤيديهم في بنغازي وفي أنحاء ليبيا. فقد استمر هؤلاء في المطالبة بتطهير الرتب العليا المتضخمة في الجيش من فلول عهد القذافي قبل أن يوافقوا على الانضمام إليه. لكنهم وجهوا أعنف انتقاداتهم إلى ما اعتبروه غموض زيدان ومكرِه في التماس المساعدة الأجنبية لبناء الجيش. وقال لي قائد اللجنة الأمنية العليا، عبد الرؤوف كارة، إن زيدان "لايملك الحق" في أن يدور على العواصم الأجنبية طلباً للمساعدة في بناء الجيش. وعبّر إسلاميون آخرون في الشرق عن قلقهم من أن يصبح الجيش الجديد أداة سياسية بيد الطرف الأكثر ميلاً إلى العلمانية، تحالف القوى الوطنية، أو حتى الولايات المتحدة. أما اللازمة الشائعة على ألسنة هؤلاء فهي أن رئيس الوزراء المكروه شرّع أبواب البلاد أمام الاحتلال العسكري على نحو يشبه ماحدث في العراق.

كما أصبح دور الدين في الجيش مصدر قلق للعديد من الجماعات الإسلامية المسلحة. إذ قال لي القائد السابق لسرايا راف الله السحاتي، إسماعيل الصلّابي: "يجب أن يكون ولاء الجيش أولاً للشريعة الإسلامية". وأضاف: "إذا أصبحت الدولة ضد الشريعة الإسلامية، عندها يجب على الجيش حماية الشريعة الإسلامية. نحن لانريد جيشاً يعين القوى الأجنبية. ونقل محاورون آخرون أن الجماعات الإسلامية المسلحة تريد أن يكون في الجيش الليبي الجديد "لجنة أخلاقيات" للحفاظ على تمسّكه بالأعراف الاجتماعية الإسلامية.

على خلفية هذه الانتقادات وفي خضمّ الاقتتال الداخلي الحالي، يعاني برنامج قوة الأغراض العامة من الفوضى. فقد تم منح الدفعة الأولى من المتدربين الذين عادوا من التدريب في تركيا وإيطاليا إجازة مفتوحة منذ نيسان/أبريل 2014 بسبب عدم وجود وحدات يمكنهم الانضمام إليها. ووردت تقارير تفيد بأن العديد من الجنود الذين تدربوا في إيطاليا تركوا القوة للانضمام إلى قوات حفتر، وأنهم غالباً ماينسحبون من برنامج التدريب قبل استكماله.45

مبادئ وسياسات توجيهية لليبيا وداعميها الخارجيين 

ستعتمد قدرة البلاد على النجاة من الجولة الحالية من القتال والاستقطاب العميق، على حكمة قادة ليبيا وفطنة وبعد نظر الأطراف الخارجية التي تدعمهم. ومع أنه يتعيّن على الليبيين تحمّل الجزء الأكبر من الأعباء، لايزال هناك الكثير مما يمكن للمجتمع الدولي القيام به، ولاسيّما من حيث تطبيق الدروس المستفادة من المناطق الأخرى التي مرّت بمرحلة مابعد الصراع.

لتجاوز هذا المأزق، تكمن الخطوة الأولى في إجراء تقييم دقيق لطبيعة التحدّي الأمني في ليبيا. فعادة مايُعزى الاضطراب الأمني في البلاد إلى قوة واستقلالية الجماعات المسلحة الثورية، وفي المقابل ضعف الجيش الرسمي والشرطة النظامية. بيد أن مثل هذا التقسيم ليس سوى جزء من القصة، فهو يتجاهل العلاقات المعقدة والمتقلبة بين المجموعات المحلية المسلحة والحكومة المركزية والجهات السياسية الفاعلة المتضرّرة، والكيانات الأمنية الهجينة.

يتجاهل ذلك الافتراض أيضاً حقيقة أن "مشكلة الميليشيات" هي في الأساس مشكلة سياسية. وعليه، ينبغي أن يتجاوز إطار فهم التحدّي الذي تشكّله "الميليشيات"، الأسئلة المعيارية المتعلّقة بـ"الشرعية" ويقرّ بأن الجماعات المسلحة تمثّل بعض الدوائر الانتخابية وأنها أصبحت، في مختلف الأحوال والظروف، راسخة كما ينبغي في جهاز الدولة.

تكمن الخطوة الأولى من إصلاح القطاع الأمني في تفكيك التحالفات المسلحة التي تتجمّع حول عمليتي "الكرامة" و"الفجر". ويجب أن تنسحب الوحدات التابعة لها من بنغازي وطرابلس، كما ينبغي تسريح أعضائها كأفراد أو نقلهم إلى القوات المسلحة النظامية. وينبغي القيام بعملية مماثلة لدمج الائتلافين الهجينين، "اللجنة الأمنية العليا" و"قوة ودرع ليبيا"، اللذين خضعا إلى سلطة وزارتي الداخلية والدفاع الضعيفة.

يجب التعاطي مع هذين الجهدين من خلال مسارٍ موازٍ من الحوار الوطني وسياسة شاملة للجميع، بدل أن يحاول أحد المعسكرين المتنافسين في طبرق أو طرابلس احتكار استخدام القوة بسرعة.

وثمّة أولوية ثالثة هي استيعاب وحتى تسخير قوة الهياكل الأمنية المحلية التي تستلزم وجود تنسيق غير رسمي بين القبائل والقادة المحليين والشرطة النظامية والجماعات المسلحة المحلية.

والمهمة الأخيرة هي إصلاح وتعزيز القطاع الأمني الرسمي. وهذا سيتطلب إعادة تنظيم البنية الدفاعية المنحلّة وتدريب وتجهيز جيل جديد من الشرطة والجيش. وفي سياق هذه العملية، يتعيّن على قادة ليبيا والأطراف الخارجية التي تدعمهم التأكد من عدم "استيلاء" الفصائل السياسية أو الشخصيات الطموحة على الكيانات الأمنية الجديدة باعتبارها جماعاتهم الشخصية المسلحة. وبالمثل، يجب توخّي الحذر الشديد لضمان ألا تتفكّك القوات الجديدة على أسس إقليمية أو قبلية أو تخرِّب العملية الديمقراطية في البلاد.

وطوال الفترة التي تستغرقها كل هذه الجهود، يجب على الليبيين والأطراف الخارجية التي تدعمهم تطبيق الدروس المستخلصة من تجارب البلدان الأخرى في فترة مابعد الصراعات في مجال نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح القطاع الأمني في ليبيا. ويعتقد عموماً أن البلاد تمثّل حالة استثنائية من حيث التحدّيات التي تواجه قطاع الأمن والتي تتحدّى النماذج العادية بسبب انقساماتها التاريخية، وضعف مؤسّساتها، والأمراض الفريدة التي خلّفها حكم القذافي، والمسار الشعبي للثورة، والتدخّل الخارجي من جانب حلف شمال الأطلسي (ناتو). مع ذلك، من المحبط أن يتم التراجع بحجّة أن الحالة الليبية فريدة من نوعها.

يكشف التدقيق في تجارب نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح قطاع الأمن في بلدان أخرى عن أفضل الممارسات التي تستحق الدراسة، وإن لم تكن ملائمة للحالة الليبية. والأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الجهود ليست مجرّد عمليات تقنية. وهي لايمكن أن تتحقّق من خلال التركيز على السيطرة على الأسلحة وبنية القوى الأمنية على حساب استبعاد عقد مصالحة سياسية أوسع ومن دون معالجة مجموعة معقدّة من الدوافع التي تقف وراء الدعم المجتمعي للجماعات المسلحة.
تبدو الرهانات في هذه العملية هائلة. إذ ستحدّد الطريقة التي تبدأ الحكومة الليبية من خلالها في بناء قطاع أمني جامع وخاضع إلى المساءلة، إلى حدّ كبير، ما إذا كان مستقبلها السياسي يتّجه نحو مزيد من التفتّت والصراع والحكم الاستبدادي، أو نحو توازن مدني - عسكري صحي يسهل عملية الانتقال الديمقراطي.

وعلى ضوء هذه الرؤى، يجب على الحكومة الليبية والقوى الخارجية أن تركز على الإجراءات الرئيسة التالية على المديَين القريب والمتوسط:

تنفيذ عمليات وقف إطلاق النار بين "عملية الكرامة" و"عملية الفجر" وتأمين انسحاب القوات المشاركة في تلك الحملات. يجب أن تطالب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالوقف الفوري لعملية الكرامة، ونقل القوات الخاضعة إلى قيادة حفتر إلى سلطة رئيس أركان الجيش. ويكمن أحد السبل الكفيلة باستيعاب قوات الكرامة في تحفيز قائد الصاعقة ونيس بوخمادة، الذي قيل إنه اختلف مع حفتر على سير العمليات، والذي تشكّل قواته الكتلة الأكبر من القوة القتالية لعملية الكرامة، كي يتحرك في إطار التسلسل القيادي للقوات المسلحة النظامية.

وبالمثل، لابدّ من أن تنسحب قوات عملية الفجر التي تسيطر على مطار طرابلس والوزارات منذ أيلول/سبتمبر 2014 إلى خارج العاصمة، ويجب أن يوضع درع ليبيا-القوة الوسطى تحت سلطة رئيس الأركان. مع ذلك، فإن تمزّق تسلسل القيادة والانقسامات داخل الائتلاف (بين الجماعات المسلحة المصراتية والطرابلسية) يزيد الأمر صعوبة. أما التصريحات والمواقف الدولية فعليها تجنّب الخلط بين فصائل "الفجر" وبين الجماعات الرافضة الراديكالية مثل "أنصار الشريعة". ويتعيّن على قادة عملية الفجر النأي بأنفسهم بشكل لالبس فيه عن المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة بالإرهابية مثل أنصار الشريعة في درنة وبنغازي.

يجب إخضاع قادة الجماعات المسلحة من الفصيلين ممن هاجموا المطارات أو انتهكوا الحظر الدولي المفروض على الأسلحة، إلى عقوبات الأمم المتحدة. كما ينبغي حل جماعات غرفة عمليات الثوار والقعقاع والصواعق تماماً.

صياغة خريطة طريق لحكومة انتقالية جامعة. ينبغي على المجتمع الدولي الضغط من أجل تشكيل حكومة انتقالية تضم أنصار كل من "الكرامة" و"الفجر"، شرط أن يكفّوا عن دعم الجماعات الإرهابية ومهاجمة المنشآت المدنية. والمطلوب هو صيغة لحفظ ماء الوجه يمكن أن تستميل السياسيين المقاطعين الأكثر واقعية من مصراتة والغرب الليبي.

يجب أن تكون الحكومة الجديدة (ومجلس الوزراء) جامعة وأن تتجنب التحيز المناطقي المفرط، وتعرض حقائب وزارية رئيسة على شخصيات من الغرب الليبي ومصراتة. وعلى الممثل الخاص الجديد ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، برناردينو ليون، أن يؤدّي دوراً رئيساً في التوسّط للتوصّل إلى مثل هذه التسوية، في حين يمكن للمبعوثين الخاصين من المملكة المتحدة والولايات المتحدة أن يلعبوا دوراً مسانداً.

نشر قوة استقرار دولية بتفويض محدّد لحماية المؤسسات المنتخبة والمواقع الاستراتيجية. على الرغم من أن فكرة وجود قوة دولية لتحقيق الاستقرار كانت في السابق بمثابة لعنة في الأوساط السياسية الليبية، فقد ازداد الطلب على مثل هذه القوة تدريجياً في صفوف الفصائل السياسية والإقليمية المختلفة. وقد أصدر مجلس النواب نداءً شاملاً ناشد فيه الأمم المتحدة بحماية المدنيين ومؤسّسات الدولة في منتصف آب/أغسطس 2014، كما وجه المراقبون الخارجيون دعوات مماثلة.46

بيد أن تلك القوة ليست الحلّ السحري الذي يتوقعه كثيرون. وقبل أن يصبح نشر مثل هذه القوة ممكناً، يجب توضيح مهمتها وولايتها وتكوينها ونطاقها. أولاً وقبل كل شيء، يجب تحديد منطقة انتشار القوة. ففي أحاديثهم الخاصة، انتقد مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية الطبيعة غير المحددة لطلب مجلس النواب. فقد كانوا يأملون في أن يشمل الطلب حماية مؤسّسات منتخبة أو مواقع استراتيجية محدّدة مثل المطارات في طرابلس أو طبرق أو بنغازي. غير أن موقع نشر القوة غير واضح لأن هناك خطوط قتال متعدّدة في الحرب الأهلية في ليبيا، ولم تتفق الأطراف المتحاربة حتى الآن على شروط وقف إطلاق النار.

علاوةً على ذلك، تظهر التجارب السابقة أنه في المناطق الأكثر إشكالية، بما فيها تلك التي تواجه حروباً أهلية، عادة ما تطلب البلدان التي تتدخّل قوة تزيد عن عشرة جنود مقابل كل ألف مدني كي تعمل بصورة فعّالة.47  وبما أن عدد سكان طرابلس وبنغازي مجتمعتين يزيد عن 3 ملايين نسمة، من المرجّح أن تتطلب عملية تحقيق الاستقرار في المدينتين، إذا أريد لها تأمين كل شيء، أكثر من 30 ألف جندي. ولأن من المستبعد أن يكون المجتمع الدولي على استعداد لإرسال مثل هذه القوة الكبيرة إلى ليبيا، يجب أن تكون مهمة هذه القوة واضحة ومحصورة منذ البداية.

ومن ثم هناك مسألة تكوين القوة. من الناحية المثالية، ستكون القوة بتفويض من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتم الاحتكام إليه لإظهار الإرادة السياسية، وعادة مايتم تطبيقه على نشر قوات حفظ السلام في حالات مابعد الصراع. لكن تزويد مثل هذه القوة بالموظفين من الدول المساهمة سيستغرق وقتاً، ولن تكون مصر والأردن، وهما أهم المساهمين العرب في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مقبولتين كوسيطين محايدين في الحالة الليبية. وفي أحاديث جرت مع مؤلف هذه الدراسة في صيف العام 2014، بدا أعضاء المجالس المحلية في مصراتة وميليشيات الزنتان ووحدات اللجنة الأمنية العليا في طرابلس يؤيدون وجود قوة خارجية شريطة أن يتم تشكيلها من بلدان محايدة، وكانت البلدان الاسكندنافية وأستراليا أكثرها شيوعاً. كما تم طرح فكرة بعثة من الاتحاد الأفريقي، غير أن هذه الهيئة متعددة الأطراف تعاني من شحّ في الموارد وليس لديها ما يكفي من الجنود في ظل انتشارها في الصومال وأماكن أخرى. وبالتالي فإن أحد الخيارات التي تستحق مزيداً من الدراسة هو تشكيل قوة من المتعاقدين العسكريين تشرف عليها الأمم المتحدة ويمكنها تأمين مواقع محدّدة بوضوح مثل البرلمان والمطارات.

صياغة وتنفيذ اتفاق سياسي إقليمي بعدم التدخل. دعمت دول أجنبية جزءاً كبيراً من العمليات القتالية الأخيرة في ليبيا. وفي ظل غياب اتفاق إقليمي أوسع، من المرجّح أن يؤدّي تدفق الأسلحة والإمدادات الخارجية إلى إطالة أمد الصراع، على الرغم من مطالبة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بوقف هذا الدعم. لذا ينبغي على الحكومة المصرية والإمارات العربية المتحدة وقطر والسودان وتركيا الكفّ عن تقديم الأسلحة والدعم العسكري إلى الفصائل المسلحة في ليبيا.

يمثّل البيان الصادر في 22 أيلول/سبتمبر عن ثلاث عشرة دولة ضدّ التدخّل في ليبيا، والتي كان من بينها مصر والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا، بداية مشجّعة، والأمر الأساسي الآن هو أن تلتزم الدول الموقعة به. وعلى الرغم من أن جيران ليبيا ودولاً عربية أخرى دعوا في كثير من الأحيان إلى "حل إقليمي" لأزمة ليبيا، وهي الدعوة التي كثيراً ماردّدها بعض المسؤولين في واشنطن، فإن من المستبعد أن تسفر هذه المقاربة في حدّ ذاتها عن استقرار دائم ومصالحة نظراً إلى الدرجة العالية من تحزّب القوى الخارجية تجاه الفصائل المتحاربة واستقلالية وتفتّت الفصائل المسلحة في ليبيا.

عندما يتم وقف إطلاق النار ووضع خارطة طريق للمصالحة في مكانها الصحيح، ينبغي أن تركّز الخطوات متوسطة وطويلة الأجل على بناء المؤسّسات الأمنية في ليبيا وإصلاحها، وتسريح ونزع سلاح الجماعات المسلحة:

تفكيك الجهات الأمنية الهجينة التي دعمتها الحكومة الليبية حتى الآن. يجب على الولايات المتحدة أن تشجّع الحكومة الليبية على وقف جميع الأموال التي تدفعها إلى الجماعات المسلحة وتفكيك اللجان الأمنية العليا وقوات درع ليبيا التي خضعت إلى سلطة وزارة الداخلية ووزارة الدفاع الفضفاضة على التوالي. وينبغي أن تركّز الجهود على دمج أفراد هذه الجماعات في الجيش النظامي والشرطة وتخصيص فرص للتدريب على العمل أو التعليم.

دعم تطوير جيش ليبي وطني جديد وشرطة وقوة أكثر محلية تعتمد على السلطة البلدية. في انتظار الحصول على دفعة مالية من الحكومة الليبية والتوصل إلى اتفاق سياسي شامل يتضمن تفكيك قوات "الفجر" و"الكرامة"، ينبغي على الولايات المتحدة المضي قدماً في تدريب قوة الأغراض العامة مع العمل على ضمان أن تكون هي والشرطة جامعتين، وتخضعان إلى سيطرة المدنيين، وتسترشدان بمهمات محدّدة بوضوح. وينبغي أن تدرك الولايات المتحدة والأطراف الدولية الأخرى الداعمة لليبيا أن إصلاح القطاع الأمني  لايقتصر على تدريب وتجهيز جيش جديد، بل يتطلّب اتّباع مقاربة شاملة تتضمن إصلاحاً وزارياً وإنشاء هيئة تشبه مجلس أمن قومي (مثل لجنة تنسيق الأمن الوطني التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا)، وترشيد الرواتب وإجراء تحسينات أخرى على البنية التحتية لضمان ألا تتفكك القوة الجديدة على أسس حزبية أو إقليمية.

وينبغي أن يكون هناك تركيز موازٍ على إنشاء جهاز شرطة عملي يتوفر على قدرات فعالة في مجال الطب الشرعي بالإضافة إلى جهاز أمن داخلي، كما أظهرت موجة الاغتيالات في بنغازي التي بقيت عالقة من دون حل من جانب الشرطة سيئة التجهيز، ما أدّى إلى مزيد من عدم الثقة والاستقطاب.

ينبغي أن يكون الغرض من إنشاء قوات الأمن الجديدة متناسباً مع الاحتياجات الأمنية الفريدة في ليبيا. كما ينبغي تنظيم القوة للتعامل مع مجموعة من تحدّيات حفظ الأمن والنظام والتحدّيات الأقلّ شدّة بدل أن تكون جيشاً تقليدياً مجهّزاً بالمدرعات والطائرات المقاتلة التي ليس لها أهمية تذكر بالنسبة إلى احتياجات الأمن الداخلي في ليبيا. وفي حين تفتقر البلاد إلى قوات مسلحة موحّدة على المستوى الوطني، فإن مشكلتها الأمنية محلية في الأساس. فهي تحتاج إلى أجهزة أمنية محلية أكثر مهنية يمكن أن يلجأ إليها المواطنون العاديون.

يتعيّن على الولايات المتحدة والأطراف الخارجية الفاعلة الاستثمار في البرامج التي تعتمد على المبادرات الأمنية المحلية التي تصلح للعمل في ليبيا، عبر المجالس البلدية والقبائل والسلطات الدينية، وتجنب اتباع مقاربة مركزية بصورة مفرطة يمكن أن تؤدي إلى مفاقمة التصدّعات القائمة. وينبغي أن تشمل هذه البرامج زيادة التواصل مع منظمات المجتمع المدني وتقديم الدعم الاستشاري للحكم البلدي.

وبهذا المعنى، فإن برنامج الحرس الوطني يستحق أن يُعاد النظر فيه، سواء أكان تحت اسم مختلف مثل "القوة الثالثة" أو "جيش ليبيا المدني"، وهو مفهوم اقترحته لأول مرة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أواخر العام 2012. ووفقاً لمقاربة الجيش المدني، يشكل أعضاء الجماعات المسلحة والمقاتلون من الثوار السابقين فرق إمداد، على أساس المدينة أو المنطقة، للجيش الوطني الذي يعاد تشكيله، ويشار إليها باعتبارها "قوة الدفاع الليبية"، على أن تنتقل بصورة تدريجية إلى وضع الاحتياط.

التركيز على حلول محلية محدّدة السياق لعملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج يمكن الارتقاء بها وتكييفها للبلد بأكمله. فقد فشلت العديد من الجهود الأولية لتسريح الجماعات المسلحة لأنها لم تأخذ في عين الاعتبار الحقائق الليبية المحلية. فهي افترضت أن عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح القطاع الأمني من شأنها المضي قدماً من خلال حكومة مركزية أكثر قوة من اللاعبين غير الحكوميين المنافسين في تجاهل صارخ للواقع الليبي. ويمكن الارتقاء ببرامج إعادة الدمج الخاصة بالأمن المحلّي في ليبيا، مثل تلك التي تجري في مصراتة والزاوية والبيضاء، مع إجراء بعض التعديلات في أماكن أخرى. ففي تلك المدن تم تصنيف الجماعات المسلّحة المحلية في هياكل تنسيقية عملت بانسجام نسبي مع الشرطة.

الاعتراف بأن نزع السلاح يجب ألا يكون شرطاً مسبقاً للتوصل إلى اتفاقات سياسية. تشير العديد من تجارب نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج السابقة إلى أنه لاينبغي أن تمضي العملية بالضرورة بالترتيب الذي اقترحه الاسم المختصر لها، بحيث يأتي نزع السلاح قبل إعادة الدمج.48  والواقع أن محاولات نزع سلاح المقاتلين السابقين قبل إعادة الدمج أو إعادة الإدراج قد يخلق معضلة أمنية تقوّض عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وعملية السلام. فعادة ماتكون بيئات مابعد النزاع محفوفة بانعدام الثقة، وفي هذه الحالات، لاتقدّم الوعود التي تقطع في المفاوضات الأولية ضمانات كافية للمقاتلين بأن يشعروا بالأمان عندما ينزعون سلاحهم من جانب واحد.
يمكن للتدابير المؤقتة لتحقيق الاستقرار أن تساعد على الحيلولة دون حصول فراغ أمني وتحسين الأمن الحقيقي والمتوخّى أثناء عملية التفاوض لتحقيق السلام وتخطيط الترتيبات الأمنية المستقبلية.49  قد تتخذ هذه التدابير أشكالاً مختلفة، وتترك مجالاً للحلول الإبداعية للترتيبات اللازمة لقوات الأمن الانتقالية أو الحكم الذاتي الانتقالي من منظمات الخدمة المدنية.50

في ليبيا، حيث تم طرح المجالس المحلية والبلدية باعتبارها هيئات تملك تأثيراً وشرعية أكثر من المؤسسات الوطنية، تعتبر الترتيبات الأمنية الانتقالية ذات أهمية خاصة. فهي تسمح للمقاتلين بمعرفة إمكانية تطبيق مهاراتهم في زمن الحرب على عمليات حفظ السلام (الأمر الذي قد يكون واضحاً للبعض في ليبيا)، إضافةً إلى بناء الثقة والتماسك الاجتماعي للانتقال في المستقبل إلى وضع مدني كامل. علاوةً على ذلك، في حين شكّلت العلاقات القبلية والإقليمية الليبية في الغالب - مع ما نتج عنها من تنافس بين المصالح الضيقة - تحدّيات لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح قطاع الأمن، فإنها تشكّل شبكات ثقة وتعاون قوية يمكن أن تكون ذات قيمة في إنشاء المؤسّسات الانتقالية المحلية والوطنية.

التركيز على الاقتصاد السياسي الذي يدعم نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. يكمن جزء من السبب في صعوبة تسريح الجماعات المسلحة في ليبيا في أن ليس لدى الشباب المنضوين فيها خيارات أخرى للعمل. فقد أصبحت الجماعات المسلحة الآن مصدر دخل مربحاً للشباب الليبي سواء من الدعم الحكومي أو القبض على الشبكات غير المشروعة.

تعاني ليبيا من أزمة اقتصادية صعبة. في العام 2012، شهدت البلاد نمو الناتج المحلي الإجمالي بما يقرب من 104 في المئة، في العام 2013، عانت من انكماش في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 10 في المئة نتيجة التباين في إنتاج النفط. يحتاج ماتبقى من دولة القذافي، خصوصاً مؤسسات تقديم الإعانات والرعاية التي تعااني خللاً، إلى تحديث، بيد أن هناك مؤشرات قليلة على حدوث ذلك. مع ذلك، تشكّل رواتب القطاع العام والإعانات نسبة أكبر من ميزانية الدولة اليوم مما كانت عليه في عهد القذافي. إذ إن مايقرب من 80 في المئة من جميع العاملين موظفون لدى الدولة، ويشمل جزء كبير من هذه النسبة الجماعات المسلحة التي ترعاها الدولة. وقد خصصت الحكومة 60 في المئة من الميزانية للرواتب والدعم و40 في المئة للديون والعقود مع الشركات العالمية. حتى مع عودة إنتاج النفط والبنك المركزي الذي يعمل كهيئة محايدة، يوحي سوء الإدارة الاقتصادية بالإضافة إلى استنزاف احتياطيات ليبيا بمستقبل قاتم.51 

جعل الشمولية والملكية الواضحة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج أولوية. يشير العديد من التجارب السابقة مع نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح القطاع الأمني إلى ضرورة القيام بعملية شمل واسعة، بما في ذلك الجماعات المسلحة الصغيرة من غير الدول وبقايا الأنظمة القديمة والنساء.52  شمل النساء، على سبيل المثال، يعني دعم مجموعة لاتشكّل نصف المجتمع وحسب، بل كثيراً ماتشارك أيضاً في أنشطة مختلفة أو تعمل في أماكن مختلفة عن الرجال، وبالتالي يمكن أن تساهم في معلومات وأفكار أساسية في عملية ناجحة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح القطاع الأمني.53  في ليبيا، يوفر الحوار الوطني ساحة هامة لشمل الجماعات الليبية المسلحة والقبائل وماتبقى من القوات الموالية للقذافي، فضلاً عن النساء والشباب، في عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج وإصلاح قطاع الأمن.

إن بناء إطار مؤسّسي دائم وشامل لقطاع الأمن في ليبيا سيساعد بالتأكيد على دحر سياسة الفوز على حساب الآخرين التي ابتليت بها البلاد. هناك الكثير مما يمكن أن يقوم به الأجانب على هذا الصعيد. بيد أن هذه المساعدة ليمكن أن تؤتي أكلها إلا عندما تتفق الفصائل المتناحرة في ليبيا على تجاوز الاستقطاب الذي يقود إلى تدمير الذات، والذي كلف أرواحاً بريئة ويخرّب اقتصاد البلاد. فلايوجد طرف يحتكر المعاناة (في عهد القذافي أو بعده)، تماماً كما لايوجد طرف بريء من استخدام القوة لتعزيز أجندته. ولكي تتقدم البلاد في نهاية المطاف، يجب على الليبيين الانخراط مجدداً في سياسة الاعتراف والمصالحة.

***
أنا ممتن لألكسندرا سيغل وديفيد بييشوب، الباحثين المساعدين السابقين في مؤسسة كارنيغي، إضافةً إلى علاء الربابعة، وهو حالياً باحث مساعد في كارنيغي، على ماقدموه من مساعدة بحثية ممتازة في إعداد هذه الورقة. أودّ أيضاً أن أشكر أنس القماطي وفرج نجم وعماد معتوق وبيتر كول وجيف مارتيني ومايكل سميث على مساعدتهم في الأبحاث حول هذه الورقة. استفادت هذه الورقة من ورشة عمل حول "إعادة النظر في العلاقات المدنية-العسكرية العربية: الحوكمة السياسية والاقتصادية في المراحل الانتقالية"، التي استضافها مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 6 و7 شباط/فبراير 2014. أنا ممتن أيضاً ليزيد صايغ ودالية غانم-يزبك وللمشاركين الآخرين في المؤتمر على أفكارهم وملاحظاتهم. ومالم يذكر خلاف ذلك، فإن التحليل مستمد من المقابلات الميدانية التي أجريت في ليبيا (طرابلس والزنتان ومصراتة وبنغازي) في شباط/فبراير وتموز/يوليو 2012، وأيار/مايو وتشرين الثاني/نوفمبر 2013، وحزيران/يونيو 2014. وأتقدم بالشكر إلى العديد من المحاورين الليبيين الذي شاركوني آراءهم.

هوامش

1 للحصول على خلفية حول هذا الموضوع، أنظر:
Frederic Wehrey, “What’s Behind Libya’s Spiraling Violence,” Washington Post Monkey Cage (blog), www.washingtonpost.com/blogs/monkey-cage/wp/2014/07/28/whats-behind-libyas-spiraling-violence.

http://alhayat.com/Articles/1971965/بيرنز-يثير-في-طرابلس-موضوع--الإرهاب--ويسمع-انتقادات-لفشل-واشنطن-في-دعم-الجيش

3 "نجاة رئيس اللجنة التسييرية لتحالف القوي الوطنية من محاولة اغتيال"، ليبيا المستقبل، 7 شباط/فبراير 2014، 
.http://libya-al-mostakbal.org/news/clicked/44589

4 هو العالم الذي صنع شخصية خيالية مرعبة في رواية ماري شيلي الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه - المترجم.

5 أنظر:
Peter Cole and Wolfram Lacher, “Politics by Other Means,” Small Arms Survey, forthcoming.

6 أنا ممتنّ لبيتر كول على هذه الملاحظة.

7 كتيب عن درع ليبيا تقدمة سالم جحا إلى كاتب الورقة في مصراتة، ليبيا، 3 تموز/يوليو 2012.

8 "لماذا شكّل درع ليبيا"، ‎صفحة قوات درع ليبيا القوة الرابعة، صفحة لواء شهداء غريان‎ على موقع فايسبوك، 6 شباط/فبراير 2014 (إعادة نشر لمنشور في تاريخ 16 آب/أغسطس 2013 على صفحة فايسبوك الخاصة بقوات درع ليبيا-المنطقة الوسطى):
www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=634768333255368&id=486070784766785.

9 صفحة فايسبوك الخاصة بقوات درع ليبيا-المنطقة الجنوبية، 19 كانون الثاني/يناير 2014:
www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=573105499443076&id=459169770836650.

10 وفقاً لما يقوله أحد المحاورين، فإن فرقة المنطقة الوسطى، أو قوة درع ليبيا الخامسة، مصراتية بنسبة 60 في المئة، ويشكل الجنود من الزلتان والدفنية وترهونة نسبة الـ40 في المئة الباقية.

11 للاطلاع على التاريخ المبكر للجنة الأمنية العليا، أنظر: 
Peter Cole with Umar Khan, “The Fall of Tripoli: Part 2,” in Peter Cole and Brian McGuinn, The Libyan Revolution and Its Aftermath (London: Hurst, forthcoming).

12 لاحظ رئيس اللجنة الأمنية العليا في طرابلس، بشر هاشم، أن: "كتائب الإسلاميين في بنغازي لها تسلسل قيادة خاص بها لدى الحكومة". مقابلة أجراها الكاتب مع بشر هاشم، طرابلس، ليبيا، 3 أيار/مايو 2013.

13 "الشرطة الليبية: صعوبات في البناء وتشكيك في القيادات"، الوسط، 19 أيار/مايو 2014،
www.alwasat.ly/ar/news/libya/18707.

14 يشغل كارة منصباً ثانياً كقائد للواء النواصي، كما تم ترشيحه لرئاسة قسم فرعي في سوق الجمعة، وكان مدرجاً في هيكل اللجنة الأمنية العليا، لكن يقال إنه يحتفظ بدرجة من الاستقلال الذاتي. ويرأس شقيق كارة المجلس المحلي لسوق الجمعة.

15 "الاحتفال بتخريج أول دفعة للضباط من منتسبي اللجنة الأمنية العليا حاملي المؤهلات العلمية العليا للعمل في وزارة الداخلية."
www.lana-news.ly/ara/news/view/34750/

16 "تخريج دفعة جديدة من منتسبي اللجنة الأمنية العليا المنضمين إلى وزارة الداخلية."
www.lana-news.ly/ara/news/view/42302/

17 صفحة هاشم بشر على موقع فايسبوك، 20 نيسان/أبريل 2014،
www.facebook.com/photo.php?fbid=714529041918780&set=a.435319399839747.92708.100000850716237.

18 صفحة غرفة عمليات ثوار ليبيا على موقع فايسبوك، 7 تموز/يوليو 2013، أنظر النقطة الأولى:
www.facebook.com/photo.php?fbid=451002291662664&set=a.433642643398629.1073741828.427077124055181

أنظر أيضاً: صفحة غرفة عمليات ثوار ليبيا على موقع فايسبوك، 15 آذار/مارس 2014. يصف هذا المنشور ألوية الزنتان والألوية المؤيدة للفيدرالية بأنها عميلة لجهاز المخابرات المصرية:
www.facebook.com/photo.php?fbid=569064536523105&set=a.433642643398629.1073741828.427077124055181.

19 كانت بقيادة عبيدة الزاوي (اسمه الحقيقي شعبان مسعود هدية). ومن بين الشخصيات الأخرى التي وقع عليها الاختيار: عدل غرياني (المتحدث السياسي)؛ وقائد قوات درع ليبيا-الفرقة الأولى، وسام بن حميّد؛ ومحمد كيلاني، قائد درع ليبيا-المنطقة الغربية؛ وناصر سعيد مقدان؛ وشعبان سعدي؛ وسامي السعدي؛ وصلاح بورق.

20 "البرلمان الليبي يكلف غرفة عمليات الثوار حماية طرابلس من الخروقات الأمنية"، البلد، 30 تموز/يوليو 2013، 
 http://www.el-balad.com/571216.

21 "غرفة عمليات ثوار ليبيا" و"لجنة مكافحة الجريمة"... كيانات غامضة في الدولة الليبية، الشرق الأوسط، 1 تشرين الأول/أكتوبر 2013،
www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12736&article=746333.

22 "قرار بضم غرفة عمليات ثوار ليبيا إلى رئاسة الأركان"، العربية، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2013،
www.alarabiya.net/ar/north-africa/libya/2013/11/13/

23 اتُّهمت غرفة عمليات الثوار باستخدام القوة للضغط على المؤتمر الوطني العام كي لايخضعها إلى سلطة رئيس الأركان، لكنها نفت ذلك.
Sami Zaptia, “LROR Head Denies Surrounding GNC to Pressure Them,” Libya Herald, November 5, 2013.

24 وفقاً لبشر، تدفع غرفة عمليات الثوار 1800 دينار (حوالى 1500 دولار) شهرياً بينما تدفع سرايا الإسناد التابعة للّجنة الأمنية العليا 900 دينار فقط (حوالي 740 دولاراً). ويقول بشر إنه ينبغي الاستعاضة عن غرفة عمليات الثوار بقوة الردع والتدخل المشترك، والقوة الوطنية المتنقلة، وقوة درع ليبيا، وقسم مكافحة الجريمة في إدارة عمليات الشرطة، واللواء الأول والثاني والثالث في الجيش الليبي، وقوة التدخل السريع في كتيبة المشاة 127. من تقرير أعدّه بشر هاشم في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 وقدّمه إلى المؤلف، طرابلس، ليبيا، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2013.

25 "البرلمان الليبي يكلّف غرفة عمليات الثوار حماية طرابلس من الخروقات الأمنية"، البلد، 30 تموز/يوليو 2013،
www.el-balad.com/571216.

26 International Ministerial Conference on Support to Libya in the Areas of Security, Justice and Rule of Law, “Communiqué,” February 12, 2013, www.diplomatie.gouv.fr/en/country-files/libya/events-7697/2013/article/international-ministerial.

27 "عدد من ضباط الصف في الجيش الليبي يطالبون بتجميد قرار إحالتهم إلى التقاعد"، وكالة الأنباء الليبية، 8 كانون الأول/ديسمبر 2013، 
www.lana-news.ly/ara/news/view/37795/

28 هيئة النزاهة وإصلاح الجيش الليبي تصدر قراراً بعدم انطباق معايير النزاهة على 915 ضابط صف وجندياً شاركوا مع الطاغية في محاولة قمع ثورة السابع عشر من فبراير، وكالة الأنباء الليبية، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2013،
www.lana-news.ly/ara/news/view/35666/

29 "استبعاد 400 ضابط بالجيش وإحالة 1000 للتقاعد"، قورينا الجديدة، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2013،
www.qurynanew.com/56672.

30 "رئيس الوزراء الليبي يعلن تأسيس جهاز الحرس الوطني لحماية منشآت الدولة"، الشرق الأوسط، 19 نيسان/أبريل 2013، 
www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=725202&issueno=12561.

31 كثيراً ما تحدثت صفحة الغرفة الأمنية المشتركة في بنغازي على موقع فايسبوك عن اجتماعات عقدت بين رئيسها عبد الله السعيتي وزعماء القبائل والسلطات الدينية ومنظمات المجتمع المدني. صفحة الغرفة الأمنية المشتركة في بنغازي على موقع فايسبوك،
www.facebook.com/pages/الغرفة-الأمنية-المشتركة-بنغازي/235952886567539?filter=1.

32 نائب حفتر هو رئيس أركان القوى الجوية السابق، صقر جروشي؛ والمتحدث باسمه هو المتحدث السابق باسم الغرفة الأمنية المشتركة في بنغازي، محمد حجازي.

33 الجدير بالذكر أن مجلس الشورى لم يشمل جميع المجموعات الإسلامية المسلحة التي كانت ترتبط سابقاً بغرفة عمليات الثوار في بنغازي. ومن الأمثلة على ذلك درع ليبيا-القوة الثانية بقيادة محمد (بوكا) العريبي، ولواء الشهيد عمر المختار بقيادة زياد بلعم.

34 تضمنت جماعات من الزاوية وزوارة وجنزور وتاجوراء وسوق الجمعة وغريان وبعض الجماعات الأمازيغية.

35 "ليبيا: طرابلس تستعد لمعركة كبرى"، العربي الجديد، 10 تموز/يوليو 2014، 
www.alaraby.co.uk/politics/e643d707-8bdc-44bd-8827-e7472aba8bca.

36 "كيف تعرّضت الزنتان للخديعة الكبرى؟"، بوابة أفريقيا الإخبارية، 13 تموز/يوليو 2014،
www.afrigatenews.net/content/كيف-تعرضت-الزنتان-للخديعة-الكبرى-؟.

37 "قوات درع مصراتة تتدخل لحسم معركة مطار طرابلس"، الحياة، 17 تموز/يوليو 2014،
http://alhayat.com/Articles/3636033/-درع--مصراتة-تتدخل-لحسم-معركة-مطار-طرابلس.

38 "صراع عنيف بين الفصائل الليبية للسيطرة على مطار طرابلس"، العرب، 10 آب/أغسطس 2014، 
www.alarab.qa/story/323309/صراع-

39 "حفتر يكشف عن التعاون المصري الليبي في عهد السيسي"، أخبارك، 30 أيار/مايو 2014، 
www.akhbarak.net/news/2014/05/30/4486069/articles/15583286/

40 "بالصوت.. "حفتر" في أول حوار مع صحيفة مصرية بعد عملية الكرامة: لن أسمح لأي معارض لمصر بالتواجد في ليبيا.. القائد الليبي لـ"اليوم السابع": موقف السيسي من 30 يونيو صحيح.. وما يجري حرب على الإرهاب"، اليوم السابع، 22 أيار/مايو 2014،

http://www1.youm7.com/story/2014/5/22/بالصوت_حفتر_فى_أول_حوار_مع_صحيفة_مصرية_بعد_عملية_الكرامة__لن/1680409.

41 “A Security Agreement to Legitimise Egyptian Intervention in Libya,” Middle East Monitor, September 16, 2014, www.middleeastmonitor.com/news/africa/14159-a-security-agreement-to-legitimise-egyptian-intervention-in-libya.

42 The Libya Observer Facebook page, www.facebook.com/lyobserver?fref=photo.

43 يضم مجلس النواب 200 مقعد، وهو يحتاج إلى حضور 101 من الأعضاء في الحد أدنى كي يقوم بأعماله. وحتى وقت كتابة هذه الورقة، هناك اثنا عشر مقعدا شاغراً بسبب الظروف الأمنية في مدن مثل درنة والكفرة ومناطق أخرى.

44 “Hearing: Libya’s Descent,” House Committee on Foreign Affairs, September 10, 2014, http://foreignaffairs.house.gov/hearing/hearing-libya-s-descent.
 
45 اعترف حفتر نفسه بذلك في مقابلة، لكنه أكد أنه أبلغ المتدربين بأن يستكملوا تدريباتهم.

46 “Libyan Parliament Asks UN for ‘Urgent Intervention’ Against Militias,” Deutsche Welle, August 13, 2014, www.dw.de/libyan-parliament-asks-un-for-urgent-intervention-against-militias/a-17852874.

47 James T. Quinlivan, “Force Requirements in Stability Operations,” Parameters 25, no. 4 (Winter 1995–1996), 61–63.

48 Melanne A. Civic and Michael Miklaucic, “Introduction” in “The State and the Use of Force: Monopoly and Legitimacy,” in Monopoly of Force: The Nexus of DDR and SSR (Washington, D.C.: National Defense University Press, 2011), xvii–xviii.

49 المصدر السابق، ص. 12-13.

50 المصدر السابق، ص. 13.
 
51 World Bank, “Libya Overview,” March 20, 2014, www.worldbank.org/en/country/libya/overview.

52 حول شمل النساء، أنظر:
Jacqueline O’Neill and Jarad Vary, “Allies and Assets: Strengthening DDR and SSR Through Women’s Inclusion,” in Civic and Miklaucic, Monopoly of Force: The Nexus of DDR and SSR.

53 المصدر السابق.