عانى الاقتصاد المصرى من تباطؤ شديد يقترب من الركود منذ ثورة يناير ٢٠١١ تمثل فى انخفاض معدلات النمو وتراجع الاستثمار المحلى والأجنبى على حد سواء، وارتفاع غير مسبوق فى معدلات البطالة. وسار هذا جنبا إلى جنب مع تفاقم أزمة مالية الدولة واقتراب العجز من ١٤٪ من الناتج مع تضخم الدين العام بشقيه الخارجى والداخلى وتضاؤل احتياطات النقد الأجنبى لولا تدفقات رأسمالية سخية ومستمرة من بلدان الخليج.

ومع ظهور بوادر للاستقرار السياسى والأمنى فى الشهور الماضية ثار تساؤل حول أى دور يمكن أن تلعبه الدولة فى الاقتصاد، فذهب اتجاه فى دوائر الحكومة وبعض الاقتصاديين إلى ضرورة تصدى الدولة لدور مباشر فى ضخ الاستثمارات من خلال مشروعات كبيرة ترفع معدلات النمو والتشغيل وتبدأ فى تحريك عجلة الاقتصاد خاصة أن الاستثمار الخاص محليا كان أو أجنبيا لا يزال غير متيقن من استقرار الأوضاع السياسية والأمنية، ولديه تخوفات فى الأغلب مبررة من معاودة ضخ الأموال للاستثمار أو للتوسع، ومن هنا كان منطق إطلاق حزم تحفيزية فى عهد حكومة الببلاوى.

ومن هنا كذلك كان دور القوات المسلحة المتعاظم فى تنفيذ مشروعات بنية أساسية بتمويل محلى أو خليجى، فيما ذهب رأى فريق آخر فى الاتجاه المعاكس برفض اضطلاع الدولة بدور مباشر فى الاستثمار على أساس أن موازنة الدولة لا تسمح فى ظل العجز الضخم، وعلى أساس أن دور الدولة المتزايد لن يؤدى إلا إلى استبعاد القطاع الخاص ونزع الحافز لديه على الاستثمار لانطواء دور الدولة الاقتصادى على منافسة غير عادلة مع القطاع الخاص، ويرى هذا الفريق أن الأولوية هى تهيئة المناخ التشريعى والسياسى والأمنى الملائم لاستعادة الاستثمار الخاص فى شقيه الخارجى والمحلى، ويرى أن هذا هو الطريق للتعافى.

والحق فإن دور الدولة فى الاقتصاد المصرى سؤال يستوجب الإجابة لا فيما يخص الخطط قصيرة الأمد المتعلقة بالتعافى الاقتصادى فحسب بل بنموذج التنمية ككل على المدى البعيد، وخاصة فيما يتعلق بشق الاستثمار. فلمن ينظر إلى النموذج الاقتصادى المصرى فى العقدين الماضيين يتبين له أن معدلات الاستثمار الكلية (مقاسة بإجمالى التكوين الرأسمالى كنسبة من الناتج المحلى) تميزت بالتواضع الشديد، فقد كان متوسط النسبة فى مصر بين ١٩٨٩ و٢٠١٢ هو ١٩.١٦٪ فحسب من الناتج المحلى الإجمالى مقارنة بـ٤١.٧٤٪ للصين و٣١.٢١٪ لفيتنام و٢٩.٨٩٪ للهند و٢٨.٧٢٪ لتايلاند و٢٦.٥٨٪ لإندونيسيا فى ذات الفترة طبقا لبيانات البنك الدولى.

وجدير بالإشارة أن نصيب الفرد من الناتج المحلى فى كل من الصين والهند وفيتنام أقل من نظيره المصرى ورغم هذا فمعدلات الاستثمار أكثر ارتفاعا، وطبقا لتقدير الاقتصادى جلبير أشقر صاحب كتاب «الشعب يريد» فإن تواضع معدلات الاستثمار فى العقود الماضية فى مصر والعالم العربى عامة كانت سببا رئيسيا وراء انخفاض معدلات النمو ومستويات المعيشة وعدم القدرة على توليد فرص عمل، ومن ثم معدلات البطالة التى هى من الأكثر ارتفاعا على مستوى العالم.

ومن ضمن ما هو ملاحظ بالنسبة لنمو معدلات الاستثمار الكلية فى مصر فى العقدين الماضيين أن نصيب الدولة فى الاستثمار (مقاسا بإجمالى التكوين الرأسمالى كنسبة من الناتج) قد انخفض بشكل تدريجى نتيجة للأزمة المالية من ناحية، ونتيجة لمشروطية المؤسسات المالية العالمية من ناحية أخرى، ولكن هذا الانخفاض فى الاستثمار العام لم يعوض من قبل القطاع الخاص، والذى ظل لأسباب عدة غير قادر على رفع نصيبه فى الاستثمار، وكانت النتيجة انخفاض الاستثمار الكلى بكل عواقبه التنموية.

ليس الغرض من المقال إلقاء اللوم على القطاع الخاص لعدم قدرته على تعويض انسحاب الدولة من الاستثمار، إذ إن هناك عوامل عديدة قد حالت دون ذلك على رأسها تحول الدولة ذاتها إلى أكبر مقترض من قطاع البنوك لتمويل العجز فى الموازنة، والذى رفع من تكلفة الائتمان على القطاع الخاص، ومن ثم من تكلفة الاستثمار، كما أن انخفاض معدلات الادخار فى مصر عامل آخر يخرج بالكامل عن قرارات القطاع الخاص فى الاستثمار من عدمه، ولكن تظل الحقيقة الماثلة فى النهاية أن انسحاب الدولة لم يتم تعويضه، ومن ثم الحديث اليوم عن زيادة نصيب الدولة من الاستثمار لا يمكن أن يحمل مخاطر مزاحمة القطاع الخاص خاصة إذا تركز دور الدولة فى قطاعات كالبنية الأساسية والتنمية الإنسانية من تعليم وتدريب مهنى ورعاية صحية، وكلها أوجه استثمار مرتفعة العائد الاقتصادى والاجتماعى لا يقبل القطاع الخاص عادة عليها.

إذن هناك مساحة للتوفيق بين القطاعين من ناحية، ورفع معدلات الاستثمار من ناحية أخرى.

ومن المثير للانتباه أن نصيب الدولة فى بلدان كالصين وفيتنام والهند وإندونيسيا، وكلها نماذج اقتصادية صاعدة، مرتفع رغم أن هذه الاقتصادات قد شهدت تحريرا اقتصاديا كبيرا فى العقود الماضية، وشهدت نموا واسعا للقطاع الخاص وجذبا للاستثمارات الأجنبية، وهو ما يؤكد أن هناك مساحة للتوفيق بل إن جزءا رئيسيا من قصة التنمية والنمو فى هذه الاقتصادات قد ارتهن باضطلاع الدولة بدور مباشر فى الاستثمار.

ويعيدنا هذا إلى المعضلة التى تواجه الدولة فى مصر، وهو هيكل الانفاق العام، والذى تتجاوز فيه المصروفات الجارية على بنود كالأجور والدعم وخدمة الدين ٨٠٪ من الإجمالى، ما لا يترك أى مجال للتوسع فى الانفاق الاستثمارى، ويضاف إلى هذا اختلال جانب الإيرادات مع تضاؤل نصيب الدولة من الضرائب كنسبة من الناتج المحلى، فما لم تتم إعادة هيكلة مالية الدولة فمن الصعب الحديث عن إعادة هيكلة للنموذج الاقتصادى ككل. ولكن لا تكون إعادة الهيكلة بغرض تخفيض دور الدولة فى الاقتصاد بل من أجل تحويل الانفاق من جانب المصروفات الجارية التى لا عائد لها إلى الانفاق الاستثمارى.

تم نشر هذا المقال في الشروق.