انتهجت معظم التحليلات حول غزو الدولة الإسلامية للعراق سرديّة طائفية، فركّز الكثير منها على ربط صعود المجموعة الجهادية بحرمان السنّة من الحقوق وبالغضب المطّرد من الطريقة التي قام بها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بإقصائهم من السلطة بصورة منهجيّة. ورأى آخرون أن المستجدات الأخيرة هي خير تعبير عن "أزمة تتشكّل منذ قرن" وعن ناقوس اندثار نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى، معتبرين الدين، لا الدولة، وحدة التحليل الأساسية.

ولم يبقَ هذا التحليل على مستوى السرديات، بل تحوّل إلى ركيزة أساسية لتبرير بعض التوصيات السياسية اللاحقة التي اعتبرت أن التقسيم على أسس دينية وعرقية هو الحل الأفضل لمشاكل العراق المزمنة. لايقوم مثل هذا التحليل بصياغة أطر الرد العسكري على الأزمة وحسب، بل يصوغ أيضاً الحلول المفترضة طويلة الأمد للأزمة. هذا المنظور الطائفي يجعل من تقسيم العراق نبوءة ذاتية التحقّق.

من نافل القول إن استبعاد المالكي للطائفة السنّية من السلطة السياسية أسفر عن نتائج كارثية للعراقيين، إلّا أن جذور الأزمة العراقية الراهنة تتجاوز المسألة الطائفية بكثير. فبالنسبة إلى العديد من العراقيين، نضالهم هو نضال من أجل حقوقهم كمواطنين وليس عبارة عن صراع ديني، طائفي، قديم ومزمن كما يصوّره معلّقون دوليّون ورجال سياسة عراقيّون، بمن فيهم المالكي. وحتى في ظل الجهود الجارية لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها الدولة الإسلامية في حزيران/يونيو 2014، تبقى معالجة مشاكل البلاد الاجتماعية والاقتصادية المعقّدة أمراً ضروريّاً لتحقيق تعافي العراق على المدى الطويل.

تعهّد حيدر العبادي، خلف المالكي، بمعالجة تظلّمات الطائفة السنّية. لكن عليه العمل أيضاً على استعادة الثقة بالنظام السياسي في العراق وتحسين معيشة جميع المواطنين العراقيين.

التقسيم ومشاكله

جرى مقاربة تقدّم الدولة الإسلامية في العراق في صيف العام 2014 من منظور طائفي إلى حدٍّ كبير، وأعادت الأزمة صنّاع السياسات ورجال السياسة إلى طرح طائفي مألوف لشفاء العراق من المزمنة: تقسيم البلاد إلى أقاليم شيعية وسنيّة وكرديّة.

كان من بين أبرز هؤلاء نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الذي تبنّى في مقال أخير إقامة "نظام فدرالي فاعل" في العراق. وقد أعادت تعليقات بايدن إلى الأذهان اقتراحاً ملفتاً كان طرحه في العام 2006، حين كان عضواً في مجلس الشيوخ، دعا فيه إلى التوصّل إلى حلّ للعراق يكون على صورة اتفاقية دايتون للسلام التي وضعت حدّاً لأزمة البوسنة، عبر تقسيم البلاد إلى فدراليات عرقية لها جيوشها الخاصة.

لكن تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات أصغر، يملك كل منها هويّته الطائفية الخاصّة، سوف يبقي على العديد من مشاكل البلاد العميقة من دون حلّ. وستُفاقم هذه المقاربة التوتر والصراعات في صفوف العراقيين من الشيعة والسنّة والأكراد، في ضوء تنازعهم على الحدود، والأمن، والموارد، والسلطة السياسية.

وفي سياق إقليمي أوسع من الاستقطاب الطائفي الحاد والمكثّف، قد تخضع "شيعستان" المفترضة بسهولة إلى نفوذ إيران التي عمّقت علاقاتها مع البصرة الغنيّة بالنفط. وقد توفّر "سنّستان" ملاذاً آمناً للدولة الإسلامية لتواصل حملتها من أجل خلافة عابرة للحدود تضمّ العراق وسورية، وتكون بمثابة قوة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. في المقابل، قد يزيد ذلك على الأرجح تطرّف مختلف الجماعات في سعيها إلى محاكاة الدولة الإسلامية.

قد يشكّل هذا التقسيم نموذجاً لإعادة النظر في حدود الدولة-الأمة القطرية العربية الحديثة يتجاوز أثره الحدود العراقية بكثير. والواقع أن مقاتلي الدولة الإسلامية يقومون بنشر هذا التفكير، ويعلنون نهاية العراق باعتباره دولة-أمة حديثة، وإلغاء سايكس-بيكو، الاتفاقية الفرنسية-البريطانية التي رسمت حدود بلدان المشرق العربي. وخارج المشرق العربي، أعلنت بعض الجماعات، بما في ذلك أنصار الشريعة في تونس وليبيا، مبايعتها لأبو بكر البغدادي الذي نصّب نفسه خليفة الدولة الاسلامية.

سيقضي تقسيم العراق على حوالى سبعة قرون من التاريخ المتراكم والتبادل الثقافي، وسيثير موجات جديدة من التطهير العرقي وتهجير ملايين الأشخاص من بيوتهم ومجتمعاتهم المحليّة. هذا الأمر خطير على وجه الخصوص في المناطق ذات الاختلاط العرقي مثل محافظات ديالى، وصلاح الدين، ونينوى التي تحمل اسم المدينة الأشورية العظيمة، وحيث شنّت الدولة الإسلامية في الأشهر الأخيرة حملة تطهير عرقي.

الحكم الصادر عن المقاتلين الإسلاميين في تموز/يوليو 2014، والذي طالب مسيحيي الموصل إما باعتناق الإسلام أو مغادرة المدينة، جعل الموصل، للمرة الأولى في تاريخها، خالية من طائفة ساهمت في تشكيل هويّتها على مدى قرون. وتقوم الاعتداءات العنيفة من قتل وتهجير لسائر الأقليّات المقيمة في سهل نيوني على وجه الأخص – بما في ذلك اليزيديين والتركمان والشبك والشيعة – بتقويض الهيكل الأخلاقي والثقافي لمنطقة لطالما اعتزت بتعدّديّتها.

ثمة مؤشّرات واضحة على أن الكثير من العراقيين لازالوا يرفضون هذا النوع من الطائفية. فقد أفاد استطلاع حديث أُجري سنة 2013 لمشروع مسح القيم العالمي (World Values Survey) أن أكثر من 81 في المئة من السنّة يفضّلون فصل الدين عن السياسة. وربما من غير المستغرب أن دعم هذا المقترح بلغ 34 في المئة فقط في صفوف شيعة العراق، الذين أسهم تاريخ من التهميش والاضطهاد على يد نظام صدام حسين السابق العلماني ظاهريّاً، في تشكيل هويتهم ووعيهم الثقافي. لكن، بحسب الاستطلاع نفسه، كلّاً من السنّة والشيعة يميلون إلى تعريف أنفسهم على أنهم عراقيّون، بدلاً من مسلمين أو عرب.

أظهر تحليل المعطيات الاساسية للاستطلاع نفسه أن أكثر من 89 في المئة من العراقيين يعتبرون أنّهم جزءٌ من العراق، بغض النظر عن خلفيّتهم العرقية أو الدينية أو موقعهم الجغرافي، وأن أكثر من 88 في المئة يعتبرون أن الديمقراطية هي النظام الأفضل لحكم البلاد.1 وعلى نحو أكثر إفصاحاً، وباستثناء كركوك، ظهر أن معظم العراقيين المستطلَعين لا يثقون بعاصمتهم (60 في المئة) ولا بأحزابهم السياسية (88 في المئة)، وأيضاً بغض النظر عن الخلفية العرقية أو الموقع الجغرافي. كما أظهر الاستطلاع أن ثمة تفضيلاً ملحوظاً للسياسيين الذين يروّجون للمصالح الوطنية، على أولئك الذين يملكون قناعات دينية قوية.

مع أن الاستطلاع أُجري قبل الاحداث الأخيرة في شمال العراق، تشي النتائج بأن الكثير من العراقيين يدركون حقيقة أنهم لن يزدهروا في ظل نظام سياسي مبني على أساس ديني. كما أشارت النتائج إلى أنه على الرغم من كل الصعوبات التي تواجهها، لاتزال الدولة-الأمة في العراق تشكّل مرجعاً بالنسبة إلى العديد من العراقيين. لكنهم يريدونها أن تعمل بطريقة مغايرة لما هي عليه اليوم.

مروحة أوسع من هموم المواطنين

لم يمنح جنوح الحكم في العراق نحو الهويّات ما دون الوطنية امتيازات لطائفة معيّنة بمفردها. فقد أثّر انعدام المساواة والفقر على شرائح واسعة من العراقيين، بغض النظر عن الطائفة أو العرق. ويتبين حجم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية من خلال معدّل انتشار الفقر عبر مختلف المحافظات. ففي العام 2007، سُجّلت أعلى نسبة فقر (يحدّدها البنك الدولي على أنها نسبة السكان التي يكون فيها نصيب الفرد من الإنفاق ما دون خط الفقر) في المثنى الشيعية (49 في المئة)، وبابل (41 في المئة)، وصلاح الدين المختلطة (40 في المئة). وقد شهدت هذه المناطق أيضاً الفقر الأشد وطأة.

إضافةً إلى ذلك، ووفقاً لاستطلاع حديث أجرته منظمة غالوب (Gallup)، فإن عدداً متزايداً من العراقيّين غير راضين عن مستوى عيشهم.  وصنّف العراقيّون عموماً حياتهم في العام 2011 على أنها أسوأ بكثير ممّا كانت عليه في السنوات السابقة. وقال نحو 20 في المئة منهم (باستثناء العراقيين المقيمين في كردستان الأكثر ازدهاراً) إنهم عانوا صعوبات في توفير الغذاء لأسرهم – وقد ارتفعت هذه النسبة من نسبة 10 في المئة في العام 2009.

بالمثل، يتأثّر الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية بالفجوة بين الريف والمدن أكثر بكثير ممّا يتأثر بالانقسام الطائفي. ويتجاوز تدهور مؤشّرات التنمية في البلاد أيضاً الحدود الطائفية والعرقية. فعلى سبيل المثال، سُجِّلت أعلى معدّلات التقزّم المعتدل إلى الشديد في محافظة الأنبار ذات الغالبية السنيّة، ومحافظتَي بغداد وديالى المختلطتين، ومحافظة النجف ذات الغالبية الشيعية. ينتشر النقص في المساكن والمساكن غير الملائمة في معظم المحافظات، في حين أن نسبة الأميّة (والتي طالت 20 في المئة من السكّان العراقيين في العام 2010) تواصل الارتفاع.

في هذا السياق، ركّز العديد من العراقيين في السنوات الأخيرة بشكلٍ متزايد على ضمان العيش الكريم، كمواطنين متساوين، وعلى محاربة الشعور بالظلم. وتجسّدت هذه الهموم بتظاهرات عمّت الشوارع في 25 شباط/فبراير 2011، أي "يوم الغضب"، في مختلف أنحاء البلاد. من البصرة الجنوبية إلى مدن كردستان الشمالية، تجمّع شعراء وكتّاب وصحافيّون ومواطنون عراقيّون من مختلف الخلفيات العرقية والطائفية، للاحتجاج على الفساد، ومعدّلات البطالة المرتفعة، وسوء الخدمات، وللمطالبة بالمزيد من الحقوق السياسية والمدنية. وأدّت هذه الحشود إلى استقالة محافظ البصرة وأعضاء المجلس المحلّي كافة لمدينة الفلّوجة.

الديمغرافيا ليست ديمقراطية

تُعتبر حوكمة مجتمعٍ تعدّدي ضمن البلد الواحد في صلب التحديات التي تواجه العراق اليوم. ففي حين يضمن الدستور العراقي الحقوق المتساوية والحريات الأساسية للمواطنين كافة، عملت النخبة السياسية للبلاد في فترة ما بعد الغزو الأميركي في العام 2003 على وضع نظام حوكمة قائم على ما يفرّق بين الطوائف، عوضاً عما يجمعهم.

على المستوى المركزي، أقصى المالكي السنّة عن مختلف مستويات الحكم، معزّزاً سيطرته على العملية السياسية والجهاز الأمني – ومقوِّضاً مؤسسات الدولة الضعيفة أصلاً، والتي ترزح تحت عقود من العقوبات والحروب الإقليمية والنزاع الداخلي. وساهم الاستقطاب الإقليمي الحاد في خلق اطار حاضن لهذه  السياسات ، إضافة إلى عقود من سياسات الهوية التقسيمية، والشبكات القائمة على المحسوبية، وتفشّي المحاباة، والمستويات الهائلة من الفساد.

أما على مستوى المناطق، فمع أن مجالس وحكام المحافظات يُنتخَبون محلياً، إلا أن المالكي لم يُتِح إلا مجالاً قليلاً للحوكمة الذاتية.  فالايرادات المالية من المحافظات توجه عبر بغداد، حيث غالباً ما يبقى معظمها فيها. حتى البصرة التي تؤمّن حوالي 50 مليار دولار من عائدات النفط والغاز الطبيعي كل عام، أي ما يساوي حوالى 75 في المئة من مجموع عائدات الحكومة، لم يَعُد إليها سوى جزء صغير من هذا المال. 

أدّت هذه القيود المالية، إضافة إلى قدرة الحكومة المركزية على رفض مشاريع البنية التحتية، إلى إنفاقٍ ضئيلٍ للغاية على الخدمات المهمة على مستوى المحافظات، ومهّد الطريق أمام تراجع كبير في مؤشرات التنمية البشرية. على سبيل المثال، سُمِح للبصرة في العام 2011 بإنفاق 3 في المئة فقط من الميزانية المخصصة لها. هذا وكانت وتيرة البناء بطيئة، وبقيت المجتمعات المحلية في العراق محرومةً من الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء، والمخزون الكافي من المياه، ومجاري الصرف الصحي. وقد دفع هذا الأمر عدداً من المحافظات – ذات الغالبية الشيعية والسنّية على السواء – إلى المطالبة بالاستقلالية المحلية في صنع القرار والإنفاق في العامَين 2011 و2014، وهو مطلب سرعان ما رفضته بغداد.

العامل الدولي

ثمة تفسيرات محلية عديدة للأزمة التي يشهدها العراق حالياً. إلا أن ما يفاقمها أيضاً هو التجاذب السياسي الإقليمي والدولي الذي حوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة للجهاد العالمي.

لقد أدّى الغزوان اللذان قادتهما الولايات المتحدة في العامَين 1991 و2003، إضافة إلى عقد من العقوبات ما بينهما، إلى تدمير منهجي للبلاد على أكثر من صعيد. كما دعمت سورية المتشدّدين الإسلاميين وسهلت انتقالهم في العقد الماضي الى العراق، في إطار سعيها وراء نفوذ إقليمي. وبعد انطلاق الصراع على أراضيها أطلق النظام سراح سجناء اسلاميين متشددين، وامتنع عن مهاجمة المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش بهدف تقويض المعارضة السياسية داخل أراضيه . علاوة على ذلك، تواصل إيران والسعودية وتركيا وقطر التنافس على النفوذ في العراق.

فضلاً عن ذلك، أقامت مختلف هذه القوى وغيرها علاقات وثيقة مع عدد من اللاعبين السياسيين والفصائل المحلية في العراق، الذين يتّصف العديد منهم بنزعة طائفية واضحة، الأمر الذي قوّض العملية السياسية في البلاد. ولهذه القوى مسؤوليةً أيضاً في التطورات المقبلة في العراق.

يتعيّن على اللاعبين الدوليين والسياسيين العراقيين أن يتجاوزوا الحملة الحالية الهادفة إلى هزيمة الدولة الإسلامية في مقاربة الحلول لمشاكل العراق الانية والطويلة الامد. فحتى فيما تتواصل الجهود العسكرية لاستعادة الأراضي التي سيطر عليها المتشدّدون، لابدّ من التركيز مجدداً على بناء الدولة بناءً فعّالاً، وعلى العمليات السياسية الشاملة، كما على استعادة ثقة الطوائف في ما بينها، وثقة المواطنين بالدولة. ويمكن للقوى الإقليمية والدولية أن تدعم هذه العملية من خلال التركيز على المؤسسات بدلاً من التركيز على السياسيين الأفراد، كما فعلت مع المالكي. كذلك، يمكن لبناء قدرات العراقيين والموظفين في القطاع العام أن تؤدّي دوراً مهماً في السير قدماً بأجندة وطنية، واستعادة إيمان مختلف الطوائف في العراق بحكومتها. هذا ويستطيع المجتمع الدولي الاضطلاع أيضاً بدورٍ مهم في هذا السياق.

قبل انقشاع الغبار

يواجه رئيس الوزراء العراقي المُعيَّن حديثاً، حيدر العبادي، وفريقُه مهام عملاقة. فحكومته هي حكومة أزمات يتعيّن عليها صدّ الاجتياح العسكري للدولة الإسلامية، واستعادة السيطرة على الأراضي الوطنية، ومقاومة بعض تداعيات الإرث السياسي للمالكي، ومعالجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الراسخة في العراق. كما ينبغي على هذه الحكومة، التي شُكِّلَت كحكومة وحدة وطنية تضمّ ممثلين عن الأحزاب السياسية كافة، أن تتعامل مع مخرّبين محتملين، بمَن فيهم المالكي الذي هو حالياً أحد نواب الرئيس الثلاثة، واتُّهِم مؤخراً بتنظيم تظاهرات ضد العبادي.

والواقع أن العبادي قام حتى الآن ببضع خطوات سياسية في الاتجاه الصحيح، ووعد بمعالجة بعض المطالب الأساسية للطائفة السنّية. هذه المطالب تشمل الحصول على حصة أكبر في السلطتَين القانونية والسياسية في العراق، إضافة إلى العفو عن آلاف السنّة الذين أوقِفوا من دون محاكمات في عهد المالكي. وتسعى القيادة السياسية السنّية، إلى جانب مجموعات أخرى، إلى نقل السلطات الإدارية والمالية الأساسية إلى مستوى المحافظات، وإنشاء قوات عسكرية محلية تحت إدارة حكام المحافظات بغية ضمان أمنها.

وقد باشر العبادي بمناقشة مواضيع ثلاثة على الأقل: إنشاء مجلس أمن أعلى يضمّ الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان؛ ونقل بعض السلطات المالية إلى مستوى المحافظات؛ وتشكيل حرس وطني خاضع إلى سلطة المحافظات. (أعرب البعض عن قلقه من أنّ تأسيس الحرس الوطني خطوةٌ إن لم تُدرَس بعناية، فقد تمهّد للمزيد من التفكّك في البلاد عبر خلق ميليشيات سنية في مواجهة الميليشيات الشيعية. غير أنّ ماقد يُسكِّن هذا القلق هو إنشاء مجلس الأمن المُقترَح ووضع الحرس الوطني في عهدته). في هذا الصدد، لايبشّر خيراً للبلاد تعيينُ محمد سالم الغبان وزيراً للداخلية في تشرين الأول/أكتوبر، وهو عضو بارز في ميليشيا بدر، إحدى أكبر الميليشيات الشيعية وأسوأها سمعة. فضلاً عن ذلك، يحاول العبادي معالجة الإرث البيروقراطي للمالكي، الذي وظّف جماعته في الوزارات، وأجرى سلسلةً من التعيينات في المناصب العليا قبل أيام من مغادرته السلطة.

لكن حتى لو وفى العبادي بوعوده، لن يكون ذلك كافياً لاستعادة الثقة بالنظام السياسي في العراق. ما من شأنه إحياء هذه الثقة هو استعادة دور الدولة بصفتها دولة واحدة لجميع المواطنين، ومعالجة المظالم اليومية للعراقيين كافة باعتبارهم ينتمون إلى نظام حكم وطني، لا نظام حكم ما دون وطني. ويمكن أن يتضمّن هذا الجهد مبادرات سريعة وقصيرة الأمد، على غرار استثمارات سريعة في البنية التحتية للطرق والمدارس والعيادات الصحية، إضافة إلى مروحة موسّعة من المساعدات الاجتماعية، مثل توفير برامج تحويلات نقدية مشروطة للأسر الضعيفة. فهذه المبادرات يمكن أن توفّر فرص العمل، وتساهم في تحسين حياة الأفراد بشكل ملموس. كما أن قيام الحكومة العراقية بمثل هذه الخطوات من شأنه أن يقلّص اعتماد بعض العراقيين على الأحزاب السياسية الطائفية لتأمين رزقهم، وأن يساعدهم على التشديد مجدداً على حقوقهم كمواطنين كما كرّسها الدستور.

لكن ستبقى تحديات أخرى أساسية قائمةً على الأرجح لفترة من الزمن في غياب الإرادة السياسية لمعالجتها ومبادرة حوار وطني فعلى لدرء أخطارها. وهي تتضمّن إبطال أو تعديل قانون اجتثاث البعث الذي يطالب به السنّة، وإجراء تعديلات على قانون النفط والغاز الذي يطالب به الأكراد للسماح لهم بالتصدير مباشرة، ووضع قانون جديد لمجلس الشيوخ. فضلاً عن ذلك، ينبغي معالجة مسألة تسييس قوات الأمن في البلاد، بما فيها الجيش، ومسألة الفساد المستشري (صُنِّف العراق في المرتبة 171 من أصل 177 بلداً فاسداً وفقاً للمسح الذي أجرته منظمة الشفافية الدولية في العام 2013)، اللتين قوّضتا بنى الدولة وسهّلتا التمدّد السريع للدولة الإسلامية. أما من الناحية المجتمعية، فمن الضرورات السياسية أن تتم معالجة تداعيات عقودٍ من العنف، والدكتاتورية، والعقوبات، والاحتلال، والحرب الأهلية، ولاسيما النزوح الإثني والطائفي واسع النطاق، وإن كانت هذه الضرورة تنطوي على تحديات هائلة.  ويمكن لمبادرات بناء السلام المحلية والتي تعزز الحوار على الصعيد المجتمعي وتسمح للمواطنين الأكثر تضرراً المشاركة وتحمل المسؤولية، ان تلعب دوراً هاماً في هذا الإطار.  

أخيراً، وبشكل أشمل، ينبغي على تدابير الحوكمة المناسبة للعراق أن "تمنح السنّة حصةً في السلطة، وتُطَمئِن الشيعة بأنهم لن يتعرّضوا إلى النبذ، وتضمن الوفاء بالوعود في ما يتعلّق بمنح الأكراد حكماً ذاتياً"، بحسب تعبير مستشار سابق للرئيس السابق جلال طالباني.2 يُذكَر أن النقاش القائم حول إلغاء لامركزية بعض السلطات الإدارية، ومنح المحافظات استقلاليةً أكبر في الإنفاق، يُعَدّ خطوةً إيجابيةً في معالجة أحد المسبّبات الأساسية لهذا النزاع. 

خلاصة

من شأن النظر إلى العراق من منظور طائفي بحت أن يجعل الانشقاق القائم على الهوية في البلاد حلاً واضحاً ونبوءةً ذاتية التحقيق. إلا أنه مقاربة ستتسبّب بمزيدٍ من الخراب للبلاد والمنطقة.

لابد، عوضاً عن ذلك، من الاعتراف بالنطاق الواسع للمشاكل التي يعانيها العراق ومدى تعقيدها. فالصعوبات التي تشهدها البلاد تتقاطع مع الانقسامات الطائفية، ومعالجتها تتطلّب تغييرات بنيويةً في طريقة حكم العراق، واستثمارات سريعةً تهدف إلى تحسين حياة المواطنين العراقيين. 

ملاحظات

 1 تحليل المعطيات الأولية التي جُمعت لمشروع مسح القيم العالمي، 2013. للمعطيات، أنظر:
World Values Survey Association, Wave 6 2010–2014 Official Aggregate v.20140429, http://www.worldvaluessurvey.org/WVSDocumentationWV6.jsp.

2 مقابلة، آب/أغسطس 2014.