أسفرَ الصراع في سورية عن مقتل مايزيد عن 190 ألف شخص، ودفعَ أكثر من 3 ملايين سوري إلى اللجوء إلى البلدان المجاورة. وفيما تتواصل الحرب في البلاد من دون أي مؤشّر على انحسارها، تجري المماطلة بالجهود الدولية لتسريع التوصّل إلى حلّ سياسي. غير أن الجهود المحلية التي تُبذَل داخل البلاد للتوصّل إلى هدن واتفاقاتٍ لوقف إطلاق النار، أصبحت محطّ اهتمامٍ دوليٍّ متزايد. ومع أنها محفوفة بالعقبات ومعرّضة إلى التلاعب، إلا أن من شأنها أن تعطي أملاً للمدنيين وتخفّف المعاناة الإنسانية إذا ماجرى دعمها وتطبيقها بشكل ملائم.  

قدّم مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بالتعاون مع منظمة أوكسفام، التقرير الجديد الذي يحمل العنوان "توقى للسلام: إيجابيات ومحاذير الهدن واتفاقات وقف إطلاق النار المحلية في سورية"، وهو تحليل أكاديمي معمّق لمبادرات السلام المحلية، صادر عن منظمة مدني السورية وكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

ناقش المتحدّثون الديناميكيات المتواصلة للحرب السورية، واحتمالات التوصّل إلى عملية سلام محلية، إضافة إلى العناصر الضرورية لتحقيق هذا الهدف. كما وضعوا سلسلةً من التوصيات لإرساء إطار عملٍ متكاملٍ من شأنه أن يدعم عملية التوصّل إلى سلامٍ مستدامٍ في سورية. 

نبذة عن التقرير

يحلّل التقرير مساعٍ لمفاوضات على مستوى عالٍ، وأكثر من 35 عملية مفاوضات على مستوى محلّي، أُجريَت في أرجاء سورية من تشرين الأول/أكتوبر 2011 حتى الآن. وقد كُتِب التقرير استناداً إلى معلومات جمعها باحثون ميدانيون داخل البلاد، وأخرى جرى أخذها من 45 مقابلة مع أطراف فاعلة سياسية ومن المجتمع المدني على مختلف خطوط الصراع. كما يتضمّن التقرير دراسات حالات من حمص وريف دمشق ورأس العين، ويسلّط الضوء على توفير الخدمات في كلٍّ من درعا وحلب.

الديناميكيات الدولية والإقليمية

  • الجهات الفاعلة الدولية: قالت ريم تركماني، مؤسِّسة منظمة مدني، إن إحدى أبرز المشاكل التي تواجه تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار المحلية هي غياب فريق ثالث من المفاوضين والمراقبين، مثل الأمم المتحدة. وأضافت أن على المموّلين الدوليين أن يحذروا إلى أين يوجّهون تمويلهم على الأرض، لتفادي دعم المنتفعين من الحرب من دون قصد.
  • محادثات السلام في جنيف: قال الأستاذ عمر حلاج إن نفوذ أو تمثيل "قيادة" المعارضة على الأرض ضعيف أو منعدم. وسوف تبقى الجهود، على غرار محادثات جنيف، مشلولة بسبب انعدام الفعالية هذا. وحذّر من أن اللاعبين الدوليين لن يتمكّنوا من التأثير على العمليات من القمة نزولاً، إلا إذا بدأوا بالتصرّف على مستوى محلّي أكثر ومن دون تسييس.

الديناميكيات المحلية

  • المحادثات على المستوى المحلّي: قالت مهى يحيَ من كارنيغي إن تجنّب الوقوع في حلقة متواصلة من العنف ينبغي أن يكون أحد الأهداف الأساسية لأي اتفاقٍ لوقف إطلاق النار. وأضافت تركماني أنه على الرغم من فشل المحادثات التي تجري من القمة نزولاً، لاتزال المحادثات على المستوى المحلّي مستمرّة، حتى بين الجهات الفاعلة التي ترفض المشاركة في محادثات على المستوى الأعلى، مثل إيران. وقالت إن بعض هذه الهدن لايرتبط بالضرورة بتوقّفٍ في القتال، بل بتوفير الخدمات، مثل السماح لموظّفي الخدمة المدنية بمواصلة تأمين المياه أو الكهرباء أو الغذاء.
  • إلغاء التسييس: لفت حلاج إلى أنه في ظلّ سعي كل القوى الأساسية المعنية في الصراع إلى السيطرة على أي عملية سلام، سيحول انخراطُ المزيد من اللاعبين المحليين دون أن يصبح لاعب واحد الطرف الفاعل الأساسي. لكن لابد أولاً من إلغاء الطابع السياسي للمسألة عبر تشريع المجالس المحلية بالاستناد إلى الأطر القانونية الحالية، وعبر إيجاد الوسائل اللازمة للمجالس المحلية لتصبح أطرافاً فاعلة أساسية في عملية السلام.

العقبات المحتملة

  • السجل السلبي: قال نوا بونسي من مجموعة الأزمات الدولية إن السجل الإجمالي لاتفاقات وقف إطلاق النار في سورية هو سلبي. والسبب الرئيس في ذلك يعود إلى أن النظام السوري استخدم هذه الاتفاقات ركيزةً لاستراتيجية عسكرية.
  • الانتصار الوشيك: أضاف بونسي أن الطرفين يميلان إلى الاعتقاد أنهما أوشكا على الانتصار، وبالتالي هما يرفضان الانخراط في عملية السلام. وخلُص إلى القول إنه مادامت الأطراف المعنيّة كافة تعتقد أنها كادت تنتصر، فما من حافز يدفعها إلى عقد اتفاقات عادلة لوقف إطلاق النار.

نوا بونسي

نوا بونسي هو محلل أول في مجموعة الأزمات الدولية. ساهم في تغطية المجموعة لأحداث سورية منذ أيار/مايو 2012، من ضمنها تقرير "أي شيء إلا السياسة: وضع المعارضة السياسية السورية" وتقرير "هل هو الجهاد؟ المعارضة الأصولية في سورية".

عمر حلّاج

عمر حلّاج هو المدير التنفيذي السابق للأمانة السورية للتنمية، ويعمل حاليّاً كمساعد أستاذ زائر في كلية الهندسة والتصميم في بيروت، كما أنه ناشط في عددٍ من مبادرات المجتمع المدني السورية.

ريم تركماني

ريم تركماني عالمة فيزياء فلكية ومؤسٍّسة منظمة مدني السورية غير الحكومية، ومقرّها في المملكة المتحدة، التي تعزّز دور المجتمع المدني السوري في بناء الدولة. وهي الكاتبة الرئيسة لتقرير منظمة أوكسفام "توقى للسلام: إيجابيات ومحاذير الهدن واتفاقات وقف إطلاق النار المحلية في سورية".

مهى يحيَ

مهى يحيَ هي باحثة أولى في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على المواطنة والتعدّدية والعدالة الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات العربية.