عندما طردت "جبهة النصرة" مؤخّراً العديد من الجماعات الثورية المسلحة المعتدلة من معاقلها في شمال غربي سورية، أثار ذلك شائعات مفادها أن الجبهة، التي تعدّ فرعاً من تنظيم "القاعدة"، أبرمت تحالفاً سرّياً أو على الأقلّ تفاهماً ضمنياً مع منافسها الجهادي الرئيس، تنظيم "الدولة الإسلامية". أصاب جيمس كلابر، مدير الاستخبارات القومية الأميركية، باعتبار ذلك أمراً مستبعداً، مشيراً إلى الانقسامات العميقة بين التنظيمين. بيد أن الواضح أن "جبهة النصرة" بدأت تتموضع تحسّباً لتطورات ميدانية قادمة، وبالتالي فإن السؤال الحقيقي هو ما الذي تراه الجبهة آتياً؟ وكيف يعكس ذلك ما تعتقد - أو تعرف – أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يستعدّ للقيام به؟ وكيف يؤثّر ذلك على بقية أطراف المعارضة المسلحة وعلى نظام الأسد؟

عزّزت "جبهة النصرة" وجودها ونشاطها العسكري في عدة مناطق منذ الصيف الماضي، عندما قادت تقدّم الثوار صوب مدينة حماة وسط سورية، على رغم أنه تم صدّهم في وقت لاحق. وتزايد نشاطها في منطقة الحدود اللبنانية نتيجة ضغوط النظام في منطقة القلمون التي دفعت الثوار باتجاه لبنان. غير أن المكاسب التي حققتها في محافظة القنيطرة في جنوب سورية وريف دمشق الغربي منذ أيلول (سبتمبر) مكّنتها أيضاً من فتح طرق تسلّل جديدة إلى منطقة شبعا ومنها الى سهل البقاع في جنوب لبنان. وفي مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) لعبت "جبهة النصرة" دوراً محورياً في انتزاع مدينتي نوى والشيخ مسكين من يد النظام في شمال حوران، إلى الجنوب من دمشق مباشرة.

لا تشكّل هذه التطورات خطراً وشيكاً على نظام الأسد أو العاصمة السورية، غير أنها تكشف عن صعود "جبهة النصرة" باعتبارها الجماعة المسلحة الأكبر والأكثر قدرة في الجنوب وتظهر قدرتها على التمدّد والتماسك. ولعلّ هذا يفسّر أيضاً ضغط "النصرة" على آخر معبر حدودي إلى الأردن يتشبّث به النظام في نصيب، والذي أبقته الاستخبارات الأردنية في السابق محظوراً تماماً على جماعات الثوار الأخرى التي لها تأثير كبير عليها.

في موازاة ذلك، تحاول "جبهة النصرة" إيجاد موطئ قدم لها في لبنان، حيث تمتلك جذوراً بين بعض قطاعات السكان، لا سيّما في الشمال والشمال الشرقي. ويعود هذا إلى التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية الطويلة الأمد مع المناطق السورية الغربية التي تنبثق منها "النصرة" أساساً، وإلى الروابط التي تمت إقامتها مع المتطوعين اللبنانيين الذين قاتلوا إلى جانبها تحت راية جماعة "جند الله" في القصير وبلدات أخرى في غرب محافظة حمص.

ومع ذلك، فإن سلوك "جبهة النصرة" في محافظتي إدلب وحماة السوريتين، حيث تملك بالفعل حضوراً واسعاً، يقدّم أهم دلالة على ما تستشفّه وتتوقّعه. فهي تدرك أن المعارضة المعتدلة وافقت منذ عدة أشهر على محاربتها في المستقبل، في إطار جهود الولايات المتحدة للقضاء على المتطرّفين وعقد صفقة مع النظام. ولذلك فقد كان تحركها ضد "جبهة ثوار سورية" وحركة "حزم" المدعومتين من الولايات المتحدة عملاً وقائياً. غير أن تهديد الجماعتين لم يكن وشيكاً، ما يوحي بأن "جبهة النصرة" تستعدّ للتعاطي مع احتمالات أخرى. فقد أصبحت القوة المتمرّدة الرئيسة في الشمال الغربي، ولديها القدرة على الاستيلاء على آخر معبرين حدوديين للمعارضة إلى تركيا او منع استخدامهما، وهما حيويان لتدريب وإمداد الثوار وتدفق المساعدات الإنسانية وحركة نشطاء ومسؤولي المعارضة.

التهديد الذي يتعرّض له الجناح المعتدل في الثورة السورية حقيقي. لكن على رغم أن نظام الأسد قد تشجّع بسبب الارتباك الذي يعانيه المعتدلون، ظناً منه أن الصعود المزدوج لـ "جبهة النصرة" وتنظيم "الدولة الإسلامية" سيجبر الولايات المتحدة وحلفاءها الأساسيين في تحالف "أصدقاء سورية" على التعامل معه، فليس لديه الكثير مما يدعو إلى الرضا. والواقع أن نظام الأسد أصبح أكثر هشاشة في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي يشكّل تهديداً متزايداً له في عدة مواقع استراتيجية على طول خطوطه الأمامية باتجاه الشرق.

لم يقم تنظيم "الدولة الإسلامية" بمبادرات عسكرية كبيرة في أماكن أخرى في سورية منذ بدء هجومه على الجيب الكردي حول كوباني (عين العرب) في أيلول الماضي، ربما لأنه لا يملك قوى قتالية كافية حالياً. الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة تشكّل عائقاً، بيد أن الأهم من ذلك هو أن أي هجمات جديدة تتطلّب التقدم من مناطق البادية المفتوحة والقليلة السكان وهي مناطق ضعيفة المراقبة في الشرق، إلى مناطق كثيفة السكان وتخضع لحراسة مشددة في وسط سورية. غير أن تنظيم "الدولة الإسلامية" أظهر قدرة على القيام بعمليات هجومية تحت النار، وقام بنشاط حثيث للتجنيد والتدريب في سورية. ومن المرجّح أن يشنّ التنظيم هجوماً جديداً عاجلاً أو أجلاً، سواء لتوسيع وتوطيد مناطق سيطرته، أو إظهار حيويته المستمرة، أو لكي يفقد خصومه توازنهم، أو لتحقيق هذه الأهداف الثلاثة كلها.

الجيب العسكري الذي يقيمه النظام حول حلب معرّض بصفة خاصة. فهو يعتمد كلياً على ممرّ بري ضيق لا يسيطر عليه تماماً، يمتدّ من السلمية في شرق محافظة حماة وصولاً إلى خناصر جنوب محافظة حلب. وقد عزّز النظام دفاعاته على الطريق المؤدّي إلى خناصر، غير أن "الدولة الاسلامية" يمكنها ان تعزل الجيب بأسره عبر الالتفاف عليه والتقدم غرباً في ريفي حماة وحمص. كما يسعى النظام جاهداً لاستعادة السيطرة الكاملة على حقول الغاز في شرق محافظة حمص، منذ ان استولى تنظيم "الدولة الإسلامية" على مرافق فرعية في تموز (يوليو). ومنذ ذلك الحين استولى على عدة حقول منتجة ووحدات معالجة وضخّ، ما قلّص إنتاج النظام من الكهرباء بنسبة 10 في المئة.

يتصاعد ضغط تنظيم "الدولة الإسلامية" على طول الخط الفاصل بين حمص وتدمر ومواقع قوات النظام الشرقية في البادية، عند منطقة السخنة. وعلى رغم أن دفاعات النظام حول هذه النقاط الرئيسة كثيفة، فإن بوسع تنظيم "الدولة" إلحاق أضرار نفسية كبيرة من خلال الالتفاف حولها باتجاه القلمون، ما يهدّد بعزل مواقع النظام وصولاً إلى دير الزور في الشرق. وحتى لو لم يحقق تنظيم "الدولة الإسلامية" مكاسب دائمة على الأرض، فإن الهجوم على أهداف ذات قيمة عالية للنظام يوفّر مزايا مختلفة وفرصة لإحراز نفوذ استراتيجي.

في المقابل، قد يعطي تنظيم "الدولة الإسلامية" الأولوية لاستعادة موطئ القدم الذي حصل عليه في الأراضي التي كانت تسيطر عليها المعارضة في محافظتي إدلب وحلب حتى كانون الثاني (يناير) 2014. ومن شأن ذلك أن يشكّل تحدّياً مباشراً للوضع العسكري لـ "جبهة النصرة"، ولسيطرتها على السكان الذين يتمتعون بحكم ذاتي وعلى القاعدة الاقتصادية المحلية. وسواء كانت "جبهة النصرة" تتوقع أن تنظيم "الدولة" قادر على تحقيق هذا الهدف وأنه سيسعى من أجله، أو أنه يفتقر إلى الموارد الكافية بحيث لن يحاول، فإنها تعزّز وضعها طالما أمكنها ذلك. وهذا يعني إقامة تماسّ جغرافي بين مناطق سيطرتها والقضاء على، أو تحييد، المنافسين المحتملين من داخلها، وإبراز صورتها كقوة رئيسة قادرة لا يستهان بها.

استفادت "جبهة النصرة" حتى الآن من ازدياد موجة التعاطف معها بين السكان المحليين ردّاً على الضربات الأميركية ضدها. ومع ذلك، فهي لا تزال منظمة لا مركزية، وبالتالي فإن الكيفية التي سيتجاوب بها امراؤها المحليون مع جماعات الثوار الأخرى من ناحية أو تنظيم "الدولة الإسلامية" من ناحية أخرى ستختلف من منطقة إلى أخرى. ربما لا تنوي "جبهة النصرة" إعلان إمارة قريباً، ولكن بما أنها تخلق حقائق جديدة على الأرض وتتماسك جغرافياً وإدارياً، فستبدو بصورة متزايدة وكأنها إمارة. إلا أن هجوماً كبيراً وجديداً يشنّه تنظيم "الدولة الإسلامية" قد يضطرها إلى ذلك، ويرغمها على الاختيار بين قبول مكانة أدنى في شراكة مع التنظيم أو مواجهة منافسها القوي، وكلاهما خياران ينطويان على خطر تفكّكها.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.