فيما تتهيّأ تونس لخوض غمار مرحلة جديدة في مراحل تحوّلها إلى الديموقراطية، مع انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة جديدة عقب الانتخابات البرلمانية الناجحة التي أُجريت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تواجه حكومة البلاد تحدّيَين رئيسَين: الاقتصاد والأمن.

لينا الخطيب
كانت الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.
More >

هاتان المشكلتان ترتبط إحداهما بالأخرى. قال لي أحد الصحافيين الذين تحدّثت إليهم أثناء تواجدي هناك الشهر الماضي: «مصير العديد من الشباب التونسيين هو الانتحار: فالذين كانوا يقضون على أنفسهم وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا بشكل غير شرعي عبر البحر، يقتلون أنفسهم اليوم بالانضمام إلى الجماعات الجهادية». طبعاً، كان السؤال الذي سمعته على لسان الكثيرين أثناء رحلتي هو: لماذا يقاتل آلاف التونسيين في سورية اليوم؟

يمكننا الإجابة على هذا السؤال بالعودة إلى عوامل عدة. على خلاف مصر التي خضعت للسيطرة العسكرية طوال عام ونصف العام في أعقاب ثورة يناير 2011، أصبحت تونس خاضعةً لهيمنة حركة «النهضة» بعد أن فازت هذه الأخيرة بغالبية المقاعد في انتخابات الجمعية التأسيسية. وفي حين أحكم الجيش في مصر قبضته على أنشطة الجماعات الإسلامية، رغم شعبية «الإخوان المسلمين» والجماعات السلفية، الأمر الذي حدّ من نطاق عملها، عمدت حكومة «النهضة»، بدفعٍ من مبادئ العدالة والتضامن الإسلامي، إلى إطلاق سراح آلاف السجناء الإسلاميين الذين كانوا احتُجِزوا في عهد بن علي. ومع أن معظم هؤلاء الإسلاميين لم يكونوا متطرّفين، كان عددٌ منهم جهاديين سلفيين، استغلّوا حريتهم المُكتسَبة حديثاً لتعبئة المؤيّدين.

القواعد نفسها دفعت «النهضة» إلى التصرّف بسذاجة، حيث أتاحت للخطباء السلفيين استخدام المساجد في أرجاء البلاد كمنابر لهم. وبحلول أوائل العام 2014، كان 90 في المئة من مساجد تونس تحت سيطرة السلفيين، الأمر الذي سهّل انتشار الرسائل الجهادية. تلقّف هذه الرسائل بعض الشباب الذين كانوا مهمّشين في عهد بن علي، وظلّوا على الهامش عقب ثورة العام 2011 حين كان اقتصاد تونس يجهد للتعافي. وقد تلاعب بعض الخطباء الجهاديين السلفيين بعددٍ من الشباب من خلال تعليمهم عدم قراءة القرآن، قائلين لهم إن نص هذا الكتاب الديني لا يمكن أن يفهمه الناس العاديون، وإنهم بالتالي يجب أن يتّبعوا فقط تفسير القرآن الذي يقدّمه الراسخون في علوم الدين. هذا الأمر أتاح طبعاً لهؤلاء الخطباء إقناع أتباعهم بالصدقية الدينية لخطبهم.

ورغم أن حكومة «النهضة» شعرت بالقلق من صعود الجهادية السلفية في تونس، إلا أنها لم تتصرّف بحزم للحدّ من انتشارها، وذلك لسببَين: الأول هو الخوف، إذ ظنّت «النهضة» أن قمع الجهاديين السلفيين سيجعلهم أكثر تطرّفاً، ويدفعهم إلى الهجوم عليها، والثاني هو عدم إدراك حجم المشكلة. وهذا الأمر يأتي بدوره كنتيجة مباشرة لانعدام خبرة «النهضة» في الحكم. فالحكومة المؤقّتة برئاسة أول رئيس وزراء في حقبة ما بعد بن علي، محمد الغنوشي، كانت عطّلت بشكل شبه كامل جهاز الاستخبارات في البلاد بسبب السمعة السلبية التي لاحقت مكاتب الاستخبارات بعد عقود من القمع في عهد بن علي. وحين سيطرت «النهضة» على الحكومة، واصلت عملية التفكيك هذه، إذ صرفت أفراداً بارزين في جهاز الاستخبارات من مناصبهم، وجعلت عمليات هذا الجهاز مقتصرةً على جمع المعلومات ذات الطابع السياسي بدلاً من الطابع الأمني. وهكذا وجد الجهاديون السلفيون في عدم دراية الحكومة فرصةً أخرى لتوسيع نطاق أنشطتهم.

في المناطق الريفية النائية، التي تعاني من قصور التنمية الاقتصادية، أصبحت محافظات بأسرها تعتمد على التهريب باعتباره وسيلة يؤمّن من خلالها المواطنون لقمة العيش. وهذا بدوره جعل السكان عرضة لتجنيدهم واستلحاقهم من قبل الجماعات الجهادية، ولا سيما في المناطق الجبلية الواقعة على الحدود مع الجزائر، حيث أصبح تهريب النفط الجزائري أمراً عاديّاً، وحيث مقرّات جماعات مثل «أنصار الشريعة». أخبرني أحد مصادري في بلدة القصرين الحدودية عن امرأة من البلدة تجني 400 يورو شهريّاً – وهذا مبلغ كبير في هذه المنطقة – من صنع الخبز لخليّة جهادية في جبل الشعانبي.

في موازاة ذلك، كان ثمة غضب متصاعد من الحكومة بسبب إهمال النمو الصناعي والزراعي في المناطق الريفية، رغم غناها بالموارد الطبيعية (القصرين مثلاً غنية بالماء والرخام والأراضي الصالحة للزراعة). وإلى جانب ممارسات التعذيب المتواصلة على أيدي الشرطة، التي زادت الإحباط إزاء مؤسسات الدولة، دفع مزيجٌ من سوء الحوكمة ونقص النمو الاقتصادي والمحفّزات التي تقدّمها الخلايا الجهادية، العديد من التونسيين إلى الانضمام إلى الجماعات الجهادية. والواقع أن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة كانت معبّرة: ففي القصرين، كانت نسبة إقبال الناخبين أقل من متوسّط الإقبال في البلاد، وكان معظم الذين أدلوا بأصواتهم من الطاعنين في السن، الأمر الذي يشي بدرجة من انعدام الثقة واللامبالاة في صفوف شباب المنطقة.

بالطبع، ليس الشباب الفقراء والأمّيون وحدهم من ينضمّ إلى الجماعات الجهادية. فكما أظهرت المداهمة الأمنية في وادي الليل في تونس قبل يومَين من الانتخابات البرلمانية (كُشِف أن أحد عناصر الخليّة الجهادية الذين قُتِلوا خلال العملية امرأة وخرّيجة جامعية)، يتجاوز الانجذاب نحو الجهادية مجرد تأمين وسائل العيش الاقتصادية، إذ هو يتمحور أيضاً حول السلطة والهوية. فالكثيرون يلتحقون بـ «الدولة الإسلامية في العراق والشام» لأنها تمنحهم السلطة والهوية.

أطلقت حكومة التكنوقراط الراهنة في تونس عدداً من المبادرات، في محاولةٍ منها لمعالجة التحدّيات الملحّة في البلاد. فقد جرى استئناف الوظائف العادية لجهاز الاستخبارات، مع تركيز خاص على مكافحة الإرهاب، ما ترك تأثيراً إيجابيّاً واضحاً في مجال تقليص الحوادث الأمنية في البلاد. وأعربت وزارة الداخلية عن استعدادها لإصلاح جهاز الشرطة، الأمر الذي سيكون أساسيّاً لكسب تأييد السكّان في مناطق مثل القصرين. كما قرّرت كليّة الحقوق والعلوم السياسية في جامعة تونس المنار، للمرة الأولى في تاريخها، قبول جميع المتقدّمين لهذه السنة الدراسية لأن «الحصول على بطاقة جامعية أفضل من الحصول على بطاقة عضوية في الدولة الإسلامية»، على حدّ قول أحد الأساتذة.

مع ارتفاع آمال المواطنين المعقودة على الحكومة الجديدة وعلى الرئيس بعد الأداء المخيّب للحكومة السابقة التي كان يطغى عليها حزب «النهضة» وحلفاؤه، يتعيّن على زعماء تونس الجدد أن يبذلوا جهوداً حثيثة لتحقيق أربعة أهداف كبرى: استقرار البلاد، وتحسين الأداء الاقتصادي، واستعادة ثقة المواطنين في الدولة وفي عملية الدمقرطة، واستعادة قوة الشعور بالانتماء الوطني، ما سيسمح بأن تكون لها اليد العليا في خضمّ معركة الهويات، وفي مواجهة إغراء السلطة الذي تطرحه تنظيمات إرهابية مثل «الدولة الإسلامية».

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.