تلقى المطالب المُنادية بحقوق المواطنة صدًى يكاد يكون عالمياً اليوم. فما طالب به الملايين ممَّن نزلوا إلى الشوارع في الانتفاضات العربية، من حركة "احتلّوا"، واحتجاجات حديقة غينزي، والاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها هونغ كونغ، هو "الحق في التمتّع بالحقوق" كما أسمته هانا آرنت، أي الحق في أن يُعتبَروا مواطنين كاملين بغضّ النظر عن الاختلافات الاجتماعية-الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو الإثنية أو الدينية. وربما تشكل الانتفاضات العربية أفضل تعبير عن هذا الحق، وهي شملت إلى جانب المطالبة بالحرية والكرامة، الحق في العدالة وتقرير المصير، والحق في الاختلاف على المستويَين الفردي والجماعي.

ولا ينحصر الحق في العدالة بالإجراءات القانونية أو مسائل إعادة توزيع الثروة فقط، بل يرتبط أيضاً بالطرق الأساسية التي تُنظَّم بها المجتمعات ويتم من خلالها تبادل السلطة. بالنسبة إلى ملايين الأشخاص، تعني العدالة الحقّ في المساواة أو المعاملة بالمثل، والحقّ في الإنصاف أو الاعتراف بالمواطنين على قدم المساواة مهما اختلفوا.

ويعني الحق في تقرير المصير أن تكون للمواطن الكلمة الفصل في تحديد مستقبله. ويعني هذا الحق، على المستوى الأساسي، حصول المواطن على الطعام، وحصول أولاده على التعليم الجيد، والخدمات الصحية عند الحاجة، أي الحق في الوصول، والحق في التمتّع بالفرص. كما يشمل الحق في تقرير المصير الحق في الحرية والتعبير عن النفس وحرية تكوين الجمعيات، أي كامل الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين كأفراد وكمجتمعات.

أما الحق في الاختلاف فهو ما تعرّفه آرنت باعتراف الدولة بالحق في التمتّع بمختلف الهويات الفردية والجماعية بكرامة. ويقرّ هذا التعريف بأن بعض أبرز أوجه الظلم يتجذّر في التعريفات التي تتناول ذاتية الفرد، والتي قد تحرم مجتمعات معيّنة من بعض الحقوق – من خلال القوانين أو السياسات، أو ببساطة عبر اللامبالاة أحياناً حيال ممارسات جائرة بحق هذه المجتمعات.

هذه الحقوق ليست شعارات. فهي تجسّد قيم المواطنة الأساسية للملايين من الأشخاص حول العالم.

بالنسبة إلى المواطنين العرب، تشمل هذه الحقوق حق البائع التونسي المتجوّل محمد البوعزيزي في حياة كريمة، وهو الذي أطلق شرارة الربيع العربي حين أضرم النار في نفسه احتجاجاً على حرمانه من الحق في تحصيل لقمة العيش؛ وحق المدوّن المصري خالد سعيد الذي قُتِل على يد الشرطة، وحق المحامية والناشطة الحقوقية الليبية سلوى بوقيقيس التي قُتِلَت على أيدي الميليشيات في بنغازي، في التعبير عن آرائهما؛ وحق نشطاء الحرية (المحامية في مجال حقوق الإنسان والعضو المؤسس في لجان التنسيق المحلية السورية، رزان زيتونة ورفاقها وائل حمادة وسميرة خليل وناظم الحمادي)، ومئات الآلاف من المخفيّين قسراً في سورية، في المشاركة في الحياة العامة؛ وحق الملايين من الفلسطينيين في التمتّع بحياة متحرّرة من الاحتلال. وتشمل أيضاً حق الأفراد والمجتمعات المحلية في تحقيق إمكانياتهم وصياغة مستقبلهم.

بالنسبة إلى المواطنين العرب، تعني هذه الحقوق أيضاً الحماية الشرسة لنسيج مجتمعي يُمزَّق اليوم بعنفٍ؛ نسيج غني بتعدّدية ثقافية وحضارية نابعة من مزيج مميز من الأديان والإثنيات رسمت معالم تاريخهم ومجتمعاتهم على مدى قرون. وتستضيف المنطقة العربية اليوم 53 في المئة من اللاجئين في العالم، مع أنها لا تضم سوى 5 في المئة من سكّانه. هذا النزوح القسري والتهجير الجماعي، إضافةً إلى الاضطهاد المنهجي لمكوّنات أساسية من المجتمعات العربية، كما حدث مع المسيحيين واليزيديين والتركمان والشبك في الأشهر الأخيرة في العراق على أيدي الداعشيين، يطرحان أسئلة أساسية حول أسُس إنسانيتنا الجماعية، ويسلّطان الضوء على أهمية التضامن المجتمعي العالمي والمحلي.

توفّر حقوق الإنسان العالمية إطاراً يمكن من خلاله النقاش حول الطابع غير القابل للتجزئة للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، والنضال من أجل هذه الحقوق. كما تشكّل أساساً لإقرار الحقوق الجماعية للمجتمعات المحلية وحمايتها، إضافةً إلى حقوق الأفراد. وتلعب هذه الحقوق مجتمعةً دوراً أساسياً في تعزيز حقوق المواطنة للملايين الذين نزلوا إلى الشوارع مطالبين بالعدالة والحرية، ولكلّ مَن يواصل النضال في حياته اليومية.

هذا ما يعنيه "الحق في التمتّع بالحقوق". وهذا ما يعنيه العيش بكرامة.

نُشر المقال في صحيفة دايلي ستار ضمن ملحق خاص بالمفوضية السامية لحقوق الإنسان بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان.