كان القتال الذي اندلع بين الجماعات السنّية المتطرّفة والجيش اللبناني في مدينة طرابلس الساحلية شمال لبنان في أواخر العام 2014 بمثابة رسالة تذكير صارخة بأن ظاهرة التطرّف الإسلامي تمتدّ أبعد بكثير من العراق وسورية. في العام 2013، افتتح تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة فرعيهما اللبنانيين، اللذين كانا مسؤولين منذ ذلك الحين عن سلسلة من الهجمات الإرهابية في العاصمة بيروت وكذلك في سهل البقاع. وقد استمال التنظيمان عدداً متزايداً من اللبنانيين السنّة، الذين ذهب بعضهم للقتال في صفوفهما في سورية والعراق، وعادوا لشنّ هجمات في لبنان.

عانى صنّاع القرار اللبنانيون صعوبة في تقبّل ظاهرة التطرّف الإسلامي في بلد يشكّل فيه السنّة مايقرب من ربع السكان، والذين عاشوا على مدى عقود جنباً إلى جنب مع المسيحيين والشيعة والطوائف الإسلامية الأخرى. وغالباً مايؤكّد المحلّلون المحلّيون على حقيقة أن نموّ التطرّف السنّي في لبنان هو نتاج التدخّل الأجنبي، وأنه يمثّل امتداداً مؤقّتاً للقتال الذي يجري في سورية والعراق. وقد دفع هذا التفكير عدداً من صنّاع القرار إلى تأييد القضاء التام على المتطرّفين. ولكن بعيداً عن كونه ظاهرة أجنبية مستوردة إلى الأراضي اللبنانية، تبدو جذور التطرّف السنّي محليّة وعميقة، مايجعل من المستبعد أن يقلّل الحلّ العسكري وحده من جاذبية الجماعات المتطرّفة.

بدلاً من ذلك، ثمّة حاجة ملحّة إلى أن يعالج السياسيون وصناع القرار والزعماء الدينيون ونشطاء المجتمع المدني من داخل وخارج الطائفة السنّية، مشكلة التطرّف بصورة مباشرة، وأن يحدّدوا استراتيجيات لمعالجة المظالم التي تغذّي مشاعر السخط السنّي في لبنان. وبينما يبدو من المستبعد أن تتم تلبية بعض المطالب الرئيسة للجماعة السنّية في المدى القريب، مثل انسحاب حزب الله الشيعي من سورية، فإن هناك حاجة إلى اتّخاذ سلسلة من التدابير العملية لحماية لبنان من مصير سورية والعراق المجاورين.

جذور التطرّف السنّي

ثمّة مجموعة من العوامل الكامنة وراء الارتفاع الأخير في وتيرة التطرّف السنّي في لبنان. ويتمثّل أبرز تلك العوامل في تزايد استياء السنّة من حزب الله، الذي يعتبر قوة سياسية وعسكرية مؤثّرة. وقد بلغ العداء بين السنّة وحزب الله أوجه في العام 2013 عندما أعلن الحزب الشيعي عن تدخّله عسكرياً لدعم قوات الرئيس بشار الأسد في سورية.

بيد أن شعور السنّة بالمرارة تجاه حزب الله أعمق مما يبدو. إذ يتّهمه كثيرون بالوقوف وراء سلسلة من الاغتيالات التي استهدفت قادة أساسيين من الطائفة السنّية اللبنانية في العقد الماضي، وأضعفت الزعامة السياسية للمعسكر المناهض للأسد في لبنان بصورة كبيرة.

إضافة إلى ذلك، تمكّن حزب الله من خلال استخدام مكانته كحركة مقاومة ضدّ إسرائيل، من بناء ترسانة كبيرة من الأسلحة، فضلاً عن ميليشيا قوية أثبتت مراراً وتكراراً أنها أساسية في رسم نتائج السياسة الداخلية بشكلٍ يصبّ في مصلحته، وعلى حساب الساسة السنّة. كما أن القدرات المالية والعسكرية الكبيرة التي يتمتّع بها الحزب الشيعي مكّنته من إنشاء شبكات متطوّرة من المتشدّدين السنّة الذين يدعمون أجندته المقاومة، ما أدّى إلى اتّهامه بأنه يسعى إلى زرع بذور الانقسام داخل الطائفة السنّية.

أدّت الأنشطة الواسعة التي يمارسها حزب الله وهيمنته الساحقة على السياسة اللبنانية إلى تزايد شعور السنّة بالتهميش من مراكز السلطة. وقد أثبت تيار المستقبل حتى الآن، وهو حزب علماني يحظى بالشعبية منذ وقت طويل لدى العديد من السنّة، عجزه عن تغيير نتيجة هذه المعادلة. كما تراجعت مكانته في صفوف السنّة في أوائل العام 2014، عندما شارك في حكومة ائتلافية مع حزب الله ودعم حملة على الميليشيات السنّية الناشطة في طرابلس، والتي كان يرعاها جزئياً حتى ذلك الحين.

لكن مامن بدائل تُذكر عن تيار المستقبل في الطائفة السنية، مايطرح خطراً يتمثّل في أن تدفع خيبة الأمل الشعبية من الحزب عدداً متزايداً من مؤيّديه السابقين إلى تبنّي خيارات أكثر تطرّفاً وعنفاً للتعبير عن شعورهم بالإحباط السياسي. والوضع مثير للقلق بصورة خاصة لأن غالبية أبناء الطائفة السنية في لبنان يعيشون في المناطق مهمّشة اجتماعياً واقتصادياً عن سائر البلاد. وقد برزت مدينة طرابلس كرمز لهذه التوجهات. وفقدت طرابلس مؤخراً، التي لطالما اعتُبرت دُرّة مدن لبنان، الكثير من قوتها الاقتصادية والسياسية، وهي تعاني الآن من العنف المتكرّر والفقر وجيوب التطرّف الإسلامي.

كما تم تسهيل صعود التطرّف الديني بسبب غياب القيادة الدينية الحكيمة على رأس الطائفة السنّية. أما دار الفتوى، وهي المؤسّسة المكلّفة رسمياً بتقديم التوجيه الإسلامي والتعليم الديني اللذين أقرّتهما الدولة للمسلمين السنّة اللبنانيين، فقد شابتها سلسلة من الفضائح في السنوات الأخيرة أضرّت بصدقيتها بصورة بالغة.

كان لتراجع نفوذ وقدرات دار الفتوى تأثير عميق على الطائفة السنّية. فقد حدّ ذلك من قدرة الهيئة على إدارة المساجد الكثيرة في البلاد، ما أدّى إلى ترك عدد متزايد من أماكن العبادة في أيدي دعاة غير مؤهّلين، بعضهم من المتطرّفين. كما سهّل ذلك ظهور المزيد من الهيئات الإسلامية الأكثر راديكالية وغير الرسمية، مثل هيئة العلماء المسلمين، التي تدّعي تمثيل المزاج الحقيقي للشارع السنّي.

حاولت دار الفتوى أن تبدأ بداية جديدة في صيف العام 2014، عندما انتخب أعضاؤها المفتي الجديد، عبد اللطيف دريان. لكن ستبدي لنا الأيام ما إذا كان دريان سيمتلك مايكفي من الشرعية الشعبية لمواجهة السرديّة المتطرّفة واستعادة تأثير دار الفتوى المعتدل داخل الطائفة السنّية.

كما تساهم السياسة الحالية التي تتّبعها الحكومة اللبنانية تجاه اللاجئين في تغذية التطرّف السنّي. ففي أواخر العام 2014، أعلن وزير الشؤون الاجتماعية في لبنان أن وجود أكثر من مليون لاجئ يشكّل "تهديداً حقيقياً للأمن الداخلي" وذهب إلى حدّ التلميح إلى أن 100 ألف منهم قد تلقّوا تدريباً عسكرياً مسبقاً من دون أن يقدّم أدلّة على ذلك. لكن من المفارقات أن صنّاع القرار اللبنانيين يشكّلون بيئة قد يصبح فيها عدد متزايد من السوريين ذي الغالبية السنّية الذين يقيمون في البلاد متطرّفين، من خلال النظر إلى قضية اللاجئين عبر منظور الأمن القومي، والتركيز على تقييد دخول اللاجئين، واعتقال من دخلوا بطريقة غير شرعية، وتشديد الرقابة على الحدود. وتدفع موجة الاعتقالات الأخيرة للاجئين الذين دخلوا إلى البلاد بطريقة غير قانونية العديد من السوريين إلى العمل سرّاً، وإلى تعميق مشاعر عدم الثقة بين مجتمعات اللاجئين وبين القوات المسلّحة اللبنانية، المسؤولة عن تضييق الخناق على السوريين الذين يعيشون في لبنان بصورة غير قانونية.

في غضون ذلك، تزيد الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن أوضاعهم غير المستقرّة، من قابلية تعرّض أعداد متزايدة من السوريين إلى الأذى. ويتعزّز هذا الشعور بانعدام الأمن بسبب الإفلات من العقاب الذي تتمتّع به بعض المجتمعات المحلية المضيفة التي تفرض حظر التجوال، وتستخدم العنف وتطرد اللاجئين.

قد يدفع تكاثر المستوطنات غير الرسمية، وتدهور الوضع الاجتماعي-الاقتصادي، وغياب احتمال إنشاء مخيمات آمنة للاجئين على المدى القصير، عدداً من السوريين نحو الانضمام إلى مجموعات متشدّدة، غالباً ماتقدّم حوافز مالية، وتتولّى رعاية الأسر، وتوفّر شعوراً مؤقتاً بالأمن.

نحو مقاربة واقعية

في نهاية المطاف، ينبغي على الحكومة اللبنانية والجهات الفاعلة السياسية الرئيسة في البلاد ومنظمات المجتمع المدني، إطلاق سلسلة من المبادرات الطموحة لمعالجة جذور التطرّف السنّي. وينبغي أن يتم ذلك على أساس أن هذه الظاهرة ليست مجرّد قضية سنّية، بل تشكّل جزئيّاً على الأقل أحد أعراض الخلل الوظيفي الذي تعاني منه بعض المؤسّسات اللبنانية التي هي في أمسّ الحاجة إلى إصلاحات هيكلية.

على المديَين المتوسط والطويل، سوف تتطلّب مواجهة نمو التطرّف في لبنان تحسين وضع البنية التحتية العامة والاقتصاد في المناطق المهمّشة مثل البقاع وشمال لبنان، حيث يعيش الجزء الأكبر من السكان السنّة في البلاد، فضلاً عن إطلاق عملية اللامركزية الإدارية بهدف تمكين المجتمعات المحليّة. كما يعني التعامل مع جذور التطرّف السنّي في لبنان أن من الضروري معالجة مسألتّي سلاح حزب الله وتدخّله العسكري في الأزمة السورية.

مع ذلك، ونظراً إلى الدرجة الحالية من الاستقطاب في صفوف السياسيين اللبنانيين والجمهور بصورة عامة، ستظل هذه قضايا داخلية حسّاسة لايُتوقّع أن يتم التوصّل إلى توافق سياسي يُذكر بشأنها في المستقبل المنظور. إضافة إلى ذلك، فإن القرار الذي اتّخذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 بتأجيل الانتخابات البرلمانية، فضلاً عن عدم انتخاب رئيس منذ انتهاء ولاية ميشال سليمان في أيار/مايو 2014، يعنيان عملياً أن لدى الحكومة اللبنانية الحالية مجالاً محدوداً للمناورة لإجراء مثل هذه الإصلاحات الواسعة والمثيرة للجدل.

بدلاً من ذلك، ثمّة سلسلة من الإجراءات التوافقية والبراغماتية التي يمكن للحكومة اللبنانية والأحزاب السياسية ورجال الدين والمجتمع المدني اتّخاذها الآن للحدّ من التأثير الباعث على التطرّف في المدى القصير، والناجم عن الأزمات التي تجتاح سورية والعراق.

في موازاة ذلك، ينبغي أن تجري مناقشة جادّة داخل الطائفة السنّية حول الخطاب والأساليب اللازمة للحدّ من جاذبية التطرّف الديني، حيث سيكون لزاماً على السنّة أنفسهم مواجهة السرديّة المتطرّفة.

تحصين دار الفتوى

تعتبر إعادة هيكلة دار الفتوى أمراً أساسياً كي تتمكن من تأمين المزيد من الموارد المالية، واستعادة تأثيرها المعتدل في الطائفة الجماعة السنّية، والسيطرة بصورة أفضل على شبكة المساجد التي تخضع إلى إشرافها اسمياً.

يتعيّن على الساسة والشخصيات الدينية الرائدة من السنّة الاتفاق على أفضل السبل لإصلاح مؤسّسة دار الفتوى، وزيادة شرعيتها وتواجدها على الساحة ضمن الطائفة السنّية في لبنان. فمن جهة، يتعيّن على المشرّعين السنّة الاعتراف بأن التدخّل السياسي في الشؤون الداخلية لدار الفتوى في الماضي، بما في ذلك الدور المركزي الذي لعبه السياسيون أحياناً في اختيار مفتي الجمهورية الذي يرأس دار الفتوى، أدّى إلى نشوب صراعات على الزعامة تعدّت بشدّة على صدقيّتها. ومن جهة أخرى، ينبغي على رجال الدين إيجاد السبل الكفيلة بجعل إدارتهم لدار الفتوى أكثر عرضةً إلى المساءلة، وأكثر شفافية وكفاءة.

في موازاة ذلك، ينبغي أن تكون دار الفتوى أكثر تمثيلاً للتنوّع الجغرافي والديني الذي يميّز الطائفة السنّية في لبنان. إذ تعيق القواعد الحالية، التي يتعيّن بموجبها أن ينحدر المفتي من بيروت، قدرةَ الهيئة على تعزيز نفوذها في شمال لبنان. إضافة إلى ذلك، يجب أن يجتذب زعماء دار الفتوى رجال الدين السنّة الذين كانوا ينتقدون عملها في الأشهر الأخيرة، ويقنعوهم بالمشاركة في عملية الإصلاح وتقديم التوصيات المفصّلة من أجل التغيير.

ويمكن لإعادة هيكلة دار الفتوى، إذا تم تنفيذها بالشكل الصحيح وبالتراضي، أن توفّر للمؤسسة سبلاً وفرصاً جديدة للعمل. فيمكن للمؤسسة، على سبيل المثال، الاضطلاع بدور رائد في إعداد برامج لاجتثاث التطرّف الديني خاصة بالمقاتلين الجهاديين اللبنانيين السابقين، وإطلاق جهد تعليمي شامل ينطوي على برامج توعية في المناطق السنّية المهمّشة في البلاد. ويمكن لدار الفتوى كذلك أن تطلق مبادرات جديدة يستفيد منها اللاجئون السوريون للحدّ من جاذبية التطرّف الإسلامي في المجتمعات الضعيفة.

ومن المهم أيضاً أن تستمر مؤسّسات الدولة في الانخراط مع أصوات أخرى بارزة في الطائفة السنّية، والتي يمكن أن تكون بمثابة جسر بين المتشدّدين السنّة والسلطات اللبنانية، مثل هيئة العلماء المسلمين. إذ تمتلك الهيئة – وهي جماعة حديثة العهد وأكثر راديكالية تمكّنت من ترسيخ نفسها بسرعة بصفتها عنصراً فاعلاً سياسياً ودينياً مؤثّراً – القدرة على التعبير عن بعض مشاعر الإحباط لدى السنّة، وتُرسي، في الوقت نفسه، وعياً بالوضع الخاص للبنان كمركز للتنوّع الديني، فيما تحاول من خلال شبكاتها الواسعة، إيجاد حلول سلمية عندما يتصاعد الصراع.

تعزيز قدرات الجيش اللبناني

لطالما اعتُبِر الجيش اللبناني، الذي ينحدر أفراده من جميع الطوائف الدينية في لبنان، قوة موحِّدة في البلاد. بيد أن الانشقاقات السنّية من الجيش اللبناني في العام 2014، واندلاع قتال عنيف بين المسلحين السنّة والجنود في طرابلس وعرسال، بالقرب من الحدود السورية، يجب أن يكونا بمثابة تحذير جدّي من أن العلاقات بين القوات المسلحة اللبنانية والطائفة السنّية تتدهور. مامن شكّ في أنه يتعيّن على المشرّعين اللبنانيين من جميع الطوائف أن يستمروا في التأكيد على الطبيعة الموحِّدة للجيش اللبناني، وإعطائه موارد إضافية للمساعدة في تحسين علاقاته مع الجمهور، ولاسيما الطائفة السنّية.

لكن كي يكون الجيش فعّالاً، لابدّ من إدخال قدر من الشفافية والمساءلة إليه. فقد أفضت الاتهامات المتكرّرة بأن الجيش اللبناني ارتكب انتهاكات لحقوق الإنسان وعذّب اللاجئين وأساء معاملتهم، إلى إضعاف ثقة الكثير من السنّة بمؤسّسة الجيش في مرحلة حرجة. فضلاً عن ذلك، أضعفت المزاعم المتكرّرة بأن حزب الله يسيطر على سلسلة القيادة في الجيش اللبناني، ويلقي بظلّ كبير على القرارات التي تتّخذها الاستخبارات العسكرية، الشرعيةَ المفترضةَ للجيش في أركان المجتمع اللبناني. ولذا يتعّين على المشرّعين من الأطراف كافة التوافق على منح البرلمان قدر أكبر من السلطة الرقابية، ومنظمات المجتمع المدني المزيد من حرية الوصول. فجعلُ عملية اتخاذ القرار والعمليات في الجيش اللبناني أكثر شفافية، من شأنه أن يساهم أيضاً في التخفيف من حدّة المخاوف من أنه يعمل تحت تأثير حزب الله وأحزاب سياسية أخرى.

إن مشاركة لبنان في التحالف الدولي ضد الإرهاب تعني توقّع حدوث مزيد من المعارك بين وحدات الجيش اللبناني والجماعات المتطرّفة. وبالتالي ينبغي على الجيش اللبناني أن يعدّل تكتيكاته وأساليبه وعتاده وفقاً لهذا النمط الجديد من مكافحة التمرّد. ومن خلال توفير المزيد من الموارد المالية والبشرية لمساعدة الجيش اللبناني على تحسين كفاءته التدريبية والتكيّف مع هذا النهج الجديد، يمكن لداعميه الأجانب تسريع وتيرة هذا التحوّل، والتقليص بشكل كبير من عدد الضحايا المدنيين والأضرار المادية التي تطال البنية التحتية – وهذان عاملان أساسيان في كسب قلوب وعقول السكان المحليين. كما ينبغي إصلاح الهيئة العليا للإغاثة في لبنان، وهي المكلّفة بتعويض ضحايا الأضرار الجانبية، من أجل زيادة شفافيتها وكفاءتها.

إصلاح نظام العدالة والسجون في لبنان

يجب أن يتّفق المشرّعون اللبنانيون على آلية لتبسيط النظام القضائي في البلاد، وإعطاء القضاة المدنيين والعسكريين الوسائل اللازمة لإجراء محاكمات عادلة وسريعة. وبالمثل، لابّد من الإسراع في إعادة تأهيل السجون الثمانية ومراكز الاحتجاز الـ23 في البلاد كي تتلاءم سعتها مع تزايد أعداد الإرهابيين المُدانين.

برز سجن رومية باعتباره رمزاً لفشل نظام السجون والعدالة في لبنان. فالعديد من السجناء المحتجزين هناك ينتظرون المحاكمة منذ سنوات عدة، ناهيك عن أن انتهاكات حقوق الإنسان متفشّية، والبنية التحتية في حالة سيئة وتُدار على نحو رديء، والزنازين مكتظّة إلى حدّ أن السجن يحوي حالياً أكثر من ضعف عدد السجناء الذين صُمِّم لاستيعابهم – وهذه كلها عوامل تساعد على جعل السجن أرضاً خصبة للتجنيد في التنظيمات المتطرّفة التي تنشط هناك.

ينبغي على السلطات اللبنانية أن تطلب المشورة من الخبراء والناشطين، بحيث تتّخذ خطوات لضمان أن يفي نظام السجون في لبنان بالوعد الذي قطعه بإعادة تأهيل المُدانين، بدلاً من أن يصبح مركزاً إضافياً للتطرّف. ويجب أن تؤدّي هذه العملية إلى حدوث تحسّن كبير في ظروف العيش داخل السجون، وفرض قدر أكبر من المراقبة على الزنازين من خلال تركيب كاميرات الفيديو بشكل منتظم. وينبغي أيضاً منح المؤسّسات الدينية التي تحظى بمباركة الدولة، مثل دار الفتوى، قدراً أكبر من حرية الوصول لمنع السجناء المتطرّفين من احتكار التعليم والإرشاد الديني. كما لابدّ من تشجيع منظمات المجتمع المدني على إجراء عمليات تقييم منتظمة لأوضاع السجون، والديناميكيات داخل الزنازين، وعلاقات السجناء مع موظّفي السجون.

التعامل مع قضية اللاجئين في لبنان

يتنامى قلق السلطات اللبنانية بشأن التكاليف الاجتماعية والاقتصادية والأمنية لنحو 1.2 مليون لاجئ سوري في لبنان بصورة مفهومة، في بلد يؤوي أيضاً 400 ألف لاجئ فلسطيني. بيد أنه يجب على المشرّعين الامتناع عن اتّخاذ تدابير صادمة يُقصَد منها إرضاء الجمهور اللبناني على المدى القصير، في حين أن لها آثاراً عكسية على المديَين المتوسط والطويل.

يجب إعطاء الجيش اللبناني القدرة اللوجستية على تشديد سيطرته على الحدود اللبنانية، ومراقبة المعابر غير الشرعية للتأكد من أن الذين يدخلون البلاد يفعلون ذلك لأسباب إنسانية بحتة. وفي موازاة ذلك، ينبغي أن يسعى الجيش اللبناني إلى مدّ الجسور مع اللاجئين السوريين الموجودين على الأراضي اللبنانية. فالحدّ من انعدام الثقة المتزايد بين الطرفين سيكون عنصراً أساسياً في ضمان قدرة الجيش اللبناني على اكتشاف وتهميش العناصر المزعزعة للاستقرار داخل مجتمع اللاجئين. ويجب على السلطات اللبنانية أيضاً أن تبذل قصارى جهدها للتحقيق في جميع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها المجتمعات المضيفة ضد اللاجئين السوريين، ومحاكمتها وإدانتها بشكل لالبس فيه.

إضافة إلى ذلك، يتعيّن على المشرّعين مراجعة سياسة الحكومة الحالية لفرض رسم بواقع 200 دولار على اللاجئين السوريين الذين يرغبون في تجديد إقامتهم في لبنان لمدة عام. فهذا الإجراء يزيد من مستوى تعرّض اللاجئين الفقراء إلى الأذى، وقد يدفع عدداً كبيراً منهم إلى البقاء بصورة غير قانونية في البلاد، وإقامة علاقات مع الجهات الفاعلة التي تعمل تحت الأرض مثل المجرمين والمتطرّفين.

فرصة لالتقاط الأنفاس وإجراء الإصلاحات

في بيئة تتسّم بأوضاع اقتصادية متدهورة، لايمكن توقّع أن يواجه لبنان بمفرده كل هذه التحدّيات. فحتى الآن، لم تكن المساعدة المالية المُقدَّمة من المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص من فريق الدعم الدولي الخاص بلبنان، كبيرة بما يكفي لتمكين الحكومة من صياغة سياسة متماسكة ورحيمة تجاه اللاجئين السوريين. وبما أن شبح التطرّف السنّي وانعدام الاستقرار السياسي يلوحان في الأفق في لبنان، يجب على الجهات المانحة الدولية تحمّل مسؤولياتها بجدّية، والتحرّك بسرعة لتزويد البلاد بشبكة أمان للإغاثة الإنسانية.

من شأن ذلك إعطاء الحكومة اللبنانية فرصة كافية لالتقاط الأنفاس بهدف إجراء إصلاحات تشتدّ الحاجة إليها ويمكن تنفيذها بالتراضي، مثل إصلاح نظام السجون وتعزيز قدرات مكافحة التمرّد لدى الجيش اللبناني. فتطرّف السنّة في لبنان يعكس، في نهاية المطاف، القضايا الأوسع التي لاتخص السنّة وحدهم، والتي تمّ تجاهلها لعقود من الزمن.