أُعِدَّت هذه الورقة في إطار مشروع إعادة الإعمار الاقتصادي في سورية 2013-2014 الذي يديره مركز كارنيغي للشرق الأوسط، والذي سعى إلى المساعدة في رسم خريطة الديناميكيات الاجتماعية والسياسية والمؤسّسية التي سيتم إعدادها عندما تبدأ عملية إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع في سورية.

ستحدّد مدة الصراع، وطبيعة السلطة السياسية التي ستظهر بعد انحسار أعمال العنف وتوقّفها في نهاية المطاف في جميع أنحاء البلاد، الأسئلةَ والتحدّيات الخاصة التي تواجه عملية إعادة الإعمار في سورية. فتلك قضايا سياسية مؤثّرة لايمكن بحثها بصورة معقولة في ورقة كهذه، ولاسيّما عندما تكون النتائج ملتبسة وغامضة. ومع ذلك، ثمّة بعض الأسئلة والتحدّيات الرئيسة التي ستكون محوريّة بالنسبة إلى عملية إعادة الإعمار، بغضّ النظر عن مدة الصراع أو طبيعة السلطة السياسية المقبلة. ويوفّر تحديد بعض تلك التحدّيات الرئيسة، مع إشارة خاصة إلى كيفية ظهورها للعيان في الحالتين العراقية واللبنانية، دروساً حول التحدّيات المستقبلية التي ستواجهها عملية إعادة الإعمار في سورية.

نقاط المقارنة المحدّدة هي التي تقرّر جدوى مقارنة تجربتَي إعادة الإعمار اللبنانية والعراقية. أحد خيارات المقارنة هو الاعتماد على الركائز الأربع المتعارف عليها لإعادة الإعمار: الأمن والعدالة والمصالحة والرفاه الاجتماعي والاقتصادي والحوكمة والمشاركة. توفّر هذه الركائز نظاماً يعمل للتفكير في صياغة وتنفيذ وتقييم السياسات التي تم وضعها خلال مراحل إعادة الإعمار. مع ذلك، تنزع السياسات التي يتم تنفيذها من خلال هذه الركائز إلى الاستناد على تعميم المعايير التي غالباً ماتكشف عن واقع المجتمعات في مرحلة مابعد الصراع. هذا لايعني أن الأمن لايمثّل أحد أهداف إعادة الإعمار، بل أن الافتراضات المعيارية الكامنة خلف ماينبغي أن يكون عليه الأمن، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها لاتمتّ بصلة إلى حقائق كيفية تطوّر الصراعات والاحتياجات المحدّدة لمجتمعات مرحلة مابعد الصراع عبر مختلف السياقات الاجتماعية والسياسية. المقارنة بين الحالتين العراقية واللبنانية باستخدام هذه المعايير ستكون صعبة، لابل مستحيلة، نظراً إلى الطبيعة المتقلّبة وطويلة الأمد للصراع وإعادة الإعمار في كلا البلدين.

سامر عبود
عبود كان باحثاً زائراً في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تركّزت أبحاثه على الاقتصاد السياسي للصراع السوري، ولاسيما مسألة هروب رؤوس الأموال وآثارها على إعادة الإعمار في سورية.
More >

مع أخذ هذا الأمر في الاعتبار، فإن الاحتمال البديل للمقارنة لايكمن في التفكير بالنتائج بل بالتحدّيات. وبصورة أكثر تحديداً، من المفيد النظر في ماهية العمليات التي تنطوي عليها تجربتا إعادة الإعمار الجاريتان في العراق ولبنان ومايمكن أن تكشفه هاتان التجربتان عن تقدم الحالة السورية. وبعبارة أخرى، ما تحدّيات إعادة الإعمار التي تواجهها سورية؟

التركيز على التحدّيات هو ذاك الذي يستبعد مدْخَلات ونتائج إعادة الإعمار كما تقدّرها الجهات المانحة الدولية في العادة، ويركّز على العناصر المتعلقة بعملية إعادة الإعمار، بما في ذلك دور الجهات الفاعلة المختلفة، والأسس الإيديولوجية للسياسة، والعلاقة بين إعادة الإعمار والسلام والتمويل. أما كيف تتطوّر عملية إعادة الإعمار، فهو أمر يعتمد على كيفية تسوية اعتبارات وعلاقات أساسية معيّنة. وبصفة عامة، تتمحور هذه الاعتبارات (أو التحدّيات) حول ثلاثة مجالات رئيسة هي: التمويل والعلاقة بين السلطة العامة والخاصة، ودور الجهات الفاعلة المحلية والدولية، والسياسة الاجتماعية.

الهدف من هذه الدراسة هو تقديم رؤى مقارنة حول التحدّيات الأساسية في عملية إعادة الإعمار تستند إلى حدّ كبير إلى تجربتَي العراق ولبنان، لكنها تعتمد أيضاً على حالات أخرى. تُقسم الورقة إلى ثلاثة أقسام رئيسة تركّز على كلٍّ من المواضيع المحدّدة أعلاه. وتوخّياً للبساطة وسهولة القراءة، وبهدف فتح النقاش حول هذه المجالات الرئيسة، نُظِّم كل قسم بطريقة مماثلة. إذ يبدأ كل قسم بتقديم لمحة موجزة عن ماهية بعض القضايا الرئيسة العامة في عملية إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع. ومن ثمّ تليه مناقشة الحالتين العراقية واللبنانية حول القضايا أو الجهات الفاعلة الرئيسة، وقائمة قصيرة جداً بالدروس المستفادة، تهدف إلى إثارة النقاش حول الحالة السورية. أما خاتمة الورقة، فتنظر في كيف يمكن لهذه التجارب أن تغني التفكير في عملية إعادة الإعمار في سورية، وتستعرض التحدّيات والأسئلة الرئيسة التي ستواجهها في المستقبل.

التمويل ودور الهيئات الخاصة والعامة

ربما تكون مسألة التمويل القضية الأبرز في تحديد حجم ونطاق عملية إعادة الإعمار في البلدان في مرحلة مابعد الصراع. إذ تشير تجارب إعادة الإعمار إلى أن بعض أنماط التمويل غالباً ماتكون متداخلة. بالنسبة إلى البلدان المانحة، تشمل هذه الأنماط الدعم المباشر، من خلال المساعدات الثنائية أو دعم المنظمات غير الحكومية؛ وآليات التمويل المجمّعة، مثل الصناديق التي تديرها الأمم المتحدة؛ والتمويل الموجّه إلى المنظمات غير الحكومية أو المنظمات غير الحكومية الدولية. ويمكن أن يتم التمويل الخاص أيضاً عبر الاستثمارات وتحويلات العاملين في بلدان المهجر والقروض المصرفية الخاصة والصناديق الائتمانية متعدّدة الأطراف، وفي بعض الحالات، عبر خطط التمويل الصغري. لذلك، فإن عدم وجود الأموال العامة وضعف القدرات الاستخراجية للدولة يجعل اللجوء إلى مصادر التمويل الخاصة أمراً حتمياً. تميل قاعدة إيرادات الدول الخارجة من الصراعات إلى الانخفاض الشديد، وبالتالي لايمكن تنفيذ سياسات إعادة الإعمار من خلال الاعتماد على الإيرادات المحليّة أو الاحتياطيات الموجودة.

يترافق ضعف البنية التحتية العامة وضعف قدرة المؤسّسات العامة على تقديم الخدمات، مع عدم توافر الإيرادات العامة لإعادة الإعمار إلى حدّ كبير. وهذا يعني أن معظم القدرات التوزيعية والاستخراجية للقطاع العام، بحاجة إلى عملية إعادة تأهيل مكثّفة للمساهمة بصورة فعّالة في تحقيق أهداف إعادة الإعمار. هذه الظروف تحتّم دخول المانحين من القطاع الخاص والجهات الفاعلة على خط هذه العملية.

لاتقتصر تحدّيات التمويل على تأمينه من مصادر مختلفة أو ضمان استمرار المانحين في التزامهم على المدى الطويل بدعم تمويل إعادة الإعمار، بل أيضاً في التفاوض بشأن العلاقة بين التمويل وشروط الجهات المانحة. فقد أثّرت ظاهرة الشروط على كثير من حالات إعادة الإعمار، وأفضت إلى سياسات غالباً ماكانت منفصلة عن الحقائق على الأرض وعن متطلّبات إعادة البناء الخاصة بمرحلة مابعد الصراع. وغالباً ماتقوم الشروط على مجموعة من الافتراضات التي تعكس رؤى الجهات المانحة وليس واقع مرحلة مابعد الصراع، بما في ذلك الأفكار حول ماينبغي أن تبدو عليه عملية إعادة الإعمار، ومن يجب أن يتحمّل مسؤولية تنفيذ السياسات.

يوضح مثال العلاقات بين الجهات المانحة وبين المنظمات غير الحكومية هذه النقطة. في حالة البوسنة، كشف برونوين إيفانز كينت ورولان بليكر كيف أن العلاقات بين الجهات المانحة وبين المنظمات غير الحكومية أضرّت في كثير من الأحيان بأنشطة إعادة الإعمار، واتّصفت بمستويات عالية من عدم الثقة والالتباس. وسرعان ماتطورت هذه العلاقات إلى علاقات غير رسمية مخصّصة لغرض ما، وكان يعاد تنظيمها باستمرار وفقاً للتغيّرات في أولويات الجهات المانحة، وتبديل الموظفين في الوكالات المانحة والمنظمات غير الحكومية على حدّ سواء، والتفكير قصير الأجل نسبياً، ومقاربات الدول المانحة التي تركّز على تحقيق النتائج.

ولأن معظم المنظمات غير الحكومية في البوسنة وفي دول أخرى في مراحل مابعد الصراع كانت تعتمد بالكامل تقريباً على الدعم المالي الذي تقدمه الجهات المانحة لمشاريع إعادة الإعمار، فقد تم الضغط عليها لاعتماد لغات وممارسات البلدان المانحة. وكان ينبغي أن تتوافق طلبات التمويل وتقارير النتائج مع توقعات الجهات المانحة حصراً. وكان لممارسات الجهات المانحة قصيرة الأجل، والتي تركّز على تحقيق النتائج، آثار كبيرة على ماكانت مشاريع إعادة الإعمار تصبو إلى تحقيقه. وقد أوضح إيفانز كينت وبليكر هذه النقطة عندما أشارا إلى أنه، "في حين يمكن بناء المدرسة في غضون ثلاثة أشهر، على سبيل المثال، تستغرق عملية وضع مناهج دراسية تُحطِّم الصور النمطية الراسخة بسبب الحرب سنوات عدة. ومن دون وجود رؤية لمثل هذه المشاريع على المدى الطويل، ووجود تمويل يدعمها، من المستبعد أن تكون عملية بناء السلام ناجحة".وبالتالي، لاتتم عملية تمويل إعادة الإعمار من دون مشاكل وأوجه قصور.

تحدّيات التمويل

العلاقة بين التمويل وإعادة الإعمار عملية معقّدة وتطرح العديد من التحدّيات المتعلقة بتخطيط عملية إعادة الإعمار.

يمثّل التمويل قصير الأجل والتمويل طويل الأجل التحدّي الأول لعملية إعادة الإعمار. ذلك أن معظم الدول المانحة ليست لديها رغبة مالية أو سياسية في تحمّل مسؤولية الالتزامات طويلة الأجل تجاه برامج إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع. وحتى في حالة القضايا الأمنية، التي تتصدّر اهتمامات معظم الجهات المانحة الغربية، كان ثمّة تردّد في الالتزام بمشاريع طويلة الأجل ذات تكاليف مرتفعة. وفي حين أن التمويل قد يكون متاحاً في السنوات الأولى من إعادة الإعمار، تشير التجارب السابقة إلى أن ثمّة تراجعاً تدريجياً من جانب الجهات المانحة.

ينطوي التحدّي الثاني على ربط التمويل بالقرارات السياسية. وهذا ينطبق على سياسات الحكومة المانحة والحكومة الوطنية. وتزداد صعوبة إقامة صلات مباشرة بين القرارات السياسية والنتائج بسبب التحدّي الثالث المتمثّل في كيفية توجيه الموارد إلى وكلاء إعادة الإعمار. فهناك مروحة واسعة من وكلاء القطاعَين العام والخاص القادرين على تنفيذ سياسات إعادة الإعمار، تمتدّ من مؤسّسات القطاع العام إلى منظومة المنظمات غير الحكومية. وبالتالي، تمثّل كيفية توجيه الدعم المالي لوكلاء إعادة الإعمار مشكلة بالنسبة إلى أي برنامج لإعادة الإعمار.

ويكمن التحدّي الرابع في ضمان ألا يؤدّي التمويل إلى إدامة الصراعات. في حالة الصومال، يقول كين مينخوس إن الجهات الفاعلة الدولية أسهمت فعلاً في إدامة الصراع في الصومال من خلال انتهاج سياسات تتجاهل الحقائق على الأرض وتعزّز السلطة السياسية للجماعات التي ساهمت في القتال.2 

وأخيراً، هناك التحدي الخامس المتمثّل في فكّ ارتباط التمويل عن توقّعات الجهات المانحة، والعمل، بدلاً من ذلك، على تشجيع توجيه التمويل إلى الوكلاء المحليّين والوطنيين بما يمتلكون من معرفة حول بيئة مابعد الصراع. وهناك أدلّة كثيرة في هذا المجال تشير إلى أن العديد من البلدان المانحة الدولية تسيئ فهم البيئة التي تشجّع فيها سياسات معينة.3

التمويل في لبنان والعراق

في العام 1977، أنشأت الحكومة اللبنانية رسمياً "مجلس الإنماء والإعمار". وقد قُدّر للمجلس أن ينجو من الحرب الأهلية اللبنانية ويلعب دوراً في تنسيق السياسات والممارسات في لبنان في فترة مابعد الحرب. بحلول العام 1991، كان مجلس الإنماء والإعمار يتألّف بشكل كامل تقريباً من أشخاص عيّنهم رفيق الحريري وموالين له بصورة مباشرة.4

في العام 1991 قام "مجلس الإنماء والإعمار" بأول محاولة لدعم إعادة الإعمار عبر إنشاء "برنامج الطوارئ الوطني لإعادة الإعمار"، والذي كان يسعى إلى تأمين الدعم من الجهات المانحة لبرنامج طوارئ مدته ثلاث سنوات. فشل البرنامج في جمع قدر كبير من الدعم المالي أو السياسي من الجهات المانحة. وفي العام 1992، قدّم "مجلس الإنماء والإعمار" خطة جديدة أطلق عليها "أفق 2000"، التي استمرت من العام 1995 حتى العام 2007، ودعت إلى إنفاق أكثر من 14 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية. كان من المقرّر جمع التمويل لإعادة الإعمار من ثلاثة مصادر: فوائض الميزانية المتوقّعة، والاقتراض من الأسواق المحلية والدولية، والمنح المقدمة من الدول العربية والمنظمات الدولية.

من الناحية النظرية، وزّعت الخطة مصادر التمويل بالتساوي، إلا أن الخطة فشلت عند بدايتها تقريباً. بحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان الاقتصاد اللبناني راكداً ولم تكن الفوائض المتوقّعة التي كان مقرّراً استخدامها للتمويل موجودة. أدّى ذلك إلى تحوّل فوري في استراتيجية السلطات للاعتماد على الاقتراض بصورة أكبر. في التسعينيات، طرحت الحكومة أذون خزانة عرضَت تقديم معدّلات فائدة مرتفعة بصورة استثنائية. أدّى ذلك إلى دورة اقتراض لم تفلت منها الحكومة حتى الآن. ظل المصدر الثالث للتمويل قوياً منذ أوائل التسعينيات، وقد شمل مساهمات من الدول والمنظمات الإقليمية (مثل البنك الإسلامي للتنمية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية) والأمم المتحدة. ومع ذلك، كان الاقتراض الوسيلة الرئيسة التي موّلت بها الحكومة اللبنانية عملية إعادة الإعمار.

تراكم الدين العام كان موازياً لظهور جهات فاعلة من القطاع الخاص في إعادة إعمار لبنان. وقد عكست الشركات الخاصة الثلاث الرئيسة التي أنيط بها إنجاز خطط مجلس الإنماء والإعمار التقسيم الطائفي للسلطة في البلاد: كانت شركة سوليدير (Solidere)، التي كان يسيطر عليها الحريري، مسؤولة عن إعادة إعمار منطقة وسط بيروت. وكانت شركة إليسار (Elyssar)، التي يديرها في الأغلب نبيه بري، مسؤولة عن إعادة بناء المناطق الجنوبية من بيروت. أما شركة لينور (Linord)، التي يديرها ميشال المرّ، فقد كانت مسؤولة عن إعادة إعمار المناطق الشمالية من بيروت.5 كانت سوليدير أكبر هذه الشركات الثلاث وأكثر المستفيدين من خطط إعادة الإعمار في لبنان.

في لبنان، تمثّل النموذج السائد في تحمُّل القطاع العام مسؤولية المخاطر المالية لإعادة الإعمار، في حين أوكلت مسؤولية سنّ السياسات لجهات فاعلة معيّنة من القطاع الخاص. شاب هذا النظام العديد من العيوب منذ البداية، لكنه كان محكوماً بالفشل المالي والعملي عندما خرجت عمليات الاقتراض عن نطاق السيطرة، ولم تعد الدولة اللبنانية قادرة على سداد ديونها الهائلة.

نجحت النخب في لبنان في مرحلة مابعد الحرب في وضع يدها على الآليات المالية والمؤسّسية لإعادة الإعمار. مع ذلك، فشلت في المساعدة على القيام بتوزيعٍ أوسع لفوائد إعادة البناء، أو درء الانهيار الاقتصادي للدولة المركزية عبر مراكمة الديون الضخمة.

تتناقض هذه الحالة بشدّة مع حالة العراق، حيث طرحت الولايات المتحدة آليات التخطيط والتنسيق والآليات المالية الخاصة بإعادة الإعمار، وهيمنت عليها كلياً. فحتى قبل الاحتلال الفعلي للبلاد، تم وضع الصيغة المالية لإعادة إعمار العراق في واشنطن. وقد اعتمدت هذه الصيغة على اثنين من مصادر الدخل، هما إيرادات النفط العراقي (الحالية والمستقبلية) وأموال دافعي الضرائب الأميركيين، لتشكيل النواة المالية لإعادة الإعمار.

اتُّخذت القرارات الخاصة بكيفية تخصيص هذه الموارد خارج المؤسّسات السياسية الرسمية العراقية عموماً، لأن "سلطة التحالف المؤقّتة" كانت هي المسؤولة عن نظام المشتريات. وفي الوقت نفسه، أشرفت سلطة التحالف المؤقتة على عملية الإصلاح الجذري للاقتصاد العراقي وإطارها التنظيمي، وأوجدت، من الناحية النظرية على الأقلّ، واحداً من أكثر الاقتصادات تحرّراً في العالم.

وفّر الدور المركزي الذي قامت به سلطة التحالف المؤقتة، إلى جانب الإطار التنظيمي الجديد في العراق، الأساس اللازم لاختراق الاقتصاد العراقي من جانب أصحاب المصالح في القطاع الخاص. وبسبب عدم وجود أي نوع من الحماية تقريباً للمؤسّسات العراقية في الإطار التنظيمي الجديد، لم تكن ثمّة إمكانية لأن تُنافس الشركات المحلية الجهاتِ الفاعلة الخارجية في القطاع الخاص. وكان القطاع النفطي هو المجال الوحيد في الاقتصاد الذي لم يكن مستهدفاً بالتحرير مباشرة.

وكما تشير هاتان الحالتان، فإن تمويل إعادة الإعمار مسألة معقّدة، ويمكن أن تؤدّي إلى مجموعة من النتائج السياسية والاقتصادية التي تعيق بالفعل تحقيق نتائج إيجابية. وبما أن الجهات الفاعلة الدولية غالباً ماتدخل المناطق في مرحلة مابعد الصراع وهي تحمل أجندات اقتصادية وسياسية معيّنة، فإنها تميل إلى اتّباع سياسات تبدو منفصلة أحياناً عن الاحتياجات المباشرة للسكان. واعتماداً على أمثلة من أفغانستان وسيراليون ومناطق الصراع الأخرى، يقول بول جاكسون إن المجتمع الدولي يؤيّد الإصلاحات الأمنية التي تهدف إلى إعادة توصيف الدولة باعتبارها الطرف الذي يحتكر القوة، والتي تتضمن دعماً شاملاً للشرطة والجيش والأذرع الأمنية الأخرى للدولة.6 غالباً مايأتي مثل هذا التركيز على الأمن على حساب الإنفاق على إعادة الإعمار والتنمية، الذي يمكن أن يبدأ بالفعل في إعادة تشكيل الدول في مرحلة مابعد الصراع.

وهكذا، تواجه البلدان الخارجة من الصراع معضلة كبرى: كيف تجذب التمويل لإعادة الإعمار وتتجنّب الوصفات والميول السياسية الخاصة بالجهات المانحة الدولية؟ القاعدة المالية للبلدان في مرحلة مابعد الصراع ضئيلة بطبيعتها، وبالتالي يصبح التمويل الدولي شرّاً لابدّ منه. وكما تبيّن في لبنان، وإلى درجة أقلّ في العراق، وفّرت عملية إعادة الإعمار في الواقع الأساس المادي اللازم لتثقيف وتوحيد نخبة مرحلة مابعد الحرب، التي كانت سلطتها مرتبطة مباشرة، اقتصادياً وسياسياً، ببرنامج إعادة الإعمار الذي وضعه وقاده الحريري. وبالتالي، رسم هذا النوع من اتفاق النخبة إلى حدّ كبير حدود مرحلة مابعد العام 1991، خصوصاً حتى العام 2005، عندما انسحبت القوات السورية من لبنان.

النتيجة الثانية للمعضلة المالية هي الإشراك الضروري لأصحاب المصالح التجارية الخاصة في برنامج إعادة الإعمار. وهذه ليست عملية سلبية بطبيعتها، لكن، كما تبيّن في العراق، فإن هوس مشاركة القطاع الخاص في إعادة الإعمار جاء على حساب مشاركة القطاع العام. وفي سياق تعاطيهم مع مسألة الموازنة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها قضية لاغالب فيها ولامغلوب، حاول مخطّطو سلطة التحالف المؤقّتة منح دور ضئيل للقطاع العام في إعادة إعمار العراق، أو عدم منحه أي دور. كان يمكن لإشراك القطاع العام في إعادة الإعمار أن يؤدي إلى معالجة الاحتياجات الاجتماعية المباشرة في العراق، وتنسيق السياسات، والحدّ من التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وتوفير قاعدة عريضة من فرص العمل للعراقيين. بدلاً من ذلك، كان منح الامتيازات للقطاع الخاص يعني أن المحنة العراقية زادت في مرحلة مابعد العام 2003، وظل معظم العراقيين بعيدين عن الثروة والمكاسب الاقتصادية التوزيعية الناتجة عن مرحلة إعادة الإعمار.

الدروس المستفادة

تلخّص القائمة التالية بعض أهم الدروس المستفادة بشأن التحدّيات التي تواجهها عملية التمويل وإعادة الإعمار:

  •  للتمويل تأثير كبير على ماهية السياسات التي تتم ممارستها. إذ تميل الجهات المانحة الدولية إلى تفضيل البرامج قصيرة الأجل. من الناحية الموضوعية، تفضّل هذه الجهات المانحة بقوة إصلاحات قطاع الأمن والبرامج الفنية والمؤسّسية لإعادة التأهيل.

  • ليس التمويل المحلي خياراً واقعياً لتمويل سياسات إعادة الإعمار عندما تكون القدرات الاستخراجية للدولة ضعيفة.

  •  يمكن للاقتراض والديون أن يعوّقا عملية إعادة الإعمار بقدر مايمكن أن يدعماها.

  •  يمكن للأموال الدولية أن تؤسّس اقتصادات كاذبة أو موازية، لاتخدم احتياجات إعادة الإعمار بصورة مباشرة.

  • غالباً ماتعني مطالب التمويل أن الجهات الفاعلة في القطاع الخاص تأخذ على عاتقها دوراً هاماً في إعادة الإعمار.

  •  ثمّة احتمال كبير لأن تضع النخبة يدها على فرص إعادة الإعمار.

الجهات الفاعلة الداخلية

في كل حالات مابعد الصراع تقريباً، أثّرت الديناميكيات الداخلية والخارجية على كيفية ظهور عملية إعادة الإعمار للعيان. وتشمل الجهات الفاعلة الخارجية المؤسّسات المالية الدولية، والدول التي تقدم الدعم الثنائي، والمنظمات غير الحكومية الدولية، ومجتمعات الشتات، والمصالح الرأسمالية الإقليمية والدولية، والمؤسّسات الإقليمية والمتعدّدة الأطراف. أما الجهات الفاعلة الداخلية، فتشمل السلطات الحكومية، والمنظمات غير الحكومية المحلية، والشبكات الاجتماعية والاقتصادية، والشبكات السرية والشبكات غير الرسمية الأخرى، والمنظمات الشعبية والإقليمية الأخرى. وتعدّ كل هذه الجهات الفاعلة جزءاً لايتجزأ من عملية إعادة الإعمار بطرق مختلفة. وبسبب المطالب المالية والفنية والمؤسّسية لإعادة الإعمار، تميل الصلات بين الجهات الفاعلة المختلفة إلى أن تكون عمودية (داخلية-خارجية) وأفقية (داخلية-داخلية أو خارجية-خارجية) على حدٍّ سواء. إذن، يصبح السؤال المركزي كيف يمكن للشراكات بين الجهات الفاعلة الداخلية-الخارجية أن تدعم إعادة الإعمار.

ثمّة مفارقة دائمة حاضرة في هذه الشراكات بين الجهات الفاعلة الداخلية والخارجية. فغالباً ماتكون الدول المشاركة في إعادة الإعمار سريعة التأثّر بالمساهمات المالية والأجندات السياسية للمانحين. على سبيل المثال، تركّز معظم الدول الغربية على الإصلاح الأمني باعتباره حجر الزاوية في دعمها إعادة الإعمار. ويميل منح الامتيازات إلى المصالح الخارجية إلى تهميش الأصوات المحلية وخيارات السياسة العامة، وخاصة عندما يأتي التمويل بالكامل تقريباً من هذه الجهات الفاعلة الخارجية. بالإضافة إلى التمويل، تأتي الأفكار والافتراضات حول كيف ينبغي تنفيذ إعادة الإعمار. وغالباً ماتتعارض هذه الافتراضات مع احتياجات ومصالح الجماعات الداخلية التي تواجه معوّقات بسبب رغبتها في تشجيع حصول تغيير إيجابي في إعادة الإعمار، في الوقت الذي تحاول فيه تجنّب الاعتماد على الأفكار والأموال الخارجية.

بطبيعة الحال، ثمّة احتمالات لإقامة شراكات إيجابية بين الجهات الفاعلة الداخلية والخارجية، بيد أن التبعيات المالية المساومة التي تعزّز الشروط، ونشر الأفكار والممارسات الغربية خلال عمليات إعادة الإعمار تعقّد تلك الاحتمالات. ومن ثم، هناك تدخّلات مادّية ومعرفية من جانب الجهات المانحة الدولية لها تأثير عميق على إعادة الإعمار.

الجهات الفاعلة الخارجية

لعب المجتمع الدولي دوراً كبيراً في الجهود المبذولة من جانب المجتمعات في مرحلة مابعد الصراع، للانخراط في إعادة الإعمار. ويتراوح عمق المشاركة الدولية بين أشكال أكثر تطفّلاً من التدخّل، مثل السيطرة على الإدارات الانتقالية والوصايات الجديدة (كما في العراق)، وبين حالات لم يحدث فيها أي نوع من التدخّل (مثل أرض الصومال). ومع ذلك، فالقاعدة هي المشاركة الدولية الواسعة. وهذا عموماً نتيجةً لعاملين رئيسَيْن: أولاً، مطالب تمويل سياسات إعادة الإعمار التي لايمكن تلبيتها من جانب السلطات السياسية المحلية التي تفتقر عادة إلى وجود قاعدة إيرادات لدعم الإنفاق على إعادة الإعمار؛ وثانياً، الاستثمارات السياسية التي تقوم بها الجهات الفاعلة الدولية التي تراهن على وقف الصراع.

تختلف محدّدات المشاركة الدولية إلى حدّ بعيد. إذ تشير وجهة النظر الليبرالية إلى أن الجهود الدولية لتعزيز وتوطيد الدول في مرحلة مابعد الصراع هي في مصلحة الحفاظ على السلام العالمي. في الواقع، يبدو أن هذا هو الدافع المهيمن وراء جهود إعادة الإعمار التي يقوم بها المجتمع الدولي. وهناك أدلة كثيرة تشير إلى أن جزءاً كبيراً من المجتمع الدولي ركّز جهوده على مجالات رئيسة في إصلاح القطاع الأمني. وتنبع مركزية الإصلاح في عملية إعادة الإعمار إلى حدٍّ كبير من اهتمام المجتمع الدولي ببناء الدولة، والعلاقة المتصوَّرة بين تكريس احتكار الدولة للعنف وبناء الدولة. وهكذا، ينبغي أن يكون الهدف الرئيس لإعادة الإعمار، بالنسبة إلى العديد من الدول المانحة، تعزيز قدرات الدولة، وخصوصاً أجهزتها التي تمتلك حق ممارسة العنف، والتي يمكنها الحفاظ على النظام ومنع العودة إلى الصراع. وقد أدّت مركزية الأمن في إعادة الإعمار إلى جعل العلاقة بين الأمن والتنمية مرجعية في كيفية تشجيع الدول المانحة على التنمية من خلال الأمن، أو بعبارة أخرى، كيف تنظر إلى التنمية والأمن بوصفهما قضيتين متداخلتين.

تشمل أنواع الإصلاحات الأمنية دعماً ثنائياً ومتعدّد الأطراف. إذ تشير كل الأدّلة المستخلصة من توجيه المساعدات الخارجية من الدول الغربية إلى المناطق المختلفة في مرحلة مابعد الصراع، إلى أن قضايا الأمن تحظى بأهمية قصوى في عملية صنع القرار، ويمكن أن تشمل كل شيء، بدءاً من تعزيز الرقابة على الحدود وانتهاءً بعسكرة قوات الشرطة. في أستراليا، على سبيل المثال، يشكّل بناء قدرات الشرطة أحد الأركان الأساسية لمساهمات ذلك البلد في مرحلة مابعد الصراع.7 وبالمثل، وجّهت الحكومة الكندية غالبية مواردها إلى مرحلة مابعد الصراع في هايتي لدعم إعادة تنظيم قوة الشرطة الهايتية.8 وفي كلتا الحالتين، أدّت هذه الجهود إلى تعزيز الأجهزة القسرية للدولة، وإلى زيادات كبيرة في الاعتقالات التعسّفية ووحشية الشرطة في حالة هايتي. ليست هذه سوى أمثلة قليلة عن كيفية تبلور العلاقة بين الأمن والتنمية في أماكن مابعد الصراع. في الجيل الأخير من التخطيط لمرحلة مابعد الصراع، برزت هذه السلسلة المترابطة من المحدّدات الهامة للسياسات الدولية تجاه الأماكن التي انتهى فيها الصراع.

وعلى الرغم من الضغط على القضايا الأمنية في أماكن مابعد الصراع، انتهجت الجهات الفاعلة الدولية الأخرى سياسات تتصل مباشرة بقضايا إعادة الإعمار. على سبيل المثال، ميّزت كريستين هاميه وروجر ماك جنتي بين الدعم الغربي والدعم الخليجي في لبنان.9 فقد مالت الدول الغربية إلى اقتراح تقديم مايسميه الكتاب قضايا البرمجيات، بما في ذلك بناء المؤسّسات والقدرة على الحوكمة. وفضّلت دول الخليج، من ناحية أخرى، مشاريع إعادة الإعمار المادية، والتي أطلقوا عليها الأجهزة. كانت لهاتين المقاربتين - البرمجيات والأجهزة - نتائج مختلفة في لبنان، لكن كما يقول المؤلفان، كان لمقاربة الأجهزة تأثير أكثر إيجابية في لبنان في مرحلة مابعد الصراع. كانت أسباب ذلك بسيطة جداً، حيث لم يَرَ معظم اللبنانيين فائدة من التدّخلات في قضايا الحوكمة عندما كان جزء كبير من البلاد في حاجة إلى إعادة إعمار مادي. في نهاية المطاف، تتشكّل استجابات الجهات المانحة المختلفة من خلال مواقفها تجاه إعادة الإعمار.

الجهات الفاعلة الداخلية

في الكثير من الدراسات الأكاديمية حول إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع، يشار إلى الجهات الفاعلة المحلية عموماً على أنها أصحاب المصلحة. وتُصوَّر هذه المجموعات إما على أنها تستند إلى المشهد الاجتماعي للبلدان في مرحلة ماقبل الصراع (مثل الأحزاب السياسية وجمعيات رجال الأعمال) أو باعتبارها عناصر في مرحلة الصراع (مثل الميليشيات والشبكات الإجرامية). ويلعب أصحاب المصلحة العديد من الأدوار المتعلّقة بإعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع، إما كعوامل مساعدة أو معرقلة للسياسة العامة. وهناك أيضاً قضايا حقيقية حول كيفية إساءة صنّاع القرار تفسيرَ دور أصحاب المصلحة، والفشل في دمجهم في التخطيط لإعادة الإعمار، أو في بعض الحالات استبعادهم منها، الأمر الذي يسمح ببقاء ثغرات كبيرة بين وجود السلطة السياسية والاقتصادية على أرض الواقع وبين السياسات التي يتم اتّباعها لإنجاز إعادة الإعمار. وتميل هذه الثغرات إلى إبراز أنماط مرحلة الصراع والمساهمة في إطالة عمرها، خاصة تلك المرتبطة بالإجرام والطابع غير النظامي والعنف. إذن، لايكمن التحدّي في مجرّد تحديد الأطراف المؤثرة في الحالة السورية، بل في استقصاء الدور المحتمل الذي يمكن أن تؤدّيه في إعادة الإعمار، وما إذا وكيف يمكن أن تبرز باعتبارها عوامل رئيسة في إنجازها.

إحدى الوسائل المفيدة للتفكير في هذا السؤال هي تحرّي السياقات الاجتماعية للأطراف المؤثّرة. السياق الاجتماعي مهم للغاية في فهم الشرعية في المجتمع، ومصالح الأطراف المؤثّرة، والقدرة على المشاركة في إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع. ففي سورية، يتغيّر السياق الاجتماعي للعوامل المؤثّرة في الصراع بسرعة. ومن بين العديد من التحوّلات الجارية في سورية، نذكر تلك الناجمة عن تقلّص سلطة النظام في جميع أنحاء البلاد والتمزّق البطيء للنسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع السوري. وقد أوجدت كلتا العمليتين احتمالات لظهور هياكل سلطة جديدة في سورية وانتشار مجموعات جديدة من الأطراف الفاعلة التي يجري حالياً تحديد استقلاليتها وتموضعها في المجتمع، من خلال أدوارها تجاه الصراع. وتبدو هياكل السلطة الناشئة هذه مختلفة في جميع أنحاء البلاد، وهي تستند إلى حقائق مختلفة. الهياكل الإجرامية، على سبيل المثال، عدوانية، وقد برزت لجني الفوائد والفرص الاقتصادية التي أتاحها الصراع. وفي الوقت نفسه، ظهرت هياكل الإدارة المحلية داخل الهياكل الاجتماعية المحلية في الأحياء والمدن، ودمجت التوقعات الشعبية في أنشطتها. وبالتالي، فإن سلسلة هياكل السلطة الجديدة واسعة، ويمكن أن تتراوح بين الهياكل العدوانية والشعبية.

الشبكات العدوانية هي تلك التي لها مصلحة في استمرار الصراع، والمستفيد المباشر منه. وهي تتناقض مع الشبكات الشعبية التي لديها قواعد اجتماعية أكثر رسوخاً، وتمتلك الاستقلالية والقدرة على المشاركة في إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع. تأخذ هذه المشاركة أشكالاً متعدّدة، ويمكن أن تشمل الاستبدال الفعلي لمؤسّسات الدولة المنهارة، أو السيطرة على العنف في مناطق محدّدة. وعلى هذا النحو، تصبح هذه الشبكات الشعبية سياسية بطبيعتها، وتحصل على الاستقلالية السياسية والشرعية المستمدّة من أنشطتها في مرحلة الصراع. وهذا يطرح معضلة خطيرة بشأن كيفية دمج الشبكات الشعبية: "تجاهلها أو استبعادها (من إعادة البناء في مرحلة مابعد الصراع) يمكن أن يهدّد الاستقرار السياسي"، في حين أن "دمجها يقوّض خطط الإصلاح".10 يعتمد موقف هذه الجهات الفاعلة الشعبية في أماكن مابعد الصراع على عدد من العوامل، بما في ذلك درجة رغبة مؤيديها في المشاركة في أماكن مابعد الصراع، ومستوى الدمج الرسمي وغير الرسمي في الدولة الجديدة، وما إذا كانت لديها روابط عمودية قوية مع شبكات السلطة الأخرى، تكفي للتأثير على أجندات إعادة الإعمار. أما بالنسبة إلى المخططين لمرحلة مابعد الصراع، فيتمثّل التحدّي في كيفية دمج هذه الشبكات في مؤسّسات الحكم عبر وسائل تساهم في إعادة الإعمار بصورة إيجابية.

ديناميكيات الجهات الفاعلة الداخلية والخارجية في العراق ولبنان

شهد العراق ولبنان أحداثاً درامية ومستدامة طويلة الأجل، ساهمت في تدمير الحياة السياسية والاقتصادية في البلدَين. ففي العراق، ساهمت الحرب مع إيران، وغزو الكويت والحرب اللاحقة متعدّدة الأطراف ضد العراق، ونظام العقوبات الذي تلاها، وأخيراً غزو البلاد واحتلالها في العام 2003 بقوات تقودها الولايات المتحدة، ساهمت جميعها في تحطيم القدرات الاقتصادية للبلاد. وتحمل تجارب لبنان في الآونة الأخيرة أوجه تشابه مع ماحصل في العراق: حرب أهلية طويلة ومتداخلة مقابل استمرار الاحتلال الإسرائيلي، ونظام يتمحور حول "السلام السوري" في مرحلة مابعد الحرب، وهجمات إسرائيلية وحشية في العام 1996 والعام 2006 دمّرت جزءاً كبيراً من البنية التحتية للبلاد. يبقى أن نرى ما الذي يخبّئه المستقبل لسورية في هذا الصدد، وما إذا كان الصراع الحالي سينحسر أو يتحوّل إلى أشكال جديدة من الصراع على المدى الطويل.

في العراق، كان دور المجتمع الدولي بالغ الأهمية في عملية إعادة الإعمار. فقد أدّت الجهود التي قادتها الولايات المتحدة، والرامية إلى إقامة نظام سياسي واقتصادي وفق رؤيتها المحددة، إلى ابتكار برنامج لإعادة الإعمار الاقتصادي منفصل تماماً عن الواقع العراقي. وأدّى الفشل في النظر إلى الاقتصاد العراقي كما هو، وليس كما أراد له المخططون أن يكون، إلى إقصاء هائل للقوى الاجتماعية العراقية من إعادة الإعمار. حدث ذلك بسبب غياب القوى السياسية العراقية ومنظمات المجتمع المدني، أو الشركات الخاصة المستقلة، عن المناقشات الخاصة بإعادة الإعمار. وقد بُني التخطيط الأولي في العراق بشكل كامل تقريباً على أساس تفعيل المصالح الرأسمالية الإقليمية والدولية، التي تم تحفيزها لدخول السوق العراقية من خلال نظام المشتريات الذي وضعته سلطة التحالف المؤقتة في السنة الأولى من الاحتلال. توازى نظام المشتريات هذا مع إضعاف مذهل للقدرات العامة والخاصة العراقية للمشاركة في إعادة الإعمار. وقد حدث ذلك بوسائل مختلفة، وكان مدفوعاً بالتزامات إيديولوجية سياسية واقتصادية. من الناحية السياسية، تم اعتبار الجهات الفاعلة في الدولة ومؤسّساتها نظيرة للإيديولوجيا "البعثية"، وجرى استهدافها بقصد إضعافها. أما من الناحية الاقتصادية، فقد اعتمد المخططون استراتيجيةً لإعادة الإعمار سَعَت إلى فتح المجال أمام دخول رأس المال الخاص في الاقتصاد. جاء ذلك على حساب إعادة تأهيل القطاع الخاص العراقي، الذي ظل على هامش إعادة الإعمار.

تُمثِّل الحالة العراقية بعد العام 2003 شكلاً أكثر راديكالية من أشكال التدخّل الدولي، حيث لعبت الجهات الفاعلة الدولية دوراً محورياً في توجيه عملية إعادة الإعمار. العلاقات بين الأطراف الفاعلة الداخلية والخارجية في لبنان لم تتّجه بشدّة نحو نموذج الوصاية الجديدة في العراق وسلطة التحالف المؤقتة، ومع ذلك بقيت الضغوط الخارجية قوية. فمن ناحية، أوجد ظهور "السلام السوري" قيوداً سياسية واقتصادية على التخطيط لإعادة إعمار لبنان. ومن ناحية أخرى، جعل إفلاس الدولة إشراك مروحة مختلفة من الجهات الفاعلة الدولية أمراً حتمياً. وشهد لبنان الكثير من تغلغل الأطراف الخارجية في نظامه السياسي ومشاركتها في إعادة الإعمار. يتّخذ هذا التغلغل أشكالاً متعدّدة، وهو يشمل تقديم الدعم المالي والمساعدة من دول الخليج، والدعم الفني والمؤسّسي من المنظمات متعدّدة الأطراف والمنظمات الإقليمية، فضلاً عن الشراكات بين المنظمات غير الحكومية الدولية واللبنانية.

تم تحرير السياسات الاقتصادية في لبنان في مرحلة مابعد الصراع بصورة متعمّدة. وعلى عكس العراق الذي فُرِض عليه التحرير الاقتصادي الشامل من الخارج، اتفقت النخبة اللبنانية نوعاً ما في مرحلة مابعد الصراع على جدوى الاقتصاد الليبرالي في جذب الموارد والتمويل لدعم أهداف إعادة الإعمار. واكتسبت القوة الدافعة نحو إشراك القطاع الخاص في عملية إعادة الإعمار، زخماً إضافياً لأن لبنان أصبح أكثر اعتماداً على دعم المانحين الدوليين لسياسات إعادة الإعمار. 

يبدو الوضع في سورية أكثر تعقيداً إلى حدّ كبير، إذ يبدو من المستبعد أن توجّه الوصاية والإشراف الدولي عملية إعادة الإعمار. في الوقت نفسه، أدّى الصراع في سورية إلى ظهور مروحة من القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة التي يُحتمَل أن تطالب بإشراكها في عملية التخطيط، حتى لو وجّهت النخبة إلى حدّ كبير عملية إعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع، كما كانت الحال في لبنان. على عكس العراق، تملك سورية مجتمع رجال أعمال شارك بصورة كبيرة في اقتصاد البلاد، ومن المرجّح أن يشارك في إعادة الإعمار، بغضّ النظر عن النتيجة السياسية للصراع.

في كلٍّ من لبنان والعراق، يتّجه انخراط المجتمع الدولي نحو تحقيق نتائج معينة: الديون الدولية، وإشراك أصحاب المصالح الاقتصادية الخارجية بدلاً من أصحاب المصالح المحلية، وأهداف إعادة الإعمار التي تقودها النخبة، وإقصاء القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية. وقد تكرّر مثل هذا السيناريو تقريباً في العديد من الأماكن الأخرى في مرحلة مابعد الصراع حيث تولّت قوى خارجية زمام المبادرة في إعادة الإعمار على حساب المشاركة المحلية.

هذا الاتجاه مثير للقلق خاصة في العراق ولبنان، لأنه يمكن أن يعمل على تعزيز تهميش القوى السياسية التي قد تكون بالفعل بعيدة عن السياسة في مرحلة مابعد الصراع. وفي ظل غياب الجهود التي تضمّ القوى الاجتماعية الفاعلة التي تبرز خلال الصراع، بدلاً من إبقائها على الهامش، تخاطر برامج إعادة الإعمار بإدامة الكثير من التظلمات نفسها التي حرّكت الصراع في المقام الأول.

الدروس المستفادة

في كل حالات مابعد الصراع تقريباً، ثمّة دور بالغ الأهمية يلعبه المجتمع الدولي. في حالتَي العراق ولبنان، كان هذا الدور قوياً جداً، وكان له تأثير كبير على كيفية إنجاز إعادة الإعمار، وغالباً على حساب الأهداف الاستراتيجية، بما في ذلك الأمن. في نهاية المطاف، وفي الحالة السورية، سيتم تحديد مستوى التدخّل الدولي وفقاً لطبيعة السلطة السياسية التي ستظهر بعد انتهاء الصراع، ومدى قدرة تلك السلطة على إبراز سلطتها في كل أنحاء سورية.

تُلخِّص القائمة التالية بعض الدروس الرئيسة المستفادة حول التحدّيات التي تواجهها ديناميكيات الأطراف الداخلية والخارجية الفاعلة:

  •  تميل الأطراف الخارجية إلى تنظيم عملية إعادة الإعمار بوسائل تُخالِف الحقائق على الأرض.

  •  من المرجّح أن تمارس الجهات الفاعلة في الداخل النفوذ والاستقلالية في فترة مابعد الصراع، إن هي عملت على دمج التطلّعات الشعبية، وكانت تملك جذوراً اجتماعية قوية.

  •  تحتاج الاستقلالية السياسية للجماعات الداخلية إلى إيجاد التعبير المؤسّسي في فترة مابعد الصراع.

  •  التنسيق المركزي لعملية إعادة الإعمار يكاد يكون مستحيلاً. وبالتالي يجب توقّع وجود عدد كبير من الجماعات الداخلية والخارجية الفاعلة التي تعالج قضايا إعادة الإعمار.

  • يؤدّي تأثير الأطراف الخارجية على عملية إعادة الإعمار، إلى حدوث تشوّهات وتبعيات (مثل الديون) يصعب التغلّب عليها.

مطالب السياسة الاجتماعية

تعتمد طريقة صياغة سياسات إعادة الإعمار على كيفية تشخيص المشاكل. وتُمثِّل مسألة كيفية فهم اقتصاد الحرب تحدّياً رئيساً في عملية إعادة الإعمار. وثمة مسألة جديرة بالاستكشاف تتمثّل بالغياب النسبي للسياسة الاجتماعية من برامج إعادة الإعمار، التي تميل إلى التركيز على النتائج المادية وغير المادية. وتشمل النتائج المادية إعادة بناء البنية التحتية والبيئة المُعاشة. أما النتائج غير المادية فتشمل ترسيخ الحقوق السياسية والاجتماعية في ترتيبات مرحلة مابعد الصراع، بما في ذلك الدساتير والقوانين الجديدة. لكن، في معظم الحالات، أُهمِلَت الحقوق الاجتماعية على حساب النتائج الأخرى، وتبدو هامشية إزاء سياسات إعادة الإعمار الشاملة.

إن غياب سياسات اجتماعية قوية أمر لافت نظراً إلى العلاقة بين السياسة الاجتماعية والاستقرار الاجتماعي. إذ غالباً مايتساوى تحقيق الاستقرار الاجتماعي مع إضفاء الطابع المؤسّسي على بعض الحقوق السياسية والمدنية. في كوسوفو، على سبيل المثال، تم إضفاء الطابع المؤسّسي على الحقوق السياسية من خلال المؤسّسات الإقليمية القوية، بما فيها مجلس المقاطعة. وتم ضمان الحقوق المدنية عبر إجراء إصلاحات قضائية وإنشاء مؤسّسات قانونية جديدة. لكن غابت تماماً المؤسّسات الجديدة التي ترمي إلى حماية الحقوق الاجتماعية. وعليه لابدّ أن تكون أهمية السياسات الاجتماعية القوية خلال فترات إعادة الإعمار واضحة. فهي يمكن أن تساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية في الوقت الذي تُعزِّز الأهداف الاقتصادية لتوزيع الثروة، والتوظيف وتحسين الظروف الاجتماعية. كما تنطوي السياسة الاجتماعية على إمكانية "إعادة حياكة النسيج الاجتماعي المحلي" في المجتمعات التي مزّقتها الحرب. وبالتالي، هي تحمل مفتاح إصلاح العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها، بينما تضع الأساس لإعادة الإعمار في مرحلة مابعد الصراع.11

يُميِّز كوكوزيللي بين المشاريع الاجتماعية والسياسة الاجتماعية.12 بالنسبة إليه، تُهيمِن المشاريع الاجتماعية على تخطيط إعادة الإعمار، وتشمل مشاريع محلية صغيرة مُصمَّمة لتلبية احتياجات الرعاية الاجتماعية العاجلة للسكان المُستهدَفين، مثل القرى أو الأحياء. كما أن الاعتماد على السياسات الاجتماعية القائمة على المشاريع، يعفي المخطّطين والوكلاء من مسؤولية بناء نظم رعاية اجتماعية قوية. ويكمن التحدّي الذي تواجهه السياسة الاجتماعية خلال عملية إعادة الإعمار في تسوية التوتّر القائم بين الحلول المستندة إلى المشاريع أو إلى الأنظمة.

السياسة الاجتماعية في العراق ولبنان

واجه العراق ولبنان تحدّيات اجتماعية متشابهة إلى حدّ ما في أعقاب الحرب والصراع. شملت هذه التحدّيات إعادة اللاجئين، وتعزيز السلم الاجتماعي، والمصالحة، وتعزيز الفرص الاقتصادية للمواطنين. وقد ظهرت في كلا البلدين مؤسّسات جديدة لمعالجة بعض هذه القضايا، غير أن السياسة الاجتماعية كانت فكرة متأخّرة، في الغالب، في الكثير من عمليات التخطيط لإعادة الإعمار.

في لبنان، على سبيل المثال، أُنشِئَت وزارة المهجَّرين للمساعدة في دعم وتمويل مشاريع العودة. وكان يُفترَض أن يترافق ذلك مع عملية إعادة إعمار تستهدف مناطق اللاجئين العائدين. وللأسف، لم تتحقق خطط العودة الشاملة أبداً لأن مزيجاً من الفساد، والتناحر السياسي، واختلاس الأموال، وسوء الإدارة، أدّى إلى طريق مسدود.13 وقد تكرّرت مثل هذه الأمثلة في  العراق، حيث يؤدّي إضفاء الطابع السياسي على الأداء البيروقراطي للوزارات إلى عرقلته. إضافة إلى ذلك، ثمّة مشاكل حقيقية جداً على مستوى التخطيط والتنسيق في مراحل مابعد الصراع، كثيراً ماحالت دون التفكير في السياسة الاجتماعية على نحو يتجاوز السياسات القائمة على المشاريع.

الدروس المستفادة

تُلخِّص القائمة التالية بعض أهم الدروس المستفادة بشأن التحدّيات التي تواجهها السياسة الاجتماعية:

  •  ثمّة حاجة إلى حلول منهجية قوية، بدلاً من تلك القائمة على المشاريع، لمعالجة المشاكل الاجتماعية في مرحلة إعادة الإعمار.

  •  ثمّة حاجة إلى إضفاء الطابع المؤسّسي على الحقوق الاجتماعية خلال مرحلة إعادة الإعمار جنباً إلى جنب مع الحقوق السياسية والمدنية.

  •  يجب توجيه السياسة الاجتماعية نحو إعادة تأهيل وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على المدى الطويل، ولاسيّما بين المواطنين والدولة.

  •  يشكّل نظام الرعاية الاجتماعية القوي أساس إعادة الإعمار، وينبغي ألا يُنظَر إليه على أنه نتيجة بل شرط مسبق لإعادة الإعمار.

ينبغي أن يكون تحقيق الأهداف الاجتماعية أحد الركائز والأهداف المعيارية لإعادة الإعمار.

خاتمة

سوف تكون احتياجات إعادة الإعمار في سورية في مرحلة مابعد الصراع خاصة بهذا البلد. لكن تجربتَي لبنان والعراق توفّران حيّزاً من المعرفة حول ماقد يبدو عليه الوضع السوري مستقبلاً، وماهي السياسات التي قد تدعم أو لاتدعم جهود إعادة الإعمار والمصالحة. ويُظهِر هذا البحث المقارن بعض التحدّيات والمعضلات الكبيرة التي تواجه سورية، والتي تتمحور حول التمويل والتوازن بين القطاعَين العام والخاص، والسياسة الاجتماعية، ودور المجتمع الدولي في إعادة الإعمار. ولن يكون حلّ أي من هذه المعضلات سهلاً، غير أنه ستكون لطريقة التصدّي لها آثار خطيرة على البلاد على المدى الطويل، وعلى نجاح برنامج إعادة الإعمار أو فشله.

يجب أن تأخذ احتياجات إعادة الإعمار في سورية مستقبلاً في عين الاعتبار، وبصورة مباشرة، التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن الأزمة. لن يتطلّب ذلك إجراءَ تحليلٍ مقارَنٍ لما نجح وما لم ينجح في بلدان أخرى وحسب، بل فهمَ طبيعة ومسار التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية التي جرت في السنوات الأربع الماضية ومابعدها. وعلى منوال ماحدث في لبنان والعراق، سيخاطر برنامج إعادة الإعمار في سورية بالانحراف عن الأهداف التوزيعية لإعادة الإعمار، إن لم تستند السياسات المُتّبَعة إلى تقييم متين للاحتياجات والقدرات اللازمة لتحقيق تلك الأهداف.

في الوقت نفسه، لن تؤدّي مساواة إعادة الإعمار مع إعادة التأهيل المادي للبلاد أو مع المؤشّرات المختلفة للنمو الاقتصادي، إلى معالجة الصدمات الجماعية والاجتماعية العميقة التي عانت منها خلال الأزمة. وهنا أيضاً يمكن أن تلعب سياسة إعادة الإعمار دوراً رئيساً. وإذا ماكانت حالتا لبنان والعراق تدلّان على شيء، فهو أن تجاهل الآثار الاجتماعية للصراع وعدم دمجها في خطة إعادة الإعمار، لن يؤدّيا سوى إلى إطالة أمد الصراع في الأجيال المقبلة.

هوامش

Bronwyn Evans-Kent and Roland Bleiker, “Peace Beyond the State? NGOs in Bosnia and Herzegovina,” International Peacekeeping 10, no. 1 (2003),http://www.academia.edu/964860/Peace_Beyond_the_State_NGOs_In_Bosnia_and_Herzegovina

Ken Menkhaus, “Somalia: ‘They Created a Desert and Called it Peace (building),’” Review of African Political Economy 36, no. 120 (2009).

3 للاطلاع على مزيدٍ من المعلومات حول الشرطة الأسترالية وبناء القدرات، أنظر على سبيل المثال:
Vandra Harris and Andrew Goldsmith, “Police in the development space: Australia’s international police capacity builders,” Third World Quarterly 33, no. 6 (2012): 1019–1036;

وحول سوء فهم الولايات المتحدة للاقتصاد العراقي، أنظر:
Samer Abboud, “Failures (and successes?) of neo-liberal economic policy in Iraq,” International Journal of Contemporary Iraqi Studies 2, no. 3 (2008): 425–442;

وحول الفهم الخاطئ للإجرام، أنظر:
William Reno, “Understanding Criminality in West African Conflicts,” International Peacekeeping 16, no. 1 (Feb 2009): 47–61; on security sector reform failures see Paul Jackson, “Security Sector Reform and State Building,” Third World Quarterly 32, no. 10 (2011): 1803–1822.

Rola el-Husseini, Pax Syriana: Elite Politics in Postwar Lebanon, (Syracuse, N.Y.: Syracuse University Press, 2012).

المصدر السابق.

Paul Jackson, “Security Sector Reform and State Building.”

Vandra Harris and Andrew Goldsmith, “Police in the development space: Australia’s international police capacity builders.”

Kevin Walby and Jeffrey Monaghan, “‘Haitian Paradox’ or Dark Side of the Security-Development Nexus? Canada’s Role in the Securitization of Haiti, 2004–2009,” Alternatives: Global, Local, Political 36, no. 4 (November 2011): 273–287.

Christine Sylva Hamieh and Roger Mac Ginty, “A very political reconstruction: governance and reconstruction in Lebanon after the 2006 war,” Disasters 34, issue supplement s1 (January 2010): S103–S123.

10 William Reno, “Understanding Criminality in West African Conflicts.”

11 Fred Pompeo Cocozzelli, War and Social Welfare: Reconstruction After Conflict (New York: Palgrave Macmillan, 2009).

12 المصدر السابق.

13 Georges Assaf and Rana El-Fil, “Resolving the issue of war displacement in Lebanon,” Forced Migration Review 7 (April 2000): 31–33.

يمكن قراءة المزيد على الرابط التالي:
http://carnegie-mec.org/2014/12/30/comparative-perspectives-on-challenges-of-syrian-reconstruction