مع دخولنا العام الجديد، لا تزال الحملة الجوية الدولية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" مستمرة منذ أربعة أشهر. غير أن التنظيم سيبقى لاعباً رئيساً في الصراع السوري في عام 2015 وما بعده. وبالتالي، ما سيتغيّر على الأرجح هو أسلوب عمل تنظيم "الدولة الإسلامية" وليس وجوده.

ثمّة عناصر عدّة اعتُبِرَت عوامل تغيير محتملة في اللعبة بالنسبة إلى التنظيم، بدءاً من مستقبل زعيمه أبو بكر البغدادي، مروراً بانخفاض أسعار النفط وانتهاءً بانبعاث "جبهة النصرة" مؤخراً، إلى جانب تحدّيات الحكم التي يواجهها تنظيم "الدولة الإسلامية". بيد أن أياً من هذه العوامل لن يؤثّر كثيراً على وجود التنظيم هذا العام.

مع أنه غالباً ما يُنظَر إلى أبو بكر البغدادي على أنه العقل المدبّر وراء قيام "الدولة الإسلامية"، إلا أن التنظيم يعتمد في استراتيجياته السياسية والعسكرية على فريق من القادة من ذوي الخلفيات "القاعدية" (من تنظيم "القاعدة") والبعثية. فحتى أبو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم، لا يُعِدّ خطاباته بنفسه، بل يقوم بذلك فريق من كتبة الخطابات الذين يحرصون على أن تكون مدروسة ومكتوبة جيداً. وعلى هذا النحو، فإن الهيكل التنظيمي لـ "الدولة الإسلامية" ذو طابع مؤسّسي لا شخصي، الأمر الذي يشكّل عاملاً أساسياً لبقاء التنظيم بغضّ النظر عن مصير زعيمه الحالي.

كما اعتُبِر الانخفاض العالمي في أسعار النفط أحد العوامل التي قد تُضعِف تنظيم "الدولة الإسلامية"، لأن هذا الأخير يعتمد في شكل كبير على بيع النفط في السوق السوداء للحصول على التمويل. ولكن، تتأثّر السوق السوداء بقدر أقلّ حدّةً بكثير من السوق الرئيسة في أي سيناريو لانخفاض أسعار النفط، لأن أسعار السوق السوداء تُحدَّد في العادة عند مستوى أدنى بكثير من أسعار السوق الرئيسة. وبالتالي، يقلّص انخفاض الأسعار ببساطة الفجوة بين المستويين، ولكن نادراً ما تنحدر الأسعار في السوق الرئيسة إلى مستوى السوق السوداء، ما يعزز من استمرار الإقبال على الصفقات غير القانونية. وبما أن النظام السوري كان أحد المشترين الرئيسيين للنفط الذي يبيعه تنظيم "الدولة الإسلامية" منذ ما قبل انخفاض أسعار النفط، فإن وجود هذا الزبون يضمن لدى التنظيم نظاماً للبيع يتحايل على تقلّبات السوق العالمية.

إضافة إلى ذلك، اعتُبِر انبعاث "جبهة النصرة" في الأشهر القليلة الماضية عاملاً محتملاً آخر قد يُضعِف تنظيم "الدولة الإسلامية". فصحيح أن كلاً من التنظيمين يعتبر الآخر خصماً، وقد انخرطا في العديد من المعارك ضد بعضهما البعض، إلا أنهما يدركان أن إنفاق مواردهما على هذا التنافس يأتي بنتائج عكسية في السياق الحالي. بدلاً من ذلك، يركّز التنظيمان بصورة أساسية على محاربة المعارضة السورية المعتدلة. ولذا، من المستبعد أن تكسب "جبهة النصرة" السيطرة على مناطق خاضعة حالياً لسيطرة "الدولة الإسلامية"، بل هي تركز على المناطق التي يسيطر عليها النظام والمعارضة. وعليه، يصبح عقد اتفاق شرفٍ بين تنظيم "الدولة الإسلامية" وبين "جبهة النصرة" أكثر احتمالاً من اندلاع معركة وجودية بينهما هذا العام.

وقد وردت تقارير عن تحديات تواجه تنظيم "الدولة الإسلامية" للقيام بوظيفة الدولة التي توفّر خدمات للناس في شكل كامل في المناطق الخاضعة لسيطرته. ومع ذلك، تبقى نقطة الضعف هذه عاملاً ثانوياً في علاقة التنظيم مع قواعده الشعبية. فقد دفعت الحملة الجوية التي يشنّها التحالف العديد من القبائل السورية في الشرق إلى التقرّب أكثر من تنظيم "الدولة الإسلامية"، ذلك أنها ترى أن المجتمع الدولي لم يتدخّل ضد نظام الأسد بل ضد التنظيم الذي يصوّر نفسه على أنه يحارب النظام. ولذا، تستغلّ دعاية "الدولة الإسلامية" هذا الشعور، وتستمر في التودّد إلى القبائل. إضافة إلى ذلك، فإن النقود وجوازات السفر الصادرة عن تنظيم "الدولة الإسلامية" لم تهدف أبداً إلى أن تكون وسائل لانخراطه في علاقات تجارية أو ديبلوماسية مع دول أخرى، بل هي تمثّل علامات رمزية للانتماء إلى دولة "مثالية". ولذلك، ينبغي ألا ينظر إلى عجز تنظيم "الدولة الإسلامية" عن تفعيل هذه المبادرات كعلامة على فشل نظام حكمه.

الأمر الذي يُرجَّح أن يتغيّر هذا العام هو الطريقة التي يعمل بها التنظيم. فقد شهد عام 2014 عدداً من الهجمات الإرهابية في بلدانٍ خارج سورية والعراق ربطها المهاجمون بتنظيم "الدولة الإسلامية"، مع أن هذه الهجمات لم تكن بالضرورة بأمرٍ من التنظيم. في كثير من هذه الحالات، بارك تنظيم "الدولة الإسلامية" الهجمات بعد وقوعها، وكان أحدث الأمثلة على ذلك الهجوم الإرهابي الذي وقع في أستراليا في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. ومن المحتمل أن تؤدّي هذه السيناريوات إلى مزيد من الحوادث المماثلة في جميع أنحاء العالم، وبخاصة من جانب جماعات وأفراد يبايعون "الدولة الإسلامية"، في محاولة للوصول إلى السلطة والحصول على الشهرة والموارد. وفي حين أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يحتضن عدداً متزايداً من هذه الكيانات، فانه سيضطرّ إلى أن يتحوّل من منظمة مركزية إلى منظمة متعددة الفروع. إذن، التحوّل لا الانقراض هو السيناريو المحتمل لـ "الدولة الإسلامية" هذه السنة.

لا بدّ من التذكير قبل كل شيء بأن تنظيم "الدولة الإسلامية" هو نتاج الفشل في التوصّل إلى حلّ للنزاع السوري. فالضربات الجوية التي يشنّها التحالف لن تؤدّي سوى إلى احتواء التنظيم ولا يمكن أن تقضي عليه. وتركيز التحالف على مهاجمة "الدولة الإسلامية" في العراق يدفع التنظيم إلى تعزيز وجوده في سورية. وطالما أن المعارضة السورية المعتدلة ضعيفة على الأرض، سوف تكون هدفاً سهلاً لتنظيم "الدولة الإسلامية" الذي يسعى إلى فرض نفسه، الأمر الذي يعود بالفائدة على النظام السوري. في غضون ذلك، وعلى رغم هجمات نظام الأسد على تنظيم "الدولة الإسلامية" التي لم تبدأ إلا بعد توسّعه في الموصل في حزيران (يونيو) 2014، فإنها لا تزال محدودة وتركّز على الأهداف السهلة مثل المناطق المدنية، لأن الهدف الرئيس للنظام السوري لا يزال يتمثل في القضاء على المعارضة المعتدلة وليس على الجماعات الجهادية. تظهر كل تلك الديناميكيات في نهاية المطاف أن العامل الرئيس وراء بقاء "الدولة الإسلامية" هو بقاء نظام الأسد الذي يستفيد من وجود هذا التنظيم. وطالما أنه لا توجد خطة للانتقال السياسي في سورية تكون قابلة للتطبيق وتقوم على تعزيز القدرات السياسية والعسكرية للمعارضة المعتدلة داخل سورية، فإن تنظيم "الدولة الإسلامية" سيستمر في البقاء.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.