تبدو المرحلة القادمة حرجة بالنسبة للحكومة التونسية الجديدة التّي ستكون بين المطرقة والسندان. فهي ستسعى إلى ترميم الوضع الاقتصادي بما يضمن حدّا دنى من الاستقرار من جهة، والعمل على الحدّ من المطلبيّة وترويض الحراك الاجتماعي من دون إجراء إصلاحات جذريّة باتّجاه إعادة توزيع الثروة، من جهة ثانية. هذا يعني عمليّا العودة إلى المعالجات الأمنيّة للتناقضات الاقتصادية. واختيار الحبيب الصّيد يجب أن يُوضع في هذا الإطار.

تونس تعيش اليوم حالة أشبه بارتداد من ثورة إلى إعادة تشكّل للنظام القديم، ولو في شكل معدّل، خصوصا بعد فوز حركة نداء تونس في الانتخابات التشريعيّة وصعود رئيس الحركة الباجي قايد السبسي إلى رئاسة الجمهوريّة. تكليف الحبيب الصّيد، المسؤول المخضرم، الذّي عمل في وزارة الداخليّة إبّان حكم بن علي قبل أن يُعيّن وزيرا للداخليّة بعد الثورة، ومن ثَمّ وزيرا مستشارا مكلّفا بالشؤون الأمنيّة لدى حمّادي الجبالي رئيس الحكومة الأولى التّي شكّلتها حركة النهضة الإسلاميّة مع حلفائها إثر انتخابات المجلس التأسيسي في تشرين الأول 2011.. أثار المخاوف من عودة السلطويّة القديمة والتضييق على الحريّات. لكن بالرغم من انحسار الثورة في كامل العالم العربي، تبدو إمكانية العودة إلى الاستبداد في تونس مستبعدة، خصوصا في المدى المنظور. فبغضّ النظر عن النوايا التسلطيّة لمن سيحكم، فإنّ مهمّته ستكون معقّدة بالنظر إلى تردّي الوضع الاقتصادي وإلى صعوبة إدارة مشاكله الموروثة عن نظام بن علي وعن الحكومات الانتقاليّة التي تلت سقوطه، وبالنظر أيضا إلى هشاشة التوافقات السياسيّة التّي أفرزها الحوار الوطني وكرّستها صناديق الانتخابات. هذا إضافة إلى التحديّات الأمنية التي يفرضها وضع إقليمي متفجّر يخشى الكثيرون أن تمتدّ نيرانه إلى تونس، خصوصا مع تأزم الأوضاع في الجارة ليبيا.

الاقتصاد بين الترميم وغلق إمكانيات التغيير

مع انتهاء المرحلة الانتقالية (وما رافقها من صراعات حول قضايا الدين والهويّة) بصياغة دستور توافقي ووضع أُسس النظام السياسيّ الجديد، ستجد الحكومة القادمة نفسها في مواجهة تحديّات اقتصادية واجتماعية هامّة، لعلّ أبرزها إخراج البلاد من حالة الركود الاقتصادي عن طريق تحفيز الاستثمار المحلّي والأجنبي وخلق مواطن شغل لاستيعاب العاطلين عن العمل. سيكون على الحكومة أيضا اعتماد تدابير تقشّفية من قبيل خفض الدّعم ورفع الأسعار، بالإضافة إلى خفض الإنفاق، لمواجهة عجز الموازنة وتفاقم المديونيّة، بما يتلاءم مع شروط المؤسّسات الماليّة العالميّة التّي تدفع نحو "إصلاحات هيكليّة" في المرحلة المقبلة. صعوبة هذه الإجراءات لا تكمن فقط في الغضب الشعبي الذّي قد تخلفه بل أيضا في غياب التوافق حول كلفتها الاجتماعيّة بالنظر إلى الخلافات الحادّة بين الاتّحاد العام التونسي للشغل والاتّحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظّمة الأعراف) والتّي أدت في مرحلة سابقة إلى توقّف الحوار الاقتصادي. ففي حين تطالب منظّمة الأعراف بإعادة النظر في قانون الاستثمار والقوانين المنظّمة لعلاقات العمل باتجاه إعطاءها مزيدا من المرونة، وإعادة النظر في علاقة القطاع العام بالقطاع الخاصّ، فإنّ اتّحاد الشغل يرى في هذه المقترحات مقدّمات لتسريع وتيرة الخصخصة وترسيخ الأشكال التعاقديّة الهشّة التّي لا تحمي اليد العاملة والتّي تساهم في تردّي الأوضاع المعيشيّة وتفاقم أزمة الصناديق الاجتماعيّة.

قيل الكثير في الحوار الوطني الذّي سمح للبلد بالخروج من أزمته السياسيّة، وعن دور الوساطة الذّي اضطلعت به المنظّمات الراعيّة، وعلى رأسها اتّحاد الشغل ومنظّمة الأعراف، لكن من دون الانتباه إلى حسابات هاتين المنظّمتين، وإلى دورهما الذّي يتجاوز التمثيل النقابي أو القطاعي والدفاع عن مصالح منظوريهم. لم يكن اتّحاد الشغل خارج السياسة أبدا. مرّ خلال مسيرته من موقع الشريك في الكفاح الوطني وبناء دولة الاستقلال إلى علاقة قائمة على الترويض عبر إشراك قطاعات واسعة من البيروقراطيّة النقابيّة في شبكات الفساد والزبونيّة من جهة، ومن جهة ثانية احتواء القواعد المناوئة والمعارضة لنظام بن علي التي وجدت داخل الاتحاد مساحة للنشاط في ظلّ انحسار المجال السياسي. بالتوازي، كانت منظّمة الأعراف شريكا في وضع الخيارات الاقتصاديّة لنظام بن علي وفي الاستفادة منها من خلال الخصخصة والقروض البنكيّة والتهرّب الضريبي. الواقع أنّ كلا المنظّمتين وجدتا في الحوار الوطني فرصة لإعادة التموقع في مرحلة ما بعد بن علي والتأثير في مشهد سياسيّ قيد التشكّل.

قد يكون اندلاع الاحتجاجات في الحوض المنجمي يوم تكليف الصّيد بتشكيل الحكومة، محض صدفة، لكنّها تختزلُ في أدقّ تفاصيلها طبيعة المرحلة والبون الشاسع بين حجم الانتظارات وطبيعة التعامل معها. فلقد احتجّ الأهالي ضدّ عمليّة نقل الفوسفات المكلفة جدّا عن طريق شركات النقل عوضا عن شركة السكك الحديدية المملوكة للدولة، ممّا يسبّب خسائر كبرى لشركة فوسفات قفصة.

شركات النقل هذه مملوكة لأحد رجال الأعمال الذّين استفادوا من صفقات التلزيم إبّان حكم بن علي بحكم قربهم من النظام والذّي انتخب مؤخرا للمجلس النيابي الجديد كغيره من رجال الأعمال (10 في المئة من مجموع النوّاب) الذّين دخلوا حلبة السياسة ويسعون للسيطرة على التشريعات الاقتصاديّة عبر الإمساك باللجان التّي تُعنى بالشؤون الاقتصادية والمالية والطاقة. لم توقف الاحتجاجات عمليّة نقل الفوسفات بالاعتماد على الشركات الخاصّة، بل تواصلت تحت حماية قوّات الأمن قبل أن تعلن الشركة عزمها الرجوع إلى السكك الحديدية في محاولة منها لامتصاص غضب الأهالي. صعوبة المرحلة تكمن حتما في توازن القوى بين حراك اجتماعي صلب في مواجهة المصالح القديمة العائدة بقوّة عبر بوّابة "نداء تونس" والأحزاب المرتبطة بالنظام القديم، إضافة لشبكات المحسوبيّة والزبائنية المخترِقة لبيروقراطيّة الدولة، والتّي ستدفع حتما نحو اعتماد خيارات اقتصاديّة من شانها أن تؤجّج الاحتجاجات في ظلّ غياب التوافق بين الأطراف الاجتماعية.

رهان إدماج الإسلاميين

سوف تكون الحكومة القادمة في حاجة إلى تحالف سياسي يدعمها يضمّ حركة نداء تونس وحركة النهضة الإسلاميّة بالإضافة إلى احزاب أخرى صغيرة ممثّلة داخل المجلس النيابي، وربّما شخصيّات مستقلّة من خارجه. بدأت بوادر الخلافات تلوح داخل حركة نداء تونس منذ تكليف الحبيب الصّيد، على اعتبار انّه شخصيّة من خارج الحزب، مؤشّرة إلى احتدام صراع الأجنحة. وقد أبدت حركة النهضة موافقتها على الانضمام للحكومة.

مرّة أخرى تضع تجربة الحكم الأحزاب الفائزة في الانتخابات على المحكّ، خصوصا أنّ حركة نداء تونس بنت صعودها على التصدّي لمشروع هيمنة الإسلام السياسي و"أخونة" تونس. وبعيدا عن منطق الصفقات الذّي يعتمده الكثيرون لفهم تقارب الغريمين السياسيين، تبدو الواقعيّة السياسيّة إحدى مفاتيح التحالفات. فحركة نداء تونس لا تريد أن تتحمّل بمفردها ثقل إدارة مرحلة قد تستنزف شعبيتها، وهي تعلم أن إشراك حركة النهضة سيساهم في استقرار الأوضاع بالنظر إلى وزنها السياسي كالقوّة الثانية، وإلى التقارب في الطروحات الاقتصادية، وبالنظر خصوصا إلى الخارطة الانتخابيّة التّي أفرزت استقطابا بين الشمال وبين الجنوب الذّي صوّت بكثافة للإسلاميين. إشراك حركة النهضة في الحكم سيفتح مجال المشاركة لنخب من الأطراف والجهات الداخليّة، وعموما لنُخب جديدة كانت مقصيّة لعقود، ممّا سيسمح بترويض الحراك الاجتماعي وضمان توازن النظام السياسي الجديد، تماما كما كان حزب العدالة والتنميّة التركي مدخلا لمشاركة النُخب الأناضوليّة في الحكم.

وكلّما ابتعد السلوك السياسي للإسلاميين عن الدين كلّما سعى كثير من الملاحظين إلى تفسير ذلك بالاستناد للدين! والحال أنّ المحدّد الأساسي لخيارات حركة النهضة هو سعيها إلى تطبيع موقعها في المشهد السياسيّ، وبالتّالي فإنّ مشاركتها في الحكم هي خطوة إضافيّة على درب إدماجها. تنازلات الحركة، سواء فيما يتعلّق بالجانب الإيديولوجي كالنص على الشريعة في الدستور أو تجريم التكفير، أو الجانب السياسي من خلال رفضها إقصاء رموز النظام القديم او التخلّي عن دعم المنصف المرزوقي حليفها السّابق عن طريق ترك حريّة الاختيار لقواعدها، تندرج حتما في إطار التأقلم والتعامل البراغماتي مع موازين القوى الداخليّة والإقليميّة. حرمت هذه التنازلات الحركة بالتاكيد من جزء من شعبيتها وفتحت الطريق على يمينها أمام السلفيين الذّين يسعون للتعبئة باسم الدفاع عن الإسلام، وعلى يسارها أمام قوى تسعى لاستقطاب الغاضبين باسم الدّفاع عن الثورة (لعلّ أهمّها الائتلاف الذّي صنع الزخم حول حملة المنصف المرزوقي الرئاسيّة والذّي لم يجد طريقه بعد للتنظّم السياسي). إلاّ انّ هذه القوى لا تمثّل خطرا على النهضة في المدى المنظور، خصوصا أنّ السلفيّين في تونس لا يُبدون اهتماما خاصّا بالمشاركة في العمليّة السياسيّة، كما أنّ مشاركة حركة النهضة في الحكم والانتخابات البلديّة والجهويّة القادمة، ستسرّع في تحوّلها إلى حزب يميني محافظ، وقد تُغيّر تدريجيّا الهندسة الاجتماعية لقواعدها الانتخابية. المعضلة أن حسابات السياسة وتقلّباتها وخيبات الثورة وإهدار رمزيتها قد تجعل قطاع من الشباب يذهب باتجاه العزوف أو الخيارات الراديكاليّة.

يجد الشيخ راشد الغنوشي في خطاب التوافق مخرجا لهذه التناقضات، جاعلا من الإكراهات وسيلة لإدارة الصراعات داخل الحركة، لتبرير تنازلاتها وتغيير تحالفاتها وانقلابها على حلفائها القدامى. يتعامل الشيخ بمرونة مع الواقع السياسي، يُكيّف الخطاب والأفكار وفق مقتضيات الممارسة السياسيّة ولا ينطلق من إيديولوجيا معيّنة. يتعدّى الأمر محاولات التصنيف بين "الإسلام السياسي" وحركات "ما بعد الإسلام السياسي". هو الغموض والمرونة والبراغماتيّة. هي في النهاية السياسة كما مارسها الكثيرون، وكما عرّفها فرنسوا ميتران الذّي كثيرا ما كان يردّد مقولة الكاردينال دو ري "ثمن الخروج من الغموض باهظ".

تم نشر هذا المقال في السفير العربي.