نشأ عن التحول الاقتصادى فى مصر فى العقود السابقة على ثورة يناير نظام اقتصادى غير تنموى وغير عادل أفضى إلى أزمة اجتماعية متفاقمة ومأزق يواجه شرعية الدولة. وقد كانت الثورة كاشفة عن عمق أزمة هذا النموذج، وضرورة تعديله بشكل جوهرى. ولكن بعد مرور أربع سنوات على الثورة فإن أزمة النموذج الاقتصادى الاجتماعى مستمرة دون وجود بدائل واضحة توجه تعديل السياسات والترتيبات المؤسسية. إذ لا تزال مصر تواجه عملية متشعبة ومركبة ومتعددة الأطراف من أجل إعادة تعريف نظمها العامة سياسية كانت أو اقتصادية اجتماعية، ومن غير المنتظر أن تكون إعادة التعريف هذه نتيجة لتصميم فنى يضعه بعض الخبراء أيا كان مجال تخصصهم بمعزل عن السياق السياسى والاجتماعى الأوسع. كما أن إعادة التعريف هذه لا يمكن أن تكون تجليا لإرادة عليا لسلطة الدولة مهما خلصت نوايا من فى الحكم بل هى عملية اجتماعية وسياسية معقدة.

ومن هنا فإن هذه المقال لا يقدم تصورا محددا مكتملا حول تصميم نظام اقتصادى اجتماعى أكثر عدالة، بقدر ما يسعى لاستكشاف محال الإشكال وفرص التغيير. ومن هنا أمكن طرح عدة نقاط عامة تصلح أرضية لنقاش عام سياسى لا أكثر يكون حائزا على المنطلقات المعرفية اللازمة للتوصل لاتفاق ما فى المستقبل.

عمرو عادلي
عادلي هو باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتناول أبحاثه الاقتصاد السياسي، والدراسات التنموية، وعلم الاجتماع الاقتصادي للشرق الأوسط، مع تركيز على مصر.
More >

أولا: لا تقتصر مشكلات العدالة الاجتماعية والاقتصادية فى مصر على إعادة توزيع الدخل والثروة من خلال سياسات الدولة، بل إنها تضرب شتى جوانب النموذج الاقتصادى الوطنى بما فيها الإنتاج والتوزيع بما يشوبهما من ضعف فى الأداء وعدم القدرة على المنافسة وانخفاض إنتاجية العامل. ومن هنا فإن الحديث عن تحقيق العدالة من خلال سياسات شعبوية قصيرة المدى هو أمر غير ممكن كما أنه يعانى من الكثير من التسطيح فى طرح المشكلة وتشخيص العلاج، إذ أن مكمل المشكلة فى مصر هو جعل الاقتصاد المصرى أكثر قدرة على إنتاج الدخل وبالتالى رفع مستويات المعيشة، وأكثر قدرة على دمج أكبر عدد ممكن من المصريين فى سن العمل وبالتالى أسرهم فى عملية الإنتاج بما يكفل لهم نصيبا لائقا من الدخل.

ثانيا: لا يعنى ما سبق أن الأولوية هى الإنتاج والتوزيع وأنه لا محل لإعادة التوزيع وسياسات الدولة فى هذا الصدد، وهو ما تعبر عنه دوائر محافظة عديدة داخل مجتمع الأعمال وداخل جهاز الدولة وفى صفوف السلطة السياسية بحديثها عن إنقاذ الاقتصاد وتحقيق التعافى واستعادة النمو أو ما درج وصفه بإدارة عجلة الإنتاج فى مقابل صمتها المطبق عن الإصلاحات الهيكلية بعيدة المدى لتعديل بنية الاقتصاد فى ضوء ما يعانيه، وفى ضوء تجربة السنوات السابقة على ثورة يناير، والتى امتازت بارتفاع معدل النمو وجذب الاستثمارات ومع هذا فإنها لم تغن ولم تسمن من جوع للغالبية الكبيرة من المصريين.

ثالثا: إن إعادة توزيع الدخل والثروة جزء لا يتجزأ من أى نظام اقتصادى سياسى، وهى قضية لا تأتى لاحقة على الإنتاج والتوزيع بل هى جزء رئيسى منهما، ولا تنبع فحسب من منطلقات اجتماعية أو سياسية أو إنسانية بقدر ما أن لها منطقا اقتصاديا كذلك. وفى مصر لا سبيل للحديث عن نموذج اقتصادى اجتماعى أكثر عدالة وأكثر تنموية ــ وبالتالى أكثر شرعية من الناحية السياسية إلا بإعادة هيكلة الإنفاق والإيرادات الخاصة بالدولة.

ففى شق الإنفاق لا محيد عن رفع معدل الاستثمار الحكومى فى البنية الأساسية وفى التنمية الإنسانية خاصة التعليم والتدريب المهنى والرعاية الصحية والضمان الاجتماعى، ويكون هذا بإعادة توجيه المصروفات من تلك الجارية (بنود الدعم والأجور وخدمة الدين) إلى نفقات استثمارية لها عائد بعيد المدى يتكامل مع بناء قدرة الاقتصاد على التنافسية وتوليد النمو من ناحية، وعلى رفع إنتاجية العامل ومن ثم دخله من ناحية أخرى. ولا يكون هذا كذلك إلا بزيادة نسبة الضرائب للناتج المحلى الإجمالى، وإخضاع الفئات الحائزة لرأس المال وللملكيات التى راكمت ثروات فى العقود الماضية للمزيد من الضرائب التى من المفترض أن تولد الدخل الحكومى المطلوب لتمويل الاستثمار فى البنية البشرية والمادية للاقتصاد.

رابعا: لم تكن ممارسات الفساد والمحسوبية وغياب حكم القانون هى العامل الرئيسى وراء الأداء غير التنموى وغير العادل للنموذج الاقتصادى الاجتماعى فى مصر بل إن المسألة أشد عمقا من هذا وتتصل بالسياسات النيوليبرالية وما أسهمت فيه بشكل مباشر فى تخفيض مستويات المعيشة لقاعدة عريضة من المصريين، وما أدت إليه من خفض لمعدلات الاستثمار مع انسحاب الدولة وتعمق أزمتها المالية، ومن هنا فإن مكافحة الفساد والمحسوبية على أهميتها لا تقف بديلا عن تعديل السياسات العامة وإعادة تعريف دور الدولة فى علاقته بالاقتصاد.

خامسا: لا يعنى نقد السياسات النيوليبرالية نقد التحول الرأسمالى جملة والدفع بأنه غير صالح أو أنه غير تنموى على غرار مقولات مدرسة التبعية فى الستينيات والسبعينيات، بل يعنى ببساطة أن مصر بحاجة لإعادة تعريف الشكل المؤسسى لنظامها الرأسمالى حتى يكون أكثر عدالة وأكثر تنموية.

وقد استقر اليوم فى أدبيات الاقتصاد السياسى والاجتماع الاقتصادى أنه ما من شكل مؤسسى واحد للرأسمالية، وأن ما يطلق عليه نظام رأسمالى قد يحوى ترتيبات مؤسسية متفاوتة بل ومتضاربة على المستوى القومى من دولة لأخرى، فقد تعتمد على آليات السوق بالأساس فى تخصيص الموارد كالنموذج الأنجلو ــ أمريكى، وقد تعتمد على آليات تنسيق مؤسسى بين نقابات تمثل رأس المال ونقابات تمثل العمال بحضور حكومى كحال الدول الاسكندنافية وألمانيا والعديد من دول القارة الأوروبية، وقد تستند لتنسيق مؤسسى دائم بين رأس المال الكبير وبين الدولة كحال اليابان وكوريا الجنوبية.

تم نشر هذا المقال في الشروق.