مارك فاليري
مارك فاليري محاضر بارز في الاقتصاد السياسي في معهد الدراسات العربية والإسلامية، ومدير مركز دراسات الخليج في جامعة إكستر. تركز أبحاثه الراهنة على التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في دول الخليج، إضافةً إلى بناء الدولة، والشرعية السياسية في سلطنة عُمان منذ العام 1970.
فاقمت الحالة الصحية الملتبسة لسلطان عُمان من مشاعر القلق حول مستقبل البلاد، التي يُعتبَر نظامها السياسي الأكثر شخصانية من بين كل الأنظمة الملكية في الخليج. فمنذ وقت طويل، وضع الكثير من العُمانيين البلاد وحاكمها، قابوس بن سعيد آل سعيد، الذي كسب ولاءهم من خلال بناء دولة وهوية وطنية تتمحور حول شخصه، في منزلة متساوية. ومع ذلك، برزت انتقادات للسلطان قابوس في خضمّ تصاعد مشاعر الإحباط والقلق الشعبي حول ماسيحدث بعد انتهاء فترة حكمه. وبالتالي ثمة العديد من التدابير التي يمكن أن يقوم بها النظام لتجنّب المزيد من الاضطرابات.

بيئة جديدة

  • يرتبط النموذج العُماني للشرعية السياسية ارتباطاً وثيقاً بالسلطان قابوس. بيد أن شباب البلاد يشعرون بأنهم أصبحوا أقل امتناناً للسلطان، كما أن المجتمع المدني الذي يزداد صراحة، يشكو من عيوب مزمنة في الدولة التي بناها قابوس بعد تولّيه السلطة في العام 1970.
     
  • في العامَين 2011 و2012، شهدت معظم المدن الكبرى احتجاجات سلمية قام بها عُمانيون يطالبون برواتب أعلى، وظروف معيشية أفضل، وإجراء إصلاحات سياسية جوهرية، ووضع حدّ للفساد.
     
  • ردّ النظام بمزيج من المبادرات الاقتصادية، وإقالة بعض كبار المسؤولين، واحتجاز النشطاء السلميين. ومنذ العام 2012، أصبحت التدابير القمعية أكثر وضوحاً، حيث تم توظيف استثمارات جديدة في القطاع الأمني، وشُنّت حملات على الأصوات المعترضة.
     
  • الأحزاب السياسية محظورة في سلطنة عُمان، وعلى الرغم من إجراء بعض الإصلاحات التجميلية، تبقى كل السلطات تقريباً في يد السلطان قابوس.
     
  • في حين لم تستهدف الاحتجاجات السلطان في البداية، أصبح نقد قابوس وممارساته أكثر شيوعاً. إذ يشعر المتظاهرون بالقلق إزاء مستقبل البلاد، ويتحدّثون عنها بجرأة ومن دون تحفّظ.

التغييرات ضرورية لتجنّب المزيد من الاضطرابات

ينبغي على قادة سلطنة عُمان أن يدركوا أن البيئة قد تغيّرت. إذ لن يكون الشباب العُمانيون مستعدّين لمنح الحاكم التالي الدرجة نفسها من السيطرة التي منحها آباؤهم للسلطان قابوس. ولذلك، من المحتمل أن يواجه الحاكم الذي يخلف قابوس تجدّد مطالب الإصلاح.

ينبغي تخفيف القيود المفروضة على المجتمع المدني. بدلاً من مضايقة الأصوات السلمية البديلة وقمعها، ينبغي على النظام تشجيع منظمات المجتمع المدني، الأمر الذي يُعَدّ خطوة في اتجاه السماح بنوعٍ من المشاركة العامة في الحكم.

ينبغي تقديم إجابات مقنعة عن حالة عدم اليقين السياسي التي تعيشها البلاد. إذ لم يسهم إحجام النظام عن تعيين رئيس للوزراء أو ولي للعهد يتمتّع ببعض الصلاحيات التنفيذية، وإعداد عُمان لمرحلة مابعد قابوس، سوى في تأجيج القلق الشعبي إزاء الغياب الملموس لرؤية اقتصادية وسياسية طويلة المدى للبلاد. وعليه، إذا لم يقدّم الحاكم الحالي إجابات على هذه الأسئلة قريباً، فقد تثير حالة الالتباس اضطراباً كبيراً في حال توفي هذا الأخير بصورة مفاجئة.

مقدمة

في تموز/يوليو 2014، سافر سلطان عُمان إلى ألمانيا لتلقّي الرعاية الطبية. ومنذ ذلك الحين، أحيت إقامته هناك لفترة طويلة مخاوف المجتمع العُماني بشأن مستقبل البلاد من دون "والد الأمة".1  وقد فشل خطاب تلفزيوني استمر أربع دقائق، ألقاه السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر (حيث بدا هزيلاً وأعرب عن أسفه لأنه لم يتمكّن من العودة إلى بلاده للمشاركة في احتفالات اليوم الوطني في وقت لاحق من ذلك الشهر)، في وضع حدّ للشائعات عن إصابته بالسرطان والتي جرى تداولها في الخليج منذ مغادرته البلاد.

جاء القلق بشأن صحة السلطان البالغ من العمر أربعة وسبعين عاماً والذي ليس له وريث معيّن، في وقت كانت "السلطنة الهادئة" المُفترضة،2  التي كانت تُعتبَر منذ فترة طويلة نموذجاً للاستقرار، قد تأثّرت برياح الاحتجاج التي تهبّ على كل أنحاء المنطقة.

شهدت سلطنة عُمان، في العامين 2011 و2012، أوسع احتجاجات شعبية منذ سبعينيات القرن الماضي ونهاية حرب ظفار، والتي ثارت فيها المنطقة الجنوبية ضد والد قابوس، الذي كان يحكم البلاد آنذاك.3  وقد أظهرت الاعتصامات السلمية التي استمرت مدة شهرين في أوائل العام 2011، والتعبئة المستمرة التي تدعو إلى إجراء إصلاحات سياسية في صيف العام 2012، عمقَ الإحباط والتوتّر الاجتماعي في البلاد. وقد شملت المطالب الرئيسة للمحتجين "زيادة فرص العمل، وفرض قيود على الفساد بين كبار المسؤولين، وبرامج لمكافحة التفاوت الاجتماعي المتزايد. لكن، في الغالبية العظمى من الحالات، لم يكن السلطان هدف المحتجّين.

لم يكن ردّ فعل النظام، والذي تمثّل بمزيج من التنازلات الاقتصادية والإصلاحات السياسية المتواضعة والتدابير الأمنية القاسية، كافياً لإخماد الاحتجاجات. علاوة على ذلك، كشف عدم استعداد الحكومة لكسر المحرّمات بشأن القضايا الرئيسة مثل تركيز السلطة في يد السلطان، والحاجة إلى إرساء أُسُس الحكم في عُمان مابعد قابوس، عن توتّرات جديدة، عندما بدأ الناشطون الشباب بالتمييز بين النظام الحالي وبين الشعب العُماني.

كانت العلاقة بين قابوس والدولة في صلب حكمه منذ أن تولّى السلطان السلطة في العام 1970. ومن خلال الاعتماد على عائدات النفط في البلاد، أكّد السلطان شرعيته عبر تطبيق سياسة طموحة للوحدة الوطنية، وعيّن مجموعة كبيرة من الموظفين الذين يعتمدون على النظام من أجل البقاء. إلى جانب ذلك، يجيز القانون الأساسي الذي صدر في العام 1996 قيام دولة أبوية مرجعها السلطان، "رمز الوحدة الوطنية وحاميها والمدافع عنها"، الذي يشغل في الوقت نفسه مناصب رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس البنك المركزي ووزير الدفاع والخارجية والمالية. ولم يكن هناك سوى قلّة من الأفراد الذين لديهم القدرة على الوصول إلى السلطان بصورة مباشرة، الذي أوضح منذ العام 2011 أنه يعتزم البقاء باعتباره الحَكَم الوحيد في الأولويات الوطنية.

وفي حين بدا واضحاً أن الاحتجاجات في سلطنة عُمان لم تتطوّر بالقوة نفسها وعلى النطاق نفسه الذي شهدته الانتفاضات الأخرى في العالم العربي، إلا أنها كشفت كيف أن هذا النموذج المفرط في المركزية بلغ حدّاً لايمكن السكوت عنه طويلاً. 

الربيع العُماني هو أخطر جرس إنذار دقّه السكان غير القادرين بصورة مطّردة على تلبية متطلّبات الحياة اليومية، والذين يدركون احتمال أن يواجهوا مستقبلاً مليئاً بالتحدّيات من دون شخصية قابوس الأبوية.4  وبالتالي، يشير هذا الاصطدام القاسي مع الواقع إلى بداية مرحلة جديدة في تاريخ عُمان.

الأُسُس التي قامت عليها عُمان المعاصرة 

السلطان قابوس هو الحاكم الرابع عشر من أسرة البوسعيدي في عُمان. انقلب على أبيه سعيد بن تيمور بمساعدة المستشارين البريطانيين في العام 1970، بعدما أظهرت حوالى خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية انقسامات اجتماعية وسياسية في إقليم تميّز بعزلة دولية شديدة. وقد ورث الحاكم الجديد، الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره بعد، أرضاً بلا دولة. وكان حيّز مناورته مع البريطانيين قد تقلّص إلى حدوده الدنيا، وكذلك شرعيته بالنسبة إلى العُمانيين. وبالتالي وجد قابوس نفسه على الفور في مواجهة الحاجة إلى تأكيد شرعية اعتلائه العرش عن طريق رسم حدود نظام جديد لايحمل مفاتيحه أحد سواه. وقد ربطت استراتيجية النظام الجديد في إضفاء الشرعية على نفسه، التنميةَ الاقتصادية والاجتماعية للبلاد بالدولة من جهة، وبشخص السلطان، الذي أصبح منذ ذلك الحين موضوعاً لعبادة الشخصية، من جهة أخرى.

استندت مقاربة النظام على استغلال ريع النفط الذي أصبح مهماً آنذاك. وقد مثّلت مجموعة فرص العمل التي لاتنفد والتي وفّرها القطاع العام، إثر الزيادة الكبيرة والمفاجئة في عائدات النفط، خطوة حاسمة في تأكيد شرعية السلطان السياسية وتمكين قبضته الاجتماعية والسياسية. ولذا كان الآلاف من الموظفين الجدد في الدولة والجيش الوطني والشرطة والمخابرات والوزارات، وأجزاء أخرى من الحكومة، على مدى عقود عدة، هم الحلفاء الأكثر موثوقية وبراغماتية للسلطان.

الربيع العُماني هو أخطر جرس إنذار دقّه السكان غير القادرين بصورة مطّردة على تلبية متطلّبات الحياة اليومية، والذين يدركون احتمال أن يواجهوا مستقبلاً مليئاً بالتحدّيات من دون شخصية قابوس الأبوية.

علاوة على ذلك، وبفضل الطرق المعبّدة والمدارس والمراكز الصحية الجديدة التي بُنيَت حتى في أصغر القرى، استأثرت الدولة مادياً ورمزياً بكل أراضيها، وتحوّلت الدولة فجأة إلى واقع ملموس، وأصبحت هي الطرف المحاور عن الأنشطة الحكومية كافة، والمنصّة التي تتّسع لكل الجهات الفاعلة الاجتماعية والسياسية. ونتيجة لذلك، لم تعتمد أغلبية كبيرة من العُمانيين، منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، على الدولة في معيشتهم الخاصة وحسب، بل لم يحظَ أي بديل للسلطان بالصدقية.

تم تأسيس تأريخ رسمي جديد يتمحور حول قابوس ودولة الرفاه، وهو التأريخ الذي يتجاهل الزيادة الهائلة في عائدات النفط التي جعلت ذلك ممكناً، كما يتجاهل الاستمرارية السياسية قبل العام 1970 وبعده. وهكذا، جرى تأسيس الهوية الوطنية المعاصرة على إنكار تاريخ البلاد قبل العام 1970، والذي لايُذكَر إلا لمقارنته بـ"الصحوة الوطنية" المجيدة في 23 تموز/يوليو 1970، أي تاريخ اعتلاء قابوس العرش، والذي سُمّي فيما بعد "عيد النهضة".

تمثّل عملية إعادة كتابة التاريخ السياسية هذه، والتي يبدو الحاكم فيها كُلّي الوجود، محاولة لتبنّي صرح خاص، يتكوّن من سلطنة عُمان المعاصرة ودولة الرفاه وشخص السلطان قابوس نفسه، شكّلت أساس شرعية النظام الحالي. فكل الإنجازات الحضرية المعاصرة الكبرى تحمل اسم السلطان، الذي يتم تمجيده في النشيد الوطني وفي اليوم الوطني، أي يوم ميلاد السلطان. كما يلاحظ إضفاء طابع الشخصانية الشديدة على السلطة السياسية في عُمان في النظام السياسي للبلاد. ففي العام 1975، نصّ المرسوم السلطاني الرقم 26/75 على أن السلطان هو "مصدر القوانين". ومنذ ذلك الحين، صدرت كل التشريعات العُمانية عبر مراسيم سلطانية، بما فيها القانون الأساسي للدولة الذي صدر في تشرين الثاني/نوفمبر 1996.

إضفاء الشخصنة الشديدة على النظام السياسي في سلطنة عُمان منذ العام 1970 عوّد الكثير من العُمانيين على فكرة أن مصير جميع رعايا قابوس يعتمد على حسن نواياه. فقد ساد مناخ من الإجماع الوطني حول هذا المنحى في وسائل الإعلام والخطب العامة للمسؤولين، في حين قيل للعُمانيين على مدى أربعين عاماً أن يعتمدوا على الشخصية الأبوية المطمئنة للسلطان لحلّ جميع المسائل العامة. لابل أن أعضاء مجلس الوزراء كانوا يخشون من التعبير عن رأيهم بحرية وإثارة استياء السلطان، لأنهم عملوا ضمن ثقافة تتميّز بحالة من عدم الأمان السياسي، جرى الحفاظ عليها لضمان أن يستبطن الجميع حقيقة أنه ليس ثمة موقع مضمون أو آمن. وقد أوضح موظف كبير متقاعد ذلك قائلاً:

"عندما تتحدث إلى وزراء أو مسؤولين رفيعي المستوى، تجد أنهم يعرفون المشاكل على نحو أفضل منك. لكنهم لايريدون أن يسمعوا لأنهم خائفون... فهم لم يروا السلطان على مدى عام أو عامين أو ثلاثة أعوام، ولذا فهم يشعرون بأنهم معزولون تماماً. إنهم لايثقون بأي شخص، ولايريدون المجازفة بجعلك تعتقد أنهم ضعيفون أو غير محصّنين".5 

هذه العزلة تعني أن قلّة قليلة من الأشخاص يرغبون أو لديهم القدرة على طرح القضايا إلى السلطان. وعلى سبيل المثال، يوضح مراقبون محليون أن عدداً من الوزراء أُقيلوا في آذار/مارس 2011، بعد فترة طويلة من بدء الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، لأنهم كانوا خائفين من رفع تقارير عن الوضع الفعلي على الأرض، وقلقين من أن يتم توبيخهم أو يفقدوا ماء الوجه ومناصبهم.

لطالما استُخدِمَت الحروب الأهلية في اليمن أو العراق، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي في الكويت والبحرين، لتظهير أهمية الشخصانية الشديدة للسلطة في مسقط، عبر مقارنتها بما يحدث في تلك الدول. ويريد هذا الخطاب أن يقول إنه، على الرغم من العيوب التي تشوب النظام، لايزال الاستقرار السياسي العُماني أفضل من حالة الاضطراب والفوضى في البلدان المجاورة.

وبالمثل، يتم استخدام فكرة أن مَن يُدعون قادة ليبراليين عليهم أن يواجهوا المجتمع القبلي والمحافظ، كذريعة مضلّلة ولكنّها في متناول اليد لتبرير أي تأخير في إطلاق الحريات السياسية، وخاصة أمام نظرائهم الأميركيين والأوروبيين. فقد استخدم قابوس الحجّة القائلة إن الناس "غير ناضجين للديمقراطية على الطراز الغربي" في العام 1973، لتبرير إضفاء الطابع الشخصي على حكمه،6  وكرّر العبارة نفسها بصورة حرفية تقريباً في العام 1997 عندما قال: "غالباً ما لايريد رجل الشارع أو لايعرف كيف يتعامل مع الحكومات الأجنبية أو يدافع عن البلاد. ولذا فهو يعتمد علي للقيام بذلك... في هذا الجزء من العالم، منح قدر كبير من السلطة بسرعة كبيرة يمكن أن يُستغَل. الانتخابات في العديد من البلدان تعني قيام الجيش بالحيلولة دون سفك الدماء. هل هذه ديمقراطية؟ هل هذه بلدان سعيدة؟... لا. هي مجرّد صراعات على السلطة. أنا ضدّ خلق مثل هذه الأوضاع عندما يكون الناس غير مهيّئين لها".7 

قضايا عميقة

مع ذلك، كان شهر العسل في عُمان قد انتهى منذ فترة طويلة. ففي حين أثّرت الديناميكيات الإقليمية بصورة واضحة على الأحداث التي هزّت السلطنة بعد العام 2011، كانت سلسلة من التحدّيات الداخلية تشكّك بالنظام الاجتماعي-السياسي العُماني لأكثر من خمسة عشر عاماً.

يُعتبَر سكان عُمان من بين أكثر شعوب العالم شباباً: وفي العام 2013، كانت نسبة 45 في المئة من المواطنين أقلّ من عشرين عاماً من العمر، و56 في المئة أقلّ من خمسة وعشرين عاماً.8  وبما أن هذا العدد الهائل من الشباب يلتحق بسوق العمل، لايزال الاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية. وفي العام 2013، شكّل قطاعا النفط والغاز الطبيعي نسبة 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العُماني، و86 في المئة من إيرادات الحكومة.9 

كانت سلسلة من التحدّيات الداخلية تشكّك بالنظام الاجتماعي-السياسي العُماني لأكثر من خمسة عشر عاماً.

نظراً إلى محدودية موارد النفط والغاز العُمانية مقارنة بجيرانها، وُضعَ برنامج اقتصادي طويل المدى في العام 1995، وكان من بين أهدافه تنويع الاقتصاد. وتحت شعار "عُمان 2020: رؤية مستقبلية للاقتصاد العُماني"، ستنخفض حصة القطاع النفطي من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد من 41 في المئة في العام 1996، إلى 9 في المئة بحلول العام 2020، في حين سترتفع حصة الصناعات غير النفطية من 7.5 في المئة إلى 29 في المئة. وأكدت خطتا التنمية الخمسية السادسة (2001-2005) والسابعة (2006-2010)، بصورة منفصلة، على التنمية في ثلاثة مجالات رئيسة هي: قطاع الغاز والسياحة والصناعات غير النفطية. كما ركّزت هذه السياسة على القطاع الخاص باعتباره "المساهم الرئيس في النمو"،10  وهي تهدف إلى جذب رأس المال الأجنبي ودعم دور الشركات المحلية في التنويع الاقتصادي.

كانت الموارد البشرية والتوظيف من الأولويات الأخرى لخريطة طريق عُمان الاقتصادية 2020. إذ كانت معدّلات المواطنين العاملين في القطاعَين العام والخاص سترتفع من 68 في المئة إلى 95 في المئة، ومن 7.5 في المئة إلى 75 في المئة، على التوالي، في حين تنخفض نسبة الوافدين من مجموع السكان من 25 في المئة في العام 1995، إلى 15 في المئة بحلول العام 2020.

مع ذلك، لم تسفر سياسات تفضيل المواطنين العُمانيين في العمل سوى عن نتائج محدودة، وكانت عملية تنويع مصادر الإيرادات بطيئة. يتّضح ذلك من التفاوت الاجتماعي الكبير والبطالة المتوطّنة والفقر في عُمان، وهي جميعاً نتائج لسياسات رفع القيود والخصخصة الأخيرة.

عندما بدأت الاحتجاجات في كانون الثاني/يناير 2011، أظهرت التقديرات على المستوى الوطني معدّل بطالة ثابتاً عند 20 في المئة بين المواطنين، وهو المعدّل الذي كان يفوق بالتأكيد 25 في المئة لدى الشباب من الفئة العمرية بين ثمانية عشر وأربعة وعشرين عاماً. هذه الأرقام لاتعترف بما يرجّح أن يكون معدّلاً كبيراً للبطالة، ولاسيّما في المناطق الريفية. وفي شباط/فبراير 2011، بلغت نسبة العُمانيين العاملين في القطاع الخاص والذين يكسبون أقلّ من الحدّ الأدنى للأجر الشهري الرسمي (520 دولاراً تقريباً، أو 200 ريال عُماني11 ) 70 في المئة.12 

علاوة على ذلك، غذّى التدخّل الشخصي من جانب صنّاع القرار وأعضاء مجلس الوزراء الأكثر تأثيراً في مجال الأعمال التجارية الشعور السائد تجاه نخبة مشغولة بحماية امتيازاتها، في حين تُقمَع التساؤلات حول الصراع بين المصالح العامة للأمة التي من المفترض أن تشجّعها، مثل سياسات "تعمين" الوظائف، وبين المصالح الخاصة التي يدافعون عنها كرجال أعمال. لم يمنع السلطان العائلات التجارية في سلطنة عُمان من تولّي مناصب سياسية، والمشاركة بنشاط في تحديد الأولويات الاقتصادية. ولم يكن قابوس على استعداد أبداً للاعتماد على أسرته الصغيرة، مادفعه إلى التحالف مع النخب التجارية التقليدية في مسقط، الذين تم ضمان وصول أربابها بصورة تفضيلية إلى مغانم النفط من خلال العقود الحكومية. في المقابل، ساعدت العائلات التجارية السلطان على تمويل مساعيه لبناء الدولة. وهكذا، مُنِح بعض أعضاء العائلات التجارية البارزة مناصب استراتيجية يتحكّمون من خلالها بتوزيع الثروة النفطية في البلاد. وفي الوقت نفسه، عندما غيّرت عائدات النفط الحدود بين السياسة والاقتصاد بصورة تامة، أثرى العديد من الوزراء الذين لم تكن عائلاتهم نشطة في الاقتصاد قبل حكم قابوس.

لم يعترض السلطان على هذه العملية لأنها زادت ولاء النخب له ولاستقرار حكمه. وبالتالي، تحوّل الدَّين الرمزي المستحقّ على قابوس في بداية حكمه لمَن دعموه بعد العام 1970 تدريجياً إلى سلاح في يديه، الأمر الذي أحبط أي تحدّيات لحكمه عبر تحويلهم إلى حلفاء أوفياء. وعشية انطلاق موجة الربيع العربي، لم تحصل سوى قلة ضئيلة من الوزراء شخصياً على ربح مادي من عائدات النفط.13  وهكذا، من وجهة النظر هذه، لم تسهم سياسات الخصخصة والتنويع الأخيرة سوى في تأكيد التسلسل الهرمي الاجتماعي والاقتصادي المعمول به في سلطنة عُمان، بدلاً من تشجيع الحراك الاقتصادي الذي قد يطرح على بساط البحث طبيعة النظام السلطوي القائم والمساهمة في تجديد، أو على الأقل تنشيط، النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

ساعدت كل هذه التوجهات في خلق أرضية خصبة لنمو المظالم السياسية. في العام 2005، جرى اعتقال موظفين من جامعة السلطان قابوس في مسقط، وكذلك مسؤولين عسكريين ومدنيين كبار، ما أدّى إلى إصدار أحكام بالسجن على أكثر من 70 شخصاً. كل الذين اعتقلوا كانوا ينتمون إلى المدرسة الإباضية، التي تُعَدّ ثالث انقسام عقائدي كبير في الإسلام (جنباً إلى جنب مع السنّة والشيعة)، والتي يُقدَّر أنها تشكّل مايزيد قليلاً على نصف السكان العُمانيين.14  اتهمت النيابة العامة المعتقلين بأنهم أعضاء في تنظيم سرّي محظور أُسِّس في شمال البلاد. واتهمت جماعة علنية، يُعتقَد أنها تابعة للتنظيم وتدير مخيمات صيفية للشباب وجناحاً سرّياً، بمحاولة قلب نظام الحكم بالقوة بهدف إقامة إمامة إباضية. نفى المتهمون أن يكون للتنظيم أي بُعد سياسي، وركّزوا على طابعه وأهدافه الدينية، وعلى الرغبة المشتركة لأعضائه في "الدفاع عن المذهب الإباضي".15 

في الوقت نفسه، بدأت تنمو الأشكال الأوّلية للمجتمع المدني، والتي تتألف من الشباب العُمانيين الذين اعتقدوا أن تعليمهم القوي يتيح لهم بأن يكون لهم رأي في عملية صنع القرار، وهو مايُعَدّ دلالة أوّلية علنية على أن قطاعات متزايدة من المجتمع كانت متردّدة في ضمان استمرار النظام الذي استبعدها من القرارات السياسية والاقتصادية. افتُتِحَت منتديات الإنترنت الجديدة في منتصف العقد المنصرم، واختار معظم المشاركين استخدام أسمائهم الحقيقية، حتى عند معالجة القضايا الحسّاسة، بهدف معلن يتمثّل في تشجيع النقاشات الاجتماعية والسياسية الجديدة في المجتمع العُماني. وعلى الرغم من المضايقات والاعتقالات المنهجية للناشطين على شبكة الإنترنت، أصبح وجود حكايات على شبكة الإنترنت عن ممارسات احتيالية مزعومة تقوم بها شخصيات رئيسة في النظام (ولكن ليس السلطان) أمراً مألوفاً. وفي صيف العام 2010، استغلّ المثقفون والناشطون في مجال حقوق الإنسان فرصة الذكرى الأربعين لاعتلاء قابوس العرش كي يقدّموا التماساً على الإنترنت إلى السلطان يدعو إلى إجراء إصلاحات واسعة، مثل وضع دستور جديد من شأنه أن يؤدّي إلى نظام ملكي برلماني واتّخاذ إجراءات ضد الفساد بين كبار المسؤولين.

كسر حاجز الخوف

كان ينبغي أن تفسّر السلطات هذه العلامات التحذيرية للعاصفة التي تقترب على أنها كذلك: أي إشارات تحذيرية. ومع ذلك، فإن مناخ الإحباط العام الذي أشعل النار في العام 2011 فاجأ النظام.

في 17 كانون الثاني/يناير 2011، تجمّع 200 شخص في مسقط احتجاجاً على الفساد الحكومي والصعوبات الاقتصادية. وأعقبت ذلك، في شباط/فبراير، سلسلة من الاحتجاجات على المستوى الوطني، شارك في كلٍّ منها بضع مئات من الأشخاص الذين تظاهروا ضد تدنّي الرواتب وارتفاع معدّلات البطالة وعدم وجود سلطات تشريعية لمجلس الشورى، الذي كان قد انتُخِب بالاقتراع العام منذ العام 2003.

في أواخر شباط/فبراير 2011، في بلدة صحار الشمالية في منطقة الباطنة في عُمان، نفّذ شباب عديمو الخبرة من المدن المجاورة، قيل لهم مرة أخرى إنه لاتوجد وظائف متاحة لهم، اعتصاماً في الفرع المحلي لوزارة القوى العاملة. جرى إخلاؤهم بواسطة قوات الشرطة، واعتُقِلوا ليلاً، واقتيدوا إلى السجن المركزي في المدينة. وعندما انتشر الخبر، جرت مناوشات حول مركز شرطة صحار، وقُتِل أحد المتظاهرين بإطلاق النار. منذ تلك اللحظة فصاعداً، أصبح "دوّار الكرة الأرضية" في صحار، والذي أُعيدَت تسميته بـ"ميدان الإصلاح"، مكاناً لتجمّع المتظاهرين. تم تنظيم الاعتصامات، والتي استمرت لمدة شهرين، في الوقت نفسه أمام مكاتب المحافظ في صلالة، المدينة الرئيسة في محافظة جنوب ظفار، وفي مدينة سور الشرقية.

للمرة الأولى منذ نهاية حرب ظفار في أواخر سبعينيات القرن الماضي، اقتحم التعبير عن الأفكار البديلة والنقد الواعي لسياسات الدولة الشوارع من دون استئذان. فحتى هذه المرحلة، لم يُسمَح للمنتقدين بأي مجال بالعمل بدعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية خلف السلطان ومنع خطر الفتنة. وكان ثمّة أيضاً تفاهم بأن السلطات لن تستخدم القوة إلا بشكل محدود، في مقابل عدم انخراط الشعب في القضايا السياسية. هذا الاتفاق الضمني أضفى صدقيّة على الفكرة القائلة بأن "تكلفة مقاومة الظلم تفوق تكلفة الاستكانة له".16  وقد أكّد ذلك الاتفاق لمعظم العُمانيين أن السياسة لعبة خطيرة، وأن بمقدورهم أن يتمتّعوا بحياة مُرضية جداً إن هم لم يتدخّلوا فيها.

كان للحقيقة أن أهم التظاهرات وقعت في مدينة صحار، التي لها تاريخ غني في مجال التجارة يعود إلى آلاف السنين، رمزيّة فاقعة. فحتى أوائل العقد الماضي، ظلت صحار مدينة ريفية أهملتها عملية التحديث التي جرت بعد العام 1970، شأنها في ذلك شأن المراكز الإقليمية الأخرى. ولعل عدم وجود فرص عمل في شمال عُمان (إلى جانب الوظائف الأخرى في الفروع المحلية للحكومة والقطاع العام) يساعد على توضيح السبب في أن الكثير من المواطنين العُمانيين من الباطنة كانوا حاضرين بقوة في قوات الأمن في الإمارات العربية المتحدة حتى بداية القرن الحادي والعشرين.17 

في هذا السياق، اعتُبِر قرار الحكومة بإنشاء موقع صناعي ومنطقة حرة، بحيث يكون معرضاً دولياً للتنوّع الاقتصادي في البلاد، هبة من السماء في صحار. وفي مقابل استثمارات إجمالية مخطط لها تبلغ 15 مليار دولار، كان من المتوقّع رسمياً أن يوفّر الموقع، الذي دخل حيّز الخدمة منذ العام 2002، أكثر من 8 آلاف فرصة عمل مباشرة، و30 ألف فرصة أخرى غير مباشرة في المنطقة بحلول العام 2015.

مع ذلك، تفكّك النسيج الاجتماعي في صحار عندما تحوّلت خلال سنوات قليلة من بلدة ريفية صغيرة وهادئة إلى العاصمة الصناعية للبلاد. إذ انفجرت فقاعة التفاوت الاجتماعي، في ظل وجود جيوب من الثروة (بما في ذلك مناطق فاخرة لايدخلها غير المقيمين إلا عبر حواجز، وهي مخصّصة للمديرين التنفيذيين المغتربين من المجموعات الصناعية التي تمارس الأنشطة التجارية في الميناء) تتباين بصورة حادّة مع بقية المنطقة، حيث لم يجْنِ السكان الفوائد الاقتصادية للتنمية، وعانوا من الركود أو تدنّي مستوى معيشتهم بسبب الزيادة في التكاليف التي رافقت ذلك. كما ساعد التلوّث الناتج عن الصناعات في ميناء صحار في إثارة مشاعر الإحباط الشعبي. ولعل مايجسّد التوتّرات الناجمة عن الأرباح الهائلة التي راكمها بضعة من المطّلعين على أسرار النظام خلال فترة الازدهار الاقتصادي في المدينة، هو نهب وحرق السوق المركزي الرئيس في صحار، "لولو"، الذي يمتلك مبناه وأرضه وزير المكتب السلطاني، علي المعمري، في أواخر شباط/فبراير.

تم تكييف عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام"، التي أصبحت شهيرة الآن وجرى ترديدها في تونس والقاهرة، في سلطنة عُمان في العام 2011، حيث تم تحويلها إلى "الشعب يريد إصلاح النظام" و"الشعب يريد إسقاط الفساد". وطالبت شعارات أخرى، من قبيل "نعم لعُمان جديدة"، و"نريد الحرية"، و"قد تقيّد أيدينا ولكن لايمكنك تقييد أحلامنا في حياة أفضل"، بالتغيير علناً. وتمحورت الإضرابات والتظاهرات التي انتشرت بسرعة في جميع أنحاء البلاد حول المطالبة بالمزيد من فرص العمل، واتّخاذ تدابير للحدّ من ارتفاع الأسعار والتفاوت الاجتماعي. كما دعا المتظاهرون السلطان إلى التدخّل شخصياً لإنهاء عهد الواسطة والفساد في القطاع العام، ومحاكمة الوزراء ممَّن أمضوا فترات طويلة في مناصبهم ويُعتبَرون فاسدين إلى حدّ بعيد.

في مسقط، كان الاعتصام الذي قاده مثقفون وناشطون في مجال حقوق الإنسان أمام مجلس الشورى بمثابة رفض رمزي لتأييد هيئة مُنتخَبة لاتمتلك سلطة حقيقية. طالب المتظاهرون أيضاً بوسائل إعلام حرة ومفتوحة، وإصدار دستور يحلّ محلّ القانون الأساسي، وضمان الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقبل كل شيء تعيين رئيس للوزراء. وفي الوقت نفسه، انتشرت على شبكة الإنترنت روايات عن المضايقات وانتهاكات حقوق الإنسان الأساسية التي تقوم بها قوات الأمن، فضلاً عن شجب ماوصفها النقاد بأنها "دولة الأمن والبوليس". وكما أوضح أحد المثقفين الذي شارك في العام 2012 في اعتصام مسقط، "العُمانيون لم يصمتوا باختيارهم قبل العام 2011، بل أسكتهم النظام. كان السكان العُمانيون هادئين جداً بسبب القمع والخوف: "لاتتحدث في أمور السياسة: سيأخذونك خلف الشمس!" في العام 2011، تمكّن العُمانيون من التحرّر من سلطنة الخوف".18 

بصورة أعمّ، في حين كانت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد مدفوعة أساساً بقضايا اجتماعية واقتصادية، ثمّة بُعدان آخران جديران بالملاحظة. أولاً، على الرغم من أن عمليات التعبئة لم تُنظَّم على أُسُس طائفية أو تركّز على مطالب طائفية، لعب الإسلاميون دوراً حاسماً في توجيه السخط، ربما ليس بسبب جاذبية إيديولوجياتهم في حدّ ذاتها، بل لأنهم قدّموا واحداً من عدد قليل من الخطابات المضادة وأشكال التنظيم الجماعي التي يمكن لحظها بسهولة. كان تأثير خلايا الإخوان المسلمين وشبكاتهم السرّية ظاهراً في احتجاجات سور وصلالة وصحار، وكان بالإمكان رؤية تأثير خلايا السلفيين في العديد من احتجاجات الباطنة، وخصوصاً تلك الموجودة في صحار وشناص.19  وقد تمكّنت كل هذه الجماعات، إضافة إلى الإباضيين وقسم كبير من المثقفين العلمانيين الشباب، من التنسيق بصورة فعّالة، خصوصاً في صحار.

ثانيا، ظلت المنطقة الداخلية، معقل الإمامة الإباضية، حيث يشيع الفقر على الأرجح كما هي الحال في الباطنة وظفار، بمنأى عن الربيع العُماني. وربما يفسّر تاريخ عُمان في القرن العشرين هذه الحصانة باعتبارها أكثر من خصوصية إباضية. ففي خمسينيات القرن الماضي، نشأ صراع بين الإمامة الإباضية التي كانت تسيطر على المناطق الداخلية في عُمان منذ العام 1920، وبين السلطان سعيد بن تيمور، الذي كان يحظى بدعم بريطانيا، والذي كانت سيادته الكاملة تقتصر على الباطنة ومسقط وصلالة. وقد أوضح ناشط على شبكة الإنترنت من منطقة الداخلية ذلك قائلاً: "لاتزال ذكرى الحرب في خمسينيات القرن الماضي حيّة في الأذهان، عندما قضت قوات السلطان والبريطانيين على الإمامة. ويتذكّر الناس في عُمان كيف كان البوسعيديون سيئين وهم يعرفون أنهم جميعاً متشابهون"، ماجعلهم متردّدين في تحدّي السلطان الحالي. وقد لايكون الأمر كذلك في محافظة ظفار حيث لدى الناس هناك الذكرى نفسها للحرب ضد السلطان، بيد أن الأمر مختلف لأن هذه الذكرى جيدة". وأضاف الناشط: "لقد انتصروا في الحرب وطردوا والد قابوس".20 

نظراً إلى هذا الإرث التاريخي، كان قابوس دائماً حريصاً للغاية على عدم التفريط بالمنطقة الداخلية في عُمان. فقد مُنِح زعماء القبائل ورجال الدين من المنطقة، على وجه الخصوص، مناصب بارزة في الدولة الجديدة، وكانوا يمتلكون حرية الوصول بسهولة إلى السلطة المركزية. أبناء المنطقة الداخلية في عُمان لهم تمثيل زائد في جميع القوى الأمنية ووزارات الداخلية والعدل والتراث والثقافة. وبالتالي، كان الشعور بتخلّي الدولة المركزية الذي شهدته الباطنة والجماعات الأخرى منذ العام 1970، أقلّ وضوحاً في منطقة الداخلية.

أبناء المنطقة الداخلية في عُمان لهم تمثيل زائد في جميع القوى الأمنية ووزارات الداخلية والعدل والتراث والثقافة. 

علاوة على ذلك، وخلافاً لما حدث في صحار وصلالة، حيث عانى النسيج الاجتماعي بصورة كبيرة نتيجة تحوّلهما السريع من مجرد بلدتين ريفيتين إلى مدينتين صناعيتين، لايزال التكوين الاجتماعي التقليدي مستقرّاً في منطقة الداخلية. وقد نجح ذلك حتى الآن في تحقيق التوازن بين التفاوت الاجتماعي المتزايد والإحباط الناجم عن عملية التحديث التي جرى تنفيذها بصورة سيئة. إذ يحظى مفتي سلطنة عُمان، وهو إباضي من منطقة الداخلية، والمؤسّسة الدينية الإباضية بقدر كبير من الاحترام، ونادراً ماجرى الطعن بتصريحاتهما منذ العام 1970، حيث يؤيّد الطرفان بصورة دائمة الحفاظ على النظام الاجتماعي والسياسي القائم.

تساعد هذه العوامل، جنباً إلى جنب مع ذكرى موجة اعتقالات العام 2005 بين الناشطين الإباضيين، في توضيح غياب الاحتجاجات في منطقة الداخلية. بيد أن الاحتجاجات ازدهرت في صحار ومسقط وأماكن أخرى، واضطرّ النظام إلى الردّ.

 النظام يستجيب

في مواجهة الاستياء المتزايد، اتّخذ النظام خطوات عدّة لتهدئة المحتجين. رُفِع الحدّ الأدنى للأجور في القطاع الخاص للمواطنين بنسبة 43 في المئة، إلى حوالى 520 دولار أميركي (200 ريال عُماني) في منتصف شباط/ فبراير 2011. وقدّم السلطان قابوس المزيد من التنازلات في 27 شباط/فبراير، بما في ذلك منح بدل شهري (نحو 390 دولاراً أو 150 ريال عُماني) للباحثين عن عمل، وتوفير 50 ألف فرصة عمل جديدة للعُمانيين في القطاع العام (في الغالب في قطاعي الدفاع والأمن)، ومضاعفة بدل الضمان الاجتماعي الشهري للأُسَر المحتاجة المستحقة، وزيادة مخصّصات الطلاب.

في أوائل آذار/مارس، وفي أكبر عملية إعادة تنظيم لمجلس الوزراء خلال أربعين سنة، أقال السلطان قابوس ثلث أعضاء حكومته، بمَن فيهم علي المعمري، ووزير الاقتصاد الوطني، أحمد مكي، ووزير التجارة والصناعة، مقبول السلطان. كان القصد من تلك القرارات هو إعادة التأكيد علناً على مركزية السلطان عندما يتعلق الأمر بتجسيد الوحدة الوطنية والمعركة ضد الفساد. وفي حين استقبلت القرارات بصورة إيجابية، لم تفعل سوى القليل للنيل من عزم المحتجين، وبالطريقة نفسها لم يكن هناك أثر يُذكَر للمبادرات تجاه الإسلاميين، بما في ذلك موافقة السلطان على إنشاء بنوك إسلامية في أيار/مايو 2011.

في وقت لاحق من شهر آذار/مارس، أعلن السلطان عن نيّته توسيع صلاحيات مجلس الشورى لسلطنة عُمان، الذي يتكوّن من مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة المعيّن، والذي كان دوره محدوداً جداً حتى هذه المرحلة. ولكن عندما دخلت القوات السعودية والإماراتية إلى البحرين للمساعدة في قمع الاحتجاجات هناك، بدا واضحاً أن قابوس، على غرار نظرائه في دول مجلس التعاون الخليجي، لم يكن ينوي تجاوز ماكان يعتبره خطاً أحمر، أي ضرورة أن يبقى مركز السلطة السياسية (الجمع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية) حقاً شخصياً له مغلقاً أمام أي نقاش.

أظهر شهرا نيسان/أبريل وأيار/مايو أن القمع لايزال استراتيجية نشطة لخنق الأصوات المعارضة. فقد قُتِل متظاهر آخر في اشتباكات مع الشرطة في صحار في نيسان/أبريل. وأخلت شرطة مكافحة الشغب التجمّعات السلمية والدوّارات. كما أُلقي القبض على مئات المحتجين والصحافيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان في جميع أنحاء البلاد.21  وفُرِضَت عسكرة متنامية، مع زيادة كبيرة في صلاحيات ونقاط تفتيش الشرطة على الطرق المؤدّية إلى الإمارات العربية المتحدة. وفي حزيران/يونيو وتموز/يوليو 2011، نال أكثر من 100 شخص أحكاماً بالسجن، وصل بعضها إلى خمس سنوات، بتُهَم مثل "حيازة مواد بقصد صنع متفجرات لنشر الرعب"، و"التجمّع غير القانوني"، و"تخريب وتدمير الممتلكات العامة والخاصة".22 

ومع ذلك، من الجدير بالذكر أن عدداً من الأساليب التي استخدمتها الحكومة في الماضي لمنع ظهور خطابات بديلة لم تَعُد فعّالة.

أظهر وصف المتظاهرين المتكرّر بأنهم رعاع ومخرّبون من جانب كبار المسؤولين ووسائل الإعلام الوطنية، عجز النظام عن قبول شرعية من كانوا يعبّرون عن آراء بديلة من دون اتّهامهم بخرق النظام العام. كما اتّهمت الحكومة المتظاهرين بأنهم يخضعون إلى النفوذ الأجنبي، وهي طريقة مجرّبة لتشويه سمعتهم ومطالبهم. وفي أعقاب إعلان الحكومة قبل بضعة أسابيع أنها كشفت شبكة تجسّس مدعومة من دولة الإمارات استهدفت القيادة العُمانية،23  عمّمت قوات الأمن رسائل نصية غذّت الشائعات عن تورّط إماراتي مفترض في تنظيم احتجاجات صحار. ومع ذلك، فشلت هذه الادّعاءات التي لا أساس لها في جذب قدرٍ كبيرٍ من الاهتمام.

جرت أيضاً محاولات لشراء ذمم أفراد يُعتقَد أنهم قادة الاحتجاجات، من خلال عرض الأموال والمناصب في الإدارات الحكومية عليهم، لكن من دون أن تحرز أي نجاح. اتصلت الشرطة والمسؤولون في وزارة القوى العاملة مباشرة بالرؤساء التنفيذيين وإدارات الموارد البشرية في الشركات الخاصة في الباطنة، وأعطوهم تعليمات بتوفير وظائف بين عشية وضحاها (تصل أحيانا إلى 50 وظيفة) لـ"شباب دوّار صحار"، والذين حصلوا على أسمائهم من المسؤولين الحكوميين.24 

لجأت السلطات أيضاً إلى زعماء القبائل للمساعدة في استعادة الهدوء. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، استقطبت السلطات العُمانية القبائل ومنحت زعماءها الهدايا النقدية والعينية لضمان ولائهم للنظام. وقد تصرّف شيوخ القبائل، الذين يحصل الكثير منهم على رواتب شهرية كموظفي دولة، كوسطاء بين أفراد القبائل وبين جهاز الدولة. كان القصد من ذلك تعزيز الولاء القبلي للأفراد، والحيلولة دون ظهور عمليات تعبئة سياسية أوسع.

ومن المثير للاهتمام أن هذا التلاعب بالهويّات المحلية والقضايا القبلية أثبت أيضاً أنه غير ناجع في العام 2011. فقد حاولت وزارة الداخلية إشراك شيوخ القبائل وممثّلي الدولة في الولايات لاسترضاء المحتجين في مناسبات عدة ووعد الشباب بالحصول على وظائف في قوات الأمن. بيد أن المتظاهرين رفضوا هذه الوساطة بصورة سمجة، وهي إشارة واضحة إلى أنه بعد عقود من سياسة الاستقطاب التي اتّبعها قابوس، تراجع المستوى الفعلي للهيبة والسلطة التي يتمتّع بها زعماء القبائل بصورة حادّة.

ويبدو من الواضح أيضاً أن السلطات كانت تفتقر إلى وجود فهم دقيق للاحتجاجات. وعلى الرغم من كل الأدلّة المتوفرة على أن إسقاط النظام لم يكن أبداً على أجندة المحتجين في العام 2011، سرعان ما استخدمت التحقيقات الأمنية مصطلح معارض.25  وفّر هذا التكتيك للسلطات فرصة تشويه سمعة المتظاهرين، بيد أن من المحتمل أنها كانت تبحث عن تنظيم سرّي واضح المعالم بعيداً عن التنسيق الفعلي الفوضوي بين الاعتصامات المختلفة والحماقات التي شابت تصرفاتها.

كما اتّخذ النظام خطوات أخرى تهدف إلى تشديد الأحكام القانونية التي تجرّم التعبير عن آراء مستقلّة أو انتقادية. في شباط/فبراير 2011، فرض قانون جرائم الإنترنت الجديد الصادر بمرسوم سلطاني عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، على استخدام الإنترنت لـ"إنتاج أو نشر أو توزيع أو شراء أو حيازة كل مامن شأنه انتهاك الأخلاق العامة" أو "المساس بالنظام العام أو القيم الدينية". وبعد بضعة أسابيع، وُسِّعَت صلاحيات النائب العام بموجب مرسوم سلطاني، حيث أُسنِدَت كل السلطات التي يتمتّع بها المفتش العام للشرطة والجمارك إلى النائب العام. وكما أوضح صحافي مالي عُماني بارز، فإن "النائب العام مسؤول مباشرة أمام السلطان [الآن]، ويمكنه أن يحقق مع أي شخص".26 

وفي أيار/مايو 2011، وسّع السلطان قابوس صلاحيات الشرطة، وسمح لها باحتجاز الأفراد من دون أمر اعتقال لمدة تصل إلى خمسة عشر يوماً قبل تقديمهم إلى المحكمة، ولمدة تصل إلى ثلاثين يوماً من دون تهمة "على الجرائم التي تتعلّق بالأمن الوطني أو الواردة في قانون مكافحة الإرهاب".

في تشرين الأول/أكتوبر 2011 تم تعديل مواد عدة من قانون العقوبات بموجب مرسوم سلطاني، وفرض عقوبات بالسجن على "نشر أخبار كاذبة أو بيانات أو شائعات من شأنها أن تحرّض الجمهور أو تنال من هيبة الدولة أو تضعف الثقة في الوضع المالي". وقد نصّت إحدى المواد الجديدة على أنه "يعاقب بالسجن من شهر واحد إلى سنة واحدة كل من يشارك في تجمّع لايقلّ عن 10 أشخاص، بنيّة التأثير على النظام العام". هذه التعديلات جرّمت الطابع الخاص للاحتجاجات، وصولاً إلى الأساليب التي تستخدمها (الحواجز على سبيل المثال) ومظهر المحتجين (مثل ارتداء الأقنعة أو الحجاب في مكان عام أو أي عملية تخفّي أخرى تمنع تحديد الهوية).

في الشهر نفسه، وفي سياق محاولة لممارسة مزيد من السيطرة في جميع أنحاء البلاد، حوّلت عملية إعادة تنظيم إداري جميع المناطق إلى محافظات، بحيث يعمل جميع المحافظين (باستثناء محافظي مسقط وظفار اللذين لهما مرتبة وزير) تحت رقابة وزير الداخلية الصارمة.

تنازلات مؤسّسية محدودة

حتى عندما تحرّك النظام لقمع المعارضة، قدّم السلطان تنازلات عدة تهدف إلى التأكيد على اهتمامه بتطلّعات الجمهور إلى قدر أكبر من المشاركة في عملية صنع القرار.

صوّت ستة وأربعون في المئة من الأشخاص المؤهّلين للانتخاب في انتخابات مجلس الشورى في العام 2011. ومن المحتمل أن نسبة الإقبال هذه، وهي نسبة أعلى مما كانت عليه في العام 2007، تمثّل انعكاساً لتوقّعات العُمانيين "بأن يطالب المجلس الذي انتخب ذلك العام بإصلاحات أكبر. وتنافس المرشحون الذين بلغ عددهم 1133 بصورة مستقلّة، لأن النظام يحظر الأحزاب والمنابر السياسية. والواقع أن قواعد حملة العام 2011 الانتخابية كانت مقيِّدة مثل القواعد التي كانت تنظّم انتخابات العام 2003 والعام 2007، باستثناء أن للمرشحين الحق في عقد اجتماعات عامة في الصالات أو الخيم الانتخابية لأول مرة. وقد تم السماح للمرشحين بوضع الملصقات، وتعليق اللافتات في الشوارع والأماكن العامة، والإعلان على شاشات التلفزيون وفي الصحف. غير أنه لم يُسمَح لهم بمناقشة مواضيع عامة (مثل دور الدين في المجتمع أو الفصل بين السلطات) أو بتنظيم حملة انتخابية عامة بالاشتراك مع مرشح من محافظة أو ولاية أخرى. وقد جرى تنظيم معظم الحملات الانتخابية في مجالس منازل شيوخ القبائل، ولكن أيضاً من خلال شبكات مباشرة وشخصية.

وكما كانت الحال في انتخابات العام 2003 والعام 2007، كانت المحسوبية والانتماءات القبلية والعرقية والأموال التي يقدمها المرشحون أيضاً محدّدات رئيسة لخيارات الناخبين.27  وكانت النتيجة المهمة الوحيدة لهذه الانتخابات أنه تم انتخاب ثلاثة رجال شاركوا في الاحتجاجات في وقت سابق من العام.

بعد خمسة أيام من الاقتراع، وفى السلطان بتعهّده الذي قطعه على نفسه في آذار/مارس وعدّل النظام الأساسي لتوسيع صلاحيات مجلس عُمان. في السابق لم يكن في وسع المجلس سوى استجواب الوزراء الذين ليست لهم علاقة بالوزارات السيادية (الخارجية والدفاع والمالية والداخلية والنفط) وتقديم التعديلات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية إلى مجلس الوزراء، الذي يتكوّن من أعضاء الحكومة والمكلّف بتنفيذ السياسات المقرّرة من جانب السلطان. سمحت التعديلات التي أدخلت في تشرين الأول/أكتوبر 2011 لمجلس عُمان بصياغة القوانين بمبادرةٍ منه. ويجب أن تُحال القوانين إلى مجلس الوزراء لمراجعتها. إضافة إلى ذلك، يجب أن تُحال مشاريع القوانين التي يعدّها مجلس الوزراء إلى مجلس عُمان لإقرارها أو تعديلها قبل عرضها على السلطان، الذي يمكنه إعادتها إلى مجلس عُمان لإعادة النظر فيها.

مع ذلك، لم تكن هذه الإصلاحات كافية لتحقيق الآمال الواسعة بأن يتحوّل مجلس عُمان إلى هيئة تشريعية حقيقية. فلاتزال هناك قيود خطيرة مفروضة على الصلاحيات التشريعية لمجلس عُمان. إذ يجب أن يقدّم مجلس الوزراء القوانين "التي تقتضيها المصلحة العامة" إلى السلطان مباشرة. ولايُسمَح لمجلس عُمان إلا بتقديم التوصيات (مجلس الوزراء حرّ في تجاهلها) بشأن مشاريع التنمية والميزانية السنوية للدولة، والتي يتم إعدادها من جانب مجلس يرأسه السلطان.28 

منحت التعديلات الجديدة مجلس الشورى القدرة على انتخاب رئيسه.29  وعلى الرغم من أنه لايزال في وسع مجلس الشورى استجواب بعض الوزراء، الذين يجب أن يرسلوا إليه تقريراً سنوياً عن أنشطتهم، فإنه مع ذلك لايستطيع استجواب الوزراء الذين يتولّون الوزارات السيادية. والأهم من ذلك هو أن آراء وقرارات هذه الهيئات ليست ملزمة للسلطان، الذي يصدر القوانين ويمكنه حلّ المجلسين.30 

في الجلسة الافتتاحية لمجلس عُمان في 31 تشرين الأول/أكتوبر، أدلى السلطان بأول خطاب علني له طال انتظاره منذ بدء الاحتجاجات. غير أن الخطاب لم يتضمن أي إعلانات كبرى، باستثناء وعد بمكافحة البطالة والفساد، الأمر الذي خيّب آمال الكثيرين.

ومع ذلك، وبعد أن وسّع السلطان صلاحيات مجلس الشورى، تزايدت الانتقادات لسياسات الحكومة واستجواب الوزراء، مايعكس عدم ثقة العُمانيين العامة بأعضاء مجلس الوزراء. ولم تؤدّ التغطية الحيّة لجلسات الأسئلة البرلمانية على قناة التلفزيون الوطني (وإعادة توزيعها على نطاق واسع على وسائل الإعلام الاجتماعية) سوى إلى زيادة ظهور هؤلاء الممثلين المنتخَبين على المستوى الوطني، والذين أظهر تغيّر نظرتهم إلى مسؤولياتهم ومواقفهم في ميزان القوى العام تطوراً نوعياً عن نظرة أسلافهم.

كان بعض أعضاء مجلس الشورى مصمّمين على استخدام الشرعية الشعبية التي استمدّوها من صناديق الاقتراع، والاستفادة من قرار السلطان بمنح المجلس المزيد من الفرص للتعبير عن رأيه (على الأقل رسمياً)، كما رأينا في اختبار القوة في العام 2012 بين مجلس الشورى ومجلس الوزراء.

في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام، وافق مجلس الشورى رسمياً على تشكيل لجنة دائمة للدفاع والأمن والعلاقات الخارجية،31  تغطي قضايا السيادة التي كانت من صلاحيات مجلس الوزراء بلا منازع. جدّد المجلس تفويض اللجنة في العام 2013. ولكن في حين رفض مجلس الوزراء المبادرة بصورة سمجة، فإن السلطان لم يعارض القرار رسمياً. في سياق مابعد الربيع العربي، والذي جسّد فيه أعضاء مجلس الوزراء التصوّر السائد لنخبة مشغولة بالحفاظ على امتيازاتها السياسية والاقتصادية، كان قابوس يوفّر لمجلس الشورى مساحة للتنفيس عن مشاعره. بيد أن ذلك كان أيضاً تذكيراً واضحاً لأعضاء مجلس الوزراء بضعفهم السياسي، وحقيقة أن مصيرهم السياسي يعتمد على حسن نوايا السلطان.

وأعلن مرسوم سلطاني صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2011 عن إنشاء مجالس بلدية في جميع محافظات السلطنة الحادية عشرة، وهي خطوة أخرى كانت تهدف إلى إظهار اهتمام قابوس بتطلّعات السكان إلى مزيد من المشاركة في صنع القرار. في السابق كانت محافظة مسقط هي الوحيدة التي لها مجلس بلدي (معيّن بالكامل). ومع ذلك، لم يكن لهذا الإصلاح سوى تأثير حقيقي محدود جداً. ويرأس المحافظُ الذي يعيّنه السلطان المجالسَ البلدية التي تتألف من أعضاء يمثّلون الولايات، ويتم انتخابهم بالاقتراع العام لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، فضلاً عن أعضاء يمثّلون الوزارات بحكم مناصبهم. يمتلك هؤلاء الأعضاء صلاحيات استشارية فقط، ويقدّمون آراءهم وتوصياتهم بشأن تطوير الخدمات البلدية في المحافظة (البنية التحتية والصحة والضرائب المحلية وأشياء مشابهة).

في كانون الأول/ديسمبر 2012، أجرت عُمان أول انتخابات بلدية في تاريخها. شارك في التصويت مايزيد قليلاً عن نصف مجموع الناخبين البالغ عددهم 447500 والمدرجين في نظام بطاقة الهوية الإلكترونية في البلاد. رفضت لجنة الانتخابات ما لايقلّ عن 50 طلب ترشيح قدمها أفراد شاركوا في احتجاجات العام 2011 "لأسباب أمنية".32 

في شباط/فبراير 2012، أعاد السلطان هيكلة مجلس القضاء الأعلى، الذي يشرف على القضاء، ويصادق على الترشيحات لشغل مناصب في السلك القضائي والمحكمة الإدارية والنيابة العامة، ويقترح ويراجع مشاريع القوانين بشأن المسائل القضائية. وفي حين زادت الإصلاحات استقلالية مجلس القضاء الأعلى عن وزير العدل، فإنها أعادت أيضاً تأكيد أولوية السلطان وسيطرته على جميع هذه السلطات، لأن السلطان يرأس مجلس القضاء الأعلى ويجب أن يصادق على أي قرارات يتّخذها المجلس في حال غيابه.

في محاولة أخرى من النظام لإظهار تصميمه على محاربة الفساد المستشري في مؤسّسات الدولة، جرى توسيع صلاحيات جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة بموجب مرسوم سلطاني. وتشمل مهمة الجهاز الموسّعة الكشف عن المخالفات المالية والإدارية، وضمان الشفافية في المعاملات المالية والإدارية، وتقديم توصيات بشأن كيفية تجنّب تضارب المصالح.

تخلّلت نهاية العام 2013 وربيع العام 2014 سلسلة من التقارير التي تعلن عن ملاحقات قضائية وإدانات لمسؤولين حكوميين ورجال أعمال بتهم مختلفة تتعلق بإساءة استخدام السلطة وغسيل الأموال والفساد.33  وقد تمت محاكمة حوالى 40 من موظفي الخدمة المدنية ورجال الأعمال في قضايا فساد منذ العام 2013. وكان من بين أبرز الأشخاص الذين تمت محاكمتهم الأمين العام السابق لوزارة الاقتصاد الوطني، محمد الخصيبي، ورجل الأعمال الهندي ب. محمد علي، المؤسس المشارك لمجموعة "جلفار"، أكبر شركة بناء في سلطنة عُمان، والمدير التنفيذي لشركة النفط العُمانية المملوكة للدولة أحمد الوهيبي الذي أمضى سنوات طويلة في الخدمة. على الرغم من كل الآمال التي عُلّقت على جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة ورسالته الطموحة، لم يكن الأشخاص الذين تورّطوا في هذه القضايا من بين اللاعبين الاقتصاديين والسياسيين الكبار الذين أثاروا غضب المحتجين وجسّدوا تضارب المصالح بين السياسة والأعمال منذ سبعينيات القرن الماضي.

استمرار الاضطرابات 

لم تكن مجموعة التنازلات السياسية والمبادرات الخيرية الكيفية والحملات القمعية القاسية على الأصوات المعارضة كافية لتأكيد قبضة الدولة وقمع الاحتجاجات. وبالتالي، أصبح الإحباط الشعبي من بطء وتيرة الإصلاح جليّاً مرة أخرى في أيار/مايو 2012. فقد أضرب حوالى 1000 من عمال النفط مطالبين بتحسين الأجور وظروف العمل. في الوقت نفسه، تطوّرت الاحتجاجات مرة أخرى في صحار دعماً لعضو مجلس الشورى طالب المعمري، وهو أستاذ سلفي للأدب العربي في جامعة صحار في الأربعين من العمر، والذي واجه دعوات من النائب العام برفع حصانته البرلمانية بعدما وضع بيانات على صفحته في موقع فايسبوك تنتقد كبار المسؤولين في وزارة الإسكان. هذا النشاط السياسي للمعمري، وخصوصاً دوره كمدافع عن ضحايا التلوّث في منطقة صحار الصناعية، كان حاسماً في انتخابه لعضوية مجلس الشورى في العام 2011.

لم تكن مجموعة التنازلات السياسية والمبادرات الخيرية الكيفية والحملات القمعية القاسية على الأصوات المعارضة كافية لتأكيد قبضة الدولة وقمع الاحتجاجات.

في أوائل حزيران/يونيو 2012، هدّد النائب العام، الذي عُيّن شقيقه مديراً لجهاز الأمن الداخلي برتبة وزير بموجب مرسوم ملكي في العام 2013، باتّخاذ "كل الإجراءات القانونية المناسبة" ضد الكتّاب والمدوّنين والمشاركين في الاعتصامات الذين تصرّفوا على نحو "يناقض قيم وأخلاق المجتمع العُماني" بهدف "المساس بمصالح الأمن القومي والمصالح العامة". وأعقبت ذلك حملة جديدة على المجتمع المدني في صيف العام 2012، ما أدّى إلى صدور أحكام بالسجن (تراوحت بين ستة أشهر وثمانية عشر شهراً) على أكثر من 40 شخصاً بتهم مختلفة تتعلق بـ"التجمّع غير القانوني"، و"مخالفة قانون جرائم المعلومات"، و"التشهير بالسلطان". وقد أصبحت الاشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب وبين الشباب المحليين حول صحار شائعة جداً في العامين 2012 و2013 إلى الحدّ الذي تم فيه فرض حظر التجوّل ونشر عربات مدرّعة في مناطق مختلفة.

في تموز/يوليو 2013، حاول السلطان طيّ المرحلة الدقيقة للسّجال الاجتماعي والسياسي، التي بقيت مفتوحة طيلة العامين السابقين، والتي أرادت السلطات اعتبارها فترة فاصلة مؤسفة. وبمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لاعتلائه العرش، أصدر قابوس عفواً عامّاً وأمر بإطلاق سراح جميع الأفراد الذين صدرت أحكام ضدهم وسُجنوا لأسباب سياسية. وأمر السلطان أيضاً بإعادة الأشخاص الذين تم فصلهم من وظائفهم في القطاعين الخاص والعام بعد احتجاجات 2011-2012.

مع ذلك، استمرت أعمال الترهيب والاعتقال التعسّفي للناشطين، ووفقاً لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، تم "سحق الحقوق الأساسية بصورة روتينية" منذ ذلك الحين.34  واعتُقل الناشط في مجال حقوق الإنسان سعيد جدّاد مرة أخرى بعد بضعة أيام من العفو السلطاني، حيث واجه اتهامات بـ"إضعاف مكانة وهيبة الدولة"، بعد دعواته إلى إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية، والاتصال مع هيئات حقوق إنسان أجنبية. وفي الشهر نفسه، أدّى تجدّد التظاهرات والحصار المفروض على المنطقة الصناعية في صحار إلى حملة جديدة قامت بها شرطة مكافحة الشغب وإلى المزيد من الاعتقالات.

في أيار/مايو وتموز/يوليو 2014، أُلقي القبض على أربعة من رجال الأعمال وموظفي الخدمة المدنية من صحار والبريمي، بالقرب من حدود دولة الإمارات، وعلى اثنين من المدوّنين، واحتجزوا في مكان سرّي. كما اعتُقل المحرّر البارز في المجلة الإلكترونية المستقلة "مواطن"، محمد الفزاري، والذي كان قد أُفرج عنه بعد العفو السلطاني في أذار/مارس 2013، مرة أخرى من دون مذكّرة أو تهم محدّدة في أيلول/سبتمبر 2014. 35  وهذا ماحدث بعد شهر واحد للكاتب والشاعر سعيد الدارودي، بعد وضعه بياناً انتقادياً على صفحته في موقع فايسبوك،36  ولاثنين من المدوّنين في تشرين الثاني/نوفمبر. وتم الإفراج عنهم جميعاً بعد أسابيع عدة من الاحتجاز في الحبس الانفرادي ومن دون توجيه اتهامات لهم. وفي كانون الأول/ديسمبر استهدفت حملة الترهيب التي سبق أن قام بها الأمن العُماني مجدّداً المدافعَ عن حقوق الإنسان سعيد جدّاد والناشط في مجال وسائل الإعلام الاجتماعية هلال البوسعيدي، الذي كان قد حُكم عليه في العام 2012 بالسجن لمدة سنة واحدة بتهمة المساس بالذات السلطانية. إضافة إلى ذلك، تم استدعاء الكاتب علي الرواحي وأودع الحبس الانفرادي لمدة خمسة أيام بعد نشره "تغريدة" على حسابه في موقع تويتر قال فيها إن عُمان أصبحت "شركة عائلية يديرها اللصوص وأبناء الشعب هم زبائنها، متجاهلين حقوقهم وكيفية المطالبة بها."37  في كانون الثاني/يناير 2015، اعتُقل سعيد جدّاد واستُدعي إلى المحكمة لمواجهة تهم مفبركة بـ"النيل من هيبة الدولة".

وحُكِم على عضو مجلس الشورى طالب المعمري في تشرين الأول/أكتوبر 2014، بعد أكثر من عام من الاعتقال، بالسجن لمدة ثلاث سنوات بتهمة التجمّع بصورة غير قانونية وإضعاف مكانة وهيبة الدولة.38  ويبدو أن هذا الحكم القاسي الذي فُرض على شخص يُعتبر "زعيماً سياسياً حقيقياً" في شمال الباطنة، كان بمثابة رسالة واضحة إلى أعضاء مجلس الشورى أن شبه حرية التعبير التي سمح بها النظام بعد العام 2011 لم تعد مسموحة،39  وأن وجود برلمان حقيقي في عُمان، يتمتّع بسلطات تشريعية فعلية، هو بالتأكيد ليس على أجندة النظام.

ويبدو أن الرسالة قد وصلت. فبينما أصبح استجواب الوزراء أكثر ضراوة بعد انتخابات العام 2011، تراجع بصورة كبيرة منذ اعتقال طالب المعمري في آب/أغسطس 2013. وعلى الرغم من توفّر أدلة على وجود مخالفات مالية وإدارية خطيرة في وزارة التعليم العالي عرضتها الصحف المحلية في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2013، 40  لم يطلب مجلس الشورى من الوزير الحضورَ لاستجوابه إلا بعد مرور عام على كشف التجاوزات. في الوقت نفسه، كان أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على التحرّر الخجول لمجلس الشورى الذي تم بعد العام 2011، هو أن اللجنة الدائمة للدفاع والأمن والعلاقات الخارجية كانت نائمة تقريباً منذ العام 2013.

وقد استمرت الاحتجاجات العمالية أيضاً. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2013، نظّم معلمو المدارس الحكومية في جميع أنحاء البلاد إضراباً لمدة أربعة أسابيع، وهو الإضراب الأطول والأكبر على الإطلاق. في ذروة الإضراب، شارك 35 ألف معلم مطالبين بهيكلة المرتّبات على أساس الأقدمية وتمكينهم من تشكيل نقابة منتخبة،41  وتم إغلاق 740 من أصل 1047 مدرسة حكومية.42  بعد بضعة أيام، وردّاً على الإضرابات التي أثّرت على القطاعات الاقتصادية الرئيسة في البلاد منذ العام 2012، أصدر وزير القوى العاملة قراراً جديداً يحظر الإضرابات، أو التحريض عليها، في المؤسّسات التي توفّر "الخدمات العامة الأساسية،" أي المنشآت والمصافي النفطية والموانئ والمطارات.43  ومع ذلك، حدثت إضرابات أخرى في الشركات الخاصة البارزة، بما في ذلك في قطاعي البتروكيماويات والبيع بالتجزئة، في ربيع العام 2014. 44 

خوّل قانون الجنسية الجديد (الصادر بمرسوم سلطاني في آب/أغسطس 2014) الدولة سلطةَ تجريد المواطن العُماني من جنسيته إذا "انخرط في جماعة أو حزب أو تنظيم يتبنّى مبادئ أو عقائد يمكن أن تضرّ بمصالح عُمان" أو "عمل لصالح دولة أجنبية بأي شكل من الأشكال، ولم يُلَبِّ طلب الحكومة العُمانية بترك هذا العمل خلال الأجل المحدّد له".45  ومن الواضح أنه يمكن استخدام هذه الأحكام لتهديد أو قمع المعارضة السلمية.

في الجانب الاجتماعي والاقتصادي سعى النظام، كما أوضح أحد الصحافيين، "بكل الوسائل المناسبة إلى منع حدوث حريق اجتماعي جديد".46  وبينما ازداد عدد المنح الدراسية للدراسة في الخارج بصورة كبيرة، أعلن مجلس الوزراء في شباط/فبراير 2013 عن زيادة بنسبة 62 في المئة في الحدّ الأدنى للراتب الإجمالي للمواطنين العاملين في القطاع الخاص، والتي دخلت حيّز التنفيذ في تموز/يوليو 2013. 47 إضافة إلى ذلك، صدرت أوامر سلطانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 بتوحيد جميع الدرجات والمرتّبات والمعاشات التقاعدية للعاملين في القطاع العام، على أن تدخل حيّز التنفيذ اعتباراً من 1 كانون الثاني/يناير 2014. علاوة على ذلك، وبهدف تشجيع توظيف المزيد من المواطنين العُمانيين، قرّرت وزارة القوى العاملة وقف إصدار تأشيرات للعمال غير العُمانيين العاملين في قطاعي البناء والتنظيف لمدة ستة أشهر اعتباراً من 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2013. 48

توقّعت دراسة أجرتها الحكومة العُمانية أن ترتفع فاتورة الأجور في القطاع العام في العام 2014 بمقدار 2.3 مليار دولار أميركي، وهو مايمثّل زيادة بنسبة 39 في المئة في الرواتب تُدفع من ميزانية الدولة. يأتي ذلك بعد زيادة بنسبة 70 في المئة في الإنفاق الحكومي بين العامين 2011 و2014. 49 

في أواخر العام 2014 وأوائل العام 2015، أصبح هبوط أسعار النفط مصدراً جديداً للضغط. فقد قال صندوق النقد الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، 50  إن من المتوقع أن يتضاعف السعر الذي تحتاج إليه البلاد لتحقيق التوازن في ميزانيتها إلى حوالى 97 دولاراً للبرميل في العام 2014، ارتفاعاً من 54 دولار في المتوسط بين 2006-2010. وفي حين تفترض خطط ميزانية 2014 أن متوسط سعر النفط هو 85 دولاراً للبرميل، فإن المستوى المتوقع في ميزانية العام 2015 هو 75 دولاراً للبرميل. في ظل هذه الظروف، تتوقع ميزانية 2015 عجزاً قدره 6.5 مليار دولار أي حوالى 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مايمثّل أكبر عجز مالي في البلاد منذ العام 1990. 51 

في ظل تزايد الضغوط لزيادة الإيرادات غير النفطية وإيجاد وسائل أخرى لتحقيق التوازن في الميزانية، قام مجلس الوزراء بدراسة خفض الدعم الحكومي في مجالات عدة في العام 2015، بما في ذلك الطاقة. كان ردّ فعل أعضاء مجلس الشورى على مثل هذه الخطوة سلبياً، واقترحوا بدلاً من ذلك فرض ضريبة بنسبة 2 في المئة على تحويلات المغتربين إلى بلدانهم الأصلية وخفض ميزانية الدفاع.52 

البيئة الإقليمية

في الوقت الذي استمر فيه العمل على مكافحة معارضة داخلية غير مسبوقة، تحرّك النظام طوال هذه الفترة لحشد الدعم له في المنطقة، حيث تحتدم الاحتجاجات أيضاً.

كانت عُمان تنظر دائماً إلى حالة عدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط باعتبارها عاملاً يهدّد استقرارها الداخلي. يساعد هذا الفهم للحساسية السياسية على تفسير تصميم السلطنة على منع الجهات الفاعلة الإقليمية من التدخّل في شؤونها الداخلية. وكانت النتيجة الطبيعية الحتمية (والثمن) لتلك الرغبة في الاستقلال الإقليمي هي تبعيّة سلطنة عُمان السياسية والعسكرية المؤكّدة لبريطانيا والولايات المتحدة.

على الرغم من أن القوات البريطانية غادرت القواعد العُمانية رسمياً في العام 1977، في نهاية حرب ظفار، كانت هذه المواقع العسكرية هي الوحيدة في شبه الجزيرة العربية التي استُخدمت في العام 1991، ومرة أخرى في العام 2003، كقواعد عملياتية من جانب التحالف البريطاني - الأميركي خلال الهجمات الجوية ضد العراق. ولم يؤدّ تجديد اتفاقيات التعاون العسكري مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة في العامين 1985 و1995، فضلاً عن المناورات المشتركة، بما فيها المناورة التي جرت في العام 2001 في الصحراء العُمانية، والتي تعدّ أكبر عملية انتشار للقوات البريطانية في الخارج منذ ثمانينيات القرن الماضي، سوى إلى تأكيد هذه التبعية الاستراتيجية العُمانية. وحتى لو كانت تلك الشراكة تسبّب انتقادات متكررة أو شعوراً بالإحباط في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى وداخل سلطنة عُمان، فإنها تمثّل، إضافة إلى الحماية العسكرية والسياسية التي توفّرها، المفتاح الذي منح سلطان عُمان مجالاً للعمل في دول مجلس التعاون الخليجي وفي الداخل.

كانت علاقات عُمان مع جيرانها محكومة بالتصميم على الحيلولة دون أن تؤثّر التشنّجات في المنطقة على وضعها السياسي الداخلي الراهن.

في تلك البيئة، كانت علاقات عُمان مع جيرانها محكومة بالتصميم على الحيلولة دون أن تؤثّر التشنّجات في المنطقة على وضعها السياسي الداخلي الراهن. ففي كانون الثاني/يناير 2009، أعلنت عُمان أنها لن تنضم إلى الاتحاد النقدي الخليجي. وبالنظر إلى الفجوة في مستويات الأجور بين سلطنة عُمان والدول المجاورة الأكثر ثراءً في دول مجلس التعاون الخليجي، ستكون للاتحاد النقدي آثار وخيمة على الاقتصاد العُماني. ومع ذلك، لم تكن لهذا الموقف أي آثار ضارّة كبيرة على علاقة عُمان مع جيرانها، كما تبيّن من القرار الذي اتّخذته دول مجلس التعاون الخليجي بإعداد حزمة مساعدات بقيمة 10 مليارات دولار أميركي لمساعدة عُمان في التعاطي مع احتجاجات آذار/مارس 2011، ودعم عُمان لقرار السعوديين والإماراتيين بإرسال قوات إلى البحرين.

منذ الأزمة الطارئة القصيرة التي ضربت جميع دول الخليج في العام 2011، كانت للرغبة في قمع الحركات الداخلية المؤيّدة للديمقراطية أولوية على الخلافات المتعلقة بالعلاقات طويلة المدى بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، أو بالتعاون الاقتصادي بين دول المجلس. على سبيل المثال، في أثناء التحضير لقمة مجلس التعاون الخليجي الرابعة والثلاثين في كانون الأول/ديسمبر 2013، أعلن وزير الدولة العُماني للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، أن عُمان لن تمانع من رفع مستوى مجلس التعاون الخليجي إلى اتحاد من ست دول، ولكنها "لن تكون جزءاً منه" إذا حدث ذلك. لم يكن لهذا الموقف أي تأثير على التزام عُمان بالأولويات الأمنية لمجلس التعاون الخليجي. وفي كانون الثاني/يناير 2014، صادق السلطان قابوس على الاتفاقية الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي التي تم توقيعها في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، والتي تعزّز التعاون والمساعدة المتبادلة في المسائل الأمنية. كما تسمح الاتفاقية بمطاردة الخارجين على القانون أو المطلوبين من الدول الأطراف، بغضّ النظر عن جنسياتهم، ودمج الأجهزة الأمنية للدول الموقّعة لتقديم الدعم لبعضها خلال أوقات الاضطرابات الأمنية والقلاقل. وقد وقّعت سلطنة عُمان والكويت اتفاقيات اقتصادية عدة، بما في ذلك اتفاقية بقيمة 1.75 مليار دولار في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، كجزء من حزمة المساعدات المالية البالغة 10 مليارات دولار التي تعهّدت بها دول مجلس التعاون الخليجي في العام 2011.

كانت الاستثمارات الكبيرة في قطاع الأمن أولويّة في عُمان منذ العام 2011. فقد استهلكت قوات الجيش والأمن الوطني 36.5 في المئة من إنفاق الدولة في العام 2012، و11.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في العام 2013، 53  وهو أحد أعلى المعدّلات في العالم. وسجلت سلطنة عُمان زيادة بواقع 51 في المئة في الإنفاق الدفاعي في العام 2012، وهي الزيادة الأكبر في جميع أنحاء العالم.54 

الحاجة إلى فتح صفحة جديدة

كشفت احتجاجات الربيع العُماني التي بدأت في العام 2011، واستجابة النظام لها، كيف وصل إضفاء الشخصانية الشديدة على النظام السياسي في سلطنة عُمان منذ العام 1970 إلى حدوده الأخيرة. فقد كان هذا النظام على مدى عقود أفضل ترياق في وجه خطابات بديلة للسلطان قابوس. لكن، على مدى سنوات، لم تتردّد الأجيال الشابّة في التشكيك بإيديولوجية النهضة. وقد أوضح ذلك موظف حكومي تخرّج من جامعة الكويت في العام 2004 قائلاً: "بالنسبة إلينا، العام 1970 ليس سوى شيء تافه الآن، إنه ماضٍ. مايهمنا هو مايحدث الآن".

أدّى الربيع العربي إلى تصعيد هذا التوتّر. وتبدو الرواية الرسمية التي تؤكّد على واجب العُمانيين الولاء "لوالد الأمة" غير مسموعة في بلد ولد 84 في المئة من سكانه بعد العام 1970 و70 في المئة بعد العام 1980. إذ يتحدّى النشطاء والمدوّنون، الذين يميّزون الآن بصورة واضحة بين النظام الحالي وبين الشعب العُماني، تلك الرواية بصورة علنية. فهم يمارسون انتقاداتهم للقرارات السياسية للسلطان وممارسات السلطة بصورة واضحة باسم عُمان ومخاوفهم على مستقبل البلاد. وفي ظل غياب السلطان واعتلال صحته، والأسئلة المستمرة حول عملية الخلافة، يزداد القلق حول المستقبل.

أصبح الانتقاد المباشر للسلطان، تدريجياً، أكثر شيوعاً في الاحتجاجات. ففي صلالة، تساءل المتظاهرون علناً عن مسؤولية السلطان في سوء الإدارة الاقتصادية ("إذا كنت لاتدري بـ[الممارسات الخاطئة]، فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم") أو هدّدوه بمفردات مبطّنة، من خلال الإشارة إلى حرب ظفار ومصير والده السياسي، الذي أُجبِر على الخروج من السلطة. ("ينبغي على من ينسى السبعينيات أن يفكّر في أحفاد الأحرار"). وسرعان ما أُلقي القبض على الكتّاب والمحتجين ممّن ينشرون على شبكة الإنترنت، الذين انتقدوا علناً ممارسات السلطان وقربه من المصالح البريطانية والأميركية وإدارته للإيرادات النفطية والبلاد؛ والتي شبّهوها بإدارة شركة خاصة، وحُكِم عليهم بالسجن بسبب المساس بالذات السلطانية. أما النشطاء الذين كانوا مقتنعين بإيمان السلطان بالإصلاح قبل الربيع العربي، فقد أعربوا في وقت لاحق عن "خيبة أمل كبيرة" تجاه استجابة النظام لدعوة المجتمع للمساعدة. وقد قالها أحد قادة احتجاجات مسقط في العام 2011 صراحة:

"في العام 2011، كنا نريد أن نفهم ماهية أسباب اعتلال بلادنا. أردنا استبعاد النخبة الفاسدة [حول السلطان] من النظام السياسي ومعرفة ما إذا كان ذلك سيحلّ المشكلة. تمكنّا من إبعاد تلك النخب... ولكننا سرعان ما أدركنا أن الجسم لايزال موبوءاً بشدّة.55 

لم يبقَ لدى السلطان، الذي أقال في العام 2011 وزراء بارزين كانوا قد خدموا فترة طويلة لغرض سياسي محدّد، أحد ليلقي عليه باللائمة، ولم يبقَ لديه أحد يمكن طرده لتهدئة السخط. وقد أوضح ذلك أحد نشطاء الإنترنت من الداخل قائلاً:

"لايزال إيمان الناس بالسلطان قابوس مرتفعاً، ومع ذلك، لم يَعُد هناك شخص آخر لكي يُلقى عليه اللوم في فشل الإصلاحات. لهذا السبب أعتقد أنه إذا كان [السلطان] سيعيّن رئيساً للوزراء فسيكون مجرّد شخص يمتصّ كل مشاعر الاستياء التي قد توجّه إلى السلطان بطريقة أخرى".56 

بدا تغيّر مكانة السلطان جليّاً في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، عندما زار مسندم، الواقعة على طول مضيق هرمز، وصحار، بمناسبة عيد الأضحى، وهي أول زيارة له إلى المدينة منذ بداية احتجاجات العام 2011. كان المغزى الواضح للزيارة هو الإيحاء بأن الوضع العام قد عاد إلى طبيعته. بيد أن الوضع على الأرض أظهر كم أن أشياء كثيرة قد تغيّرت. تم ترتيب الزيارة بصورة كبيرة بهدف إظهار أنها طبيعية، حيث جرى نشر أعداد ضخمة من قوات الأمن التي حاصرت المدينة، واستجواب الشباب بصورة استباقية، واتّهموا بالسخرية من الزيارة من خلال وضع منشورات على الإنترنت تم تداولها بسرعة على الشبكات الاجتماعية. لابل حدث ماهو أكثر من ذلك، حيث ظهرت كتابات تدعو إلى إسقاط السلطان على الجدران في صحار. وأوضح الموظف الكبير المتقاعد، الذي يصرّ على أنه "يحب جلالة السلطان" و"سيكون مخلصاً ومديناً [له] طيلة حياته"، أنه: 

"لم يكن خائفاً من الناشطين، بل بالأحرى من الشباب الفقراء الذين ليس لديهم مايخسرونه، والذين قد يكون غضبهم مدمراً... عامة الناس لايعتقدون أن بمقدور [السلطان] تغيير أي شيء في الوضع. فهو يعتبر بعيداً ومنفصلاً عن القضايا الحقيقية. الرجل العجوز وحيد، وحيد بصورة فظيعة، وليس لديه سوى قلّة قليلة من الأصدقاء أو الأشخاص الذين يثق بهم".57 

وقد لخّص أحد الناشطين في صحار الوضع قائلاً: "لقد أصبح قابوس مثل أي شخص آخر، فهو يخطئ مثل أي شخص آخر".58  هذا التغيير الجذري في العلاقة بين المجتمع العُماني وبين قيادته هو الدليل الأكثر وضوحاً على التحدّيات غير المسبوقة لنموذج التنمية السلطوي الريعي القديم التي يواجهه النظام.

مع ذلك، وفي ظل غياب السلطان لفترة طويلة، يبدو أن ترشيح ولي للعهد أو رئيس للوزراء أصبح أولوية سياسية. فقد انتظر الكثير من العُمانيين مثل هذا الإعلان بفارغ الصبر، وهو مامن شأنه إرساء أُسُس الحكم في عُمان لمرحلة مابعد قابوس. بيد أن النظام بقي متردّداً في كسر المحرّمات بشأن القضايا الرئيسة، بما في ذلك تعيين رئيس للوزراء وحكم البلاد في المستقبل، مايثير القلق على نطاق واسع.

خلافاً لما حدث في الأنظمة الملكية الأخرى في مجلس التعاون الخليجي، استبعد السلطان قابوس عائلته الكبيرة من المناصب إلى حدّ كبير. ففي نهاية العام 2014، لم يكن للسلطان أبناء ولم يعيّن وريثاً بصورة علنية.

وبموجب عملية الخلافة التي تقرّرت في العام 1996، فإن الذكور المسلمين من نسل الجد الثالث للسلطان قابوس، السلطان تركي، والذين هم أبناء شرعيون لأبوين عُمانيين مسلمين، هم وحدهم مؤهلون لأن يصبحوا سلاطين. وعندما يصبح العرش شاغراً، يطلب إلى "مجلس العائلة الحاكمة" الاجتماع خلال ثلاثة أيام لتعيين خلف له. وإذا فشل مجلس العائلة في اختيار شخص ما، يقع الأمر على عاتق مجلس الدفاع - إضافة إلى، (منذ التعديل الرمزي الذي تم في العام 2011) رئيسَي مجلسي الشورى والدولة، إلى جانب ثلاثة من أعضاء المحكمة العليا - للمصادقة على الشخص الذي عيّنه السلطان السابق مسبقاً في رسالة وجهها إلى مجلس العائلة الحاكمة. وفي العام 1997، قال السلطان قابوس: "سبق أن دوّنت اسمين، بترتيب تنازلي، ووضعتهما في مغلفين مختومين في منطقتين مختلفتين".59 

على مدى السنوات العشرين الماضية، كثرت التكهّنات في مسقط بشأن الأسماء التي قد تكون على القائمة. ويبدو أن الشخص الأوفر حظاً في البروتوكول الرسمي، وهو فهد بن محمود نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، والدة أبنائه من أصل فرنسي، غير قادر على المطالبة بالعرش لأنه لايستطيع أن يخطط لنقل منصب السلطان إلى واحد منهم بعد وفاته. وبالتالي فإن المرشحين الأكثر ترجيحاً للمنصب هم أبناء طارق بن تيمور، عم قابوس ورئيس الوزراء السابق، الثلاثة. فقد أصبح العميد السابق أسعد بن طارق، وهو خريج أكاديمية ساندهيرست العسكرية البريطانية، الذي تولّى لفترة وجيزة قيادة سلاح المدرعات السلطاني في تسعينيات القرن الماضي، الممثّل الشخصي للسلطان منذ العام 2002. وشغل أخوه غير الشقيق هيثم منصب الوكيل، ثم الأمين العام، في وزارة الخارجية وأصبح وزير التراث القومي والثقافة، وهو المنصب الذي يتولاّه حالياً. علاوة على ذلك، في كانون الأول/ديسمبر 2013، عُيّن هيثم، بموجب مرسوم سلطاني، رئيساً للَّجنة الرئيسة المكلفة بوضع وصياغة استراتيجية وطنية جديدة طويلة المدى بعنوان "رؤية عُمان 2040".60  وفي العام 1990 تم تعيين العميد البحري السابق شهاب، وهو أخ شقيق لهيثم، قائداً لسلاح البحرية السلطاني، وهو يشغل منصب مستشار السلطان منذ العام 2004. ويقال إن أسعد يحظى بدعم الجيش بينما تفضّل أجهزة المخابرات ومكتب القصر السلطاني هيثم.61

يقول وزير الدولة العُماني للشؤون الخارجية، يوسف بن علوي، الذي كان يتحدث في تموز/يوليو 2013، إن عملية الخلافة لن تؤدّي إلى حدوث فراغ في السلطة في البلاد، لكنه أضاف أن عملية تعيين رئيس للوزراء لمساعدة السلطان قابوس في هذه الأثناء "قضية معقّدة".62

خاتمة

يتم الآن وبصورة علنية تحدّي تماهي عُمان المعاصرة ككل مع قابوس، الذي كان حجر الزاوية في استراتيجية النظام لتأمين الشرعية منذ عقود، من جانب النشطاء والمدونين الذين يميّزون بوضوح بين النظام الحالي وبين الشعب العُماني. لذا، تبدو العواقب كبيرة بالنسبة إلى السلطان نفسه، كما يوضح أستاذ جامعي:

"أخشى أن يبدّد [السلطان] كل مابناه والاعتراف الشعبي الذي راكمه على مدى أربعين عاماً. أنا أؤيّد ترشيح رئيس وزراء أو ولي للعهد في أقرب وقت ممكن، لكي يحافظ قابوس على صورة "ابن الله على الأرض" التي بناها لنفسه".63 

يثير تعقيد آلية الخلافة المقرّرة في القانون الأساسي، إضافة إلى الدور المركزي الذي لعبه المسؤولون الذين لاينتمون إلى العائلة المالكة، العديد من التساؤلات. إذ تشير كل الدلائل إلى أن "مجلس العائلة الحاكمة" لم يجتمع حتى يومنا هذا. وفي ظل هذه الظروف، إذا لم تتمكّن العائلة المالكة من اتّخاذ قرار، فهل هي على استعداد لتسليم عملية اتّخاذ القرارات الأكثر أهمية لأفراد لاينتمون إلى العائلة المالكة ولايدينون بمناصبهم لأحد سوى قابوس؟

ثمّة تحدّيات اجتماعية واقتصادية هائلة في انتظار خليفة قابوس. غير أن المجتمع المدني العُماني الشاب لن يكون على استعداد لمنحه الدرجة نفسها من الأبوية السلطوية التي منحها آباؤهم لقابوس.

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من الاحتياطات التي اتّخذها السلطان، يبدو أن ثمّة خطراً من أن تظهر رسائل متناقضة، مايؤدّي إلى حدوث ارتباك سياسياً. في غياب قابوس، لايبدو أن هناك أي شخصية أبوية في أسرة آل سعيد يمكنها الإشراف على عملية الخلافة وضمان أن تبقى الخلافات مكبوتة.

لايمكن المساس بالثلاثي الذي رسم حدود عُمان المعاصرة - إيديولوجية النهضة مابعد العام 1970، وجهاز الدولة، والشخصية الأكثر أهمية فيها، السلطان قابوس- من دون التشكيك بمشروع بناء الدولة بأكمله الذي أخذه على عاتقه. يرتبط هذا النموذج من الشرعية، القائم على إضفاء الطابع الشخصي الشديد على النظام السياسي، ارتباطاً وثيقاً بشخص قابوس وبه فقط.

وثمّة تحدّيات اجتماعية واقتصادية هائلة في انتظار خليفة قابوس. غير أن المجتمع المدني العُماني الشاب لن يكون على استعداد لمنحه الدرجة نفسها من الأبوية السلطوية التي منحها آباؤهم لقابوس. إن الأدوات من قبيل استخدام إيرادات النفط باعتبارها وظيفة طارئة، وحنفية الدعم، وإقالة كبار الشخصيات كأكباش فداء اعتُبروا مسؤولين عن إخفاقات النظام، ومبادرات النوايا الحسنة الاعتباطية التي قام بها السلطان كإحدى وسائل تعزيز شرعيته وتأكيد دوره المركزي في الحفاظ على الوحدة الوطنية، أثبتت كلها أنها أدوات فاشلة جزئياً منذ العام 2011.

أدّت التدابير القمعية التي اتّخذها النظام بعد العام 2012 مرة أخرى إلى ما اعتبره مقرّر الأمم المتحدة الخاص حول الحق في حرية التجمّع السلمي وتكوين الجمعيات في أيلول/سبتمبر 2014، "انتشارَ ثقافة الصمت والخوف التي تؤثّر على أي شخص يريد أن يتكلم ويعمل من أجل الإصلاحات في عُمان".64  هذا الرد يؤكّد فقط حالة الفوضى التي تعاني منها السلطات في مواجهة تطوّر لم يَعُد في وسعها وقفه، ويتمثّل في ازدهار الانتقادات الموجهة للنخبة على خلفية إدارتها السياسية لهذا المنعطف الحاسم في تاريخ عُمان. ويجري إطلاق هذه الشكاوى صراحة باسم عُمان وبدافع الحرص على مستقبل البلاد.

مامن شك في أن خطاب السلطان التلفزيوني القصير من ألمانيا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، قدّم شعوراً مؤقتاً بالارتياح للكثيرين الذين يدركون تماماً الاضطراب الكبير الذي قد تثيره وفاته المفاجئة. بيد أن التغيير الجذري في العلاقة بين المجتمع وقيادته يواجه "دولة قابوس" بأسئلة غير مسبوقة لم يَعُد من الممكن تأجيل الإجابة عليها.

هوامش

Ali Ahmed al-Riyami, “90-m Long Message of Gratitude for 41st Renaissance Day,” Oman Observer, July 21, 2011.

Simeon Kerr, “Protests Awaken Sleepy Sultanate of Oman,” The Financial Times, February 28, 2011.

3 كانت ولاية ظفار، الواقعة في جنوب عُمان، مسرحاً في العام 1962 لانتفاضة القبائل ضد سلطة السلطان سعيد. وقد تحوّلت هذه الحركة تدريجياً إلى "الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل" ذات التوجّهات الماركسية–اللينينية. وفي تموز/يوليو 1970، عندما أوشكت الانتفاضة أن تنتشر إلى شمال عُمان، دبّر البريطانيون عملية إطاحة السلطان سعيد على يد ابنه قابوس. وقد حظي هذا القرار بدعم حكام الخليج الآخرين وشاه إيران، والذين كانوا قلقين من احتمال انتقال العدوى الثورية. وأعلنت السلطنة الجديدة، التي تدعمها بريطانيا والأردن وإيران، نهاية الحرب في العام 1975.

4 سعيد الهاشمي، الربيع العُماني: قراءة في السياقات والدلالات، (بيروت، دار الفارابي، 2013).

5 مقابلة شخصية، مسقط، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

6 في مقابلة أجرتها معه صحيفة "لوموند" الفرنسية، 22 أيار/مايو 1973.

Judith Miller, “Creating Modern Oman: An Interview with Sultan Qabus,” Foreign Affairs 76, no. 3 (1997): 17.

Sultanate of Oman, Oman Statistical Yearbook 2014 (Muscat: National Center for Statistics and Information, 2014), table 9-2.

Sultanate of Oman, Oman Statistical Yearbook 2014 (Muscat: National Center for Statistics and Information, 2014), tables 6-14 and 2-15.

10 Maqbool al-Sultan, then Minister of Commerce and Industry, in The Times of Oman, August 17, 2004.

11 الريال العُماني = 2.60 دولار أميركي.

12 Sultanate of Oman, Monthly Statistical Bulletin March 2011 (Muscat: National Center for Statistics and Information, 2011).

13 للمزيد من التفاصيل، أنظر:

span dir="ltr">Oman. Politics and Society in the Qaboos State (New York: Oxford University Press, 2009), chapter 6.

14 لاتستند تقديرات الانتماء الديني إلى بيانات رسمية نظراً إلى أن السلطات العُمانية لاتذكر أبداً الأرقام المتعلقة بالدين والمجموعات القبلية أو العرقية. وفقاً لحسابات تستند إلى التعداد الوطني، يبدو أن الإباضية يشكلون نسبة 50 – 55 في المئة من السكان، فيما يشكّل السنّة نسبة 45 – 50 في المئة والشيعة 3-4 في المئة. ويُعَدّ الإباضية أغلبية قوية في المنطقة الداخلية في عُمان، موقع المراكز التاريخية للإمامة.

15 "في بدء المحاكمة دافع المتهمون بأن حماية المذهب الإباضي أحد أهدافهم"، صحيفة الحياة، 19 نيسان/أبريل 2005.

16 Dale F. Eickelman, “From Theocracy to Monarchy: Authority and Legitimacy in Inner Oman, 1935–1957,” International Journal of Middle East Studies 17, no.1 (1985): 18.

17 غيّرت حكومة الإمارات هذا الوضع بعد العام 2003، خشية أن تكون لهذا الوجود آثار سلبية في حال نشأت توترات سياسية بين الإمارات وعُمان.

18 مقابلة شخصية، مسقط، 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

19 في تموز/يوليو 2014، قُدّر عدد العُمانيين الذين انضمّوا إلى جماعات عسكرية سنّية بـ200 شخص. أنظر تركي البلوشي، "عُمانيون يقاتلون في سورية"، البلد، 20 تموز/يوليو 2014. http://albaladoman.com/?p=20361

20 مقابلة شخصية، مسقط، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2011.

21 تم الإبلاغ عن الممارسة المنتظمة لسوء المعاملة الجسدية والنفسية التي بلغت حدّ التعذيب، في كثير من الحالات (مثل الاختفاء لدوافع سياسية، واختبار العذرية، والاعترافات القسرية، والحبس الانفرادي، والعزل الانفرادي في زنزانات مساحتها لاتتجاوز 4 أمتار مربعة من دون نافذة ومع موسيقى صاخبة وضوء كامل لأربع وعشرين ساعة في أماكن مجهولة، والحرمان من النوم، ودرجات حرارة قصوى، وتقييد الوصول إلى المراحيض). ومثل هذه الممارسات مستمرة حتى اليوم. أنظر على سبيل المثال:

The U.S. Department of State Country Reports for Oman on Human Rights Practices 2012: http://1.usa.gov/URP0Gp, and 2013: http://1.usa.gov/1s8ym3S; Gulf Center for Human Rights, “Torture in Oman,” January 29, 2014: http://gc4hr.org/report/view/20.

مثل هذه الممارسات مستمرة حتى اليوم. أنظر:
“Oman: Rights Routinely Trampled,” Human Rights Watch, December 19, 2014.

22 “Sohar Protesters Given Five-Year Jail Term,” Gulf News, June 28, 2011; “Court Jails 12 in Sohar Terrorism Case,” Gulf News, July 7, 2011. These sentences were upheld by Oman’s Supreme Court in April 2012.

23 .“Official Security Source – Spy Network Unveils,” Oman News Agency, January 30, 2011

24 مقابلة شخصية، صحار 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

25 مقابلة شخصية، تشرين الأول/أكتوبر 2011 وتشرين الثاني/ نوفمبر 2012.

26 اقتباس مذكور في:
Hugh Eakin, “In the Heart of Mysterious Oman,” New York Review of Books 61, no.13, August 14, 2014, 59.

27 تزامنت الحملة مع محاكمة رئيس تحرير صحيفة "الزمان" المستقلّة وأحد مراسليها، على خلفية نشر مقال يقدم أدلّة على وجود فساد في وزارة العدل. وقد حُكِم على الاثنين بالسجن مدة خمسة أشهر بسبب إهانة وزير العدل ووكيل الوزارة، وصدر الأمر بإغلاق الصحيفة مدة شهر واحد. 

28 هذا المجلس هو مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة. وهو يتألّف من أعضاء مجلس الوزراء ونائب محافظ البنك المركزي ومستشاري السلطان.

29 في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، انتُخِب خالد المعولي رئيساً لمجلس الشورى. كان خالد المعولي، وهو مدير عام سابق للاستثمار في وزارة السياحة (2005-2008)، عضواً في فريق المفاوضات الخاص باتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وعُمان. بصفته رجل أعمال نشطاً، كان عضواً في مجالس إدارة عدد من الشركات المُدرجة ضمن سوق مسقط للأوراق المالية. مع أن المعولي عادةً مايُصوّر على أنه يجسّد تجدّد الطبقة السياسية العُمانية منذ العام 2011، إلا أن أسرته لطالما كانت راسخة بعمق في أوساط السلطة.  ترأس شقيقه ناصر جهاز الرقابة المالية والإدارية في الدولة (برتبة وزير) منذ العام 2011، وكان قريبه هلال المعولي مفتّشاً عامّاً للشرطة والجمارك ووزيراً للخدمة المدنية.

30 إضافة إلى ذلك، يستطيع السلطان إصدار مراسيم لها قوة القانون بين ولايات مجلس عُمان وأثناء فترة رفع جلسات مجلس الشورى وعقد جلسات مجلس الدولة.

31 “Majlis A’Shura Discusses Economic and Financial Committee Report,” Oman News Agency, November 26, 2012.

32 “50 Candidates Rejected,” Gulf News, December 21, 2012.

33 “Omani CEO Jailed for 23 Years in Graft Case: Court,” Reuters, February 27, 2014.
"أحكام وقضايا جديدة في محاكمات الفساد"، الزمان، 3 آذار/مارس 2014

34 “Oman: Rights Routinely Trampled,” Human Rights Watch, December 19, 2014. http://www.hrw.org/news/2014/12/18/oman-rights-routinely-trampled.

35 “Update: Oman – Human rights Defender Mr Mohamed Al Fazari Released,” Frontline Defenders, September 9, 2014.

36 سعيد بن عبدالله الدارودي، "أنا لست عُمانياً... أنا ظفاري"، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2014:
https://www.facebook.com/asadaroodi/posts/1540658982831796

37 "السلطات تفرج عن الكاتب علي الرواحي بعد أيام من التحقيق"، البلد، 2 كانون الثاني/يناير 2015.

38 "إدانة عضو مجلس الشورى طالب المعمري بـ3 سنوات سجن"، البلد، 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2014:
http://albaladoman.com/?p=22898
كما حُكِم على عضو منتخب في المجلس البلدي بالسجن.

39 مقابلة، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

40 "ملفات جديدة في تجاوزات التعليم العالي"، الزمان، 8 كانون الأول/ديسمبر 2013، "تجاوزات التعليم العالي 2... مصروفات ضخمة ناتجة عن مخالفات في لجنة البعثات"، الزمان، 17 كانون الأول/ديسمبر 2013، "تجاوزات التعليم العالي 3... أثرت في الخطط الخمسية"، الزمان، 12 كانون الثاني/يناير 2014.

41 يحظّر القانون على أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الأخرى وموظفي الحكومة والعاملين في المنازل تشكيل نقابات أو الانضمام إليها.

42 “Hundreds of Schools Participate in Oman Strike,” Gulf News, October 1, 2013.

43 “Oman Bans Strikes at Facilities Providing Essential Services,” Muscat Daily, November 11, 2013.

44 “Lack of Coordination Blamed for Octal Strike,” Gulf News, March 9, 2014.

45 النص الكامل للقانون متوفر على موقع وزارة الشؤون القانونية على شبكة الإنترنت:
http://mola.gov.om/royals.aspx?Gzy=14

46 مقابلة شخصية، مسقط، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

47 يتكوّن الحدّ الأدنى للراتب الآن من 225 ريالاً عُمانيّاً كراتب أساسي، إضافة إلى 100 ريال عُماني كبدل مواصلات وسكن.

48 تم استثناء الشركات الدولية والشركات العاملة في المشاريع الحكومية والشركات التي يديرها أصحابها بدوام كامل من هذه السياسة. وقد جرى تمديد وقف إصدار التأشيرات فيما بعد لستة أشهر أخرى لكنه رفع في تشرين الأول/أكتوبر 2014 تحت ضغط متزايد من القطاع الخاص.

49 Crystal A. Ennis and Ra’id Z. al-Jamali, “Elusive Employment. Development Planning and Labor Market Trends in Oman,” Chatham House Research Paper, September 2014, p.14.

50 “Oman’s Public Wage Bill Could Jump $2.3 billion in 2014 – Finance Minister,” Reuters, November 13, 2013.

51 “Oman 2015 Budget Raises State Spending at Expense of Big Deficit,” Reuters, January 1, 2015.

52 “Amid Low Oil Prices, Oman Considers Remittance Tax on Expats,” Gulf News, November 25, 2014.

53 Stockholm Institute for Peace Research Institute (SIPRI), “Military Expenditure Database,” www.sipri.org/research/armaments/milex/milex_database.

54 SIPRI, “Trends in World Military Expenditure 2012”, April 2013,
http://books.sipri.org/product_info?c_product_id=458.

55 مقابلة شخصية، مسقط، 11 تشرين الأول/أكتوبر 2011.

56 مراسلات إلكترونية شخصية، 12 حزيران/يونيو 2012.

57 مقابلة شخصية، مسقط، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2012.

58 مقابلة شخصية، مسقط، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2011.

59 Judith Miller, “Creating Modern Oman: An Interview with Sultan Qaboos,” Foreign Affairs 76, no. 3 (1997): 17.

60 ستحلّ هذه الرؤية محلّ "رؤية عُمان 2020" القديمة التي صيغت في العام 1995، والتي تبيّن أن أهدافها بعيدة المنال في منتصف العقد الماضي، وأصبحت بالية مع انطلاقة الربيع العُماني.

61 كل هؤلاء الأشخاص رجال أعمال نشطون جداً، أيضاً. إذ يدير أسعد العديد من الشركات، بما في ذلك شركة أسعد للاستثمار، التي تعمل باعتبارها وسيلته الشخصية للاستثمار، ويقال إنها تدير أصولاً تتجاوز قيمتها مليار دولار أميركي في جميع أنحاء العالم. ويُعتبر ابنه تيمور، وهو متزوج من ابنة خال قابوس، المرشح الأبرز في جيله للخلافة. ويشغل تيمور منصب رئيس مجلس إدارة "بنك العز"، البنك الإسلامي الثاني في سلطنة عُمان، منذ العام 2012. أما هيثم فهو رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية للتجارة والمساهم الرئيس فيها، وهي شاركت في بناء محطتين رئيستين للطاقة. وهيثم أيضاً وكيل للعديد من الشركات متعددة الجنسيات في عُمان، كما أنه شارك في مشروع "المدينة الزرقاء"، وهي مدينة سياحية جديدة إلى الجنوب من صحار قُدّرت قيمتها مبدئياً بـ20 مليار دولار وكان من المفترض أن تستوعب 200 ألف شخص في العام 2020. كذلك، يمتلك شهاب عدداً من المصالح التجارية من خلال مجموعة شركات "البحار السبعة" التي يملكها ويرأس مجلس إدارتها.

62 “Oman: Naming Prime Minister Is Not Easy, Says Minister,” Gulf News, July 25, 2013.

63 مقابلة شخصية مع أستاذ جامعي، مسقط، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2011.

64 “United Nations Special Rapporteur on the rights to freedom of peaceful assembly and of association at the conclusion of his visit to the Sultanate of Oman,” Muscat, September 13, 2014, www.ohchr.org/EN/NewsEvents/Pages/DisplayNews.aspx?NewsID=15028&LangID=E.