بدأت المعركة في جبال القلمون في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 باشتباكات شرسة بين مجموعات المعارضة السورية وقوات الرئيس بشار الأسد، للسيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية الواقعة على الحدود اللبنانية-السورية. منذ ذلك الحين، تطورت المعركة وجذبت مزيداً من المقاتلين، إلا أن إحدى المجموعات بشكل خاص، جبهة النصرة، تظهر على أنها التهديد الأكبر لأمن لبنان واستقراره.

أصبحت منطقة القلمون وجهةً أساسيةً لمقاتلي المعارضة السورية الذين فرّوا من قوات النظام في أواخر العام 2013، إذ شكّلت معبراً إلى الملاذ الآمن اللبناني. كذلك أنشأ المقاتلون السوريون خطوط إمداد تمتد من البلدات اللبنانية على طول الحدود إلى سورية. اتجهت الألوية المتبقّية من الجيش السوري الحر، وهو شبكة مؤلفة من مجموعات متمرّدة تقاتل الأسد منذ سنوات، إضافةً إلى مقاتلي جبهة النصرة الذين ينشدون الحماية من تقدّم الدولة الإسلامية في سورية، إلى منطقة القلمون وأقاموا وجوداً لهم هناك.

يعني موقع القلمون الاستراتيجي أن نظام الأسد لايستطيع تجاهل هذه التطورات والسماح بوجود الملاذات الآمنة. فتحرَّك الجيش الوطني السوري لمحاصرة المقاتلين على الجانب السوري من السلسلة الجبلية، فيما تولّى حليفه حزب الله اللبناني مسؤولية الجانب اللبناني، باستثناء بلدة عرسال السنيّة ومحيطها.

وقعت اشتباكات عدّة للسيطرة على هذه المنطقة، إلا أن جبهة النصرة ظهرت على أنها المجموعة الأنجح، مع مقاتليها الموزّعين في مواقع جيّدة والمجهّزين جيّداً. انتقلت الدولة الإسلامية إلى القلمون في أواخر العام 2014، الأمر الذي هدّد موقع جبهة النصرة، إلا أن هذه الأخيرة هي المجموعة التي تمتلك الإمكانية الفعلية لتغيير قواعد اللعبة.

الرهانات والمناورات

يمكن أن يُعزى نجاح جبهة النصرة في القلمون جزئيّاً إلى وجودها البارز في البلدات الحدودية في الأراضي اللبنانية. فبفضل البيئة الداعمة، يمكن استخدام البلدات الحدودية مثل عرسال كمنصة لتنفيذ عمليات المقاتلين في السلسلة الجبلية.

لكن في أعقاب معركة عرسال بين جبهة النصرة والجيش اللبناني في آب/أغسطس 2014، قطع الجيش معظم المعابر التي تربط بين البلدة ومحيطها عند سفح السلسلة الجبلية. وكان هدف هذا الإجراء أن يجعل بقاء جبهة النصرة صعباً في الشتاء القارس، من دون خطوط إمداد ومعابر آمنة للاحتماء من الثلوج. فقد راهن نظام الأسد وحزب الله على أن حلول فصل الشتاء من شأنه أن يضع حدّاً للتهديد الذي يطرحه المقاتلون.

لكن ذلك لم يحدث. فقد أطلقت جبهة النصرة هجمات متواصلة على المواقع الحدودية الخاصة بالنظام وحزب الله، وأثبتت أنها قادرة على البقاء في ظروف مناخية قاسية، كما أظهرت أنها مستعدّة لخرق الحصار. 

وبما أن نظام الأسد خسر رهان الشتاء، فقد لجأ إلى مناورة أخرى غير مباشرة، تمثّلت في إثارة المواجهة بين الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وسائر مجموعات المعارضة في القلمون. كان لمقاتلي الدولة الإسلامية سابقاً وجود صغير نسبيّاً في جبال القلمون، ولم يتمكّنوا من الوصول إلى خطوط الإمداد لأن المعابر كانت خاضعة بشكل أساسي إلى سيطرة النظام أو جبهة النصرة. خفّفت دمشق من الضغط الممارَس على خطوط إمداد الدولة الإسلامية، كما سهّلت وصول مقاتليها إلى القلمون في أواخر العام 2014.

نجحت هذه الخطة إلى حدّ ما. فقد نفّذ مقاتلو الدولة الإسلامية هجمات ضد بعض ألوية المعارضة واقتحموا معاقلها الجبلية، إلا أن تحالفاً براغماتيّاً شكّل حجر عثرة في مسار الدولة الإسلامية.

بعد تركهم لأكثر من سنة وافتقارهم إلى الدعم الكافي من المجتمع الدولي والدول العربية المناهضة للأسد، بدأ مقاتلو الجيش السوري الحر يفقدون الأمل من الحصول على مساعدات مهمة من الجهات الخارجية. لذلك، لجأوا إلى أي وسيلة من شأنها أن توفّر لهم الإمدادات الأساسية لمواصلة قتالهم ضد قوات الأسد وحزب الله.

كسبت جبهة النصرة المجهّزة جيّداً ثقة هؤلاء المقاتلين وولاءهم، الأمر الذي انعكس تعاوناً في القلمون. وكان التحالف بين جبهة النصرة والجيش السوري الحر أقوى من قدرة الدولة الإسلامية الوليدة، وتمكّن حتى اللحظة من منع توسّع الدولة الإسلامية في المنطقة بشكل فعّال.

الجيش السوري الحر بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية

مع ذلك، استمرّت الدولة الإسلامية بمحاولة التوسّع في القلمون. وقد تتمكّن من توسيع انتشارها إذا انشقّ سائر مقاتلي الجيش السوري الحر وانضمّوا إلى صفوفها، أسواء طوعاً أو بالقوة. وقد يصبح هذا السيناريو مرجّحاً في حال تضاءل أكثر وصول جبهة النصرة إلى الموارد، الأمر الذي سيجعل الجيش السوري الحر ضعيفاً مجدّداً.

يبدو قادة الدولة الإسلامية، المعروفون بالأمراء، متنبّهين لهذا الاحتمال، وسيقومون بكل ما في وسعهم للإفادة من مثل هذا السيناريو. فضلاً عن ذلك، يجري استخدام التكتيكات النفسية التي احترفها مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق وسورية، لزيادة وتيرة الانشقاقات. فالشائعات تُطلَق يومياً عن العدد الكبير لمقاتلي الدولة الإسلامية في القلمون، كما يجري تداول معلومات خاطئة عن انشقاقاتٍ لمقاتلي جبهة النصرة والجيش السوري الحر وإعلانهم الولاء لقيادة الدولة الإسلامية. هذا وينشر الإعلام التابع لنظام الأسد وحزب الله تقارير تُبالِغ في تصوير نجاح مقاتلي الدولة الإسلامية في المنطقة، وتُعظِّم خسائر جبهة النصر، بغية إشعال فتيل الانقسام والريبة في صفوف النصرة والجيش السوري الحر، وهي استراتيجية "فرِّق تسُد" تقليدية.

نتيجة لذلك، تخضع جبهة النصرة إلى ضغوط لإيجاد ممرات بديلة لرجالها ومؤنها، لضمان تماسك وولاء مقاتليها كما الجيش السوري الحر. فهي تحتاج إلى هذا التماسك لمواصلة المعركة ضد الأسد وحزب الله والدولة الإسلامية.

خطوات جبهة النصرة التالية

تُحضِّر جبهة النصرة، المعزولة عن عرسال في الوقت الراهن، لشنّ هجمات على الحدود اللبنانية-السورية بغية مجابهة تأثير مخطّط الأسد والدولة الإسلامية. وإذ تحظى النصرة بداعمين لها من اللاجئين السوريين في لبنان ومتعاطفين معها من اللبنانيين السنّة المتشدّدين، يُحرِز قادتها تقدّماً نحو هدفهم المتمثّل في الصمود في وجه عاصفة القلمون.

كلما كَبُر الدعم الذي تستطيع النصرة الحصول عليه من البلدات اللبنانية الحدودية، كانت قادرةً أكثر على شنّ هجمات ضد معاقل حزب الله وتخفيف الضغط على مقاتليها على الجهة اللبنانية من جبال القلمون.

إضافة إلى ذلك، تُبدي جبهة النصرة استعداداً لعقد اتفاق حول الجنود اللبنانيين الذين أسرتهم في معركة عرسال، الأمر الذي قد يعزّز موقعها أكثر. فقد جرى إيصال رسائل إلى صانعي القرار اللبنانيين وقيادة الجيش حول استعداد جبهة النصرة لمقايضة المختطفين مقابل المؤن الطبية والغذائية، ومقابل ضمان مرور آمن للمقاتلين إلى المنطقة الحدودية السورية-اللبنانية. يُذكَر أن الخارجين عن القانون لجأوا تاريخياً إلى تلك المنطقة، وطرق التهريب عبر الحدود مرّت فيها.

إن مايجعل هذا التدبير، الذي لم يُعلَن عنه بعد، مغرياً للحكومة اللبنانية هو أنه لايتضمّن أي اتفاق لمقايضة الجهاديين المحتجزين حالياً في سجن رومية اللبناني. إذ لن يكون بمقدور صانعي القرار اللبنانيين إطلاق سراح جهاديين بسبب التداعيات الأمنية التي قد تترتّب عن مثل هذه الخطوة.

الواقع أن السجناء المتشدّدين يمثّلون مشكلةً كبيرة للحكومة اللبنانية. فمنذ معركة عرسال، راقبت السلطات اللبنانية الاتصالات التي أُجريَت من داخل سجن رومية مع المقاتلين على مشارف عرسال. هذه الاتصالات تقدّم للمقاتلين خارج السجن التوجيه الضروري للتسلّل إلى الأراضي اللبنانية.

لكن السلطات اللبنانية أنهت هذا الوضع في السجن، في كانون الثاني/يناير 2015، من دون أي خشية من أن يردّ المقاتلون بقتل الجنود المختطفين، وذلك على الأرجح بسبب الاتفاق المعلّق. إذ أدّت مداهمة السجن إلى بسط النظام فيه، ومنع الاتصالات كافة، إضافة إلى تفكيك الغرفة السرّية التي كان يستخدمها السجناء الإسلاميون لإدارة العمليات وإجراء الاتصالات، ونَقل هؤلاء السجناء إلى مبنى جديد. هذا وتؤدّي التحقيقات مع السجناء إلى كشف خلايا جهادية نائمة وانتحاريين في أرجاء لبنان.

بيد أن السلطات اللبنانية لم تكن متّسقةً في بذلها هذه الجهود بسبب الخلافات السياسية الداخلية. وإذا جرى التخلّي عن مثل هذه العمليات، فستزداد قدرة المقاتلين على الوصول إلى المناطق الحدودية.

وسيكون لهذا الأمر أيضاً تداعيات على سورية. إذ كلما حقّقت جبهة النصرة سيطرةً أكبر على البلدات الحدودية في منطقة القلمون، ازدادت قدرتها على تهديد معاقل نظام الأسد في سورية، وهو هدفها المطلق.

هذه النجاحات الاستراتيجية ستمنح النصرة اليد الطولى في معركة القلمون، وتُفاقِم المخاطر على أمن لبنان واستقراره. الخطر الفعلي إذاً ليس توسّع الدولة الإسلامية في القلمون، بل سعي جبهة النصرة إلى بسط سيطرة أكبر على الجانب اللبناني من الحدود.1

هوامش

1 يستند هذا التحليل إلى بحث ميداني أُجري في لبنان في أواخر العام 2014 وأوائل العام 2015.