بعد أربعة أشهر من الغارات الجوية والقتال على الأرض، أُعلِن عن أن البلدة الكردية كوباني حُرّرت من تنظيم "الدولة الإسلامية"، بعد محاولة الأخير السيطرة على هذه البلدة الاستراتيجية الواقعة على الحدود السورية-التركية. وسرعان ما أعلن التحالف الدولي المناهض للدولة الإسلامية النصر في هذا السياق، مستخدماً النجاح في كوباني للتأكيد على أن استراتيجيته العسكرية تحقق نتائج ملموسة. لكن، على الرغم من فشل الدولة الإسلامية في مسعاه إلى السيطرة على كوباني، فهو ليس خاسراً واضحاً في هذه المعركة. فعند التدقيق في المشهد الأوسع، يتضح أن الدولة الإسلامية حقق أيضاً مكاسب نتيجةً لذلك: مكاسب مرتبطة باستخدام الدولة الإسلامية الذكي للاستراتيجية العسكرية والآلة الدعائية، بقدر ماهي تتعلق بنقاط ضعف لدى التحالف الدولي.

كان توسّع الدولة الإسلامية شمالاً نحو كوباني جزءاً من محاولة الوصول إلى معبر حدودي بين سورية وتركيا. فقد شكّلت تركيا معبراً رئيساً للدولة الإسلامية لأن المقاتلين الأجانب المجنّدين حديثاً يمرّون فيها في طريقهم إلى سورية، وأيضاً بسبب وجود سوق سوداء حيث يبيع الدولة الإسلامية نفطها بأسعار مخفّضة جدّاً. لذا، كان من شأن السيطرة على معبر حدودي أن يمنح الدولة الإسلامية ميزة استراتيجية مهمة. ومع أن السياسة التركية تعارض تنظيم الدولة الإسلامية رسميّاً، ثمة البعض في الحكومة التركية يتعاطفون معه - إذ يرَوْن فيه وسيلة لمحاربة النظام السوري – فأسهموا، بالتالي، في غض تركيا الطرف عن نشاط الدولة الإسلامية على الحدود التركية-السورية.

لينا الخطيب
كانت الخطيب مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. شغلت سابقاً منصب رئيسة برنامج الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، في مركز الديمقراطية والتنمية وحكم القانون التابع لجامعة ستانفورد، وكانت أحد مؤسّسِيه.
More >

ثم أن الدولة الإسلامية استغلّ هذا التعاطف، كما المخاوف التركية من الطموحات السياسية لبعضٍ من مواطنيها الأكراد – من ضمنهم مناصرو حزب العمّال الكردستاني الذين يطالبون بإقامة دولة كردية – لتكثيف مستوى نشاطه للوصول إلى الحدود السورية-التركية. وفيما تقدّم تنظيم الدولة الإسلامية أكثر فأكثر نحو تركيا من الجانب السوري، حتى وصل إلى بلدة كوباني الحدودية، ظلّت أنقرة ترفض مطالبة التحالف المناهض للدولة الإسلامية بإرسال الدعم إلى المقاتلين الأكراد في البلدات السورية عبر تركيا. من خلال هذا الرفض، سعت تركيا إلى إضعاف قدرات القوات الكردية إلى حد كبير. وكانت النتيجة أنه قبل الوصول إلى كوباني، نجح الدولة الإسلامية في السيطرة على سبعين قرية كردية في سورية وأخلى العديد من سكّانها. وهكذا، ومع أن الدولة الإسلامية فشل في السيطرة على كوباني، إلا أنه سيطر على المزيد من الأراضي من خلال هذا المعركة، بالرغم من الإنسحاب التكتيكي من بعض القرى الكردية التي قام به فور إعلان خسارته للمعركة، والذي يشكل مساراً طبيعياً ضمن استراتجية التنظيم العسكرية لأنه يخوله التقاط نفسه فبل محاولة التوسع مجدداً وإن في مناطق أخرى.

حين وافقت تركيا أخيراً على فتح حدودها للسماح للمقاتلين الأتراك-الأكراد بدخول سورية لمساعدة نظرائهم السوريين، وجد الدولة الإسلامية نفسه محاصراً في كوباني، وكان أمامه خياران مُهلكان: إمّا البقاء في البلدة ومواجهة هذا الهجوم الجديد من جانب البشمركة وسائر المقاتلين الأكراد، أو الهروب وتعريض مقاتلي التنظيم إلى غارات التحالف الدولي. لم يكن رد الفعل الأول للدولة الإسلامية على هذا الفخ عسكريّاً بل إعلاميّاً: إذ ظهر الرهينة البريطاني جون كانتلي في شريط صادر عن الدولة الإسلامية، وهو يجول في أرجاء كوباني، متحدّثاً أمام الكاميرا عن سيطرة الدولة الإسلامية على المدينة. كانت هذه المحاولة الأولى التي قام بها الدولة الإسلامية للتعويض عن الهزيمة العسكرية من خلال الدعاية.

 ولكن الدولة الإسلامية اكتشف في الهزيمة العسكرية المتوقّعة في كوباني أفضليةً استراتيجية: إذ أن التصدّعات كانت قد بدأت تظهر في صفوف مقاتلي التنظيم داخل سورية، ولاسيما على الصعيدَين الوطني والإثني، كما في صفوف أعضاء التنظيم السوريين. فقيادة الدولة الإسلامية كانت بدأت بإعدام المعارضين الذين إما شكّكوا في قيادتها، أو اعتُبِروا سبباً للشقاق في مختلف كتائبها متعددة الجنسيات. وهكذا، عرف التنظيم أن كلّ مَن يُرسَل إلى كوباني سيلقى حتفه بشكل شبه مؤكّد، فعمد إلى إرسال الأعضاء الذين أراد التخلّص منهم إلى هناك. وبالتالي، استخدم الدولة الإسلامية كوباني كغطاء شرعي لـ"تطهير" صفوفه.

مع اقتراب معركة كوباني من نهايتها، لجأ الدولة الإسلامية مرة أخرى إلى طريقته المجرَّبة لتخطّي خسائره العسكرية: الدعاية. فهو كان احتجز طياراً أردنياً كان يشارك في الحملة الجوية ضده، وهو الملازم معاذ الكساسبة، وعمد إلى عرضه عارياً من الخصر إلى الأسفل في شريط فيديو. كما أطلق شريطاً آخر يُظهِر إعدام رهينة من رهينتَين يابانيَّين، وصوّر بياناً للرهينة الثاني يدعو فيه إلى إطلاق سراح ساجدة الريشاوي – التي تنتمي إلى القاعدة وحُكِم عليها بالإعدام في الأردن منذ 9 سنوات بعد تنفيذها هجوماً انتحارياً فاشلاً – مقابل سلامته.

حظيت الأشرطة الثلاثة باهتمام كبير من الإعلام، ودفعت الأردن إلى إعلان موافقته على إطلاق سراح الريشاوي مقابل الطيار، ولاسيما بعد أن تظاهر أفراد العشيرة التي ينتمي إليها هذا الأخير في عمّان مطالبين الحكومة ببذل جهد أكبر لإطلاق سراحه. وبالتالي، جاء إعلان الحكومة الأردنية خوفاً من الدولة الإسلامية كما من احتمال زعزعة الاستقرار في الداخل إذا ما تمت استثارة استياء القبائل. وعقب إعلان الأردن، ردّ الدولة الإسلامية سريعاً بإعلان إعدام الرهينة الياباني الثاني كما الطيار الأردني . فاستطاع بهذا العمل إذلال كلٍّ من اليابان والأردن، وهما عضوان في التحالف الدولي. إن مصير الطيار  ليس وسيلة للضغط على الحكومة الأردنية فحسب،بل  يمتدّ ليطال الدول كافة التي تشارك في التحالف. 

تُظهِر سلسلة الأحداث المرتبطة بكوباني نمطاً أصبح راسخاً الآن: كلما شعر الدولة الإسلامية أنها أُرهِقَت عسكرياً، لجأ إلى الحرب النفسية من خلال الدعاية للتعويض عن ضعفه. ومع أن التحالف الدولي ربح معركة كوباني عسكرياً، إلا أنه خسر حرب الصورة. فتفاوض الأردن العلني مع الدولة الإسلامية منح هذه الأخير زخماً كبيراً، إذ مكّنه من إذلال دولة عربية وكشف مخاوف الأردن من مسبّبات عدم الاستقرار الداخلية والخارجية. كما أن أحداث كوباني أظهرت نقاط ضعف التحالف الدولي، إذ بدا أنه لايمتلك استراتيجية متماسكة للتعاطي مع أزمات الرهائن. فاليابان رفضت التفاوض في حين أن الأردن قَبِل به. فضلاً عن ذلك، ألقت هذه الأحداث الضوء على تأثير التحالف على تركيا، التي أدّى رفضُها التعاون فيما كانت الدولة الإسلامية تتقدّم نحو كوباني، إلى تسهيل التوسّع الجغرافي للتنظيم. وتمكّن الدولة الإسلامية أيضاً من تحويل خسائره العسكرية إلى أفضلية من خلال استخدام كوباني كمَطهَر للمعارضين في صفوفه. يستحقّ محرّرو كوباني التقدير لإنقاذ المدينة، إلا أن المشهد الأوسع يعكس سيناريواً أحلك في الحرب ضد الدولة الإسلامية.

هذه نسخة معدّلة من مقال نشر أصلاً في الحياة.