في غضون ساعات من الهجوم على مجلّة "شارلي إيبدو" الساخرة في باريس، دأب العديد من رجال السياسة الفرنسيين والدوليين، والمعلّقين، على تصوير الهجوم بأنه يستهدف "التاريخ التنويري والنهضوي المشرّف" للبلاد، وقد وصفه الرئيس فرنسوا هولاند بأنه اعتداء على الجمهورية وقيمها المتمثّلة في "الحرية والإبداع والعدالة وحرية التعبير والتعددية".

لكن اختصار جريمة القتل التي طاولت صحافيي "شارلي إيبدو" بكونها إما مع التنوير والحضارة أو ضدّهما، يتجاهل التحديات العميقة التي تواجهها المجتمعات الأوروبية المعاصرة. فالهجمات المروّعة التي شهدتها فرنسا، تعيد إلى الواجهة مسألة ما يعنيه أن يكون المرء مواطناً في أوروبا اليوم، وكيف تتقاطع هذه المواطنة مع المسائل الملحّة المتعلقة بالطبقية والهويات الثقافية المتعددة.

مهى يحيَ
يحيَ مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على المواطنة، التعددية والعدالة الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات العربية.
More >

إن ربط قيم التنوير مثل الحرية بالديموقراطيات الغربية الليبرالية، ووضعها في مواجهة إسلام قروسطي وعنيف، هما عبارة عن بعث سردية شائعة إلى الواجهة مجدداً، تُصوِّر العرب والمسلمين بأنهم عاجزون عن احتضان هذه القيم. وكانت الصور المذهلة للملايين من المواطنين العرب الذين نزلوا إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والعدالة في 2011، قد وضعت حدّاً لهذه الرؤية بشكلٍ مؤقّت بإظهارها تعددية المجتمعات العربية والطاقات الإبداعية لمواطنيها. لكن الانتكاسات التي تعرّضت لها هذه الانتفاضات في مصر وليبيا واليمن وبلدان أخرى، وما تبعها من تدويل الصراع السوري، وظهور مجموعات متطرّفة منها "الدولة الإسلامية"، أحيَت مجدّداً هذه السردية.

فحزب "الجبهة الوطنية" في فرنسا وأحزاب يمينية متطرّفة أخرى في أوروبا ترى أن التعددية الثقافية هي المسؤولة عن وقوع جريمة "شارلي إيبدو". وفي نظرها، فإن المبادئ الإسلامية والمبادئ الليبرالية هي ببساطة غير متوافقة، الأمر الذي يجعل الهجرة الإسلامية والعربية تشكّل تهديداً وشيكاً للمجتمعات الفرنسية والأوروبية وقيمها.

وتكتسب هذه الآراء زخماً في فرنسا، كما اتضح في الانتخابات الأخيرة، حين سجّلت مارين لوبن، زعيمة الجبهة الوطنية، نتائج باهرة. فيما حشدت تظاهرة ألمانية مناهضة للإسلام، نظّمتها في 12 كانون الثاني (يناير) مجموعة تُعرَف باسم "أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب" (بيغيدا)، أكبر عدد من مؤيّدي هذه الحركة حتى الآن.

وفي ظل الاحتجاجات المؤيّدة وتلك المناهضة للأقليات المسلمة، يصبح هوس أوروبا المتنامي بالإسلام محطّ الاهتمام السياسي. وتظهر دراسة حديثة لمؤسسة إبسوس- موري أن الأوروبيين يبالغون منهجياً في تقدير حجم الجالية المسلمة في بلادهم. ففي فرنسا مثلاً، يعتقد المواطن العادي أن 31 في المئة من السكان من المسلمين، فيما النسبة الحقيقية حوالى 8 في المئة. كما يبالغ الناس في تقدير مستويات الهجرة عامة. ففي إيطاليا، يظن المشاركون في الاستطلاع أن 30 في المئة من سكان البلاد من المهاجرين، فيما النسبة الحقيقية 7 في المئة. وفي بلجيكا، يظن الناس أن 29 في المئة من السكان مهاجرون، فيما نسبتهم الفعلية 10 في المئة فقط.

وكما الحال في أمكنة أخرى في أوروبا، يعاني المواطنون الفرنسيون المتحدّرون من أصول عربية ومن مستعمرات سابقة من عدم مساواة كبير. فقد أظهر استفتاء للرأي أجراه مركز بيّو للأبحاث أن نصف المسلمين في هذه العينة تقريباً يجني أقل من الحدّ الأدنى للأجر الشهري. وقال أكثر من ثلثهم إنهم لم يتمكّنوا من شراء الغذاء الضروري أو الحصول على الأدوية والرعاية الطبية لأُسَرهم في العام الماضي. ويتمركز العدد الأكبر منهم في غيتوات في ضواحي العاصمة.

وفي ظلّ معطيات كهذه، ثمة خطر من أن تتحوّل الأقلية المسلمة في فرنسا كبش محرقة. فالتطورات التي تلَت هجمات إرهابية كبرى، بما فيها هجمات 11 أيلول (سبتمبر) وتفجيرات مترو الأنفاق في لندن، تُظهِر تراجعاً في تقبّل الأقليات، وازدياداً في تقبّل التشريعات المناهضة للديموقراطية. وأشارت وزارة الداخلية الفرنسية إلى تزايد الهجمات العشوائية ضد المسلمين في أنحاء البلاد في الأيام التي تلت جريمة "شارلي ايبدو".

صوّر البعض أيضاً هجوم "شارلي إيبدو" على أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ فرنسا الاستعماري، لأن مرتكبَي الهجوم، الأخوَين شريف وسعيد كواشي، من أصول جزائرية. فنضال الجزائر الطويل للاستقلال عن فرنسا لم ينتهِ إلا في 1962، وبعد ارتكاب فرنسا انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان و"ثورة المليون شهيد".

لا شك في أن التفاوت البنيوي الذي جرى ترسيخه في زمن الاستعمار له تأثير على حياة الناس اليوم، إلا أن مثل هذه الطروحات تتجاهل التحديات الداخلية للمجتمع الفرنسي وحقيقة تهميش المواطنين من ذوي الأصول العربية والمسلمة وانتشار نزعة التطرف نسبيّاً. فالأخوان كواشي كانا مواطنَين فرنسيَّي المولد ارتبطا لاحقاً بالقاعدة في اليمن. وقد شكّل الغزو الأميركي للعراق في 2003 نقطة تحوّل في حياتهما، أدّت في النهاية إلى أحداث "شارلي إيبدو" المروّعة.

لكن تفسير ما حصل على أنه عائد ببساطة إلى ماضي فرنسا الاستعماري، لا يشتّت التركيز على مشكلات الاندماج في المجتمعات الفرنسية وحسب، بل يضفي أيضاً على هؤلاء المتطرّفين صفة إيجابية باعتبارهم مقاتلين من أجل الحرية يناهضون الاستعمار ويقاومون الامبريالية. وفي طرح كهذا احتفاء ضمني وان غير مقصود بالعمل الإرهابي، يدعم جهود التجنيد التي يقوم بها مجاهدو "الدولة الإسلامية" والقاعدة، في وقتٍ تشهد البلدان العربية تصاعداً في التدخّل الأجنبي، بدءاً من مالي وصولاً إلى العراق.

أضِف إلى ذلك أن هذه الحجج تحجب حقيقة أن الضحايا الأساسيين لعمليات الجهاديين هم المسلمون الآخرون، بمَن فيهم صحافيون وناشطون من تونس واليمن والعراق وغيرها من الدول العربية. فإثنان من الذين قُتِلوا في جريمة "شارلي إيبدو" كانا جزائريّي الأصل، وهما المدقق اللغوي مصطفى أوراد والشرطي أحمد مرابط. وفي يوم الهجوم، أعلنت "الدولة الإسلامية" عن قتلها صحافيَّين تونسيَّين في ليبيا، كما انفجرت سيارة مفخّخة في اليمن موديةً بحياة العشرات، فيما قتلت مجموعة بوكو حرام زهاء 2000 شخص في نيجيريا، في هجوم وحشي تم في يوم واحد. هذا وأشارت دراسة أُجريَت أخيراً إلى أن ضحايا هجمات القاعدة من المسلمين يفوق ثماني مرات الضحايا غير المسلمين.

بالنسبة إلى الأوروبيين، لم يَعُد صحيحاً القول المألوف بأن الشبكات الإرهابية الدولية هي المحرّك الرئيس للإرهاب المحلي. فالتطرف الإيديولوجي والمشكلات الاجتماعية الداخلية تشكّل كلها جزءاً من الإجابة.

يتطلّب فهم هجوم "شارلي إيبدو"، الذي خرج من رحم المجتمع الفرنسي، والردّ عليه بفعالية، مراجعةً للسياسات الخارجية التي تساهم في تغذية الحركة الجهادية. ويتطلّب أيضاً تدقيقاً معمّقاً في السياسات المحلية التي أبقت مواطنين فرنسيين من خلفيات عرقية وإثنية محدّدة على هامش الحياة الاقتصادية والسياسية. كما يتطلّب ترجمة الدعوات المنادية بالوحدة الوطنية إلى سياسات فعّالة.

والآن، ومع دخول مسألة الإسلام، كثقافة وهوية، في صلب النقاشات الأوروبية الفكرية والسياسية والإيديولوجية، يبقى أن نعرف إلى أين سيسير الاتحاد الأوروبي بعد أحداث "شارلي إيبدو": إلى مزيدٍ من لعنة رُهاب الأجنبي والإسلام التي تقود مجدّداً إلى التطرف العنيف والفاشية، أو إلى تعزيز تراث عصرَي الأنوار والنهضة باتجاه خلق أوروبا أكثر تسامحاً وإنصافاً وقدرة على الاندماج والاعتراف بحقوق "الآخر".

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.