أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في الرابع من شباط/فبراير أنّه أحرق حيّاً الطيار الأردني معاذ الكساسبة الذي كان محتجزاً لديه بعد إسقاط طائرته بالقرب من الرقة في سورية. نُشِرت جريمة قتل هذا الطيار الشاب البالغ من العمر 26 عاماً عبر شريط فيديو بعنوان "شفاء الصدور"، في صورة مجازية تهدف إلى استرضاء المؤمنين. يُظهر هذا الشريط، على غرار الأشرطة التي سبقته، القدرات المرئية والمسموعة واستراتيجية التواصل الاستثنائية التي يتمتّع بها التنظيم. فالتفاصيل كلّها مدروسة بعناية فائقة؛ بدءاً بالإضاءة وتدرّج الألوان وضبط الصورة ونوعيّتها، مروراً بتقنية التصوير واعتمادها على اللقطات القريبة والبطيئة والمؤثِّرات الخاصة والتوليف، وصولاً إلى الترجمة والمؤثِّرات الصوتية. فلماذا إحراق الطيار؟ وما هو التبرير المنطقي لأفعال تبدو منافية جداً للمنطق؟

دالية غانم-يزبك
دالية غانم-يزبك باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط. تتمحْور أبحاثها حول العنف والتطرّف السياسيين، والتعصّب، والإسلاموية، والجهادية، مع تركيز خاص على الجزائر وعلى انخراط النساء في التنظيمات الجهادية.
More >

يُستهلّ هذا الشريط بمقتطفات من خطاب للملك الأردني عبد الله الثاني يدعو فيه الطيارين الأردنيّين إلى المشاركة في الغارات الجوية التي تشنّها قوات التحالف ضد الدولة الإسلامية في العراق وسورية. تتمحور الرواية حول مفردات تهدف إلى التعريف بالضحايا، وبالتالي إلى تبرير أعمال العنف التي تطاولهم. ولهذه الغاية، تُسبَغ الحجج المنطقية على هذه الأفعال. فالأردن، والحال هذه، في مرمى النيران لأنّ "طاغوتاً" يحكمه ولأنّه "دولة خائنة" و"مؤيدة للصليبيّين" الذين ساهم دعمهم في "زهق أرواح ما يناهز 20000 مسلم".

ثمّ تُعطى الكلمة تالياً إلى الرهينة معاذ الكساسبة. فبعد التعريف عن نفسه، يعرض الطيار الشاب تفاصيل عن مهمّته في سورية، والدول المشاركة، ونوع الأسلحة المستخدمة، بالإضافة إلى المطارات التي تستعملها الطائرات للتزوّد بالوقود. ثمّ يتوجّه الرهينة مباشرة إلى الشعب الأردني بالقول: "حكومتنا حكومة عميلة صهيونية. وإن كان صحيحاً أننا نريد الدفاع عن الإسلام، فلماذا لم نبعث طائراتنا إلى القوات النصيرية [...] أطالبكم بالكفّ عن إرسال أبنائكم إلى مثل هذا النوع من الطلعات ". إنّ الجهاديّين، وباعتمادهم على ضحاياهم لتبرير فعلتهم، إنّما يعزّزون عرضهم ويضفون شرعية أكبر على أفعالهم. فهم يضعون أنفسهم في خدمة الكلمة الإلهية التي تحدوهم لقتل "المرتدين" و"الطواغيت" و"النصيريين" (العلويين) و"الرافدين" (الشيعة)، ما يُعطي تبريراً دينياً لعملية القتل. هنا، تتعارض قناعات أفراد المجموعة مع الخارجين عنها، في خداع إسلامي يتلاشى فيه كلّ ما هو واقعي.

وفي المشهد التالي، يظهر الرهينة، باللباس البرتقالي الذي اشتُهِر به السجناء في غوانتاماو، وهو يسير وسط الدمار والحطام. وعلى وقع قرقعة الطائرات وصراخ الأطفال، تتسارع اللقطات التي تصوِّر أعمال القصف والأطفال المتفحِّمين والجثث التي وريت في الثرى. وهنا أيضاً، تسعى الدولة الإسلامية مجدداً عبر هذه الصور إلى تبرير مغالاتها في اللجوء إلى العنف، منطلقةً من موقع دفاعي. فهذا واجبها تجاه "الأمة" لضمان بقائها وبقاء "الدين الأوحد".

وفي السلسلة التالية من اللقطات، يظهر في الخلفية جهاديون بلباسهم العسكري الكاكي الموحّد وهم ملثمون ويحملون السلاح على الأكتاف، من دون أن تبدو أيديهم. يهدف هذا التجانس في اللباس إلى القضاء على الذاتية: لم يعودوا "واحداً"، بل انصهروا في "الجماعة" وتماهوا معها. يشير اللباس الموحَّد هنا إلى الولاء للجماعة، ويعزِّز اللحمة بين أفرادها، ويمهِّد السبيل على وجه الخصوص أمام العنف، ويهيِّئ الظروف للانتقال إلى مرحلة التنفيذ.

وفي اللقطة التالية، يظهر الرهينة، مطأطأ الرأس، في قفص بلباسه المبلِّل. أما الكاميرا فتقترب من الجلاّد (الذي يُصوَّر على أنّه أمير إحدى الكتائب التي قصفتها طائرات التحالف)، وبيده مشعل. وعند إضرامه النار فيه، تلاحق الكاميرا الشعلة وما يلبث أن يصدح نشيد "إليكم سنأتي بذبح وموت" الإسلامي. ترتدي أناشيد من هذا النوع أهمية رمزية كبيرة في عالم هذا التنظيم الصوتي. فهي تبعث إحساساً حقيقياً بالاغتباط، لا بل بالنشوة في نفوس الجهاديِّين ومعجبيهم. هي تحتفي بنشوء التنظيم، في حين أنّ الإصغاء إليها يحيي الشغف الذي يساور الفرد تجاه تنظيم الدولة الإسلامية. كذلك، تسهم هذه الأناشيد الدينية، بكلماتها، في التكييف على العنف.

أما اللقطة التالية فتركِّز على الشعلة التي تشقّ  طريقها سريعاً نحو قفص الضحية: يعلو صراخ الرهينة الذي يتلوّى. يُحتضر ببطء. يسقط أولاً على ركبتيه ثم يتهاوى إلى الخلف. يُصوَّر مقتل معاذ الكساسبة كما لو أنّه مهمّة "تطهير" إلهية. تكمن علّة وجود جهاديّي الدولة الإسلامية في "تطهير الأرض من الطواغيت" وتقديمهم ضحايا إلى الله، ذلك أنّ المنفِّذ يعتبر نفسه يد الله. تقضي النار على هذا "الآخر"، على هذا "العدو الخطير" الذي لامناص من قتله، كما شرح إبن تيمية بقوله: "فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي التَّمْثِيلِ الشَّائِعِ  [...] زَجْرٌ لَهُمْ عَنْ الْعُدْوَانِ، فَإِنَّهُ هُنَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ". هذه التضحية تكتسب دلالات أيضاً بالنسبة إلى الضحية التي تنتمي إلى الدين نفسه. يتشارك الجلاد والضحية هذه النقطة. ولعلّ هذه المشاركة هي أكثر ما يخيف الطيار الأردني وتزيد من صعوبة تحمّل هذا الفعل الذي سيلمّ به. وفي أقصى تعبير عن النكران المطلق لهذا الآخر، يُلقى وابل من الحصى على القفص بواسطة جرافة، وفي هذا نكران "للآخر" ولإنسانيّته وتعبير عن رغبة في محوه وسحقه والقضاء عليه.

ينتهي الشريط بدعوات إلى قتل الطيارين الأردنيّين المشاركين في التحالف، مع نشرٍ لصورهم ورتبهم وعناوينهم ووعدٍ بمكافأة قدرها 100 درهم من الذهب لكلّ من ينفّذ هذه المهمّة.

ومع أنّ هذا الشريط يختلف عن الأشرطة السابقة في طريقة قتل الضحية، إلاّ أنه يسعى إلى تحقيق الأغراض نفسها. فعبر هذا الشريط، تسعى الدولة الإسلامية إلى الإضاءة على قوّتها المطلقة وعزم الجهاديّين الموالين لها. هذا الشريط هو إظهار للقوة والرعب بغية دفع الشعوب إلى الضغط على حكوماتهم للانسحاب من التحالف. وفي موضع آخر من الشريط، يسعى التنظيم إلى تبرير لجوئه المغالى فيه إلى العنف وابتذاله بحجة أنّه يخدم هدفاً معنوياً سامياً، ألا وهو إقامة الخلافة.

ارتبط اسم تنظيم الدولة الإسلامية بهذه المغالاة في العنف التي شكّلت سبيلاً له لبناء سمعته وكسب الولاءات. من المؤكّد بما لا لبس فيه أنّ التنظيم سينحو إلى مزيد من العنف في الوقت الراهن. فإن أراد الحفاظ على سمعته ومنع الانشقاقات في صفوفه والاستمرار في احتكار الحركة الجهادية، من المرجّح أن يسعى إلى مضاعفة عمليات الاغتيال وتكثيفها، وربما ارتكاب مجازر بحق السكان المحليّين.

نشر هذا المقال المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية.