احتلّ التنظيم الذي أطلق على نفسه لقب الدولة الإسلامية مدينة الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، منذ حزيران/يونيو 2014. ومنذ ذلك الحين، يتدهور الوضع بالنسبة إلى سكان هذه المدينة المعزولة، حيث لاتحصل سوى على ساعتين إلى أربع ساعات من الماء والكهرباء في الأسبوع، كما تعاني من تعطّل شبكة الإنترنت وشبكات الهاتف المحمول. عوضاً عن ذلك، فقد أصبحت المدينة نقطة انطلاق لأعمال التطرّف التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية.

وبهدف محاربة هذه الجماعة السنّية المتطرّفة في العراق، إضافة إلى تنامي نزعة التشدّد المرتبطة بها في جميع أنحاء المنطقة، يطالب العديد من المحلّلين بانطلاق صحوة سنّية أخرى. فقد ساعدت عملية التعبئة السنّية خلال الحرب الأهلية في العراق بين العامين 2006 و2008، على إرغام تنظيم القاعدة في العراق على التواري، وسوف تحتاج الطائفة السنّية مرة أخرى إلى حشد مقاتليها وخوض معركة ضدّ عناصر تنظيم الدولة الإسلامية إذا ما أُريد استرداد الموصل.
 
بيد أن محاولة إطلاق "صحوة" جديدة تواجه تحدّيات خطيرة. فالسنّة لايثقون كثيراً في المؤسّسة السياسية العراقية. ويرجع عدم استعدادهم لحمل السلاح جزئياً إلى الإرث السلبي الذي تركته حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. غير أن تردّد السنّة ينبع أيضاً من بروز الميليشيات الشيعية، التي حشدت قواتها لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتعمل الآن في جميع أنحاء العراق من دون خوف من العقاب، في حين يخشى السنّة من تنامي نفوذ إيران في النزاع الحالي وفي أرجاء البلاد.
 
لقد اقترح مسؤولون عراقيون إنشاء حرس وطني، من شأنه إضفاء طابع مؤسّسي على القوات القبلية السنّية وتوحيدها. ويرى زعماء العشائر السنّية أيضاً في ذلك وسيلة لضمان أن توفّر قواتهم الأمن لمناطقهم، بدلاً من الميليشيات الشيعية أو القوات الكردية (البيشمركة). ذلك أن وجود حرس وطني عراقي سيساعد في معالجة مخاوف زعماء السنّة والشيعة، وهو يمثّل عنصراً أساسياً في أي استراتيجية فعّالة لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.

إرث المالكي

في المعركة التي خاضوها ضد تنظيم القاعدة في العراق، وضع سنّة العراق ثقتهم في المالكي، واختاروا دعم الزعيم الشيعي بدل دعم الجهات السياسية الفاعلة الأخرى مثل "جيش رجال الطريقة النقشبندية"، وهي جماعة بعثية صوفيّة من الموالين السابقين لصدام حسين.

إن أحد مفاتيح كسب دعم السنّة تمثّل في استهداف المالكي للمتطرّفين، الذين لم يتم تحديدهم من خلال طائفة، بل من خلال التشدّد الخارج عن القانون. هذه السياسة، التي جرى اتباعها بناءً على إلحاح من الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية في العراق، ومسؤولين أميركيين آخرين، زادت من ثقة السنّة في المالكي، لأنهم بدأوا يؤمنون بأن وجود عراق مؤسّسي يمكن أن يحميهم في الواقع من فظاعات الميليشيات الشيعية، كذلك من الجماعات السنّية المتطرّفة.
 
وفي ظلّ سياسة نزع السلاح، والتي تُمثِّل جزءاً من لغز الصحوة غالباً مايتم تجاهله، أطلق المالكي عدداً من العمليات العسكرية بدءاً من العام 2007. فقد قاتلت عمليات "فرض القانون"، على سبيل المثال، تنظيم القاعدة في العراق والميليشيات الشيعية في شوارع بغداد. ولعل الأهم من ذلك هو أن عملية "صولة الفرسان" نقلت المعركة ضد الميليشيات الشيعية إلى مستوى آخر، من خلال محاربتها في مناطق البصرة وجنوب العراق التي يهيمن عليها الشيعة. في ذلك الوقت، اشتهر "جيش المهدي" بزعامة مقتدى الصدر، وهو أكبر ميليشيا شيعية، بسوء السلوك بسبب عمليات قتل وتعذيب السنّة المروّعة التي مارسها في جميع أنحاء العراق. كما اتخذ المالكي، الذي كان هو نفسه في كثير من الأحيان على خلاف مع الصدر، رجل الدين الشيعي المتشدّد، سياسة ناجحة لطرد الميليشيات من العراق.

وماكان لقوات الصحوة السنّية الأصلية أن تنجح في تخليص الأراضي العراقية من تنظيم القاعدة في العراق، لولا هذه الاستراتيجية ذات المحورين التي استهدفت الميليشيات السنّية والشيعية على حدّ سواء. وقد أدخلت تلك المقاربة، في نهاية المطاف، البلاد في حقبة من الحكم الرشيد، حيث قامت القبائل السنّية في ظلّها بمحاولات لوضع ثقتها في المؤسّسة السياسية الجديدة في بغداد. وبرز المالكي، جرّاء هذه المعارك، كالرجل "المختار"، مدافعاً عن الحركة المناهضة للميليشيات. لابل إن المالكي أطلق اسم "دولة القانون" على كتلة تحالفه الانتخابي، في إشارة صريحة إلى العمل ضدّ المؤسّسات الخارجة عن القانون، السنّية والشيعية وغيرها.

إلا أن الممارسات الطائفية تسللت مرة أخرى بعد بضع سنوات إلى الحالة السياسية في بغداد. فقد خذل المالكي السنّة وتبنّى أسلوباً سلطوياً في الحكم ومفرطاً في المركزية، أدّى إلى تهميشهم. وعندما بدأ السنّة احتجاجاتهم في العام 2011 ضدّ ما اعتبروه عودة إلى الدكتاتورية، مستلهمين الربيع العربي، تم التعامل معهم على أنهم متمرّدون أجانب. فقد بدأ نظام المالكي بتعذيب السنّة وقتلهم بشكل منهجي. علاوة على ذلك، اكتسب ابنه أحمد سمعة سيئة من خلال عمليات استجواب السنّة وتوقيفهم بصورة غير قانونية في المنطقة الخضراء في بغداد. وبدأ السنّة في الإشارة إلى قوات الأمن العراقية، التي كانوا قد وضعوا ثقتهم فيها كجيش مؤسّسي عابر للأعراق، باعتبارها "جيش المالكي"، منادين إن هدفه هو تحقيق مصالح الشيعة على حسابهم.

وقد عزّز المالكي حكمه، الذي كان عنيفاً في الغالب، عبر التقرّب من "عصائب أهل الحق"، وهي جماعة منشقّة عن جيش المهدي، الذي كان قد حاربها من قبل. وبدأت العصائب، التي زعم الصدريون أنها تنبثق من أعتى مجموعة مرتدّة عن جيش رجل الدين السابق، بإرهاب السنّة. وخلال بضع سنوات، أنهى المالكي حقبة الحكم الرشيد وحطّم ثقة السنّة في مهدها.
 
واليوم، تبدو ثقة السنّة في المؤسّسة السياسية العراقية أقلّ مما كانت عليه خلال الاحتلال الأميركي، وغداة الصدمة الأولى لتغيير النظام الذي نقل السلطة من السنّة إلى الشيعة. ويعود ذلك في جزء منه إلى النهاية المفاجئة لحقبة الحكم الرشيد والتعاون بين السنّة والشيعة. فقد استخدم المالكي وبنجاح سياسة "فرّق تسد" لإذلال الزعماء السنّة الذين أولوه ثقتهم في أعقاب تشكيل قوات "الصحوة". أما الذين اختاروا عدم الانخراط مجدّداً مع بغداد آنذاك، مثل "جيش رجال الطريقة النقشبندية"، فقد أصبح نهجهم مشروعاً، وهم يتبنّون الآن موقفاً يقول للآخرين "سبق أن قلنا لكم ذلك".

يبدو انعدام ثقة السنّة جلياً في المناقشات الدائرة حول محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. وكما قال زعيم عشائري سنّي، "لماذا يُعتبَر المقاتلون السنّة إرهابيين وتُعتبَر القوى الشيعية قانونية؟"، هذا يقودنا إلى صلب المشكلة: يجب مواجهة المتطرّفين السنّة والشيعة على حدّ سواء، كما كانت عليه الحال خلال "الصحوة الأولى"، إذا ما أُريد للموصل والمناطق الأخرى أن تتحرّر من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

إن أزمة الثقة ذات شقّين. فالسنّة ليسوا على استعداد للقتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل إلى جانب الميليشيات الشيعية القوية المعادية للتنظيم التي تجوب العراق، كما أن الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة ليست على استعداد لإرسال أسلحة وأموال كافية إلى السنّة.

شكوك السنّة من الآتي

يمثّل زعماء العشائر السنّية مفتاح أي حلّ سياسي وعسكري يمكن أن يبدأ بالتعاطي مع مسألة تخليص العراق من تنظيم الدولة الإسلامية ومن مستوى التطرّف الذي ينذر بالخطر والذي كان مصاحباً له. فهؤلاء هم الأشخاص أنفسهم الذين ثاروا ضدّ تنظيم القاعدة في العراق خلال فترة "الصحوة" الأصلية بدعم من الولايات المتحدة والمالكي. واليوم، تشير المحادثات مع زعماء العشائر السنّية إلى أن الأغلبية الساحقة منهم يكرهون تنظيم الدولة الإسلامية، ويرفضون محاولاته الرامية إلى إقامة الخلافة، تماماً كما كانوا يكرهون تنظيم القاعدة في العراق.

ومع ذلك، فإن زعماء القبائل هؤلاء عالقون بين المطرقة والسندان. فقد منع تنظيم الدولة الإسلامية العديد من القبائل من حكم مناطقها، ومزّق هياكل تمثيلها التقليدية. كما أن تنامي التطرّف داخل المناطق التي يحتلّها تنظيم الدولة الإسلامية يشكّك في شرعيتهم كزعماء قبليين أو سياسيين.

ويبدو البديل سيئاً هو الآخر. فقد زادت إيران نفوذها ووجودها في هذه المناطق. وفاقمت التقارير عن وجود لوحات إعلانية في بغداد ومدن عراقية أخرى، تحمل صورة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي مع رسالة تقول "لن نهزم"، وزادت من الاستياء والقلق في أوساط السنّة. والواقع أن هذا يعقّد المبادرات الرامية إلى كسب مشاركة السنّة في محاولة استعادة السيطرة على الموصل.

يرتبط الوجود الإيراني إلى حدّ بعيد بالصعود السريع للميليشيات الشيعية. وتقدّر تقارير غير رسمية أن حوالى 60 إلى 90 ألفاً من المقاتلين حملوا السلاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وتتمتّع ألوية بدر، وهي ميليشيا شيعية مدعومة من إيران، بنفوذ كبير في الحكومة المركزية، لابل إن زعيمها، هادي العامري، كان مرشحاً لمنصب وزير الداخلية العراقي، قبل أن يعمل نائب الرئيس العراقي إبراهيم الجعفري في اللحظات الأخيرة على وقف هذا المسعى. ومع ذلك، تخضع الوزارة بشدّة إلى نفوذ إيران، حيث تم اعتبار وزير الداخلية محمد الغبّان على نطاق واسع حلّا وسطاً ضعيفاً لإتاحة المجال أمام العامري وطهران لمواصلة ممارسة سيطرتهم.

كما أسّست "كتائب حزب الله"، وهي ميليشيا أخرى مدعومة من إيران وترتبط بـحزب الله اللبناني، "سرايا الدفاع الشعبي" لحشد المتطوعين الشيعة العراقيين. وهي تسيطر الآن على مساحات من الأراضي في المناطق ذات الأغلبية السنّية في العراق، بما في ذلك بغداد وديالى وناحية آمرلي. كما أن ميليشيا "عصائب أهل الحق"، التي تحظى بدعم قوي من إيران والمالكي، قوية على نحو مماثل. وبالتالي تبدو بصمات إيران واضحة في كل أنحاء العراق، وتم التقاط صور لقاسم سليماني، قائد "فيلق القدس"، الوحدة الخاصة في الحرس الثوري الإيراني، في معارك مختلفة في كل أنحاء البلاد.

تثير هذه الميليشيات الشيعية العديد من الاشكالات فيما يخص إيجاد حلّ للأزمة العراقية. فتحت شعار محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، بدأت تلك الميليشيات برنامجاً واسع النطاق لاختطاف السنّة وابتزازهم وتعذيبهم وقتلهم، سواء بوجود أو عدم وجود دليل على صلات لهم بالجماعات المتطرّفة. وبسبب هذه الممارسات، فإنها تواجه ماوصفته منظمة العفو الدولية بأنه إفلات مطلق من العقاب، حيث تعمل وزارة الداخلية على تغطية جرائمها. في كثير من الحالات، يتضمّن ذلك إعداد قوائم رسمية بحالات الوفاة الناجمة عن التعذيب والإعدام باعتبارها "مشاكل صحية" في شهادات الوفاة.

لهذا، في حين يتقاسم العديد من زعماء العشائر السنّة مع الشيعة كراهية تنظيم الدولة الإسلامية، فإنهم متردّدون في الانضمام إلى المعركة لأنهم لايثقون في أن الآتي سيكون أفضل. فهم لايريدون شنّ الحرب وسفك دمائهم، لكي يروا سيطرة تنظيم الدولة على مناطقهم وقد استُبدِلَت بسيطرة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران أو قوات الأمن العراقية ذات النزعة الطائفية، والتي تتولّى وزارة الداخلية إدارتها جزئياً وتتمتّع بصلات قويّة مع طهران. وهم يطالبون بتوفير ضمانات لهم بمعالجة مشكلة الميليشيات، مثلما عالج المالكي مشكلة جيش المهدي في العام 2008. إذ لم يتم توفير مثل هذه الضمانات حتى الآن، والفكرة العامة لدى زعماء القبائل هي أن حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، التي تولّت السلطة في أيلول/سبتمبر 2014، أضعف من أن تتحدّى الميليشيات كما فعل المالكي.

وفقاً لما يقوله بعض السنّة من الموصل، أبلغ قادة تنظيم الدولة الإسلامية العراقيين في المدينة وأماكن أخرى أن الجماعة قد تعلّمت من أخطاء الماضي، وأنها تختلف عن تنظيم القاعدة في العراق. وهم يشيرون بذلك إلى عدم اهتمام تنظيم القاعدة في العراق بالزعماء العراقيين المحليين وتطبيقها الصارم للشريعة الإسلامية، وهي السياسات التي رفضها العراقيون السنّة إلى حدّ كبير.

ولعل الأهم من ذلك هو أن قادة الجماعة مابرحوا يقولون للسنّة من أهل الموصل أن تنظيم الدولة الإسلامية في نهاية المطاف أفضل من البديل الوحيد: إيران والشيعة. ويبدو أن زعماء القبائل باتوا يتقبّلون حجّة "أفضل السيئ"، ومن المستبعد أن ينخرطوا في القتال ضد قوات تنظيم الدولة الإسلامية ما لم يُقدَّم لهم سيناريو يبشّر بالخير أكثر.

وبالمثل، تبدّدت الثقة في قوات الأمن العراقية. إذ يتذكّر أبناء الموصل أن قوات الأمن العراقية لم تحاول وقف تقدّم تنظيم الدولة الإسلامية في المدينة. كما أن التقارير التي تتحدّث عن أن قوات الأمن العراقية سمحت للميليشيات الشيعية والقوات الخاصة العراقية بإعدام السنّة على مرأى منها، تزيد من تعقيد إمكانية انضمام السنّة إلى الشيعة في قوات "صحوة" جديدة.

لقد اشتكى السنّة في مقابلات أُجريَت معهم من أنه عندما تستهدف الميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية، فإن ذلك يكون عموماً بهدف حماية الجماعات الشيعية والحدود والمصالح الإيرانية. ويقول زعماء سنّة إنه تم الاهتمام بمنع تنظيم الدولة الإسلامية الناشئ من الظهور على الحدود مع إيران، أكثر من الاهتمام بتسليح مجموعات للقتال في الموصل. لابل إنه يُنظَر إلى الحملات الجوية الأميركية على أنها تدعم مواقف الشيعة. ونتيجة لذلك، يعتقد البعض أن الولايات المتحدة مهتمة فقط بتعزيز قوة الشيعة في بغداد، بدلاً من إحياء النهج الذي حقّق النجاح ضد تنظيم القاعدة في العراق.

وقد تم تقديم التمويل والأسلحة إلى زعماء السنّة مباشرة خلال فترة قوات "الصحوة" الأصلية، عندما كانت الولايات المتحدة على الأرض في العراق وتساعد في إدارة الحكومة المركزية، واليوم، يفضّل الكثيرون اتّباع النهج نفسه. غير أن السياسة الأميركية الحالية تقضي بإمداد السنّة بصورة غير مباشرة، من خلال إرسال الأسلحة والأموال إلى بغداد. ويشكو زعماء السنّة من أن حكومة العبادي لم توصل مثل هذه المساعدة، وأن ثقتهم في الحكومة الشيعية أقلّ منها في الولايات المتحدة لضمان إرسال هذا الدعم لهم.

نقص في التمويل والتجهيز

يمكن ملاحظة الجانب الآخر من أزمة الثقة في الحكومة المركزية في بغداد. فالنخبة الشيعية الحاكمة متردّدة في توفير الأسلحة والأموال للأطراف السياسية أو القبلية السنّية، لأنهم ليسوا على يقين من الوجهة التي ستؤول إليها المعونات، حيث يخشى الكثيرون من أن القادة السنّة سيعطونها إلى مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية أو يخسرونها في المواجهات معهم.

ويدرك السنّة جيداً أن الميليشيات الشيعية تحصل على رواتب وتجهيزات أفضل من قواتهم، وذلك بفضل طهران والحكومة المركزية في بغداد. فقد حصلت الميليشيات الشيعية على الأسلحة اللازمة، بما فيها بنادق M16 وبنادق "شتاينر" القنّاصة ذات التكنولوجيا المتقدمة. ونظراً إلى قوة هذه الميليشيات النسبية، ستكون هناك ضرورة لإدراجها في معركة استعادة السيطرة على الموصل، جنباً إلى جنب مع قوات البيشمركة الكردية.

إن تمويل القوى السنّية مهم لاستعادة الثقة وتعزيز الشركاء المحليين، الذين يمكنهم بعد ذلك البدء بالتفكير في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل وأماكن أخرى. وكما يرى زعماء العشائر السنّة، فإن الميليشيات الشيعية وقوات البيشمركة الكردية في العراق تتلقّى الأسلحة والتمويل والتدريب من المجتمع الدولي مباشرة بهدف صدّ تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن قبائلهم لاتزال تعتمد على بغداد، وبالتالي تعاني نقصاً في التمويل والتجهيز. ومن دون التغلّب على مسألة انعدام الثقة السياسية بين المعسكرين، ستظل استعادة السيطرة على الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية مسألة تشوبها الإشكالات.
 
في حين يتنافس السنّة والأكراد العراقيون في مناطق عدة من محافظة نينوى، التي تضمّ الموصل ومناطق أخرى من شمال العراق، على الأراضي والنفط، يُتوقَّع أن تلعب قوات البيشمركة التابعة إلى حكومة إقليم كردستان دوراً رئيساً في أي عملية لتحرير الموصل، لكن ثمّة نوع من الارتياب العام في أوساط السنّة من أن يستغلّ المقاتلون الأكراد الفرصة لتوسيع نطاق سلطتهم. كما أن بعض أبناء الموصل مفتونون بفكرة أن يصبحوا جزءاً من إقليم كردستان بسبب تجربته الأفضل في الاستقرار الداخلي، والتي تتناقض بصورة حادّة مع تجربة قطاع الأمن العراقي الفاشلة. بيد أن من المرجّح ألّا ترحّب غالبية سكان الموصل بإقامة قوات البيشمركة لفترة طويلة.

الحاجة إلى الحرس الوطني

يستعدّ مسؤولون عراقيون وأميركيون لمحاولة استعادة السيطرة على الموصل بحلول صيف العام 2015. ولكي ينجح مثل هذا الجهد، لابدّ من إعادة دمج القوات القبلية السنّية المحلية مع قوات الأمن العراقية. هذه الخطوة سوف توحّد القبائل السنّية، وهي الطرف الفاعل الوحيد القادر على قيادة هذه المناطق بصورة فعّالة، في ظل إطار مؤسّسي، وتضمن أن يتم تمويلها وتجهيزها بما يكفي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

إن رضوخ القبائل إلى تنظيم الدولة الإسلامية، في تحدٍّ واضح لحكومة بغداد غير الجديرة بالثقة، هو مايسهّل الأمور بالنسبة إلى هذا التنظيم في الموصل وغيرها من الأراضي التي يسيطر عليها. ذلك أن التخلّص من الفكرة العامة التي تقول بأن قوات الأمن العراقية هي مجرّد أداة شيعية، سيجعل السنّة يشعرون بأنهم أصحاب مصلحة في أمن العراق، ويقوّي عزيمتهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كما أن وضع القوات السنّية تحت قيادة قوات الأمن العراقية، سيوفّر بديلاً أكثر شرعية للاحتلال الخارجي الشيعي أو الكردي شبه العسكري البغيض لمناطقها. وعلى غرار قوات "الصحوة" الأصلية، فإن دمج القبائل في الجبهة المعادية لتنظيم الدولة بعد ذلك سيتيح لبغداد استخدام شركاء محليين لطرد المتطرّفين.
 
وقد اقترح مسؤولون عراقيون وأميركيون إنشاء حرس وطني جديد، لأن ذلك يمثّل أفضل وسيلة لإعطاء القبائل السنّية حصة في أمن العراق وحكمه، والتغلّب على أزمة الثقة في نهاية المطاف. وبموجب مشروع القانون الذي أقرّه مجلس الوزراء العراقي يوم 3 شباط/فبراير 2015، ستكون القوات المحلية، ضمن نظام لامركزي يكون فيه رئيس الوزراء باعتباره القائد العام، مسؤولة عن حماية محافظاتها حصراً. وستضم وحدات الحرس الوطني مقاتلين تدفع الحكومة المركزية رواتبهم ويعامَلون معاملة القوات المسلحة الشرعية ضمن قوات الأمن العراقية.

يُنظَر إلى هذا الخيار على نطاق واسع من منطلق روح سياسات بترايوس عند تشكيل أول قوة "صحوة" سنّية. فمن خلال إعطائها حصة وأسلحة وتمويلاً، ستكون القبائل أكثر استعداداً لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. والأهم من ذلك أن خوفها من دخول الميليشيات الشيعية أو البيشمركة الكردية إلى الموصل ومناطق سنّية أخرى سيتلاشى، لأن الحرس الوطني سيكون قادراً على توفير الأمن اللازم.

يوفّر الحرس الوطني العديد من المزايا الأخرى كذلك. فمن خلال إدماج كل الجماعات داخل المجتمع العراقي، سيساعد البلاد على الابتعاد عن الحالة الراهنة، التي لايتم التعاطي فيها إلا مع مخاوف الشيعة. ومن خلال توفير إطار مؤسّسي، سيجعل الحرس الوطني النخبة الشيعية الحاكمة أكثر طمأنينة تجاه إرسال الأسلحة والأموال للقبائل السنّية.

ومع ذلك، لاتزال التحدّيات تعصف بالحرس الوطني، أوّلها يأتي من داخل الطائفة السنّية، حيث يتوافق زعماء القبائل على مفهوم إنشاء الحرس الوطني، لكنهم يطرحون عشرات المقترحات المختلفة بشأن مسائل مثل مَن هم الأفراد الذين سيتم منحهم رتباً رفيعة داخل القوة الجديدة. ولذا يجب على القيادة السياسية السنّية أن تعمل على التوصّل إلى حلّ وسط بين هذه الأفكار والمعسكرات المتنافسة لإظهار جبهة واحدة في مواجهة بغداد.

ثمّة تحدٍّ آخر للحرس الوطني يتمثّل في مدى سيطرة العبادي على حكومته والعنف الذي تمارسه قوى تخضع إلى سلطة وزارة الداخلية. وعلى غرار استهداف المالكي لجيش المهدي خلال حقبة قوات "الصحوة" الأصلية، سيتعيّن على العبادي استعادة السيطرة من خلال تطهير قوات الأمن العراقية ودمج الميليشيات الشيعية فيها. هذا الحلّ الوسط ضروري لضمان أن تتمكّن الميليشيات الشيعية، وبرعاية قوات الأمن العراقية، من توفير الأمن في المناطق التي تعتبر فيها شرعية، وعدم التهديد بالدخول إلى المناطق السنّية التي ستواجه فيها مقاومة. وهذا من شأنه المساعدة في تهدئة القلق الذي انتاب زعماء العشائر السنّية بشأن ماسيحدث بمجرّد أن يهزموا تنظيم الدولة الإسلامية في الموصل. ومع ذلك، فإن الكثير من العراقيين، بمَن فيهم حنان الفتلاوي، وهي عضو في البرلمان، يشكّكون في قدرة رئيس الوزراء على الحدّ من انتشار الميليشيات الشيعية، التي لايتولّى قيادتها، في المحافظات السنّية.

يرجع جزء كبير من الأزمة الإنسانية في العراق إلى المآسي التي تَلَت غزو تنظيم الدولة الإسلامية للموصل في حزيران/يونيو 2014. والمشكلة القائمة اليوم تتمثّل في أن العناصر اللازمة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، أي القبائل السنّية العراقية من المنطقة، ليست واثقة من أن التضحية بدماء أبنائها ستوفّر لها مستقبلاً خالياً من ظلم الشيعة. لذا يمكن للعراقيين أن يستخلصوا العبر من "الصحوة" الأولى، ويوجدوا أساليب كفيلة بإعادة حقبة الحكم الرشيد في العراق التي لم تَدُم طويلاً.