أثارت قرارات البنك المركزى المصرى الأخيرة بتخفيض سعر صرف الجنيه فى أسبوعين تقريبا من ٧١٥ قرشا للدولار الأمريكى إلى ٧.63 قرش الكثير من المخاوف والتساؤلات، فهذه هى المرة الأولى التى يتم فيها اتخاذ خطوات متتالية ومتقاربة إلى هذا الحد بتخفيض الجنيه فى مواجهة الدولار منذ ٢٠١١، ما أدى لإثارة المخاوف من انهيار العملة الوطنية وما يترتب على هذا من إطلاق عنان التضخم، خاصة أن مصر مستورد صاف للنفط ومستورد صاف للغذاء، ومن ثم فمتوقع أن ينعكس انخفاض سعر الجنيه على شرائح اجتماعية واسعة، بالإضافة إلى أن القسم الغالب من الواردات المصرية هو من مدخلات الإنتاج من مواد خام وسلع أولية ووسيطة ورأسمالية ما قد يؤدى لرفع الأسعار عامة.

فهل كان انخفاض الجنيه على هذا النحو نتيجة ربما حتمية لانخفاض الاحتياطيات الدولارية مع غياب معونات خليجية كبيرة فى السنة المالية الجارية، خلافا للعام الماضى؟ أم أن هذه خطوات محسوبة تتعلق بمحاولات المركزى تنشيط الاقتصاد المصرى وتهيئة مناخ الاستثمار قبيل مؤتمر مارس المقبل، والمعول عليه كثيرا من جانب الحكومة لجذب رءوس أموال ضخمة تجر الاقتصاد المصرى من تباطئه الشديد منذ ٢٠١١؟

يبدو أن قرار المركزى بتخفيض سعر صرف الجنيه قد أتى فى هذا التوقيت وبهذه الوتيرة استباقا لمؤتمر مارس بغرض تخفيض مخاطر تحويل العملة، خاصة وأن المؤسسات المالية العالمية تعتبر أن قيمة الجنيه مبالغ فيها وأن تخفيض ما يلزم منذ فترة طويلة، كما أن تخفيض سعر الصرف على هذا النحو المفاجئ والكبير نسبيا (حوالى ٦.٤٪) يأتى لضرب السوق السوداء، وهو ما ظهرت آثاره فى الأيام القليلة الماضية فى عدم صعود سعر الدولار فى السوق السوداء وتقاربه مع السعر الرسمى، خاصة مع قرار تخفيض سقف الإيداع اليومى من الدولار فى البنوك، وكلها إجراءات تستهدف توفير سيولة دولارية فى المصارف ومن ثم فى السوق الرسمية، ومن ثم الدفع بجهود إعادة توحيد سعر الصرف الفعلى مرة أخرى، ويضاف لهذا وذاك أن قرار التخفيض قبيل مؤتمر مارس يأتى استجابة لتوصيات المؤسسات المالية العالمية، وخاصة صندوق النقد الدولى، وهو ما يتماشى مع عودة تصدر هذه المؤسسات لمشهد السياسات المالية والنقدية فى مصر عشية المؤتمر فى إشارة إلى استقرار سياسات الحكومة الاقتصادية الكلية، وتماهيها مع التصورات الليبرالية التى تطرحها المؤسستان كاحتواء العجز فى الموازنة من خلال إجراءات تقشفية وتخفيض التضخم وسعر الصرف، وكلها تصب فى نهاية المطاف فى إضفاء قدر من الثقة واليقين على سياسات الحكومة المستقبلية أمام المستثمرين الأجانب.

تفيد النظرية الاقتصادية الكلاسيكية أن تخفيض سعر الصرف من شأنه أن يحفز الصادرات ويحسن من وضع الميزان التجارى بالحد من الواردات، وهى أمور قد تنطبق على الحالة المصرية وقد لا تنطبق ذلك أنه من غير الواضح ما إذا كانت الصادرات المصرية تتمتع بالمرونة اللازمة للتوسع والاستفادة من الميزة التنافسية التى يمنحها تخفيض سعر الصرف، خاصة أن نحو نصف الصادرات المصرية من المواد الخام البترولية، وهذه تشهد انخفاضا مع انخفاض أسعار البترول العالمية. صحيح أن الصادرات المصرية فى أعقاب تعويم الجنيه فى ٢٠٠٣ قد شهدت ارتفاعا كبيرا فى الفترة بين ٢٠٠٤ و٢٠١٠ بحيث نمت الصادرات الصناعية بمقدار ٢٠٪ تقريبا سنويا، ولكن من الصعب الحكم بأن تعويم الجنيه قد كان هو العنصر الفاصل خاصة وأن ثمة عناصر أخرى كانت قائمة على رأسها سياسات دعم الصادرات والوضع الاقتصادى العالمى الأفضل قبل الأزمة المالية فى نهاية ٢٠٠٨.

ويضاف لهذا أن ارتفاع أسعار الواردات قد يقلل من فرص التعافى الاقتصادى لأنها سترفع من تكلفة مدخلات الإنتاج، وإن كانت ستفتح الباب أمام المنتجات المحلية فى الوقت نفسه للمنافسة بشكل أفضل مع المنتجات المستوردة على أساس السعر، وفى المقابل فإن انطلاق الاقتصاد المصرى نحو التعافى قد يزيد من الطلب على الدولار الأمريكى وبالتالى يضاعف من مشكلة السوق السوداء فى حال لم تشهد الاحتياطيات من النقد الأجنبى زيادة تمكن البنك المركزى من ضخ ما يكفى من الدولارات لدعم سعر الصرف الجديد فى إطار النظام المتبع والمعروف باسم التعويم المدار .

يظل هناك عنصران رئيسيان متصلان بأثر قرارات تخفيض الجنيه الأخيرة الأول منهما هو فرص نجاح مؤتمر مارس فى إطلاق عملية جذب لرءوس أموال استثمارية فى المدى المتوسط ما يفتح السبيل أمام استعادة النمو والتشغيل من ناحية، وزيادة الاحتياطيات النقدية الدولارية وتحسين وضع ميزان المدفوعات من ناحية أخرى، وهو أمر ينبغى الانتظار للحكم عليه كونه يرتهن بمجمل الوضع السياسى والأمنى فى مصر، وقدرة الحكومة على متابعة تبنى الإصلاحات التشريعية والاقتصادية التى يراها رأس المال الأجنبى محل جذب ودليل على الالتزام بتهيئة المناخ اللازم للاستثمار.

وأما العنصر الثانى فهو قدرة السياسات الاجتماعية على امتصاص الأثر التضخمى لتخفيض سعر الصرف والتقليل من آثاره على الفئات والشرائح الاجتماعية الفقيرة أو المعرضة للإفقار، ولا يكون هذا إلا من خلال التوسع فى دعم الغذاء وإعادة هيكلة دعم الوقود بما يكفل بالفعل التقليل من مخاطر خفض مستويات المعيشة للقاعدة العريضة من الطبقات المتوسطة والفقيرة فى الريف والمدن، خاصة وأنه بالتخفيض الأخير فى سعر الجنيه يكون الجنيه المصرى قد فقد حوالى ٢٩٪ من قيمته منذ مطلع ٢٠١١، وهى نسبة ولا شك معتبرة وذات أثر.

تم نشر هذا المقال في الشروق.