بعد مرور أربع سنوات على اندلاع موجة الاحتجاج الشعبي في المغرب وصلت حركة 20 فبراير التي قادت الحراك إلى مرحلة الأفول رغم أن الفضل يرجع إليها في إعطاء دينامكية للحقل السياسي سنة 2011.

إن الاستجابة المبكرة للحراك الشعبي التي أبداها النظام المغربي مقارنة بتعثرات الحركة ساهمت في سحب البساط من تحت أرجل الحركة . لقد تحقق فشل الحراك الشعبي بفعل تضافر عومل متعددة، منها ما يرتبط بطبيعة حركة 20 فبراير في حد ذاتها، ومنها ما يرتبط بخصوصية النظام المغربي. فمقابل صلابة النظام الداخلية وما ترتب عنها من قدرة على الأخذ بزمام المبادرة، كانت حركة 20 فبراير أسيرة هشاشتها التنظيمية والسياسية التي تجلت سواء في عدم قدرتها على تدبير الخلافات الإيديولوجية بين مكوناتها، أو في الصراع على الزعامة، مما شل قدرتها على إنضاج مبادرة سياسية تدفع بها نحو الأمام.

تمثل حركة 20 فبراير النسخة المغربية من الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت المنطقة العربية سنة 2011 في إطار ما سمي آنذاك بالربيع العربي. وقد ساهمت الحركة في خلق دينامكية دالة في المغرب، دفعت النظام الملكي إلى المبادرة بإصلاحات سياسية من قبيل تعديل الدستور وإجراء انتخابات برلمانية سابقة لأوانها والتي ساهمت النتائج المترتبة عنها – من قبيل قيادة عبد الإله بنكيران زعيم حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية الائتلاف الحكومي – في تسريع وتيرة انهيار حركة 20 فبراير.

الديناميكية الداخلية للحركة منذ انطلاقة الاحتجاجات في مدن وبوادي المملكة يوم الأحد 20 فبراير 2011 (وهو سبب تسمية الحركة بهذا الإسم) كانت الحركة تحفر قبرها بيدها بسبب افتقادها للرؤية والهدف وعدم قدرتها إنتاج النخب التي تتمتع بالمصداقية والبصيرة لقيادة الحراك، وهو ما سهل على الدولة تفجيرها من الداخل من دون خسائر تذكر. لقد برزت خلافات إيديولوجية وسياسية بين تيارات الحركة المختلفة منذ نشأتها، وهو ما شكل نقطة ضعفها الأساسية. فتأسيس حركة 20 فبراير نفسه تم من خلال أربع أرضيات تأسيسية مختلفة الأهداف والوسائل، تقدمت بها مجموعات شبابية مختلفة نجحت واحدة منها في لفت الأضواء بسبب الدعم الذي لقيته من طرف اليسار الراديكالي وبعض الجمعيات الحقوقية المعروفة بميولها اليسارية (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان)، وهو ما دفع بعض المؤسسين للانسحاب أو التواري للوراء.

كان الانقسام بين الإسلاميين والعلمانيين بالفعل أحد العناصر التي سرعت في إضعاف الحركة، إلا أنه لم يكن الأساسي، فعنصر الإنقسام الأساسي كان بين التيار الراديكالي والمعتدل. فقد كان الراديكاليون إسلاميين وعلمانيين يطمحون في تلك الفترة إلى استثمار الفرصة السياسية التي أتاحها الربيع العربي لرفع سقف مطالبه، والدعوة إلى إحداث تغييرات جذرية في النظام، بما فيها تغيير النظام الملكي. وقد تمثل التيار الراديكالي ضمن الحركة في كل من حزب النهج الديمقراطي (يسار جذري)، وجماعة العدل والإحسان (إسلام سياسي-صوفي).

فرغم الاختلاف الجذري في مواقفهما الإديولوجية، والصراعات القديمة منذ أيام الجامعة بداية التسعينات، إلا أن تقاربا موضوعيا حصل نتيجة تلاقي مصالحهما في مواجهة “المخزن”. ولكن سرعان ما تجدد الصراع الإيديولوجي مرة أخرى مما عجل بخروج جماعة العدل والإحسان من الحركة.

في المقابل من ذلك، دعا التيار المعتدل إلى استثمار الفرصة السياسية من أجل القيام بإصلاحات جوهرية في النظام القائم، من دون الدعوة إلى اسقاطه، حيث تم تبني مطلب الملكية البرلمانية (أو الملكية الدستورية) (النموذج البريطاني أو الإسباني) كنموذج يحتذى به. سياسات النظام لعب النظام على التناقضات الداخلية التي كانت تنخر الحركة منذ البداية وعمل على تفجيرها. فقد ساهمت سياسات الدولة في إفشال الحركة ودق آخر إسفين في نعشها في أقل من سنة من انطلاقها.

وقد اعتمدت لتحقيق ذلك ثلاث استراتيجيات: – إضعاف الحركة من الداخل: عبر اعتماد اسلوبين. الأول مرتبط تفجير التناقضات الداخلية للحركة بين التيار الراديكالي والمعتدل وتأجيج الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين من جهة. والثاني من خلال نزع المصداقية عن الحركة عبر استهداف قيادات الحركة بحملات تشويه مستغلة في ذلك بعض المزالق المسلكية لبعضها. – عزلها عن النخب والمجتمع العام: هذه العملية تمت عبر استقطاب النخب المحلية والدخول في تحالفات معها وعزل الحركة عن الوسطاء الاجتماعيين الممكن استمالتهم لصالحها. فقد قامت الدولة بتعبئة النخب السياسية والمحلية عبر وسطاء القصر أو الدولة.

كما استجابت الدولة لمطالب النقابات العمالية برفع الحد الأدنى من الأجور للعمال في القطاع العام والخاص، رغم العبئ الذي يكلفه على الميزانية العامة، إلا أن خوفها من التحاق النقابات بالحراك الشعبي دفع الدولة إلى الإستدانة من البنك الدولي بفوائد عالية لشراء السلم الإجتماعي. – تسويق مبادرات الدولة: لقد كان للمبادرات الملكية في تلك الفترة دور كبير في امتصاص الغضب الشعبي. فالخطاب الرسمي لم يأخذ طابعا صداميا مع حركة الإحتجاج الشعبي وإنما تبنى موقف المبادرة الإيجابية وقدم ردودا عملية على مطالب الشارع.

فبعد أقل من شهر من انطلاق الإحتجاجات السياسية قدم العاهل المغربي محمد السادس خارطة طريق ألقى معالمها في خطاب 9 مارس 2011. كما أن تسارع مبادرات النظام خلال صيف 2011، من مثل تسريع عملية المراجعة الدستورية، تنظيم انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، فتح الإعلام العمومي أمام معارضين للنظام، التسامح مع الإحتجاجات القطاعية مع قمع مخفف لبعض الإحتجاجات… ساهمت في نزع فتيل التوتر وعبئت النظام برصيد إضافي من المشروعية. خلاصة القول أن النظام طور ميكانيزمات أكثر فعالية لشل حركة 20 فبراير في مراحل مبكرة من نشأتها، وأن غريزة البقاء تمنحه قدرات هائلة على المناورة والفعل لا تمتلكها المعارضة الحديثة التسيس التي تجسدها الحركة.

تم نشر هذا المقال على موقع اليوم 24.