الإرهاب العنيف والمُتصاعد الذي يمارسه تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، جعل كثيرين يركّزون أساساً على المنحى العسكري لهذا التنظيم. هذا علاوة على أن ردّ التحالف الدولي الذي تشكّل لمقاتلة "داعش" كان أيضاً عسكرياً بحتاً، ولم يتضمّن بُعداً سياسياً أو اجتماعياً. وكل ذلك يهدّد بحرف الانتباه عن أن "داعش" ليس من ضمنه فقط العناصر ذات الطموحات السلطوية، إضافة إلى المقاتلين المتشددين، بل أيضاً أولئك الذين عانوا من المظالم، وفي أحوال كثيرة أولئك الذين يتغلبهم اليأس.

ولذا، ومهما كان حجم التهديد الذي يفرضه هذا التنظيم ومعه بقية الحركات المتطرفة، يتعيّن علينا ألا ننسى البُعد الإنساني لهذه المسألة، لأنه يتضمّن في تضاعيفه المفتاح الرئيس لمنازلتها والتصدّي لها.

سنحت لي الفرصة أخيراً لأتجاذب أطراف الحديث مع عدد من المواطنين السوريين الذين عاشوا تجربة مباشرة في كنف "الدولة الإسلامية"، واكتشفت أن ثمة تأسّياً وتفجّعاً واسعَين بينهم حيال صعود "داعش" في سياق النزاع السوري. صحيح أن التنظيم يضمّ في صفوفه بالفعل أنصاراً متشدديين يؤمنون بحزم ويقين بإيديولوجيته وأهدافه السياسية، إلا أن كثرة من السوريين داخل حدود "خلافته" المُعلَنة ذاتياً وخارجها تعتبر وجوده حصيلة مباشرة لفشل المعارضة السورية وكذلك المجتمع الدولي في إنقاذ سورية من طغيان بشار الأسد. وتبعاً لذلك، يشعر كثيرون بأنهم مضطرون إلى تحمُّل وجوده وسيطرته، لكن لو يُمنَح هؤلاء حقّ الخيار لما تردّدوا في رفض هذا الوجود.

في غضون السنوات الأربع الماضية، كان ثمة تحوُّل متواصل من جانب المقاتلين السوريين نحو "داعش". كثيرون من هؤلاء بدأوا نشاطهم العسكري في إطار ميليشيات صغيرة كانت تقاتل نظام الأسد، وبعضهم ارتبط لاحقاً بـ "الجيش السوري الحر" حين تأسس غداة انشقاق ضباط كبار عن النظام. لكن بعد أن فشل هذا "الجيش" في تحقيق أهدافه ووعوده، أساساً بسبب الافتقار إلى التنظيم من جانب المعارضة السورية ونقص الدعم المناسب من الغرب، هجره كثيرون من مقاتليه وانضمّوا إلى "جبهة النصرة"، ذراع "القاعدة" في سورية، التي غدت قبل نهاية العام 2013 أقوى فصيل يقاتل نظام الأسد ميدانياً. لكن مع تواصل الصراع الطاحن ومع تصاعد جمهرة الناس الذين يعانون الأمريّن على يدي النظام، باتت نزعة الانتقام تغشى ماعداها بين كثيرين من السوريين. وفي الوقت نفسه، ومع تمدّد الصراع وانتشاره في أنحاء سورية كلها، برز أمراء الحرب الذين استظلّ كثير منهم بالمعارضة السورية ولكن أيضاً بالنظام، وبدأوا في السطو على ممتلكات الناس، وفرضوا عليهم خوات كيفما اتفق، كما أحكموا سيطرتهم على إمدادات المواد الغذائية.

أفاد مؤسّسو "الدولة الإسلامية" من تظلّمات الناس في ما يتعلّق بالمعارضة والنظام، ووفّروا للسوريين تنظيماً وعد بشفاء غليلهم من خلال تطرّف فاق تطرّف "القاعدة"، لكن الناس اعتبروه أقل وحشية من نظام الأسد. فعلى رغم كل المجازر التي ارتكبها التنظيم، إلا أنه لم يمارس القتل الجماعي على النطاق نفسه كنظام الأسد. كما أن الغالبية الساحقة من ضحايا الصراع السوري لقوا حتفهم على يد النظام ومرتزقته لا على يد "داعش". لذا، نما التنظيم وشكّل تحدّياً لـ "جبهة النصرة" وأصبح أغنى منظمة إرهابية في العالم.

لكن توصيف "الدولة الإسلامية" على أنه تنظيم "إرهابي" بحت أمرٌ يثير إشكالات لأنه يسلط الضوء على بُعد واحد فقط للتنظيم. لقد تَمثّل عامل الجذب الأساسي لمن أعلنوا ولاءهم لـ "الدولة الإسلامية" أو ظنوا على الأقل أنهم وجدوا فيه بديلاً أفضل من النظام والمعارضة، في أن "الدولة الإسلامية" قدّم نفسه على أنه رافع لواء "العدالة".

ورغم وحشيته، نجح التنظيم في فرض نوع من الاستقرار في المناطق الخاضعة لنفوذه، ما نال قبول أولئك الذين كانوا يعيشون إما في فوضى الحرب أو في ظل سلطوية نظام لم يكن بالمستطاع التنبّؤ بكيفية تعاطيه مع ممتلكات المواطنين. ففي عزّ حكم الأسد، إذا سُرِقَت سيارة أحد ما، كان استرداد السيارة رهناً بما إذا كانت للسارق علاقات مع النظام، وإذا كانت لضحية السرقة علاقات جيدة أم لا. أما في ظل "داعش"، فإذا واجه أحدهم مشكلة مماثلة، يمكنه الاعتماد على محاكم الشريعة التي أنشاها التنظيم لضمان حقوق الملكية من دون الحاجة إلى "الواسطة" (العلاقات الشخصية).

وبغض النظر عن أن "الدولة الإسلامية" يقمع حرية الناس في التعبير، وأن محاكمه غير منصفة في أكثرية المسائل، إلا أن التنظيم استخدم حقوق الملكية لبناء سمعة له بأنه "عادل". هكذا، استغل التنظيم الطريقة التي تنقل من خلالها الحربُ والسلطوية همومَ الناس من القيم الرفيعة المستوى إلى الحاجات الأساسية، حتى تصبح العدالة مرتبطة بالأمور المادية عوضاً عن الكرامة الإنسانية.

استغلّ "داعش" أيضاً العوز الاقتصادي لجذب الناس إلى صفوفه. فعلى سبيل المثال، يقدّم "المجلس الدنماركي للاجئين" حوالى 50 دولاراً شهريّاً إلى كل لاجئ سوري في جنوب تركيا يقدَّر أنه في حاجة إلى مساعدة. مقارنةً بذلك، يقدّم "الدولة الإسلامية" إلى المقاتلين السوريين رواتب شهرية لاتقلّ عن 300 دولار، إضافةً إلى 50 دولاراً عن كل طفل ومخصّصات أخرى للزوجات والسكن تفوق ماتقدّمه أي مجموعة أخرى إلى أعضائها، بما في ذلك النظام و "الجيش السوري الحر" و "جبهة النصرة". وهكذا، بالنسبة إلى الذين قضت الحرب على أرزاقهم، يمكن للوعد بالحصول على دعمٍ اقتصاديٍّ مهمٍّ أن يدفعهم إلى وضع مبادئهم جانباً لإطعام أولادهم.

لكن أكان ذلك توقاً إلى الاستقرار أم سبيلاً إلى كسب الرزق، فلا يعني أن كل مَن يعيشون في ظلّ حكم "الدولة الإسلامية" يتّفقون مع مبادئه (أو غياب المبادئ لديه)، أو هم راضون عن وضعهم. فمن يمتلكون خصوصاً معرفة معمّقة في الإسلام ينتقدون طريقة تفسير التنظيم للدين. والواقع أن خرّيجي جامعة الأزهر كافة تقريباً تركوا المناطق التي يسيطر عليها "الدولة الإسلامية" (أو قُتِلوا)، لأن التنظيم لايسمح لأيّ كان، ماعدا قادته، أن يتولّى "الاجتهاد". وحتى لو كانت حقوق الملكية محفوظة، اكتشف الناس بسرعة أنه لا يمكن توقّع طريقة تصرّف "الدولة الإسلامية" مع قواعده الشعبية في ما يتعلّق بمعظم المسائل. فأُجبِر الناس على قبول مقايضة: إما الأمن والنظام في مايتعلّق بالجرائم الصغيرة، وإلا الفوضى واللااستقرار.

وفي غياب القوانين المكتوبة، يستحيل على مَن يعيش في ظلّ حكم "الدولة الإسلامية" أن يعرف بالتأكيد ما هو مسموح وما هو غير مسموح. وعدم اليقين يولّد القلق، ما يدفع الناس إلى الحذر وعدم المخاطرة خوفاً على حياتهم. فالطريقة الوحيدة ليبقى الناس على قيد الحياة في هذا الوضع المربك والمعقّد هي أن يبتعدوا عن التفكير النقدي وألا يلفتوا الأنظار إليهم.

في غياب معارضة سورية قوية لمحاربة "الدولة الإسلامية" وإستراتيجية فعلية من جانب التحالف الدولي للقضاء على التنظيم، يتوق الذين يتحمّلون العيش في ظل "الدولة الإسلامية" إلى الخلاص، إلا أنهم لا يستطيعون التمرّد على التنظيم لأنهم يفتقرون إلى الوسائل للقيام بذلك. وهكذا، كلما مرّ الوقت أصبح هؤلاء أكثر رضوخاً، ما يصبّ في مصلحة "الدولة الإسلامية". أما السبيل إلى تحقيق تقدّم، فيكمن في التخلّي عن استراتيجية الغارات الجوية للتحالف الدولي ضد المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم، إذ إنها تسفر عن مقتل كثيرين من المدنيين الذين يكرهون في الواقع "الدولة الإسلامية".

عوضاً عن ذلك، لابد من وضع خطة لتوفير بديلٍ سياسيٍّ للناس يعالج التظلّمات إزاء النظام، والاستياء من الفساد، والحرمان الاقتصادي. فالتحالف الدولي لايمكن أن يدّعي حقاً أنه يقاتل "الدولة الإسلامية" بفعالية، إلا إذا اعتمد استراتيجية عسكرية شاملة تقترن بخطة اجتماعية - سياسية ترتكز إلى الحوكمة الرشيدة، وتولي البُعد الإنساني للصراع السوري اهتماماً.

هذه نسخة معدّلة من مقال نشر أصلاً في الحياة.