في عام 2010، نشر غيديون روز، رئيس تحرير مجلة «فورين أفيرز»، كتاباً بعنوان «كيف تنتهي الحروب» How Wars End، أرّخ فيه حروباً متتاليةً انخرطت فيها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام، وأظهر كيف أسفرت أخطاء السياسة الخارجية الأميركية في كل حالةٍ عن وصول تلك الحروب إلى نهايات فوضوية. وعزا روز تكرار الولايات المتحدة الأخطاء نفسها جزئياً إلى عاملَين: العامل الأول هو مركزية الأنا المتنامية والثقة المفرطة، اللتان دفعتا الولايات المتحدة إلى الانخراط في سلوك عسكري أصبح خطيراً بشكل مفرط، والعامل الثاني هو غياب القيود الداخلية والخارجية عن هذا السلوك.

إذا نظرنا إلى سورية اليوم بعد أربع سنوات على اندلاع الصراع، يصبح جلياً أن عدداً من الأطراف المعنية في الصراع السوري ترتكب الأخطاء نفسها التي حذّر منها روز، الأمر الذي تترتّب عليه عواقب مدمّرة. والمثير للاهتمام هو أن إصرار الولايات المتحدة على عدم تكرار أخطاء الماضي دفع الصراع السوري، في نهاية المطاف، إلى مصيرٍ مماثلٍ لمصير الحروب السابقة التي شهدت تدخّلاً أميركياً فوضوياً.

وفقاً لروز، تأتي مركزية الأنا المتنامية، في سياق حربٍ ما، نتيجة المغالاة في الطموح، ما يؤدّي إلى الانخراط في حروبٍ من دون خطة طويلة الأمد لوضع نهايات لها. وعندما يسفر هذا السلوك عن نتائج عسكرية، يقود إلى تكرار السلوك نفسه في حروب مستقبلية استناداً إلى أن هذه الصيغة هي صيغة ناجحة. لذا، تصبح الكيانات السياسية واثقة بشكل مفرط وتُجازِف أكثر من دون أن تنتبه كما يجب إلى خصوصيات ظروف كل حرب. كما تدفع الأنا المتنامية الكيانات السياسية إلى تجاهل النقد الداخلي، والإصغاء فقط إلى الأصوات التي تثبت صحة سلوكها. هذا الأمر يتفاقم في الحالات التي تكون فيها الكيانات السياسية قد لجمت أو تجاهلت اللاعبين الخارجيين الذين كان يمكن أن يبقوا سلوكَ هذه الكيانات تحت السيطرة.

يمكن أن يدفع تقاطع هذه العوامل الكيانات السياسية إلى الانخراط في أفعالٍ ترتدّ عليها. ويشير روز في كتابه إلى حربَي العراق وأفغانستان منذ عام 2003 بوصفهما آخر مثالَين يظهران كيف أن الأنا وغياب القيود الخارجية للقوة العظمى الوحيدة في العالم تشابكا ليسفرا عن محصلات كارثية للبلدان التي تشهد الحروب وللولايات المتحدة على حدٍّ سواء.

كتاب غيديون روز ملائم أيضاً في سياق الصراع السوري الراهن، لأن فكرته الأساسية تسلّط الضوء على حالات عدة من الثقة المفرطة والقوة غير المقيدة لدى عدد من الأطراف المعنية في الصراع، أدّت إلى نتائج سلبية بالنسبة إلى هذه الأطراف والى سورية على السواء. أما الآن وقد دخل الصراع في سورية عامه الخامس، فقد تحوّل من انتفاضة شعبية بسيطة ضد نظام سلطوي، إلى حرب من أكثر الحروب دموية وتعقيداً في التاريخ الحديث للشرق الأوسط.

طيلة هذا المسار، شهد الصراع حالات متتالية ومتداخلة من المبالغة في تقدير القوة بلا قيود. ففي الأيام الأولى للانتفاضة، غالى كلٌّ من إيران ونظام الأسد في تقدير مدى قوتهما في مواجهة المعارضة السورية. وبدافعٍ من خبرة إيران في سحق الحركة الشعبية الإيرانية الخضراء في العام 2009، وخبرة حافظ الأسد في سحق «الإخوان المسلمين» في حماة في عام 1982، استخدم الحليفان القوة المفرطة لمحاولة قمع الثورة السورية. بيد أن قوة الناشطين السلميين كانت لافتة، إذ استطاعوا إبقاء الثورة سلميةً لأشهر عدة.

هذا الأمر دفع النظام إلى محاولة تكتيكٍ مختلفٍ لسحق المعارضة. فأطلق الأسد سراح عدد من السجناء «الجهاديين» في محاولة لتشويه الطابع غير العنيف للثورة. فهو قدّر أنه سيتمكّن من سحق هؤلاء «الجهاديين» باكراً حالما يقتنع العالم أنه يدافع حقاً عن سورية ضد هجوم المتطرفين العنيفين. لكن سرعان ما تبيّن أن هذا كان سوء تقدير، وأدّى إلى صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) الذي تحدّى النظام.

وحتى عندما بدأ تنظيم «داعش» بالتوسّع بسرعة في سورية، اعتقد الأسد أنه سيتمكّن من سحقه في نهاية المطاف. فتركه النظام يتنامى إذ اعتُبِرَ أداةً مناسبةً لاستئصال المعارضة المعتدلة. لكنه أدرك اليوم أنه لن يستطيع القضاء على هذا التنظيم وحده، وأصبح بالتالي معتمداً على رعاة الأسد الخارجيين – روسيا وإيران و»حزب الله» – من أجل البقاء. وهكذا، أصبح الصراع السوري معركة وجودية للنظام على حساب سورية نفسها.

لكن رعاة الأسد أنفسهم بالغوا أيضاً في تقدير قوتهم. فقد ظنّ كلٌّ من إيران وروسيا و»حزب الله» أن أموالهم وأسلحتهم ومقاتليهم سيسحقون «الجيش السوري الحر» والمجموعات السنيّة «الجهادية» الكثيرة التي ظهرت في سورية طوال فترة الصراع. كان هذا الأمر سوء تقدير آخر أسفر عن تكبيد الرعاة الأجانب خسائر كبيرة، ما أدّى بدوره إلى اعتمادهم على المرتزقة لدعمهم في المعركة.

اليوم، أصبح وجود المرتزقة السوريين، مثل «قوات الدفاع الوطني» (ميليشيات المواطنين التي يدعمها النظام) والمرتزقة الأجانب من أفغانستان وغيرها، لا غنى عنه للنظام وحلفائه. لكن قبضة الأسد وإيران وروسيا على هؤلاء المرتزقة بدأت تضعف، بعد ظهور أمراء حرب بينهم لديهم طموحاتهم وأجنداتهم المستقلة الخاصة. وعند انقشاع الغبار، يُرجَّح أن يستمر هؤلاء المرتزقة في إثارة عدم الاستقرار في سورية.

السنيّة «الجهادية» في سورية ناجمة أيضاً عن حسابات خاطئة من جانب اللاعبين الإقليميين المعارضين للأسد. فقد بالغ اللاعبون الخليجيون وتركيا في تقدير نجاح «الجهاديين» المحتمل في إطاحة نظام الأسد، كما أنهم دعموا أو سهّلوا إنشاء خلايا «جهادية»، ظنّاً منهم أن هذه هي الطريقة الأسرع لإضعاف الأسد. لكن النظام السوري أثبت أنه أكثر قدرة على الصمود، ما أدّى إلى تصعيد العنف الممارَس من قبل الأسد و»الجهاديين» في آن.

بات الناشطون السلميّون على حافة الانقراض، إذ اقتصر وجودهم على جيوب المقاومة السلمية المستمرة في سورية حتى يومنا هذا، بيد أنها أصبحت، للأسف، تشكّل استثناء في ديناميكيات النزاع. في غضون ذلك، بات «الجهاديون» مثل «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» يشكّلون تهديداً لـ «الجيش السوري الحر»، الذي أصبح يحاربهم إلى جانب محاربته نظام الأسد، ما أسفر عن إضعافه.

لكن حتى المجموعات «الجهادية» قامت بحسابات خاطئة. فقد بالغ تنظيم «داعش» في تقدير قوته في مواجهة نظام الأسد، إذ لم يهاجم الجيشَ السوري خلال الفترة الأولى من التوسّع لأنه ظن أن بإمكانه مواجهته متى أراد ذلك. لكن، حين هاجم النظام تنظيمَ «داعش» في أعقاب التقدّم الذي أحرزه هذا الأخير في الموصل في حزيران (يونيو) 2014، وقف التنظيم عاجزاً عن سحق الجيش السوري. كذلك، ظن تنظيم «داعش» أن نجاحاته العسكرية ضد «جبهة النصرة» ستُبعِد هذا الخصم الأساسي، إلا أن «جبهة النصرة» تشهد مجدّداً صعوداً في سورية، وتشكّل تحدّياً جديّاً للنظام و»الجيش السوري الحر» و»داعش» وسائر «الجهاديين».

عند النظر إلى الحسابات الخاطئة المتداخلة، يبدو جليّاً أن الأمر المشترك بين اللاعبين جميعاً، على الرغم من خصوماتهم، يتمثّل في السمات التي ذكرها روز: مركزية الأنا المتنامية والثقة المفرطة وضعف القيود الداخلية والخارجية. ليست السمتان الأُوليان مفاجئتَين، لأن كل هؤلاء اللاعبين هم في الواقع كيانات طموحة وسلطوية لا تقبل المعارضة الداخلية.

و»المجتمع الدولي»، سواء كان الولايات المتحدة والدول الأوروبية أو الأمم المتحدة، هو الذي كان يمكن أن يشكّل قيداً خارجيّاً لسلطة هؤلاء اللاعبين. لكن الصراع السوري اتسم بتقاعس وجمود ملحوظين للكيانات التي كان يمكنها أن تؤدّي دوراً في تغيير مسار الصراع، والأهم من ذلك في منعه من أن يصبح صراعاً في الأساس. يُعزى جزء من هذا التقاعس إلى أخطاء الحرب السابقة، التي دفعت اللاعبين الدوليين إلى الحرص على تجنّب التورّط في أزمة أخرى في الشرق الأوسط، على الرغم من أن ديناميكيات الانتفاضة السورية كانت مختلفة عن ديناميكيات العراق وأفغانستان خلال «الحرب على الإرهاب»، ومختلفة أيضاً عن ديناميكيات ليبيا خلال انتفاضة عام 2011.

بعبارةٍ أخرى، إن مجرّد حصول هذا الأمر في الشرق الأوسط لا يعني أن السياق لا يختلف باختلاف الزمان والمكان. فأخطاء العراق وأفغانستان وليبيا لم تكن نتيجة ارتباط هذه الدول بالشرق الأوسط تحديداً، بل نتيجة مزيج من سياسات تفتقر إلى بُعد النظر، ومن الثقة المفرطة والقوة بلا قيود. ومجرّد أن التحرك الدولي أدى إلى كارثة في حالات معينة لا يعني أن الطريقة الصحيحة للتعاطي مع الحالات المقبلة هي من خلال عدم التحرك. فقد فاقم عدم التحرك الصراع السوري، ودفع الغرب في نهاية المطاف إلى خوض حرب معقّدة من دون وضع خطة طويلة الأمد لإنهائها.

عاد أسوأ كابوس لدى الغرب ليطارده مجدّداً. فبدل استخلاص العبر من الماضي، يكرّر المجتمع الدولي في حالة سورية الأخطاء السابقة عن غير قصد، ويدفع كلٌّ من سورية والغرب غالياً ثمن التدخّل وعدم التدخّل. وما تصريح جون كيري بضرورة التفاوض مع الأسد في نهاية المطاف إلا أهم الأثمان التي تدفعها سورية نتيجة قصر النظر الأميركي.

تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة.